التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كارثة فكرية بقلم إدوارد سعيد الحياة 1 سبتمبر 1999 استخرجها ديب سيك مع تصويباتي

 

·         يستمر في الولايات المتحدة وأوروبا ذلك الهوس العدائي الغربي بالإسلام. في الآونة الأخيرة أصدر الكاتب التربندي الأصل، البريطاني الجنسية حالياً. في. اس. نايبول مؤلفاً ضخماً عن رحلاته إلى أربع من دول العالم الإسلامي، كلها غير عربية. عنوان الكتاب ما بعد الإيمان رحلات اسلامية بين الشعوب المعتنقة، وهو يشكل متابعة لكتابه بين المؤمنين: رحلة اسلامية الذي أصدره قبل 18 سنة عن زيارة قام بها آنذاك للدول نفسها. خلال الفترة ما بين الإصدارين أصبح في. اس. نايبول السير في. اس. نايبول المؤلف الواسع الشهيرة، وأيضاً، كما يجب أن نقول، الغزير الموهبة، الذي وطدت رواياته وكتاباته الأخرى (أكثرها من ادب الرحلات) مكانته كأحد أهم الشخصيات في الأدب العالمي. ويبلغ من شهرته، على سبيل المثال، أننا نجد الترجمة الفرنسية لما بعد الإيمان، حتى في واجهات مخازن سونيا ريكييل الفخمة في شارع سان جرمان في باريس، معروضة بين الشالات والأحزمة وشنطات اليد. أنه ولا شك نوع من التقدير لنا، رغم أنه قد لا يسره كثيراً. من الجهة الأخرى اهتمت كبريات الصحف الأمريكية والبريطانية بمراجعة الكتاب والاشادة به كعمل من استاذ عظيم في فن الملاحظة الدقيقة والتفصيل المعبر، يلبي في شكل خاص ذلك النهم العميق لدى القارئ الغربي لتعريفه وفضح الإسلام. وإذا لا يمكن أحداً اليوم أن يؤلف كتاباً مشابهاً عن المسيحية أو اليهودية، فإن الإسلام لا يزال يعتبر "صيداً حلالا"، مهما كان تواضع معلومات "الخبير" المفترض عن الموضوع وجهله اللغات اللازمة لنتناوله.

لكن نابيول حالة خاصة. إنه ليس من محترفي الاستشراق أو متقصدي الإثارة، بل شخص من العالم الثالث يوجه رسالته عن تلك المناطق التي قرأها لنا أن نفترض أنهم من الليبراليين الغربيين المحبطين، الذين لا يملكون سماع أسوأ ما يمكن عن أساطير ذلك العالم، أي حركات التحرر الوطني، والاهداف الثورية، وشروط الكولونيالية، كلها في نظر نايبول ما لا يفسر الوضع المزري لدول أفريقيا وأسيا، التي تغرق في بحر من الفقر والعجز وتعاني من سوء هضم أفكار غربية مثل التصنيع والتحديث. انهم أولئك الناس، كما يقول نايبول في واحد من كتبه، الذين يعرفون استعمال الهاتف لكن ليس ابتكاره. ويمكن الآن في الغرب الاستشهاد بنايبول كشخصية نموذجية من العالم الثالث. فقد ولد في ترينيداد لعائلة هندية تنتمي إلى الطائفة الهندوسية، ونزح إلى بريطانيا في الخمسينات وأصبح من طليعة النخبة الثقافية، ويأتي اسمه دوماً عند الكلام عن مرشحين محتملين لجائزة نوبل. من هنا، كما يرون، لا بد من الثقة بشهادته عن العالم الثالث. وكما كتب أحد مراجعي مؤلفاته في 1979، فهو يقدم شهادته "من دون أي وهم رومانسي عن التفوق الأخلاقي للأقوام البدائية، ومن دون أي وهم رومانسي أو الحنين إلى الكولونيالية".

