الثلاثاء، 29 نوفمبر، 2016

الغزو الثقافي والمثقفون

 (المدينة المنورة العدد  (12486)16صفر 1418هـ  (21يونيو 199م المقال:288)



          أتعجب كثيرا من الذين يزعمون أن الغزو الثقافي أمر وهمي، هل غاب عن أذهانهم أن العالم يتسع لعشرات الهويات والمذاهب والشخصيات وأن الحضارة العربية مهما كانت قوتها ونفوذها لن تستطيع أن تمحو تلك الهويات والشخصيات؟ هل غاب عنهم ما حاولت الدول الاستعمارية أن تفعله بالشعوب العربية المسلمة التي وقعت تحت نير الاحتلال ؟
          من السهل أن أحيل القارئ الكريم إلى عشرات الكتب التي تناولت هذه القضية مثل كتاب الدكتور محمد حسين رحمه الله تعالى  (حصوننا مهددة  من داخلها، أو في وكر الهدامين) أو كتابه  (الإسلام والحضارة الغربية) أو كتابه الاتجهات الوطنية في الأدب العربي الحديث)، وأو كتاب الشيخ محمود شاكر  (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) أو كتابه  (أسمار وأباطيل) وغيرها من الكتب، ولكنني أود أن أنقل صورا من واقعنا المعاصر الذي نعيشه للغزو الفكري الذي ابتلينا به بعد أن رحل المستعمر الأبيض وحل محله المستعمر الأسمر.
          ونبدأ بالجانب العقدي فقد تأثر العالم الإسلامي الطرق الصوفية، وضعف تمسك المسلمين بالعقيدة الإسلامية من حيث حقيقة الإيمان بالله عم وجل وأن الله هو الخالق الرازق المحي الميت، وأتساءل دائما لماذا تفوق المسلمون الأوائل ؟ ولا أجد إجابة أصدق من القول بان المسألة تتعلق بالعلاقة بين الفرد وربه سبحانه وتعالى، فمتى استقامت العقيدة علم المسلم أن الرزق والحياة والموت بيد الله سبحانه وتعالى، وكم توقفت عند وصف أحد العرب الذين كانوا في الجيش الروماني في أثناء فتوحات الشام حيث قال، جئت من عند قوم ورهبان بالليل وفرسان بالنهار، والموت أحب إليهم من الحياة، وهذا مصداق لقوله صلى الله عليه وسلم،  (توشك أن تداعى عليكم الأمم كتداعي الأكلة إلى قصعتها قالوا أو من قلة نحن يومئذ قال: لا... أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
          ألم تتأثر العقيدة الإسلامية بالغزو الثقافي الذي جعل العلاقة بين المسلمين وغيرهم مسألة مصالح أو صراعا اقتصاديا وليس مسألة إيمان أو كفر. وقد تناول مؤلف كتاب  (واقعنا المعاصر) مسألة النزاعات الوطنية التي خلت من التوجه الإسلامي وكانت ترى الصراع مع قوى الاحتلال الأجنبي مسألة وطن وتراب ومصالح.
          ظهر الغزو الثقافي في مجال الأدب فكم ظهرت من دعوة في العالم الإسلامي تنادي بتبني المذاهب الأدبية الغربية في الكتابة وفي النقد حتى غفلنا أنلنا تاريخيا عظيما ولغة من أعظم اللغات في العالم. زمن العجيب أن اللغة العربية التي كتبت وقيلت منذ أكثر من ألف وخمسمائة سنة يمكننا أن نفهمها في العصر الحاضر بينما لا يمكن للناطقين باللغة الإنجليزية ما يطلقون عليه اللغة الإنجليزية المتوسطة ومنها التي كتب بها تشوسر  (حكايت كونتيري). نعم قد يصعب على بعض العرب فهم بعض المفردات العربية في الشعر الجاهلي أو في المقامات أو في بعض ما كتبه الجاحظ وهذا ليس لأن اللغة تغيرت ولكن لأن قدراتنا اللغوية ضعفت كما أننا لم نعلم أبناءنا استخدام معاجم اللغة من المرحلة المتوسطة وربما الابتدائية.
          ومن يرد أن يعرف ما حدث في ذائقتنا الأدبية فعليه الرجوع إلى كتاب الشيخ محمود شاكر  (رسالة في الطريق إلى ثقافتها). وقد أفسدت الذائقة أكثر فأكثر عندما شاع ما يطلقون عليه الحداثة وما أسميه أحيانا الكلمات المقطعة.
          ومن الغزو الثقافي اللغوي أننا في معظم جامعتنا العربية الإسلامية مازلنا ندرس العلوم والطب باللغات الأوربية فهل عجزنا اللغة العربية أن تكتب بها هذه العلوم. وها هو الدكتور زهير السباعي يكتب تربته في تعليم الطب باللغة العربية فيذكر إحصيات دقيقة أن المصطلحات الطبية في الكتب التي تدرس الطب لا تتجاوز ثلاثة بالمائة من المادة العملية. وقد أدركت هذا وأنا أساعد ابني في مادة تجهيز المختريات في كلية التقنية الطبية. فمن العبارات التي وردت باللغة الإنجليزية أن حجرة المختبر يجب أن تكون جدارنها مطلبة بلون كذا وأن تكون سعتها كذا وغير ذلك من المعلومات التي يمكن بكل سهولة قولها باللغة العربية وكذلك الحال في مواد أخرى.
          ثم ألم يكن غزوا ثقافيا ذلك الذي أدى إلى انتشار المذاهب الشيوعية والاشتراكية في الحكم في العديد من البلاد العربية الإسلامية، وحتى طغى الفكر الاشتراكي المادي على كثير من المثقفين في عالمنا الإسلامي. وانتشر التأميم في بعض البلاد الإسلامية وتضخم القطاع العام حتى أصبح معظم الشعب في بعض البلاد يعمل في هذا القطاع وكان هذا القطاع أنشئ ليس للإنتاج وإنما لتقديم رواتب للبطالة المقدمة. ومن طرائف هذا القطاع أن المكتب الواحد يحتله أكثر من موظف. بل أصبح شائعا أن يأتي الناس صباحا للتوقيع ثمّ يعودون ظهرا للتوقيع بالانصراف.
          ولعل من الأمثلة على تأثير التفكير المادي ما صرح به الأستاذ مشعل السديري في البرامج بأنه ليس هناك غزو ثقافي وأن كل ما في الأمر مصالح لدولة في دولة أخرى. فتعجبت مما سمعت وأتمنى أن أكون مخططا فيما سمعت. فكيف نغفل عن هذا التاريخ والواقع الذي أمامنا ثم نصر على حتميات المصالح وقد سقطت الحتميات في البلد الذي نشأت فيه.

