السبت، 28 فبراير، 2015

قضية مطروحة للنقاش عزوف الشباب عن قراءة كتب التراث


نعم يعزف الشباب عن التراث؛ حينما يتولى منابر التوجيه في عالمنا-اليوم-أمثال كمال أبو ديب!!
نحن لا نهتم بالتراث الاهتمام الكافي!!
يقول الدكتور مازن صلاح مطبقاني؛ الأستاذ المساعد في كلية الدعوة في فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في المدينة المنورة، والكاتب المعروف:
*وجه إلي أخي العزيز الدكتور محمد يعقوب تركستاني سؤالا حول عزوف الشباب عن الاهتمام بكتب التراث. وحين فكرت في الإجابة تذكرت قصاصة تحمل إجابة لكاتب حداثي؛ هو (كمال أبو ديب) الذي يعمل أستاذاً للأدب العربي بجامعة لندن حول هذا السؤال. وكان هذا في فقرة ثقافة وفن بهذه الصحيفة العدد 11324 الصادر في 21 شوال 1414هـ.
حيث قال فيه: "أعتقد أن التراث قائم في حياتنا في وضع متزن، أما حين يتجاوز الأمر ذلك ليصبح هما شاغلا فإن ذلك يمثل حالة مرضية تماما، والخطورة في مثل هذه الحالة أن التراث يصبح ألعوبة؛ بمعنى أن كل ذي مرض يريد أن يبحث له عن شفاء له فيما يسميه التراث؛ والمشكلة الأساسية هي أن التراث ليس متجانسا، نحن لا نملك تراثا كاملا لأنه مليء بالإشكاليات والمشكلات والتناقضات...".
فهل نحن حقا نهتم بالتراث الاهتمام الكافي، أو أن اهتمامنا حقا متزن، كما يزعم (أبو ديب)؟
ولكن مالم يوضحه (أبو ديب) ما يقصده بالتراث؟ وكيف توصل إلى أن اهتمامنا بالتراث في وضع متزن؟ ثم لماذا تكون العودة للتراث حالة مرضية؟
ولعل الإجابة عن سؤال الدكتور التركستاني تكمن في الأفكار التي سيطرت على كثير من أساتذة الجامعات، الذين درسوا في الغرب؛ فامتلأت عقولهم بالشكوك حول التراث الاسلامي؛ حتى كانت قمة الشك فيما كتبه (طه حسين) وأمثاله.
لاشك أن تراث هذه الامة لا يخلو من مشكلات وتناقضات؛ لأن الذين أنتجوه بشر يخطئون ويصيبون؛ ولكن هل يمكن لأمة تعيش بالقرآن، والسنة، وسيرة الخلفاء الراشدين، قرونا أن نعمم على تراثها هذه الاوصاف السلبية، التي تنفر منه.
لقد كانت الأمة الإسلامية كما قال الشيخ محمد الغزالي هي العالم الأول قرونا عديدة لا ينازعها في مكانتها أحد؛ فلابد أن يكون في تراثها صفحات كثيرة مليئة بالكنوز الفكرية.
نعم يعزف الشباب عن التراث؛ حينما يتولى منابر التوجيه أمثال (كمال أبو ديب) فقد درست التاريخ الاسلامي أربع سنوات لم يطلب أستاذ واحد من الطلاب أن يقرأوا صفحة واحدة من (تاريخ الطبري) أو (ابن كثير) وحتى السيرة النبوية لم ندرسها من خلال (سيرة ابن هشام) أو من كتب الحديث؛ بل درسناها من كتب حديثة لا تصور السيرة إلا من خلال الغزوات؛ التي لم يزد الحديث فيها عن المواجهة العسكرية. أما الدروس والعبر والتشريع الذي جاء في هذه المغازي فلم يكن له أثر!!
وبدأت الدراسات العليا، وكانت مادة علم التأريخ؛ ولم يطلب الأستاذ قراءة أي كتاب في هذا المجال من كتب التراث؛ بل كان الأهم عند الأستاذ ما قاله (هرنشو) و (سبينوزا) و (ادوارد كار) وغيرهم.
كنت أتوقع أن نقرأ ما قاله (السخاوي) في كتابه (الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التأريخ) أو ما كتبه (ابن خلدون) في (المقدمة) وغيرهما.
إن أهمية التراث؛ وبخاصة الذي يمثل الفكر الإسلامي الصحيح، تأتي -أولا-من الفهم العميق للإسلام؛ الذي حين تعرض للتيارات الفكرية الوافدة كان الأقوى. نعرف كما يقول الدكتور يوسف عز الدين كيف يرفض ما يناقض الإسلام، وأخذ الحكمة أنى وجدها. وله ميزة اخرى أنه كتب بأقلام تعتز بالإسلام لا تكتب مدافعة أو مبررة؛ بل كتبت من منطلق الاعتزاز بالإسلام وقيمه.
وأحب أن أقدم فيما يأتي تجربة طريفة قمت بها في أثناء تدريس مادة مدخل إلى النظم الإسلامية؛ حيث كلفت الطلاب بالعودة إلى مجموعة من كتب التراث في مجال السياسة والاقتصاد و الإدارة والتربية والتعليم ؛ ومن هذه الكتب (الأحكام السلطانية) للماوردي، و(غياث الامم) للجويني، و (الأموال) لأبي عبيد، و(صبح الأعشى) للقلقشندي، و(المقدمة) لابن خلدون، وغيرها من كتب التراث؛ ولم أكلف الطلاب أكثر من تدوين اسم الكتاب كاملا، ومحققه، ومعلومات النشر، ثم تقديم فكرة موجزة عن المؤلف و الكتاب، ونصحت لهم أن يقرأوا مقدمة المحقق ومقدمة المؤلف.
 وجدت استجابة طيبة؛ أرجو أن تليها تجارب أخرى في العودة إلى التراث. أما مزاعم (أبو ديب) وأضرابه بأن الاهتمام الزائد بالتراث حالة مرضية؛ لأنهم يرون أن التراث يفضح كل أصحاب الدعوات الهدامة؛ الذين انتصرت عليهم الأمة قديما؛ وهي –بإذن الله – منتصرة عليهم حديثا، وهاهي معارض الكتب تشهد للكتاب التراثي وتفوقه، وانحسار الحداثية والحداثيين وهزيمتهم!!

الخميس 14 من شهر محرم 1415هـ -الموافق 23 يونيو 1994م – المدينة المنورة – العدد 11406        

الغرب والحركات الإسلامية


جاءني صحافي شاب اطلع على بعض كتاباتي المتواضعة عن الاستشراق والتنصير ومعه مجموعة من الأسئلة يريد إجراء لقاء صحافي في إحدى صحفنا المحلية، فنصحته أن يبحث له عن فنان او لاعب كرة، أو كاتب من الذين تحتفي بهم تلك الصحف التي يتعاون معها هذا الصحافي ولكنه أصر على تقديم الأسئلة وطلب إليّ الإجابة عنها وأضاف بأنه يريد الإجابة بإسهاب. وأحمد الله عز وجل أن مكنني من الكتابة في الموضوعات التي طلبها. ومضى الشهر والشهران واللقاء لا ينشر فهل أضيع جهد هذا الصحافي وجهدي؟
لذا قررت أن أجعل من موضوعات أسئلته مقالات لهذه الزاوية، والصحافي الشاب هو الأخ (الابن) اسماعيل فتح الله. وكان أحد أسئلته: لماذا يهتم الغرب بدراسة أحوال الجماعات الإسلامية؟
وكانت الاجابة:
ان اهتمام الغرب بدراسة الجماعات الإسلامية يعود إلى حركات التحرر التي ظهرت في العالم الإسلامي ضد الاحتلال الأوروبي حيث أن الذين قادوا الجهاد هم الجماعات الإسلامية، ولعل من أقدم الكتب التي صدرت في هذا المجال كتاب (وجهة العالم الإسلامي) الذي ألفه المستشرق هاملتون جب وآخرون حيث ركزوا فيه على الجماعات الإسلامية التي عملت على الدعوة إلى عودة الإسلام ليقود الجهاد ضد الأجنبي، لكن هذه الجماعات لم تكن على درجة من التنظيم والتخطيط بحيث تواصل نشاطها حتى تصل إلى حكم بلادها بعد رحيل المحتل الأجنبي. ولكن لا ينبغي ان نلقي كل اللوم عليهم فإن الحكومات الاستعمارية حرصت على تسليم الحكم إلى من تثق فيهم انهم سوف يواصلون خط التغريب في جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية والاجتماعية، وكأنّ المحتل لم يرحل. وكما قيل "ذهب المحتلون البيض وبقي أذنابهم السمر"
ومن هنا كان لابد للعلماء من أن يعودوا مرة اخرى للتحرك لمحاربة الفساد في شتى مجالات الحياة وكانت هذه هي نقطة الانطلاق الجديدة للجماعات الإسلامية تدعو اولا إلى العودة إلى العقيدة الصحيحة بعد ان اعترى عقائد المسلمين بعض الانحراف ودخلت حياتهم بعض الممارسات الخاطئة بسبب تشجيع الحكومات التي خلفت الاحتلال، وثانيا الدعوة إلى عودة الإسلام ليكون المهيمن على جميع شؤون الحياة.
أما اهتمام الغرب بالجماعات الإسلامية فهو امتداد لدعم الغرب للحكومات التي وثق بها وسلمها مقاليد الحكم عند رحيله، هذا من جهة ومن جهة ثانية أنه امتداد لعداء النصرانية للإسلام (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) . وثمة سبب آخر وهو ان الاسلام يدعو على استعلاء المسلم وعدم القبول بالخضوع لأحد وبالتالي فعودة الإسلام للحكم يعني ان تخسر الدول الغربية نفوذها وسيطرتها على كثير من مصالحها في العالم الإسلامي وهي مصالح حيوية بالنسبة للغرب، وقد تعود الحصول عليها بلا مشقة وبأبخس الاثمان.
كما أن الجماعات الإسلامية تشكل تهديدا لهيمنة الغرب الفكرية والثقافية في العالم الإسلامي فلماذا لا يدرسها حتى يستطيع مواجهة تقدمها وعرقلة مسيرتها؟ وقد ظهرت اصوات كثيرة في الغرب تنادي بضرورة تكثيف الجهود لدراسة الجماعات الإسلامية خاصة بعد سقوط الشيوعية المدوي ولم يبق للغرب – في نظره-من عدو سوى الإسلام. ولتوضيح ذلك أضرب المثل بدراستين حديثتين نسبيا احداهما صدرت بعنوان (الأصولية في العالم العربي) تأليف رتشارد هرير دكمجيان (وان كان قد عاونه فيها عدد من الباحثين) تتناول بالدراسة اثنتين وتسعين جماعة إسلامية في العالم العربي. أما الدراسة الأخرى فهي عبارة عن محاضرة جلسات الكونجرس الأمريكي في أشهر يونيه ويوليه وسبتمبر 1985 وقد نشرت باللغة الانجليزية نشرا محدودا، ولكن استطاع الدكتور أحمد خضر إبراهيم أن يترجم جزءا كبيرا منها ونشره في مجلة ((المجتمع)) الكويتية. وهذه الدراسة بلغت صفحاتها 442 صفحة.
ولا يعتمد الغرب على علمائه وباحثيه فقط في دراسة الحركات الإسلامية أو الجماعات الإسلامية فإنه يستعين لذلك بكثير من الباحثين المسلمين وبخاصة أصحاب الاتجاهات العلمانية واليسارية فهؤلاء يشكلون عيونا مأجورة أحيانا وبلا أجر أحيانا أخرى . ومن الوسائل في الحصول على خدمات هؤلاء أن يقدم إليهم منحا للبحث والدراسة في جامعات الغرب أو ان يستضيف كبارهم كأساتذة زائرين.
وهذا أوفر على الغرب من الناحية الاقتصادية فبدلا من إرسال الباحثين الامريكيين او الأوروبيين إلى العالم الإسلامي فيتكلفون بذلك نفقات ضخمة وفي النهاية لا يستطيعون الحصول على المعلومات بالدقة التي يوفرها لهم هؤلاء العلمانيون اليساريون.
ولابد ان نضيف أن الغرب وهو يدعو إلى النظام العالمي الجديد الذي يزعم أنه يجب أن يسوده السلام واحترام حقوق الإنسان وحق الشعوب في حكم نفسها وفي امتلاك ثرواتها يجب ان لا يخشى الجماعات الإسلامية أو الحكومات الإسلامية هذا إن صدقت مزاعمه في هذا النظام الجديد؛ ذلك ان الجماعات الإسلامية هي خير من يحترم حقوق الآخرين ويدعو إلى السلام لأن الإسلام هو دين السلام الحقيقي، وقد عرفت البشرية الحضارة الإسلامية التي اتاحت الفرصة لجميع الشعوب والأديان بالعيش في ظلالها والتمتع بحقوق لم يصل إليها العالم بعد. كما لم تعرف الحضارة الإسلامية استغلال ثروات الشعوب او الهيمنة الاقتصادية أو السياسية او الفكرية. وإلى سؤال قادم بإذن الله.