مع ذلك فحتى نايبول يعتبر أن الإسلام من بين المشاكل الأسوأ التي يعاني منها العالم الثالث. وقال اخيراً، متأثراً ربما بأصله الهندوسي، أن الكارثة العظمى التي شوهدت تاريخ الهند كانت دخول الإسلام إليها. ويختلف عن غالبية المؤلفين في أنه لم يقدم بزيارة واحدة بل زيارتين إلى عالم الإسلام لكي يتفق من كرهه العميق لذلك الدين وأهله وأفكاره. المفارقة أنه يهدي "ما بعد الإيمان" الى زوجته المسلمة نادرة، من دون إشارة الى افكارها ومشاعرها. ويبين كتابة الأول له لم يتعلم شيئاً عن الإسلام، بل إن مشاهداته ولقاءته لم تزد على أن تبرهن له على آرائه المسيئة. لكن تبرهن على ماذا؟ على أن العودة إلى الإسلام تمثل نوعاً من «الانذال» والارتداد عن الواقع. وسيله شخص في ماليزيا: «ما الغاية من كتاباتك؟ هل تريد إخبار الناس عن حقيقة الأمور؟» ويجب: «نعم، اعتقد أن الهدف هو الفهم». ويعود السائل: «ليس الهدف هو المال؟» الجواب: «نعم، لكن طبيعة العمل مهمة». هذا فهو يتفق بين المسلمين ويكتب عن ذلك، ويتسلم مبالغ محترمة من الناشر والمجالات التي تنشر مقتطفات من كتبه، مدفوعاً بأهمية العمل وليس حباً به. ويروي له المسلمون قصصهم، ويدونها باعتبارها أمثلة على طبيعة الإسلام. ليس في الكتاب إلا أقل من القليل من المتعة أو التعاطف. المقاطع الساخرة في الكتاب الأول جاءت كلها ضد المسلمين، الذين يعتبرهم قراء نايبول الأميركيون والبريطانيون أجانب مضحكين، أو متشددين أهاليهم محتملين لا يستطيعون التهجي أو التفكير المنطقي أو الحوار السليم مع الغربيين الريفي التحضر. وهكذا، فكلما كشف المسلمون نقاط ضعفهم «الاسلامية» سارع نايبول، ذلك الشاهد العالم الثاني المعتمد، إلى تسجيلها وتوجيهها إلى الغرب. على سبيل المثال، ما أن يعبر أبرزها عن العزلة من الغرب حتى يوضح نايبول: «إنه تخبط شعب له حضارة قروسطية عالية يستيقظ على عالم النفط والمال، ويتضارب لديه شعور بالقوة من جهة والانتهاك من الثانية، ويدرك أن هناك حضارة جديدة عظيمة تحيط به (الغرب). ولا بد من رفضها، لكن في الوقت نفسه الانتقال عليها».

عليها أن تذكر هذه الجملة ونصف الجملة، لأنها مقولة نايبول الرئيسية التي ينطلق منها لخطاب العالم: الغرب هو عالم المعرفة والتقدير والتقنية والمؤسسات الفاعلة، فيما يعاني الإسلام من الإحباط والغضب والتأخر والاتكال، ويرى أمامه قوة جديدة لا يعرف كيف يسيطر عليها. الغرب يقدم الخير إلى الإسلام من الخارج، لأن الحياة التي جاءت إلى الإسلام لم تأت من داخله. وهكذا، في جملة واحدة، يختزل نايبول حياة بليون مسلم، ويلقي بها جانباً. علة الإسلام الأصلية كما يرى تكمن في «بدايته» أنها العملة التي سرت في تاريخ الإسلام، وهي أنه لم يقدم حالاً سياسياً أو عملياً للقضايا السياسية التي أثارها. أنه لم يقدم سوى الأيمان، ولم يقدم سوى النبي، الذي كان سيعطي كل الحلول، إلا أنه توفي. هذا الإسلام السياسي هو ليس سوى الغضب والفوضى. إن كل الأمثلة التي يقدمها نايبول، كل الأشخاص الذين التقى، هم من القائلين بالتقنية بين الإسلام والغرب، وهي النقيضة التي افترضها أصلاً وصمم على ان يراها في كل مكان. من هنا فالكتاب الأول في النهاية مضجر مليء بالكرار.