          والغزو الثقافي واضح في أغراق أسواق العالم بالإنتاج التلفزيوني بأرخص الأسعار وبخاصة في مجال أفلام الكرتون الموجهة للأطفال وذلك حتى لا يقوم المسلمون والأمم الأخرى بإنتاج ما يناسبها مع تشجيع السينما التي تعد امتدادا للغزو الثقافي الغربي. أرجو أن يتصل الحديث في هذا الموضوع مستقلا. والله الموفق.

السبت، 26 نوفمبر، 2016

أمريكا تحتـــــــضر

                              (*)

كان حديثي في الصفحات السابقة يتناول تجربة شخصية استطعت من خلالها النفاذ إلى أشياء كثيرة في المجتمع الأمريكي، ومع أن ما كتبته حتى الآن ليس إلاّ بقايا ذكريات دونت بعضها في دفاتري والبعض الآخر بقي في خبايا الحافظة ينطلق من مكمنه كلما أثار الحافظة أمر مهم. إلاّ أن هناك حقيقة مهمة وهي أنني ذهبت إلى أمريكا في بعثة دراسية، وكان عمري عندها ثمانية عشر عاماً، ولم يكن لدي منهج واضح في التفكير والسلوك، فلو كنت صاحب منهج وطريق لكانت مشاهداتي أعمق بكثير مما ترى، ودراستي للمجتمع الأمريكي أدق وليس هذا بطبيعة الحال اعتذار عما كتبت وأكتب ولكن حقيقة أحببت إيضاحها قبل أن نقطع منتصف الطريق مع هذه المشاهدات.
واليوم أكتب عن احتضار أمريكا ليس كخاتمة لهذه السلسلة من المقالات، فالموت هو النهاية لكل كائن حي وموت أمريكا سيكون حدثاً كبيراً بقدر ما احتلت من مكانة أيام شبابها وفتوتها، وإنما أكتب عن الاحتضار لأن هذه فترة قد تخفى عن الكثير من الناس بل ربما معظمهم لأنه تتخللها سكرات الموت، ومن رأى أحداها ظن أن أمريكا لا تموت ولكنها في الواقع صحوة سريعة الانقضاء، وهناك من العوامل التي تساعد على إخفاء احتضار أمريكا عن الأعين، سأحاول تجليتها وكشف الحقائق التي تشير إلى أن انهيار أمريكا أمر وشيك الوقوع. وإليك هذه العوامل:
        أولاً: الأجهزة الدعائية القوية التي تمتلكها الولايات المتحدة ومنها ما تتكفل بالصرف عليه كوكالات الأنباء، وهذه يديرها الصهاينة اليهود -أو لهم تأثير كبير فيه- الذين يقومون بالترويج للحياة العصرية بكل فسادها، لأن ذلك سيساعد على نقل العدوى إلى بقية دول العالم فيتهاوى مما يمكن لهم الإجهاز عليها بالتوالي، وحينئذ يشرعون في إقامة مملكة صهيون. وينبع هذا الحقد الدفين الذي لا يتوفر بهذا الشكل إلا عند اليهود، وثاني الأجهزة الدعائية صوت أمريكا التي تبث بلغات شتى وتضع السم في الدسم، ونجد ذلك بوضوح في نشراتها الإخبارية وتعليقاتها السياسية التي يهمها أن تظهر أمريكا في مركز القوة.
وثالث الأجهزة الدعائية السفارات الأمريكية التي تنبثق عنها المراكز الثقافية والتجارية والبعثات التنصيرية، ففي المراكز الثقافية نجد برامج تعليم اللغة الإنجليزية واحداً من نشاطات كثيرة متعددة بينما تعليم هذه اللغة في حد ذاته أمر بالغ الخطورة لما يتضمنه من نشر عادات وتقاليد وعقائد الغرب، وأذكر هنا أنني وجدت في أحد كتب تعليم اللغة الإنجليزية صورة لربة بيت منهمكة في أعمال المنزل وصورة لزوجها في عمله وكتب تحت الصورتين: "السيد فلان سعيد لأنه يعمل خارج البيت، أما السيدة فلانة فتعيسة لأنها قابعة في المنزل طوال اليوم." ولا يخفى على ذي عقل المقصود من هذه الجرعة (البريئة) التي نقدمها لأبنائنا. وهذه الكتب لا شك أن خبرات المراكز الثقافية الأمريكية الاستشارية لها يد طولى في تأليفها وإقرارها.