نشرت في صحيفة المدينة المنورة ع9167 في 19/ 12/ 1412ه (20/ 6/ 1992م)

الجمعة، 27 فبراير، 2015

مقدمة كتابي :المغرب العربي بين الاستعمار والاستشراق للدكتور علي جريشة رحمه الله


لم يتح لي بعد ان أرى المغرب العربي، وأعترف بالتقصير، لكن أتيح لي أن أراه من خلال أبنائه الذين سعدت بهم أصدقاء أو أبناء إبان تدريسي بالجامعة الإسلامية، وبالمعهد العالي لإعداد الدعاة، وفي لقاءات الحج والعمرة والحمد لله.
وأتيح مع ذلك أن أراه خلال ماضيه القريب المجيد كفاحا ضد مستعمر كان يعتبر المغرب جزءا من فرنسا(!) وجهادا في سبيل الله قدمت فيه أغلى الدماء على امتداد المغرب العربي كله (تونس-الجزائر-المغرب) حتى بلغ تعداد الشهداء في بعضها المليون.
ولقد عشنا معهم بعاطفتنا الإسلامية، وأحيانا بالعون الصادق شعورا بأننا جسد واحد، حتى لقد سمعت في شبابي مرشدا إسلاميا يقول: إننا قد نجاهد في الجزائر قبل أن نجاهد في مصر.
لكنني أعترف – مع صاحب هذا الكتاب-أننا قصرنا كثيرا في البحث والكتابة العلمية الجادة عن المغرب العربي، حتى لكأني بالكثير من أبناء المشرق العربي بل من أبناء الدعوة الإسلامية نفسها – لا يعرف الكثير عن عبد الحميد بن باديس، أو عن عبد الكريم الخطابي، أو عن غيرهما – ممن قادوا الجهاد على تلك الأرض الطيبة...في الماضي القريب.
وكأني بهم كذلك لا يعرفون الكثير عن الكتيبة المظفرة التي حملت الإسلام لهذه المنطقة، ثم عبرت به مضيق جبل طارق لتفتح الأندلس، ولترفرف راية الإسلام على ربوعها ثمانية قرون... قبل أن تنطلق الصليبية الحاقدة لتستأصل شأفة شعب بأسره على أرض الأندلس، وليتمزق هذا الشعب ما بين قتيل وجريح وشريد، ولا يبقى منه على أرضه من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولتتحول المساجد إلى كنائس، ويتحول المسجد الكبير في قرطبة في جزء منه إلى كنيسة، ويتحول الجزء الباقي إلى متحف يجوس فيه السائحون بكلابهم مع بقاء محرابه وكل آثاره كما كانت على عهدها الأول!
ولايزال أبناء المغرب الكبير هم رجال الصف الأول المنوط بهم تحرير الأندلس ولايزال أبناء المغرب الكبير هم بوابة العبور إلى أوروبا عبر مضيق جبل طارق، كما أنهم في الوقت نفسه رجال الصف الأول المدافعون عن دينهم وإسلامهم في مواجهة الهجمة الصليبية الشرسة على بلاد المسلمين.
*      *      *
ولئن هدأت حرب السلاح بين الصليبية وأبناء الإسلام في أكثر المناطق، فإن حرب الفكر والعقيدة حلت محلها... ومارس الاستشراق متعانقا مع الاستعمار الذي كان جاثما تلك الحرب.
ولم يكن من يتصدى لهذه الحرب الجديدة سوى رجال الحركة الإسلامية، ولايزالون! وفي هذه البحوث القيمة التي أعدها الأستاذ / مازن صلاح المطبقاني – عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي بالمدينة المنورة- بعض الأضواء التي يجهلها الكثيرون عن الحركة الإسلامية في المغرب العربي (منذ نهاية الحرب العالمية وحتى منتصف هذا القرن) – كذلك بعض الكيد الذي مارسه الاستشراق والاستعمار على المجتمع الإسلامي في هذه المنطقة، وأخيرا نموذجا طيبا لجهاد رجل من رجالات الدعوة الإسلامية الحديثة هو الشيخ عبدالحميد بن باديس، الذي يرجع إليه الفضل بعد الله – في وقف فرنسة الجزائر، وفي قيادة الجهاد فيها ضد المستعمر الغاشم.
*     *    *
ولايزال الميدان يحتاج من هذا الفارس الفذ الذي نفر للكتابة عن مغربنا الإسلامي العربي، أقول لايزال الميدان يحتاج منه إلى الكثير، كما أنه لايزال يحتاج إلى فرسان آخرين – يحملون راية البحث والجهاد بالكلمة الصادقة، كشفا عن الوجه الإسلامي لمغربنا العربي، وإسهاما في النهضة الإسلامية المباركة في هذه المنطقة.
وليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ... لنحقق في المشرق والمغرب قول الله سبحانه " وإن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاعبدون " وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى).
والله نسأل أن يتقبل من باحثنا الأستاذ / مازن المطبقاني، وأن يجعل عمله خالصا لوجهه، وأن ينفع بنا وبه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

                                                     الفقير إلى ربه
                                     المستشار الدكتور/ علي محمد جريشة (رحمه الله)
                                الأستاذ بالمعهد العالي لإعداد الدعاة –مكة المكرمة

                                المدينة المنورة في 2 رجب 1409هـ فبراير 1989م 

الثلاثاء، 24 فبراير، 2015

مقدمة لكتاب (نحو تأصيل إسلامي لعلم الاستغراب) للدكتور محمد إلهامي


كتاب تمنيت لو كتبته، ولكن شاء الله أن يكون السبق لأخي الدكتور محمد إلهامي الذي أشعر بتقصيري عن معرفته قبل أن يغزونا تويتر (التغريد) ولكن عذري أنني طلّقت التاريخ وطلّقني حين رأيت أنه لا يدخل قسم التاريخ إلّا النطيحة والمتردية والذي لا يجد قبولاً في مكان آخر ، والأمر الآخر أنني عشت سنوات في قسم التاريخ أعاني من النظرة المادية  لأن معظم أساتذتي ممن تخرج في الجامعات الأجنبية في أمريكا أو بريطانيا أو غيرها عدا أستاذي الدكتور جمال عبد الهادي مسعود يحفظه الله الذي كان مختلفاً وجعلنا نشعر أن الإسلام يحكم على التاريخ كما يحكم على العلوم كلها وأن له منهج مميز في دراسته، وعزفت عن التاريخ وبخاصة المعاصر لأن الخطوط الحمراء أحياناً تفوق الخطوط الأخرى فلا "ينفع تكلم بحق لا نفاد له" كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
توجهت إلى الاستشراق وعشت سنوات أرى الجهود الكبيرة جداً في الاهتمام بالعالم العربي بل رأيت مكتبات في جامعات أمريكية وبريطانية تتوفر على كتب ومجلات ووثائق لا توجد في عالمنا العربي. لفت هذا انتباهي إلى أننا ينبغي أن ندرسهم وأكّد ذلك لي أكثر من موقف أو مرجع ففي كتاب رودي بارت عن الدراسات العربية والإسلامية تحدث مستشرق إلى باحث مسلم كانا يحضران مؤتمراً فقال له نحن ندرسكم فلماذا لا يكون عندكم دراسات للغرب؟ وفي المرة الثانية كان جون اسبوزيتو يحاضر في الجنادرية فقال: لدي عشرات الكتب والمقالات عن الإسلام والمسلمين فكم من المسلمين من لديه اهتمام حقيقي بالنصرانية أو بالنصارى؟
وربما لفت انتباهي لدراسة الغرب أنني كنت طالباً في البعثة الدراسية في أمريكا في الفترة من 1388-1393ه(1968-1973م) وسكنت مع أسرتين إحداهما كانت أسرة منصّر عاش في إيران أكثر من عشر سنوات والأسرة الثانية عالم في المحافظة على البيئة، وقرأت بعض كتابات إيرك فروم Erich Fromm  وشاهدته على التلفاز فعرفت أننا بحاجة لمعرفتهم معرفة وثيقة ولكن أنّي لي في تلك السن أن أعرف الطريق إلى هذه الدراسة.
وها أنا اليوم أقرأ كتاباً كاملاً في التأصيل الإسلامي لعلم الاستغراب، وأعجبني تعليق الدكتور عز الدين عمر موسى على محاضرتي عن إنشاء الدراسات الإقليمية في الجامعات السعودية: "لقد كنّا أمة ذات توق معرفي وحب للعلم فنشأت لدينا اهتمامات بالعالم كلّه حتى عهد صلاح الدين الأيوبي الذي كتب وزيره كتاب "الاعتبار" ولما خفت التوق المعرفي أو أصبح لدينا كبت معرفي وجهل وتجهيل جهلنا أنفسنا ولم نحاول أن نعرف غيرنا.
هذا الكتاب جاء ليس ليملأ فراغاً وهي عبارة لا أحبها وإنما جاء لينبه ويبصّر بالطريق الذي ينبغي أن نسلكه لدراسة الغرب وبالتالي دراسة العالم فمن قال إننا بحاجة لدراسة الغرب ولسنا بحاجة لدراسة الهند أو الصين أو كوريا أو ماليزيا أو تركيا؟ نعم نحن بحاجة لكل هذه الدراسات التي اهتمت بها دول العالم أجمع فقد رصدت أكثر من عشرين مركزاً في الصين للدراسات الأمريكية.
والكتاب رائع رائع  ولا أريد أن أضيف ما يمكن أن يعكّر صفو القارئ  وهو يمخر عبابه ويعب من أطايبه ولكني أكثر من ذلك أرجو أن يصل إلى أيدي المسؤولين لعلهم يتبنوا مثل هذه الدراسات أو يتنبه له أصحاب المال المخلصين لدعم هذه الدراسات
ولا بد أن يصحب دراسة الغرب حركة ترجمة واسعة لما أصدر بعض عقلاء الغرب وحكمائه منذ إريك فروم في القرن الماضي إلى فوكوياما المعاصر إلى جون هيور وغيرهم وهم ليسوا قلة فهم المنذرين للغرب من الانحدار والتفسخ والانهيار، كما أن من الخطوات العملية أن نتعلم من تجارب الأمم الأخرى في دراسة الغرب وفي الدراسات الإقليمية حتى تكون بدايتنا على أسس علمية منطقية.
أسأل الله أن يوفق المؤلف ويتقبل جهده ويجعله في موازين حسناته والحمد لله رب العالمين