     لكن بماذا يعود بعد نحو عشرين ليقدم كتاباً ثانياً يضارع الأول في الإطالة والإملاء؟ السبب الوحيد الذي أجده هو أنه يعتقد أن لديه نظرة جديدة مهمة إلى الإسلام. تتخلص هذه النظرة في أن الإسلام دين العرب، وكل مسلم غير عربي فهو مجرد «معتنق»، للدين. من هنا فإن جميع هؤلاء المعتنقين، أي الماليزيين والباكستانيين والايرانيين والاندونيسيين وغيرهم، يعانون من فقدان الهوية الأصلية أو كتبها. أي أن الإسلام ديانة وافدة تعزلهم عن تقليدهم وتتركهم في حال دائم من الدين بين. ويحاول نايبول في كتابه الحديد توثيق مصير «المعتقدين» الذين خسروا ماضيهم ولم يقدم لهم دينهم الجديد سوى الضياع والمزيد من التعبئة، وأيضاً (من منظور الغربيين) المزيد من الكفاءة المخصصة - كل ذلك نتيجة تحولهم إلى الإسلام. أذا وافقنا على هذا المنطق السخيف يمكن أن تقول إن الكاثوليكية لا تصلح إلا لسكان روما، ونعتبر أن كل من عداهم من الكاثوليك، أي الإيطاليين خارج روما والاسبان والأميركيين اللاتيني والفيليبينيين... الخ، مقطوع عن تاريخه وتقاليده. كما ان جميع الانغليكانيين خارج إنكلترا من «المعتنقين» ولذا، فمثلهم مثل المسلمين من غير العرب، ليس أمامهم سوى اللاجدوى وتقليد الغير.

    يقع "ما بعد الإيمان"، في اربعة صفحة، تقوم كلها على هذه «النظرة» الغنية والمهنية. السؤال هنا ليس عن صحة أو خطأ الفكرة، وانما عن كيف أمكن لرجل بذكاء وموهبة نايبول تأليف كتاب على هذه الدرجة من الحمق والإملال، يكرر إلى ما لا نهاية قصصاً تعبر عن فكرة سقيمة هي أن غالبية المسلمين هي من الذين انقطعوا عن تاريخهم باعتناق الإسلام وكتب عليهم، تبعاً لذلك، مواجهة مصير واحد متشابه. هذه النظرة تطرح جانباً التاريخ والسياسة والفلسفة والجغرافيا: المسلمون من غير العرب متحولون عن هويتهم وليس لهم إلا أن يعيشوا تاريخاً مريحاً.

ما أراه هو أن نايبول في مرحلة ما من حياته، تعرض لحادث فكري خطير. وأن هوسه العدائي بالإسلام أدى به في شكل ما إلى التوقف عن التفكير، أو إلى ما يشبه الانتحار الفكري الذي يجبره على تكرار المقولة نفسها إلى ما لا نهاية. أنها ما اعتبره كارثة فكرية كبرى فقد فيها نايبول الكثير من قدراته. إذ اصبحت كتابته مكرورة مضجرة، وضاعت مواهبه، ولم يعد قادراً على التفكير السلبي. أنه الآن يعتاش على سمعته، التي توهم مراجعتي كتبه انهم لا يزالون أمام كاتب عظيم، فيما الحقيقة انه ليس الآن سوى شيخ ذلك الكاتب. المؤسف أكثر ان كتابه الأخير عن الإسلام سيعتبر تقوياً رئيسياً لديانة عظيمة، وسيؤدي ذلك إلى المزيد من الأذى للمسلمين، والى المزيد من التوسع والتعميق للهوية بينهم وبين الغرب. ولن يستفيد أحد شيئاً سوى الناشرين الذين سيبيعون الكثير من الكتب، ونايبول نفسه الذي سيحصل على الكثير من المال.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب منهج البحث التاريخي للدكتور د. حسن عثمان

الطبعة: الرابعة. الناشر: دار المعارف بالقاهرة (تاريخ بدون). عدد صفحات الكتاب: 219 صفحة من القطع المتوسط. إعداد: مازن صلاح المطبقاني في 6 ذو القعدة 1407هـ 2 يوليه 1987م بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة : يتحدث فيها المؤلف عن معنى التاريخ، وهل هو علم أم فن، ثم يوضح أهمية دراسة التاريخ وبعض صفات المؤرخ وملامح منهج البحث التاريخي. معنى التاريخ: يرى بعض الكتاب أن التاريخ يشمل على المعلومات التي يمكن معرفتها عن نشأة الكون بما يحويه من أجرام وكواكب ومنها الأرض، وما جرى على سطحها من حوادث الإنسان. ومثال على هذا ما فعله ويلز في كتابه "موجز تاريخ العالم". وهناك رأي آخر وهو أن التاريخ يقتصر على بحث واستقصاء حوادث الماضي، أي كل ما يتعلق بالإنسان منذ بدأ يترك آثاره على الصخر والأرض.       وكلمة تاريخ أو تأريخ وتوريخ تعنى في اللغة العربية الإعلام بالوقت، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته ودقته الذي ينتهي إليه زمنه، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة. وهو فن يبحث عن وقائع الزمن من ناحية التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحواله الم...

رسالة إلى الشيخ محمد الصالح رمضان واستشارة علمية

    أستاذي الجليل الشيخ محمد الصالح رمضان    حفظه الله ورعاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فهذه أول رسالة أكتبها إليكم بعد لقائنا الذي تم قبل أربع سنوات تقريباً حين كنت أجمع المادة العلمية لبحثي حول الدور الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين لقد أكرمني الله بإنجاز البحث وإهداء نسخة منه إليكم، وأرجو ان تكون قد نالت رضاكم فكم كان بودي أن أسمع وأيكم في ذلك العمل. أستاذي الكريم         لما وجدت أن ما لدينا من كتابات حول الجزائر قليلة بل نادرة، عزمت بعون الله أن أقدم ترجمة للشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في سلسلة أعلام المسلمين التي تنشرها دار القلم بدمشق. وكما تعلمون فالكتابات عن حياة ابين باديس رحمه الله كثيرة في الجزائر، ولكن شخصيته المتعددة الجوانب والثرية تشجع دائماً على الكتابة عنها.        أمّا سؤالي فهو: ما هي الجوانب التي ترون أنه لم يتطرق إليها البحث بصبوره موسعة؟ وما هي الإضافات التي يمكن أن نتحدث عنها؟ أرجو أن تحدثوني عن نشاطاته رحمه الله، وعلاقاته بأفراد المجتمع الجزائري ا...

حوار مع المستشرق برنارد لويس

               عندما شرعت في إعداد بحث الدكتوراه حول منهج المستشرق برنارد لويس كان لا بد من الإعداد للقائه، وقد زرته في مكتبه في جامعة برنستون التي كان قد تقاعد منها ولكنه كان يحتفظ بمكتب فخم كبير. وأجريت معه لقاءً مطولاً قدمت له فيه عدة أسئلة فأجاب عنها وسجلتها في آلة التسجيل ثم نسخت المادة وبعثتها إليه لتوثيقها. وتأخر كثيراً في توثيق الحوار وفي الأخير أرسل الحوار مطبوعاً كله ومعه رسالة اعتذار يبدي فيها أسفه للتأخر في الرد ولو لم أزعجه بالتعقيب لما اعتذر.        وفيما يأتي الأسئلة وإجابات لويس ثم تعليقي على الإجابات. وعلى الرغم من أنني ناقشت تلك الإجابات في طيات رسالتي للدكتوراه لكني هنا جمعت تلك التعليقات في مكان واحد. الأسئلة والإجابات:        لهذا الحوار قصة طريفة، فقد سبقه مراسلات بين الباحث والمستشرق، وقد اتسم رد لويس بالتردد والممانعة. كما إنه كال التهم جزافاً للباحثين والمؤرخين في دول العالم (غير الحر) من حيث عدم تمتعهم بما يتمتع به الباحثون في (العالم الحر) من حرية الرأي، وأن بح...