مقدمة كتاب عن التصوف في مراكز البحوث الأمريكية للدكتور صالح الغامدي



        الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
        كتابة مقدمة لرسالة علمية تقدّم نفسها ولا تحتاج حقيقة لمن يقدمها أمر ليس بالهين ولكنها رغبة الزميل (الآن) الدكتور صالح أن أكتب له بضعة أسطر فما ذا عساني أقول؟
        هذه الرسالة تناولت أمرين خطيرين وهما مراكز الفكر الأمريكية والأمر الثاني التصوف في دراسات هذه المراكز، وكلا الأمرين يستحق رسالة منفصلة ولكننا في عالمنا الإسلامي الذي لا يزال تصنع قراراته وسياساته في الخارج أو إن لم تصنع كلياً فللخارج ولهذه المراكز أثر كبير في صناعتها وقد قام الأخ الزميل الدكتور صالح بهذا الأمر خير قيام.
        ولا أجدني في وضع يسمح لي أن أحكم على الرسالة تماماً فأنا شريك معه في إيجابياتها وسلبياتها وهذا ما تعلمته من أستاذي الدكتور الحبيب الهيلة حين رغبت إليه أن يشرف على رسالتي عن الاستشراق الفرنسي والصراع الفكري في المغرب العربي فقال لي: "يا مازن الرسالة شرفي وشرفك وسأبحث معك كما تبحث، ولكنها ستكون باسمك"، فقلت في نفسي: لله درّك من أستاذ كريم، ولذلك فأنا شريك لا يحق لي أن أحكم على الرسالة ويكفي أنه ناقشها زميلين كريمين هما الأستاذ الدكتور عبد الرحمن القصاص والدكتور فؤاد البعداني وأعود إلى مراكز الفكر التي انطلقت فكرتها على أساس أنها منظمات غير ربحية وغير حزبية ملتزمة بفهم متطور للسياسة الخارجية الأمريكية والشؤون الدولية عندما دُعي واحد وعشرون عضواً من مجموعة النخبة لمرافقة ودرو ويلسون لمؤتمر السلام عام 1919. انزعج هذا الوفد بسبب رفض ويلسون نصائحهم كما تعرضوا للتضليل بسبب الفقرات التي تضمنتها اتفاقية فرساي فقرروا بالاتفاق مع مثقفين وباحثين من بريطانيا بتأسيس معهد يجمع الشباب في باريس ليقدموا آراءهم ونتائج بحوثهم للرأي العام ولصانعي السياسة في بلادهم.
        ولكن لم تستمر هذه المراكز حيادية نزيهة تماماً فدخل أصحاب المال وأرباب الأحزاب السياسية فتدخلوا في شؤونها وأصبحت ذات اتجاهات متعددة كما قسمها الخبير بمراكز الفكر دونالد أبلسون إلى عدة أنواع معتمداً على دراسة أجرها ويفر Weaver لهذه المراكز فمنها من يعتمد على الدعم الحكومي وأسماها (جامعات دون تلاميذ) مهمتها الأساسية القيام بالبحوث والدراسات الممولة حكومياً ، أما النوع الثاني فهي المراكز "الترويجية" وهي أكثر أنواع مراكز الفكر شيوعاً منذ بدايات السبعينيات في الولايات المتحدة وفي الديمقراطيات الغربية بما فيها كندا وبريطانيا العظمي كانت من النوع الذي أشار إليه ويفر بأنها المراكز الترويجية الدعائية. أما النوع الثالث فهي مراكز الفخر والغرور والمرشحين فهذه المراكز المؤسسة على الغرور والمرشحين قد أنشئت بالإيحاء إلى أصحاب المناصب (أو مؤيديهم) لتوليد أفكار يمكن للمرشح أن يبني عليها فيما بعد خلال حملته أو حملتها الانتخابية.
        وقد كان التركيز في هذه الدراسة على المراكز الأكاديمية وإن كان بعض المراكز من التصنيفات الأخرى قد تنتج بين حين وآخر بحوثاً ودراسات ترقى إلى المستوى الأكاديمي الرصين.
         أما الجانب الآخر في الدراسة فهو التصوف وقد أفاض الباحث في الحديث عن الصوفية من حيث تعريفها ونشأتها وأهدافها وأهم من ذلك كله ما دار ويدور في مراكز الفكر من دراسات ومخططات لنشر التصوف وبخاصة التصوف الغارق في السلبية والخرافات وهو أمر أدركه الغرب ومراكز الدراسات الاستشراقية من قديم حين احتلت بعض الدول الأوروبية بعض البلاد الإسلامية حتى قال أحد القادة العسكريين الفرنسيين: "أعطني طريقة صوفية أحتل بلداً"، فاحتضنوا بعض الصوفية وفسحوا لهم المجال وهانحن في هذا الزمن بعد الربع الأول من القرن الخامس عشر الهجري وبداية القرن الواحد والعشرين الميلادي تجتهد مراكز الفكر الأمريكية في دعم الصوفية بشتى الوسائل مما بحثه الدكتور صالح بحثاً واسعاً وعميقاً ودقيقاً فجلّى ما ينبغي للأمة أن تفعله لمواجهة خرافات الصوفية وتخطيط الدوائر الأجنبية.
        سعدت بالتعامل مع الدكتور صالح الذي استجاب لكثير من إرشاداتي وكان مثالاً للباحث الجاد الذي لا يتوانى عن عمل كل ما يمكن لإخراج بحث أكاديمي متميز فكان بحثه مثالاً للبحوث العميقة التي أكدت على شخصيته الجادة في البحث وعمق اهتمامه بأمته ومصلحتها ومستقبلها، فأسأل الله عز وجل أن يزيده توفيقاً في حياته العملية والأكاديمية
والله الموفق


الاثنين، 23 فبراير، 2015

مناقشة عليمة في رحاب كلية الدعوة رسالة دكتوراه حول مؤتمرات المستشرقين العالمية


يعد قسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) القسم الوحيد في العالم الإسلامي المتخصص في دراسات الاستشراق من خلال مناهجه الدراسية ورسائله العلمية. فقد بلغ عدد رسائل الدكتوراه التي نوقشت في هذا القسم خلال السنوات الخمس الماضية خمس رسائل في موضوعات استشراقية مهمة، وكان أولها رسالة الدكتوراه حول كتابات المستشرق الأمريكي الجنسية الإنجليزي الأصل اليهودي المّلة الصهيوني الأهواء والنـزعات برنارد لويس وقد شارك في مناقشتها الدكتور محمد حسنين ربيع نائب رئيس جامعة القاهرة وأثني على القسم وجهوده ، وكانت الرسالة الثانية حول الجوانب العقدية في دائرة المعارف الإسلامية قدمها الدكتور حميد الناصر الحميد ،والثالثة حول مناهج المنصرين البروتستانت في تنصير المسلمين في النصف القرن الأخير، والرابعة حول منابع المستشرقين الثقافية في دراسة السيرة النبوية قدمها الدكتور مصطفى عمر حلبي وكيل كلية الدعوة حالياً، وكانت الخامسة للدكتور المحسن بن علي السويسي التي نعرضها في هذه المقالة.
أما البحوث التكميلية وبعضها رسائل حقيقية فعددها كبير وتناولت دراسات المستشرقين في مجالات الدراسات الإسلامية المختلفة التي شملت العقيدة والقرآن الكريم والفقه والسيرة والتاريخ الإسلامي والدراسات اللغوية عند المستشرقين، والمراكز الاستشراقية والتنصير وغيرها. وبالرغم من توقف الدراسة في القسم منذ سنتين بعد قرار المجلس الأعلى للجامعة بأن تنحصر الدراسات العليا في المركز الرئيس للجامعة فإن الأمل معقود على معالي وزير التعليم العالي أن ينظر في أمر استثناء قسم الاستشراق لكونه الوحيد في هذا المجال- وحتى يستمر هذا القسم المهم جداً في أداء رسالته المهمة ، وحبذا لو أعيدت الدراسة فيه في المساء ليتمكن أساتذة الثقافة الإسلامية والتربية الإسلامية واللغة العربية وغيرها من التخصصات من الدراسة فيه مع تخفيف أعبائهم التدريسية شيئاً ما.
وبالرغم من التوقف في الدراسة في مرحلة الماجستير فإن هناك العديد من رسائل الدكتوراه المسجلة في القسم وبخاصة في مجال البحث في دائرة المعارف الإسلامية (الاستشراقية) وينتظر أن ينتهي أصحابها من إعدادها خلال الأعوام القليلة القادمة.
أما هذه الرسالة التي نحن بصددها فهي بعنوان : مؤتمرات المستشرقين العالمية :نشأتها تكوينها أهدافها مقدمة من الطالب المحسن بن علي بن صالح السويسي من تونس والذي حصل على البكالوريوس في أصول الدين من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم وحصل على الماجستير في الدراسات الإسلامية عند المستشرقين من قسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة. وأشرف على الرسالة الأستاذ الدكتور حامد غنيم أبو سعيد.
بدأت المناقشة بأن تلا الطالب خطبة الرسالة وهي التي تضمنت أهمية الموضوع وأسباب اهتمامه به، ومنهجه في الدراسة وأبواب وفصول الدراسة.
أما في أهمية الموضوع فإن الطالب(الدكتور محسن) ذكر أن المستشرقين اتخذوا من هذه المؤتمرات التي بدأت قبل أكثر من مائة عام وسيلة من وسائلهم في التخطيط للدراسات الاستشراقية ووضع الاستراتيجيات اللازمة لتنفيذ هذه المخططات. وأشار إلى اهتمام الحكومات الغربية بهذه المؤتمرات التي يصل الاهتمام بها أن يفتتحها رؤساء الدول ويحضرها بعض الرؤساء وكبار المسؤولين في الدول الغربية. كما أنها نالت الاهتمام من المؤسسات المالية الغربية حيث إن إقامة مثل هذه المؤتمرات التي يحتشد فيها ما يقارب الألف باحث تحتاج إلى أموال كبيرة للقيام بها لا يكفيها ما يدفعه الباحثون من رسوم اشتراك.
بدأت المؤتمرات الاستشراقية في عام 1873م في فرنسا ومن خلال فكرة انطلق بها المستشرق الفرنسي ليون دي روزني Leon de Rosny واستمرت تعقد كل بضعة سنوات ( ثلاث إلى خمس سنوات) وتوقفت خلال الحربين الأوروبيتين (العالميتين) ثم استأنفت الانعقاد. وقد عقدت هذه المؤتمرات في العواصم الأوروبية عدا خمسة مؤتمرات عقدت في استنبول ، والجزائر وهونج كونج والهند واليابان. وكان آخر المؤتمرات انعقاداً هو المؤتمر الخامس والثلاثون الذي عقد في عاصمة المجر في ربيع الأول عام 1418 يوليه 1997م وسيعقد المؤتمر السادس والثلاثون في مونتريال بكندا في أغسطس عام 2000م.
أما عن سبب اهتمام الباحث بهذا الموضوع فإنه من خلال دراسته للاستشراق ومتابعته نشاطات المستشرقين وجهودهم وكذلك من خلال دراسته لما كتبه الباحثون العرب والمسلمون حول الاستشراق وجد أن هذه المؤتمرات " تكاد تكون مجهولة في وسطنا المعرفي، والتي لم يتم تناولها بالدرس إلاّ نادراً بل حتى في الغرب نفسه كثيراً ما سمع الباحث وهو ينقب عن هذه المدونات أنه أول من يطلع عليها " وليس هذا فحسب فإن الجمعية الدولية للمستشرقين تعد من أهم المؤسسات التي أسسها المستشرقون ولا تزال تقوم بنشاط كبير منذ تأسيسها عام 1873فهي مؤتمرات واسعة جداً في المجالات التي تطرقها حيث يحضرها المئات من الباحثين الغربيين والشرقيين وتتناول موضوعات المعرفة من العقيدة والتاريخ والفقه والتشريع واللغات والجغرافيا والاجتماع والاقتصاد والثقافة عموماً والفنون.
كما أن المؤتمرات "تعد أسلوباً حديثاً (نسبياً) من أساليب المستشرقين ووسيلة من وسائلهم تساهم في دراسة المجتمعات الشرقية والتنسيق بين الجهود الاستشراقية وتعين مستقبل توجهها الدراسي والمعرفي وتعطيها بعداً عالمياً." ويضيف الباحث إن " وقائع هذه المؤتمرات تعد وثائق ومراجع معتمدة لدى المستشرقين ومقروءة في الغرب والشرق، ويصعب على القارئ العادي تبين خطورة الأساليب والمناهج التي يتناول بها بعض المستشرقين أبحاثم الأمر الذي قد يؤدي إلى الشكوك والأخطاء حول موروثات الشرق الحضارية وتراثه الديني والتاريخي"
ويختم الباحث حديثه عن أهمية الموضوع وسبب اختياره بالقول :" والحقيقة إن هذه الرسالة خطوة متواضعة في طريق المنحى النقدي لمؤتمرات المستشرقين العالمية التي رأى الباحث ضرورة الاهتمام بها تمحيصاً ونقداً ونظراً لاتساع دائرة الأعمال الاستشراقية في مؤتمرات المستشرقين العالمية فقد آثر الباحث أن يبدأ بالجانب التكويني لهذه المؤتمرات من حيث نشأتها وتكون نظامها الإداري والعلمي وأهدافها سعياً منه إلى معرفة حقيقتها وفهم مجريات أحداثها والوقوف على نمط نظمها وإيضاح ذلك للمعنيين بالدراسات الإسلامية على نحو خاص من خلال دراسة تحليلية تقويمية تبين إيجابيات هذه المؤتمرات وسلبياتها."
وكان منهج الرسالة مزيجاً بين المنهج التاريخي الذي سعى إلى تتبع ظاهرة المؤتمرات من بداياتها وتطورها مع الزمن والخطوات التي اتخذت لتطويرها والتسلسل التاريخي لهذه المؤتمرات. كما استخدم المنهج الوصفي في توصيف دقيق للمؤتمرات ونشأتها وتكوينها ونظامها الإداري ووقائعها فكأنه فنان يرسم لوحة لمشهد أمامه فيدخل قاعة المؤتمرات ويصف ما يحدث في الجلسات الافتتاحية وما يلقى فيها من خطب وبيانات والجلسات الختامية وما يتلا فيها من قرارات وتوصيات وخطط للمستقبل وكذلك يصف لنا حلقات البحث المختلفة وما يدور فيها وتنظيم هذه الحلقات وفقاً للتخصصات العلمية المختلفة.
وقد لاحظت أن الباحث بذل جهداً كبيراً في جمع المادة العلمية وهي وقائع المؤتمرات فلم يجد غايته في مكان واحد والأمل معقود أن يسعى قسم الاستشراق للحصول على كل وقائع المؤتمرات ليجعلها بين أيدي الباحثين الآخرين لتكون مجالاً لدراسات عليا وحلقات بحث وبحوث أكاديمية. وقد لفت انتباهي في رسالة دكتوراه قدمها أندريه ديرلك في جامعة ماقيل الكندية عام 1975حول الشيخ عبد الحميد بن باديس  أن الجامعة حصلت للطالب على كل الصحف الجزائرية والتونسية التي صدرت في الفترة موضع الدرس فلم يقم بزيارة ميدانية إلاّ بعد أن تعرف على موضوعه فقام بإجراء المقابلات والتحقيقات بعد أن تزود بالمعرفة المطلوبة. فالباحث هنا أمضى ما يقارب العام الدراسي الكامل ليبحث عن مادته العلمية. كما احتاج الطالب إلى القيام بالترجمة من اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية إلى اللغة العربية وقد استغرقت هذه العملية من وقته الشيء الكثير.
ونأتي إلى موضوعات الرسالة فقد قسم الباحث رسالته إلى أربعة أبواب سبقها تمهيد وختمها بخاتمة وتوصيات. وكان الباب الأول بعنوان نشأة مؤتمرات المستشرقين العالمية تناول في فصوله المختلفة الجمعيات الاستشراقية ومؤتمرات المستشرقين المحلية- وأود أن أضيف إن المؤتمرات المحلية كثيرة جداً وتحتاج إلى دراسات موسعة وتناول كذلك فكرة الدعوة إلى انعقاد مؤتمرات المستشرقين العالمية متناولاً أهداف المؤتمرات من حيث كونها علمية أو دينية أو ثقافية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية. كما تناول في الباب الأول المؤتمر العالمي الأول بوصفه نواة لهذه المؤتمرات.
أما الباب الثاني فكان حول الأطر الإدارية والعلمية لمؤتمرات المستشرقين متناولاً تطور هذه الأطر تاريخيا وما طرأ عليها من تغيرات وتناول كذلك الأطر العلمية صفتها وتطورها وجلسات المؤتمرات الافتتاحية والختامية وحلقات البحث والندوات. وتناول في فصل مستقل مساهمات الشرقيين في مؤتمرات المستشرقين العالمية وبخاصة مساهمات العرب والمسلمين في هذه المؤتمرات.
وخصص الباحث الباب الثالث للحديث عن أطوار مؤتمرات المستشرقين وقد قسمها إلى ثلاثة أطوار الأول من نشأتها حتى الحرب العالمة الأولى ثم حقبة ما بين الحربين ثم من الحرب العالمية الثانية حتى المؤتمر التاسع والعشرين الذي عقد في باريس عام 1973وصوّت المؤتمرون فيه على إلغاء التخلي عن كلمة الاستشراق واستبدالها بالدراسات الإنسانية حول آسيا وشمال أفريقيا. والطور الأخير من 1973(1393هـ.) حتى الآن.
وكان الباب الرابع للحديث عن خصائص مؤتمرات المستشرقين العامة وخصائصها من الجانب التنظيمي والعلمي وتناول كذلك المؤثرات في المؤتمرات من الجوانب الدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية.
وختم الباحث رسالته بخاتمة أوضح فيها أبزر ما جاء في الرسالة وكذلك التوصيات العلمية التي تتضمن أن تستمر الدراسات حول هذه المؤتمرات وأن تزداد المشاركة الإسلامية في هذه المؤتمرات لنشر الإسلام والدفاع عن القضايا الإسلامية في محفل عالمي له وزنه العلمي والفكري في الغرب. ومن الملاحظ تسابق بعض الدول في إرسال أكبر عدد من المتخصصين لهذه المؤتمرات ويلاحظ أن المملكة شاركت بوفد مكون من ثلاثة عشر باحثاً في المؤتمر الأخير الذي عقد في المجر وقدموا مساهمات قيمة ومن المؤمل أن يشارك عدد أكبر في المؤتمر القادم بإذن الله.

هنيئاً لقسم الاستشراق بهذا الإنجاز العلمي المبارك وهنيئاً للأخ الزميل الدكتور المحسن بن علي السويسي على هذا البحث القيم الذي نال تقدير لجنة المناقشة التي تكونت من كل من الأستاذ الدكتور محمد سالم بن شديد العوفي والدكتور عبد الرحمن الربيعي عميد البحث العلمي بجامعة الإمام والأستاذ الدكتور محمد العدوي والمشرف على الرسالة الأستاذ الدكتور حامد غنيم أبو سعيد. وقد تميزت المناقشة بالمنهجية العلمية حيث تناول المناقشون القضايا الفكرية والمنهجية في الرسالة وكانت جلسة علمية رائعة أفادت الباحث والحضور كثيراً وأمتعتهم بجلسة علمية متميزة . وقد حصل الأخ محسن على مرتبة الشرف الأولى في بحثه.

من أعلام التربية والفكر في بلادنا




تأليف السيد محسن بن أحمد باروم، 289صفحة من القطع المتوسط، صدر عن عالم المعرفة للنشر والتوزيع،1420-1999.
                                                                 
جاء في الحديث الشريف (إنما بعثت معلماً) وجاء أيضاً (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ولله در السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها حينما وصفت الرسول صلى الله عليه وسلم بتلك الكلمات العظيمة (كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصدق الحديث وتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل وتعين على نوائب الحق) فما أجملها من صفات اتصف بها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. وقد عُرِف وفاؤه لها صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا الكتاب نلمس هذا الخلق الإسلامي الأصيل في ترجمة أستاذنا الشيخ محسن أحمد باروم لسبع عشرة شخصية تربوية وفكرية في بلادنا أصدره في هذا العام يقدم فيه نموذجاً متميزاً للإنسان الوفي لدينه الإسلام حيث حرص حفظه الله أن يقدم لنا الشخصيات التي أسهمت في نهضة هذه البلاد الفكرية والتربوية.
وهو كتاب يجمع بين الذكريات والبحث العلمي ففي حديثه عن هؤلاء الأعلام تناول تاريخ حياتهم مقدماً ما توفر لديه من معلومات عن الولادة والنشأة والتعليم والأعمال التي تقلدها الشخصية المترجم لها والإنجازات العلمية والفكرية لكل شخص. وليس هذا فحسب بل إن لمسات الأستاذ محسن باروم تبدو واضحة في تلك الذكريات الجميلة التي جمعت بين الأستاذ الباروم وهذه الشخصيات. فهو يتحدث عن أساتذته حديث التلميذ الوفي الذي يشعرك بأن هذا الخلق الذي يكاد أن يندثر أو يقل إنما كان الأصل في علاقة التلاميذ بأساتذتهم في أيام الأستاذ محسن باروم. ويتحدث عن زملائه وأترابه حديث المحب الوفي الذي يسعده أن يرى غيره ناجحاً ويعترف بهذا النجاح ويبرزه للقارئ ليكون فيه درس يشحذ الهمم ويدفع العزائم للعمل والاجتهاد.
لقد جاء معظم الذين ترجم لهم الأستاذ محسن باروم من مكة المكرمة ولهذا دلالاته الواضحة في عمق معرفة ابن مكة البار بمدينته وأعلامها ولقد رأيت جزءاً من مكتبة السيد فوجدتها غنية جداً في هذا المجال فلا يكاد يكون قد صدر كتاب حول مكة المكرمة من النواحي التاريخية أو الجغرافية أو الاجتماعية حتى سارع السيد الفاضل بالبحث عنه والحصول على نسخة منه. وليس هذا فحسب بل إنه حريص على قراءته والكتابة عنه.
لقد كانت مناسبات هذه التراجم إما المشاركة في الصحافة المحلية حينما تهتم بتكريم أحد هؤلاء الرواد بنشر ملفات متخصصة عن حياتهم كما هو دأب ملحق التراث في الحرص على تكريم الأحياء من الأدباء والمفكرين أو وفاة أحد هؤلاء الأعلام. ومن خُلِق الوفاء للصحافة التي نشرت فيها هذه الموضوعات أن أثبت السيد هذا في كل ترجمة.
أما الشخصيات التي كتب عنها فهم الأساتذة أحمد محمد العربي، ومحمد حلمي حسين آل سعيد وعبد الله عبد المجيد بغدادي وأحمد بن محمد بن حجر الهيتمي والسيد محمد طاهر الدباغ وإبراهيم بن سليمان النوري ومحمد علي زينل ومحمد عبد الصمد فدا، ومحمد علي زينل رضا، والدكتور حسن عبد الله أبو ركبة ومسعود سليم رحمت الله ، وأحمد محمد جمال وعبد العزيز أحمد الرفاعي ، وجميل أحمد أبو سليما والسيد إسحق عقيل عزوز ومحمد عبد المحسن رضوان ومحمد علي مغربي وسراج جميل زمزمي.
ولم يكتف السيد محسن باروم بالمعلومات القيمة التي قدمها حول هؤلاء الأعلام الكبار ولكنه أضاف في ختام كل ترجمة بعض المراجع التي يمكن أن يستفاد منها في التوسع في هذه التراجم.
ولقد حفلت المكتبة الإسلامية منذ البداية بتراجم العلماء فكانت البداية في الطبقات والحديث عن أعلام الأمة الذين أسهموا في نقل الحديث الشريف وعلوم الشريعة الأخرى كالفقه والتفسير واللغة وغيرها من العلوم. وبعد ذلك توسع المسلمون في كتب التراجم فظهرت كتب الطبقات كطبقات فقهاء أحد المذاهب الفقهية أو طبقات الأطباء أو الأدباء أو غير ذلك من مجالات المعرفة.
وهاهي فرصة عظيمة لطلاب المرحلة الجامعية أو الدراسات العليا أن يسعوا إلى تناول هذه الشخصيات وغيرها ممن أسهم في بناء نهضة هذه البلاد بالدراسة والتحليل. وأتعجب ممن يقلل من شأن الدراسات الاجتماعية والتاريخية بأن سوق العمل لا تحتاج مثل هؤلاء الخريجين فأين الدراسات المتخصصة في هذه الشخصيات وكم منها مدفون في رفوف المكتبات؟ وإن البلاد لتحتاج في نهضتها إلى المؤرخ والمربي حاجتها إلى المهندس والطبيب والفني، بل تكون حاجتها إلى المربين والأدباء والمؤرخين وعلماء الاجتماع أكبر في بعض الأحيان.
إنني أحدها فرصة مناسبة لدعوة أساتذة التاريخ والتربية أن يوجهوا أبناءهم الطلاب في المرحلة الجامعية ( بحث التخرج) أو البحوث التكميلية في مرحلة الماجستير والدكتوراه للاهتمام بهذه القضايا فلا شك أن كل منطقة من مناطق المملكة فيها من العلماء والأعلام من يستحقون الدراسة لتتعرف الأجيال القادمة على الجهود الكبيرة التي بذلها أجدادهم في بناء هذه البلاد رغم أن الإمكانات لم تكن مثل إمكاناتنا اليوم.
شكراً للأستاذ السيد محسن باروم على روح الوفاء العظيمة التي تحلى بها في الكتابة عن هذه الشخصيات. وأود أن أضيف أنك عندما تقرا للسيد أو تجلس إليه لا تسمع منه إلاّ العاطر من الحديث والروح التي تحمل المحبة هذا الخلق الأصيل لدى الأستاذ الفاضل في كل ثنايا كتابه.

فمرحباً به إضافة علمية وفكرية للمكتبة السعودية بخاصة والمكتبة العربية بعامة. 

دروس من الصحافة المغربية


أردت أن أنهي هذه السلسلة من المقالات عن الصحافة المغربية لكنني وجدت أنني جمعت عدداً كبيراً من المقالات والأخبار فالصحافة كما يقال هي مرآة الشعب، ولكن ليس كل مرآة مرآة، وقد قرأنا كيف كان الإعلام سلاحاً لكبت الشعوب وتجهيلها وإرهابها وتخويفها في العالم العربي.  ومع كل ذلك فلا بد أن نقرأ ففي الأمة كتاب مخلصون لا يكتبون لإرضاء جيوبهم أو مخابيهم كما كان يصرح مدير جامعة الإمام محمد السالم (ملوا مخابيكم)
وفيما يأتي آخر دفعة من القراءات وأولها مقالة بعنوان "دور العلوم الإنسانية في تحليل وفهم المجتمعات المعاصرة" بقلم مصطفى الحسناوي" في صحيفة "المساء" يوم 11 مارس 2011م . بدأ مقالته بالتساؤل لماذا تفاجئ الحكام العرب بثورة شعوبهم عليهم وكانت إجابة الكاتب قوله أن هؤلاء الحكام "يجهلون شعوبهم والمأساة هو أنهم قضوا عقوداً يسوسون شعوباً يجهلونها" ويرى أن الفرق بين الأنظمة الديمقراطية والأنظمة المستبدة أنّ الأولى تدرس شعوبها " لتكيّف أساليب حكمها ومؤسساتها ونظم قوانينها وخطاباتها مع وضعه البشري المتعدد والمتحول... أما الأنظمة الاستبدادية لا تدرس شعوبها لأنها " مطمئنة" إلى أنه كائن بالمجاز لا تتعدى آدميته حدود خوفه وتملقه ونفاقه"
ويرى الكاتب أن جهل الحكام العرب بشعوبهم هو "مناخ ثقافي يحتقر العلم والمعرفة ويحتقر الإنسان في المحصلة لأن الأنظمة التي تهتم بدراسة الإنسان هي نفسها التي تحتفي به بينما الأنظمة التي تحتقر الإنسان لا تدرسه بل تقمعه من أن يعبر ويعيش تعدد وضعه البشري كإنسان."
ويضيف الكاتب أن الإنسان العربي كان "مثار استغراب وسخرية الكثير من السياسيين والمثقفين في الغرب والذي يحيل على انعدام الحركية والجمود القاتل وعلى القَبُول القَدَري بحتمية الاستبداد" ويرى الكاتب أن الاستقلال أو ما سُمّي الاستقلال لم ينتج سوى"الدولة الأمنية القهرية التي سادت بقوة المخابرات والأجهزة الأمنية وظل معها كل نزوع إلى التحرر الفعلي والديمقراطية والمواطنة مؤجلاً إلى أجل"
ويقول الكاتب:" إن العلوم الإنسانية، إذن، ليست ترفاً فكرياً ولكنها ضرورة معرفية لفهم الواقع وأنماط وآليات اشتغاله وديناميته ومنهج تطوره، وأمام تحولات كالتي يشهدها العالم الربي حالياً تصير الحاجة إليها أكثر من مهمة"
وبالنسبة لأهمية العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية فأحب أن أذكر مثالين، فقد أردت ذات يوم أن أحضر مؤتمراً في الصين دعا إليه معهد دراسات غرب آسيا وشمال أفريقيا المدعوم من الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية عام 2000م، فدلفت إلى شبكة المعلومات الدولية لأعرف أكثر عن المؤتمر وعن الأكاديمية فرأيت صورة للأكاديمية عام 1947 وهي لا تتجاوز أربعة أو خمسة طوابق فقط، وفي عام 2000م أصبح مبنى الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية أكثر من عشرين طابقاً، مما يدل على إدراك الحكومة الصينية للعلوم الاجتماعية والبحوث الاجتماعية وفهم الإنسان الصيني، بل سعت الصين من مؤتمرها عام 2000 الذي كان عنوانه (العولمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) الذي دعت له كبار المتخصصين في أنحاء العالم إلى فهم الشعوب الأخرى ودراستها.
والعلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية مكون أساسي لأي نهضة وهذا ما قاله أحمد بهاء الدين وهو يتحدث عن اهتمام اليابان بالعلوم الإنسانية وإيفادها شخصاً ليتعلم العربية ويتقنها ليتمكن من ترجمة مقدمة ابن خلدون إلى اللغة اليابانية من اللغة العربية مباشرة في كتابه (شرعية السلطة في العالم العربي) الذي نشر في عام 1984(تاريخ كتابة مقدمة الكتاب):" وقتها كانت اليابان خارجة من كبوتها وهزيمتها في الحرب العالمية الثانية. لم تكن قد هجمت على العالم كله بعد بسياراتها وترانزستوراتها وتلفزيوناتها وكل صناعاتها التي تذهل العالم وتزعزع أغنى الدول الصناعية الأخرى.
والبعض يظن – في سطحية – أن اليابان عكفت على إتقان هذه الصناعات وحدها، كلاً فنفس الجهد الذي كانت تبذله اليابان في مجال البحث العلمي والإنتاج الصناعي كانت تبذله –بالتوازي-في مجالات البحث الأخرى كالعلوم الإنسانية وتترجم مقدمة ابن خلدون من العربية رأساً إلى اليابانية. عرفت اليابان قيمة الكلمة والورقة كما عرفت قيمة الجهاز الإلكتروني الصغير وبغير هذا ما كانت اليابان لتحرز ما أحرزته من تقدم مذهل. ففي حياة الأمم لم يحدث أبدأ أن تم التقدم في مجال واحد دون مجال. المجتمع أو الشعب إمّا أن يتقدم في كافة المجالات لأنها تكمل بعضها وإما أن لا يتقدم."(ص 8-9)
وقبل سنوات حضرت مؤتمراً في معهد قوته بالقاهرة عن الشباب العربي والشباب الألماني (5% عن الشباب الألماني والباقي عن الشباب العربي) فعرفت أن شركة شل (البترولية) تقدم منحة لمؤسسات بحثية في علم الاجتماع لدراسة أوضاع الشباب الألماني اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً كل ثلاث سنوات. وتنفق شركة شل مبالغ طائلة على هذه البحوث التي توجه الحكومة الألمانية والمؤسسات الألمانية للتعامل مع الشباب.
أما في العالم العربي فظللنا نرفض دراسة مشكلاتنا بل الحديث عنها في العلن وكأننا مبرءون من كل العيوب وأننا لا نشكو من شيء بل كل شيء على ما يرام حتى إن زلزالاً حدث في إحدى المناطق وقام بعض الصحفيين بتصوير الحدث فما كان من رئيس التحرير إلاّ أن اتصل بالوزير (وزير الإعلام) فأمره أن لا ينشر أي صورة عن الزلزال. واستمررنا في السكوت عن مشكلة المخدرات حتى أصبحت وباءً، وسكتنا عن بعض أنواع التطرف حتى ابتلينا كما ابتلي غيرنا بأنواع من التشدد والتطرف والعنف.

وفي مجال العلوم الإنسانية حملت الأخبار أن رئيس كيان اليهود كان في زيارة لتركيا فصحب معه ما لا يقل عن عشرين عالماً ولم يكونوا علماء ذرة أو كيمياء وإنما كانوا من أقسام علم الاجتماع والآداب والتاريخ وعلم النفس والعلوم السياسية. وهكذا فعل رئيس تركيا حين زار إسرائيل. وعلى الرغم من العدد الكبير من الرسائل الجامعية التي قدمت للجامعات الأجنبية حول القضايا الاجتماعية في العالم العربي وكذلك أن بلادنا العربية تستقبل عدداً كبيراً من الباحثين الأجانب من أوروبيين وأمريكيين وحتى يابانيين يأتون لدراستنا فلا نستفيد من هذه الدراسات بينما علمت من الدكتور طه جابر العلواني الذي أن الرسائل الجامعية كلها يتم إعداد ملخص لها يرسل إلى الدوائر الحكومية فتقرر إن أرادت الاطلاع على الدراسة كاملة، فأي بلد عربي يطلع على الرسائل الجامعية ليفيد منها لا لمراقبتها كما يحدث في بعض البلاد العربية التي شكلت الجامعات ووزارات الداخلية لجاناً أمنية لمراجعة الدراسات الجامعية.

السبت، 21 فبراير، 2015

مقدمة كتاب لم يُنشر

المقدمة
علاقتي بالكتاب قديمة جداً تجاوزت الأربعين عاماً، ليست الكتب الدراسية التي يجبر التلاميذ على قراءتها وحفظ ما فيها، ولكن الكتب الأخرى، وكان من أول الكتب التي تحفظها ذاكرتي قصص الأنبياء والرسل التي كانت تأتي في حجم صغير في كتيبات صغيرة وربما كانت تلك السلسلة لعبد الحميد جودة السحار ، أو لغيره. ورأيت مجلات لونها رمادي أعتقد أنها مجلة النذير أو غيرها من مجلات الاخوان المسلمون في مصر  في بيتنا ولكنني شعرت أن والدي اضطر لأخفائها في وقت من الأوقات عندما أصبحت من المحرمات. وكأننا في العالم العربي لا نكتفي بالحدود والمراقبة بل التحريم يصل إلى أن يحرم على الإنسان أن يكون في بيته كتاب معين  أو مجلة معينة.
ثم عادت صلتي بالكتب حين وجدت بعض روايات نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ومحمد عبد الحليم عبد الله يتم تداولها بالسر فكنت  أحرص على أن أعرف ما فيها، وقرأت وقرأت لأنني لا أحب أن أرى ممنوعات أمامي ولا أتخطاها.
ثم كان حصولي على البعثة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وفي مكتبة جامعة بورتلاند الحكومية رأيت مكتبة عربية تقتني كل ما يمكن أن نعدّه من المحرمات كمجلات الموعد والشبكة وغيرها، وكذلك بعض كتب التراث العجيبة في محتوياتها. ولكن وحدت أن صحبة بعض الطلاب الأمريكيين تدفع إلى  القراءة دفعاً، وانتشرت في ذلك الحين كتب معينة، ولكني كنت أقرأ دون ترتيب أو تنظيم فقرأت الكثير، واشتركت في مجلة اسمها علم النفس اليومPsychology Today وقرأت غيرها الكثير، وشاركت في ورشة الكتاب بجامعة أريزونا الحكومية في مدينة تمبي وتبادلت الكتب مع زملائي وأصدقائي هواة الكتابة، بالإضافة إلى القراءة المنهجية المتعددة في مجال الأدب بخاصة.
وعدت إلى المملكة بعد خمس سنوات أمضيتها في أمريكا ليس ثمة كتاب ممنوع ولا صحيفة ولا غيرها. وكانت البركة في عودتي حيث وجدت كتباً في منزلنا كانت مقررة على أختي الكبرى  أسماء حينما انتسبت لجامعة الملك سعود في نهاية الثمانينيات الهجرية (الستينيات الميلادية) ومنها كتاب (الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي) للدكتور محمد البهي، وكتاب (الإنسان بين المادية والإسلام) وكتاب سيد قطب رحمه الله (العدالة الاجتماعية في الإسلام) وغيرها، ثم انطلقت أقرأ ما كتبه أبو الحسن الندوي وأبو الأعلى المودودي، وسيد قطب والقرضاوي وغيرهم.
وعدت إلى القراءة لأهرب من قراءات إجبارية في قسم التاريخ الذي ما تعلمنا فيه إلاّ حفظ الحوادت وأسماء القادة والزعماء، أمّا التاريخ الذي يتحدث عن المنجزات الحضارية العظيمة للأمة الإسلامية وللشعوب الإسلامية، وكيف كان الإنسان المسلم ذا قيمة حقيقية فلم أقرأ ذلك في مناهجنا. فقرأت وقرأت.
وشاء الله أن أصبح كاتباً رسمياً في صحيفة المدينة المنورة، فكان من الموضوعات الأثيرة لدي أن أعرض كتاباً أو أعلق على كتاب، فجاءت هذه المقالات عبارة عن عروض لكتب في السياسة والاقتصاد والاجتماع والأدب. هي ليست دراسات نقدية لهذه الكتب فما كانت المقالة الصحفية مناسبة لهذا ولكن توضيح لأهم أفكار تلك الكتب وبعض الملاحظات عليها.
ولقد بدأت هذه المقالات بموضوع مهم حول قيمة الكتاب عندنا في العصر الحاضر الذي يؤكد على أننا ما زلنا نقدم رجلاً ونؤخر أخرى أو نتقدم خطوة ونتراجع خطوتين إلا وهو إهداء الكتب، ثم قسمت المقالات بحسب موضوعها فمنها مراجعات في السياسة وأخرى في الاجتماع وأخرى في الأدب وهكذاً، أرجو أن تكون الصفحات القادمة تحمل المتعة والفائدة وإثارة الرغبة في القراءة والنقد والاطلاع. وأعتذر من القراء أن المقالات خلت إلى حد كبير من الروح النقدية ولكنها لم تخلو بإذن الله من تقديم المعلومة النافعة  المفيدة والله ولي التوفيق.

                                        الرياض

                        22جمادى الآخرة 1426هـ   

من تجربتي في البحث العلمي


عندما أعددت خطة البحث التي كانت بعنوان (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية من عام 1349-1358هـ/1931-1939م) لم أجد في مكتبة جامعة الملك عبد العزيز سوى أربعة أو خمسة كتب، ولكن استطعت والحمد لله إعداد الخطة في فترة وجيزة، واستطاع المشرف أن يقنع القسم والكلية بالموافقة على الخطة، وتلك ميزة أحسب أنها ممتازة لصالح قسم التاريخ في الأعوام 1402 و1403هـ أعددنا الخطة ثم لمّا بدأت الكتابة لم أجد مادة كافية في فصل أو أكثر فحذفت دون إجراءات مطولة. وكأنّ الأستاذ هنا مؤتمن على أن يقدم الطالب بحثاً جيداً.
بدأت التفكير بالسفر إلى الجزائر، والجزائر في تلك الأيام وربما حتى الآن، ليست بلداً سياحياً للعرب، الفنادق إما باهظة التكاليف، أو تعيسة قد ينقطع الماء فلا تجد ما تشرب أو تغسل وجهك أو تتوضأ. ولكن لمّا كنت أعمل في الخطوط كنت أطلب من مدير المحطة أن يقوم بالحجز، وربما الاستقبال والمساعدة. ومن الفنادق التي نزلت فيها الأورواسي-وهو الفندق الكبير الذي ينزل فيه ضيوف الدولة-ونزلت في فندق ألبير برميير (يعني ألبرت الأول) (من هو ولماذا يسمي الجزائريون فندقاً باسمه لا أدري) ونزلت في فندق الجزائر وفي فندق السفير. وأذكر مرة أنني نزلت في فندق بلا نجوم أو من الدرجة العاشرة فلم أتمكن من البقاء فيه ساعة لأنه غير مريح، غير نظيف، تعيس بكل معنى الكلمة. وكان لي صديق من الجزائريين فطلبت منه أن يستضيفني في بيته وفعل. وكان يركب التاكسي إلى بيته، فجاء إلى الفندق وحملت حقيبتي وقال تعال نُصلب! أي نقف فترة طويلة ننتظر أن يصل تاكسي، فقد كان عدد سيارات الأجرة قليلاً جداً في الجزائر في عام 1403هـ وكان ذلك في شهر شوال. أي بعد أن أمضيت أيام العيد مع أولادي انطلقت إلى الجزائر.
وبينما أنا أتجول في شوارع العاصمة مررت بمكتب الخطوط إما لأمر يخص الحجز أو لشيء آخر، وطلبت من الفتاة التي تعمل في المكتب كأس ماء، فكان هناك أستاذ مصري فقال ما دمت تعرفهم فهل تتوسط لي للحصول على الحجز للحج؟ فقلت سأحاول، ودار الحديث بيننا عن سبب مجيئي إلى الجزائر فأخبرته بأنني أبحث في التاريخ الجزائري وبخاصة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. فقال غداً يبدأ ملتقى الفكر الإسلامي السابع عشر في قسنطينة وستجد عدداً من العلماء في المؤتمر، ويمكنك زيارة وزارة الشؤون الدينية ويرتبوا لك الاشتراك في المؤتمر والسفر مع ضيوف المؤتمر في الطائرة الخاصة. وكان معه سيارته الخاصة فاصطحبني إلى الأستاذ حمودة من كبار المسؤولين عن الملتقى، فلما عرف سبب زيارتي رحب بي. وبالفعل كنت في الموعد المحدد في المطار وركبت معهم. وفي أثناء الرحلة سمعت بعض المشايخ يتحدثون عن جمعية العلماء، فالتفت إليهم وقلت أنا طالب ماجستير من السعودية وجئت لأبحث في تاريخ الجمعية. فرحبوا بي وبدأ الحديث لأتعرف منهم على أسماء العلماء الذين مازالوا على قيد الحياة ومن المهم أن أقابله وأخذت معلومات كثيرة.
وصلنا قسنطينة وهي مدينة تقع شرق العاصمة الجزائر وتبعد حوالي ثلاثمائة كيلومتراً أو أقل قليلاً. بدأ توزيع الضيوف على الفنادق فقيل لي إنك جئت متأخراً فليس لك غرفة في فندق ولكن ستسكن مع بعض ضيوف المؤتمر في سكن الطلاب في مدرسة الإدارة. فقلت لا بأس وكان خيراً حيث في هذا المكان المتواضع تعرفت إلى عدد طيب من الإخوة الجزائريين الذين أصبحوا أصدقاء، ومنهم الأخ الذي استضافني في بيته عدة مرات. وهذا الأخ هو الأستاذ عبد القادر برهومي (درس الفلسفة في بغداد) والآخر محمد شيوخ. وقابلت الشاعر الأخضر وشاعراً آخر هو مصطفى الغماري (وكان شاباً وزار إيران وتحمس للثورة في إيران، ولعله تراجع الآن عن تلك المواقف) وقابلت آخرين – كنت أدون مذكراتي في الرحلات ولا زلت وكثير من الأسماء حينما أبدأ في تنقيح هذه المذكرات إن شاء الله سأسجلها (الدفاتر ليست بين يدي الآن) 
أمضيت أسبوعاً جميلاً حضرت كثيراً من محاضرات الملتقى الذي كان عن الاجتهاد وحضره من السعودية الدكتور عبد الله التركي وقدم بحثاً عن الاجتهاد عند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله.

عدت إلى الجزائر وبدأت في زيارة المكتبة الوطنية للاطلاع على الصحف الجزائرية القديمة والسؤال عن الوثائق. وفي اليوم الأول بعد أن اطلعت على بعض الصحف القديمة وقلبتها أردت أن أصور بعض المقالات. فقيل لي لا يسمح لك بتصوير أكثر من عشر صفحات. فغضبت وانفعلت وقلت له أحضر إلى هنا من السعودية وتسمح لي بعشر صفحات فقط في اليوم فلو كنت أريد تصوير مائة صفحة لاحتجت إلى عشرة أيام، وأنا موظف وليس لدي الإمكانية أن أبقى مدة طويلة. ثم قلت له مستعد أن أشتري لكم الورق. فقال لا نريد منك ورقاً ولا نحتاج لمالك، هذا هو النظام. وبعد محاولات عدة معه سمح لي بأن أصور أكثر واسم هذا الموظف محمد رحومة. وصورت ما استطعت تصويره. ولكن قبل أن أستطيع استخدام المكتبة كان لا بد أن أمر على مدير المكتبة، وكان يأتي يوماً ويغيب الآخر، وأخيراً لما جاء دار بيني وبينه حديث عرفني وعرف رسالتي، فوافق على أن أستخدم المكتبة.
وأخبرني أحدهم أن الصحف الجزائرية القديمة موجودة في المكتبة الوطنية في باريس في الفرع التجاري وبإمكاني شراؤها. فأخذت ما أستطيع، واشتريت كتباً، وربما قابلت بعض العلماء في هذه الرحلة. وكان لا بد من رحلة أخرى. ولكني علمت أن زميلاً من جامعة الإمام يبحث في الجمعية ويمتاز باللباقة وطيب المعشر، فحصل على كثير من المعلومات التي لم يبخل بتقديم نسخ منها لي كما أنني قدمت له ما حصلت عليه من الجزائر في رحلاتي المتعددة، لأنني كنت موظفاً في الخطوط السعودية، أما هو فمعيد ولا تسمح إمكاناته بأكثر من سفرة واحدة. واسم هذا الباحث الدكتور اسحق عبد الله السعدي. وتخصصه ثقافة إسلامية بينما كنت متخصصاً في التاريخ الحديث. وأشرف عليه أستاذ فاضل هو عمر الخطيب رحمه الله ، وجاءت رسالته في ثلاث مجلدات بينما لم تزد رسالتي عن مائتين وستين صفحة.ولمّا عرف الدكتور أبو القاسم سعد الله أنني قدمت بعض المادة العلمية لزميلي إسحق قال الباحثون في موضوع واحد يستأثر كل منهم بما عنده من وثائق ليأتي بحثه متميزاً. فقلت له أنا لا أؤمن بهذه الفلسفة. وكدت أضيف سيكون بحثي مميزاً مهما كانت الأمور

زرت الجزائر ثانية وثالثة ورابعة أجمع مادتي العلمية وأقابل العلماء وأجري معهم لقاءات علمية أسجلها بالمسجل لأفيد منها في كتابة البحث، وكن من هؤلاء المشايخ محمد خير الدين رحمه الله وهو من الأعضاء المؤسسين للجمعية والشيخ حمزة بوكوشه، وله صوت مميز وكبير في السن ومن الأعضاء القدامى، وقابلت محمد الصالح الصديق، وقابلت محمد صالح رمضان، وقابلت محمد قنانش، وهو من حزب الشعب الذي أسسه مصالي الحاج وهو من المتغربين رحمه الله، وكان قنانش يكيل السباب للجمعية لأنها مؤسسة على الدين وهم لا يرون الدين يصلح أن يكون أساساً للعمل السياسي.
كما قابلت أمين مكتبة رئاسة الجمهورية، وحاول أن يوهمني بدوره الكبير في أمور الحركة الوطنية، ولكن نبرة صوته كانت تنبي عن غير ما يقول. وكان من أدلتي على ذلك أنه امتدح رجلاً كان يقول: "حيثما تكون ثورة أكون، وحيثما أكون تكون ثورة" ومثل هذا الكلام يقوله المعجب بنفسه. وقديماً قيل" كفى بالمرء جهلاً أن يُعجب بكل ما عمل". وهذا المعجب بذاته أحمد توفيق المدني
وقابلت وزير الشؤون الدينية الشيخ الأستاذ عبد الرحمن شيبان (رحمه الله)-أصبح رئيساً للجمعية بعد إعادة تنشيطها، ولكن شتان بين جمعية حاربت الاستعمار الفرنسي وجمعية تحارب العلمانية والتغرب والتفرنس. ورجال زمان ليسوا مثل رجال اليوم، وإن كنت لم أطلع على نشاطاتهم تماماً ولكني أميل إلى أن الجمعية الأولى كانت أقوى.
وفي لقائي مع الوزير سألته عن رأيه في كاتب صحفي أو رئيس تحرير صحيفة الشعب الجزائرية محمد عباس وكان يكتب مقالات ينتقد الجمعية وينتقص منها ومن رجالها ويسخر. فقال أقول لك بيتين هما ما أقوله فيه: وبدأ يقول الأبيات وأحببت أن أكتب فقال لا لا تكتب. ولكني حفظت، والبيتان هما:
وشادن قلت له ما اسمك يا فتي فقال باللثغة عبّـــاثُ
فصرت من لثغته ألثغ وقلت أين الكاث والطاثُ
وحدثت لي قصص طريفة أذكر واحدة منها أنني كنت في الجزائر في وقت قدوم الحجاج وكانت طائرات السعودية مزدحمة، وتذكرتي المجانية لا قيمة لها، فذهبت إلى الجزائرية، أبحث عن مقعد لأنني مضطر للعودة إلى العمل، فبت الليل كله في المطار أنتظر رحلة الخطوط الجزائرية في صباح اليوم التالي. واشتريت تذكرة بالعملة الصعبة أو ببطاقة الائتمان. ولكن كانت ليلة عصيبة لم أعرف أنني سأعود إلى المملكة بعد يوم أو يومين أو شهر. وركبت الطائرة ولم يكن فيها مقعد واحد شاغر والركاب معظمهم من كبار السن ومن القرى وبعضهم لم يركب الطائرة من قبل فكانت رحلة صعبة، ولكن ما أجمل الرجوع إلى الوطن

وفي أثناء البحث في تاريخ الجمعية زرت مدينة إكس إن بروفانس وباريس وكانت لي تجارب طريفة فيهما.

الجمعة، 20 فبراير، 2015

الإسلام ليس تهديداً فما بال الغرب

                                          بسم الله الرحمن الرحيم
                 
يتحدث المتحدثون ويكتب الكاتبون ويحاضر المحاضرون عن أن الإسلام ليس تهديداً للغرب. وكم عقدت من ندوة ومؤتمر للحديث عن التهديد الإسلامي (المزعوم)للغرب.  وقد تنبه قسيس في معهد هارتفورد اللاهوتي بولاية كنديكت بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1990 إلى هذه المسألة بعد انهيار معظم أنظمة الحكم الشمولي الشيوعي في أوروبا الشرقية فكتب مقالة قصيرة يتساءل فيها عمن سيكون الشبح المخيف الجديد (الفزّاعة) التي سوف يتخذها الغرب بعد سقوط الشيوعية. وأشار إلى أن بعض الكتّاب وبخاصة من ذوي الأصول اليهودية جعلوا الإسلام هو التهديد الجديد للغرب، ومن هؤلاء كريس كروتهامر. ولم يكتفوا بجعله خطراً على الغرب وحده فهو خطر عالمي أو كوني (Global)
وقد كتبت في هذا الأمر في جريدة المسلمون بعنوان (لماذا يخوفون الغرب بالإسلام؟) (المسلمون، 4/جمادى الآخرة، 21ديسمبر 1990) وكتبت أيضا بصحيفة سعودي جازيت (بالإنجليزية):" هل الإسلام تهديد للغرب؟"  وكثرت المقالات بعد ذلك تتناول هذا الموضوع بصور شتى كما كثرت الندوات والمؤتمرات التي عقدت للبحث في هذه القضية. فمن المقالات ما كتبه فهمي هويدي حول " مخاوف الأمريكيين تجاه الظاهرة الإسلامية وما حدث من خطوات لإقصاء الإسلاميين عن السلطة حتى لو وصلوا إليها عن طريق انتخابات حرة نزيهة مهما كانت الوسائل. (المجلة 19/12/1993) وما كتبه بعد ذلك عن الاتصالات بين فرنسا وألمانيا للتباحث في شأن الخطر الإسلامي (المجلة 27/3/1994) ومقالته بعنوان: (12سبباً وراء مخاوف الغرب من الحالة الإسلامية) (المجلة 10/6/1994). وهناك مقالة بعنوان (حقيقة ما يقال عن خطر "القنبلة الإسلامية " كتبه علي إبراهيم (الشرق الأوسط 17/6/1992)
وقد تعجبت وقتها لماذا يهتم عالم لاهوتي نصراني بالدفاع عن الإسلام أو الكتابة متعجباً من اتخاذ الإسلام شبحاً لإخافة الغرب. وقد ظل هذا السؤال يتردد في نفسي منذ تلك الأيام ولا أزعم أنني وجدت الإجابة الشافية له ولكنني أريد أن أقدم سؤالاً مقابل سؤال: إذا لم يكن الإسلام تهديداً للغرب فهل الغرب تهديد للإسلام؟
هل الحديث عن التهديد (المزعوم) للإسلام ذريعة لمنع أو إيقاف الحديث عن تهديد الغرب للإسلام؟ إن الغرب أو الشمال النصراني كما يسميه محمود شاكر رحمه الله-لا يزيد تعداده عن عشرين في المئة من سكان الكرة الأرضية ويستهلك حوالي ثمانين بالمائة من مواردها وثرواتها. هذا الغرب هو الذي ينتج أكبر كمية من السلاح في العالم، ولا تقع حرب في أي بقعة من الأرض حتى تتداعى دول الغرب تبيع السلاح لهذا الطرف أو ذاك وتقف تتفرج على الفريقين وقد تساعد فريقاً على الفريق الآخر إما لإطالة أمد الحرب واستمرار الحاجة للسلاح الغربي أو لأهداف أخرى. وقد سمع العالم وعرف ما سمي بإيران جيت وكونترا جيت وغيرها من الجتات أو الفضائح حتى إن إحدى القنوات الفضائية أعدت برنامجاً اسمه فضائح القرن العشرين. ومن صاحب هذه الفضائح غالباً-إن لم يكن الغرب؟
وبالرغم من أن الدول الإسلامية تمتلك مخزوناً كبيراً من الثروات الطبيعية وطاقات بشرية هائلة لكن الدول الغربية استطاعت أن تحقق نجاحاً اقتصادياً في استثمار الثروات الطبيعية التي تستوردها بأسعار تتدخل هي في وضعها وتعيد تصديرها إلى العالم كله بأسعار تحددها بنفسها. وهاهي الدول الاسكندنافية التي لا تملك سوى كثافة سكانية محدودة تحقق دخلاً من أعلى المداخيل في العالم.
وتأتي خطورة الغرب في الجانب السياسي أنه لا يرى أن العالم عرف نظاماً سياسياً على مر العصور أفضل من النظام الديموقراطي صرح بذلك المستشرق برنارد لويس قبل أكثر من خمسين سنة وجاء فوكوياما ليكرر الزعم نفسه -ولذلك فهو يسعى لنشر هذا النظام حتى إن جامعة جورج تاون في واشنطن العاصمة قد أنشأت مؤسسة بعنوان (مؤسسة الديموقراطية والتغيير السياسي في الشرق الأوسط) ورئيسها هو البرفسور دانيال برمبيرج ويعمل فيها ستيفن هايديمان. وتعقد هذه المؤسسة وغيرها من المؤسسات ومراكز البحث العلمي الندوات والمؤتمرات لتنظر في كيفية تصدير الديموقراطية إلى العالم كله. وقد جندت الأمم المتحدة التي تعمل بإمرة الغرب-أكثر من عشرين ألف جندي للإشراف على الانتخابات في كمبوديا-ولم تستمر تلك الديموقراطية إلاّ وقتاً قصيراً.
ولئن كان خطر الغرب واضحاً في المجالات السياسية والاقتصادية فإنه أهم وأخطر في الجوانب الفكرية والثقافية فقد كتب الأستاذ بكر بصفر قبل سنوات (المسلمون، 4شوال 1411)حينما كان الرئيس الأمريكي جورج بوش يبشر بالنظام العالمي الجديد قائلاً :" لا أدري أين يجد الحالمون بالنظام العالمي الجديد له أثراً وهم يشاهدون تفاقم هيمنة الغرب على العالم بأقماره الصناعية وبوكالات أنبائه وإذاعاته وبقية وسائل إعلامه التي يذيب بواسطتها ثقافات الشعوب ويهيئها للاندماج في المركزية الثقافية الغربية" ويقدم الأستاذ بصفر إحصائية لهذه السيطرة فيذكر أن أربع وكالات أنباء غربية تسيطر على 80% من جميع الأخبار التي تبثها وسائل الإعلام في العالم، ويسيطر الغرب على المواد الإعلامية الترفيهية والثقافية كما الأفلام والمسلسلات، فشركة (CBS)التلفزيونية الأمريكية توزع برامجها في 100 دولة بينما تعرض البرامج والأفلام التي تنتجها شركة ABC في 60% من تلفزيونات العالم". وقد اتحدت شركة سي إن إن CNNمع شركة التايمز لتصبح بحق إمبراطورية إخبارية. أما في المجال الإذاعي فتتحكم الدول الغربية في 90% من الموجات الإذاعية (عن بكر بصفر)
ألا نخشى الغرب وقد أصبح منذ أكثر من مائتي عام مصدر العلوم المختلفة فقد درس وما زال يدرس أعداد من أبناء هذه الأمة في جامعاته ومراكز بحوثه وهو الذي يعقد المؤتمرات للحديث عن أوضاعنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وعن أدبنا وعن الفلكلور وغير ذلك.

ليس المقصود بالحديث عن تهديد الغرب للإسلام والعالم أن يصيبنا الخوف والجبن والهلع من هذا الغرب فما كان المسلم ليخاف أحداً إلاّ الله كما علّمنا القرآن الكريم {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً} فمن هذا المنطلق لا يمكن للمسلم الحق مهما كانت قوة الغرب وجبروته وسطوته أن يخشاه. ولكننا نقول كفوا عن التخويف من ظاهرة عودة الأمة الإسلامية إلى دينها فقد كان الاحتلال الفرنسي في الجزائر يخوّف دائماً من ظاهرة الصحوة الإسلامية والعودة إلى الإسلام، ويتهم الذين يدعون إلى العودة إلى الإسلام بأنهم دعاة إلى ما يسمى (كراهية الأجنبي Xenophobia   وقد كتب ابن باديس العالم الجزائري رحمه الله-قائلاً:" نهضنا نهضة لا يخشاها والله النصراني لنصرانيته ولا اليهودي ليهوديته ولكن يخشاها الظالم لظلمه والمغتصب "
فالتهديد الحقيقي هو الصادر من الغرب الذي أسس الشركات المتعددة الجنسيات وقدم الخبرات وأنشأ مؤسسات الاستخبارات الضخمة جداً ذات الأيادي الطويلة وما خبر لعبة الأمم عنّا ببعيد. ومن الأمثلة على ما تفعله بعض الشركات المتعددة الجنسيات في الشعوب الإسلامية بخاصة والشعوب الأسيوية والأفريقية بعامة ما كتبه خالد الحروب (الحياة في 26رجب 1417) عن شركة شل وما حققته من أرباح من نشاطاتها البترولية في نيجيريا وبخاصة الواقعة في أراضي قبائل الأرغون.
كما تناول خالد الحروب ما حدث في كولومبيا من قبل شركة بريتش بتروليوم التي اكتشفت حقلاً نفطياً غنياً من أغنى حقول العالم ويقول حروب:" ثم بدأ    النهب وجاءت السياسة تبارك رأس المال فزار جون ميجور منشآت الشركة برفقة الرئيس الكولومبي عام 1992 والناس ينتظرون وعود الازدهار وخيرات النفط" وكانت النتيجة أن أصبحت الشركة متعاونة مع قوات تلك الدولة لقمع العمال والشعب الكولومبي"
وما زلت أذكر برنامج (الرأي الآخر) حول الشركات متعددة الجنسيات حيث كان أحد المتحدثين ينتقد الشركات المتعددة الجنسيات بأنها إذا دخلت بلداً عاثت باقتصاده وغيرت أنماط حياته وسلوكه الاجتماعي، وأصبح الغني أكثر غنى والفقير أكثر فقراً. والنتيجة النهائية أن تخرج هذه الشركات بأكبر قدر من الأرباح بينما لا يستفيد البلد المضيف الاستفادة الحقيقية.
وأعترف أن مثل هذا الموضوع يحتاج إلى بحث أكاديمي موسع ولكني سأقدم فيما يأتي ملخصاً لبعض المقالات التي نشرت في بعض الصحف والمجلات العربية حول هذا الموضوع ويؤيد أن الغرب هو التهديد الحقيقي للإسلام وللعالم أجمع.
ففي مجال الثقافة والفن كتبت مجلة الشرق الأوسط (27مايو 2يونيو1992) عن الإنتاج السينمائي المشترك تحت عنوان (من يدفع لمن في الإنتاج المشترك). وهو الذي تقوم فيه مؤسسات غربية وبخاصة الفرنسية بدفع مبالغ لإنتاج أفلام بين بلدين وقد ظهرت مجموعة من الأفلام في مصر وتونس والجزائر والمغرب ولبنان بتمويل فرنسي. وجاء في المقال وهو غني عن التعليق-ما يأتي:" واجه [الإنتاج المشترك] بهجوم شديد وصل في بعض الأحيان إلى اتهام المخرج بالعمالة والخيانة على المستوى الثقافي والخضوع للأفكار المغرضة التي يفرضها الطرف الفرنسي(القوي) على الطرف العربي الضعيف والمضطر لقبول شروط الممول..."
وقد ذكر المقال مثال فيلم (وداعاً بونابرت) الذي كان النقد الموجه إليه أنه " تحريف للتاريخ الحقيقي لحملة نابليون والمقاومة التي قابلتها من جانب المصريين لحساب إبراز الدور "الحضاري" الفرنسي المزعوم"
ومن الخطر الأوروبي الحقيقي ما حدث للمسلمين في البوسنة وفي الشيشان. ففي الوقت الذي كان الصرب ومن معهم من شعوب أوروبا بدعم صريح وواضح يرتكبون المجازر التي راح ضحيتها مئات الألوف من المسلمين يتداعى العالم كله لاستنكار مقتل عدد من اليهود في فلسطين. وقد ظهر في الأوروبيين من يعترض على ما فعله الغرب بهذا كاتب بريطاني قد أصدر كتاباً بعنوان (الجيب الآمن: سربيرينتسا: أبشع مذبحة عرفتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.) وفي هذا الكتاب يوضح حجم المجازر التي ارتكبت من قبل الصرب وسكوت الغرب بل ومعونته للمجرمين (الشرق الأوسط، 7/9/1997)
وفي الشيشان كانت الطائرات الروسية تقصف جروزني بعنف ووحشية بينما أموال صندوق النقد الدولي تتدفق على روسيا بآلاف الملايين من الدولارات. وكل ذلك حتى لا ينال الشيشان استقلالهم بينما وقف الغرب كله خلف أستونيا ولاتفيا وليثوانيا حتى نالت استقلالها.
وللغرب خطر كبير منذ امتيازات القناصل في الدولة العثمانية التي كانت تقوم بحماية عدد من أيناء الدولة العثمانية حتى إن العلماء في المغرب أصدروا فتوى بأن الذي يقبل الحماية الأجنبية (يرضى بالقوانين الغربية ويرفض الشريعة الإسلامية ، أفتوا بكفره) وقد استمر هذا النفوذ في صور أخرى ومنها إنشاء مراكز البحوث والمعاهد الأجنبية في العالم الإسلامي ومن هذه المراكز-على سبيل المثال- مركز ابن خلدون الإنمائي الذي كتب عنه الدكتور محمد عبد العليم مرسي قائلاً:" وهناك صنف من الباحثين العرب يضعون أنفسهم في خدمة هذه المراكز ويؤدون لها دور حصان طروادة ، عن جهل وسذاجة حيناً ، وعن قصد وسوء نية بل عمالة مكشوفة أحياناً أخرى.."(المسلمون 9ذو الحجة 1414)
وأختم بخبر حديث فقد قرر الاتحاد الأوروبي في آخر اجتماعاته في لكسمبورج عدم الموافقة على طلب تركيا الانضمام للاتحاد الأوروبي. فهذه تركيا تحاول منذ سبعين سنة الانضمام لأوروبا ولكن يبدو أن المجموعة الأوروبية لا تريد تركيا، وأن على تركيا أن تتجه إلى الشرق أي إلى العالم الإسلامي وأن تركيا مهما حاولت عليها أن تعرف هويتها الحقيقية. وقد كان رد الفعل التركي قوياً ونرجو أن يتخذوا الخطوات العملية للاتجاه إلى العالم الإسلامي فهم منه وإليه. (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)