ورابع هذه الأجهزة الدعائية المساعدات الاقتصادية والعسكرية والخبرات الفنية وغيرها من مساعدات، وهذه وسائل دعائية ولكن بطريق غير مباشر إذ الهدف الأساس منها هو ربط الشعوب بعجلة الغرب في جميع المجالات، وما هذه المساعدات إلاّ ممهدات له ولأبعد من ذلك حيث استغلال خيرات الشعوب والتسلط على مقدراتها.
ولا يفوتني هنا أن أذكر إعلامنا العربي والإسلامي الذي كثيراً ما يهول صور الأشياء فيلبسها الوجاهة والعظمة وهي غاية في الحقارة، يحاول بين الحين والآخر إظهار أمريكا بأنها الدولة التي تتربع على عرش العالم، ولا يحدث هذا عن حسن نية لأن الله عز وجل يقول {وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}([1]) وكم يبدو العالم الإسلامي صغيراً في أعين هذه الصحف حينما يكون الحديث عن المدنية الغربية.
وخامس هذه الأساليب الدعائية وهو الأكبر أثراً والأشد خطراً وهو ما يجب استئصاله سريعاً هو الجسم الحامل للميكروب؛ لأن الجسم الذي يحمل الميكروب ينقله إلى كل من حوله وبسرعة مدهشة، هذا الجسم هو أبناؤنا الذين بعثنا بهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من دول الغرب لتلقي علومهم وآدابهم في الوقت الذي يفتقرون فيه إلى العقيدة الصحيحة الراسخة، وإلى التربية السليمة على هدي من هذه العقيدة وللأستاذ أحمد محمد جمال بحثاً شيقاً في هذا الموضوع تضمنه كتابه (محاضرات في الثقافة الإسلامية)، ويجمل الأستاذ جمال أسباب الانحرافات الأخلاقية التي يقع فيها الشباب في ثلاث: الأسباب الخارجية، والأسباب الذاتية، والتناقض الذي يعيشه المجتمع الإسلامي، ويقترح أننا حين نرسل أبناءنا إلى الخارج نهيئ لهم الجو الإسلامي في الخارج من سكن ورفقة وإرشاد وتعليم، ولا شك عندي أن هذا اقتراح وجيه حبذا لو أخذنا به خاصة لو دعمت هذه البيوت ببرنامج تثقيفي إسلامي قبل ذهاب الشباب إلى الخارج،([2]) لأنه إن تذوق الشاب حلاوة الإيمان وقويت العقيدة الإسلامية في نفسه وعرف كيف يدعو {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب}([3]) واطلع على مخططات الغرب والصهاينة ضد الإسلام وفهم المنهج الإسلامي في الآداب والعلوم والفنون حينها لا ضير لو أرسلناه إلى هناك إن كانت الحاجة ماسّة لإرساله، أما لو كانت هذه البيوتات هناك في الغرب فقط، فإن تلقي الغث مع السمين قد يضر بما يتعلمه من العقيدة الصحيحة لأنه سيكون أكثر تأثراً بالحياة الغربة والدراسة وفقاً لمناهجهم، وعندما لا يؤخذ بأي من هذين الاقتراحين وهو الحاصل فإن خيرة أبنائنا والصفوة الممتازة منهم والمتفوقين في دراساتهم يلقون في أيدي معادية لنا ولديننا، فيلقنون العلوم والآداب حسب مناهج لا دينية كما تتولد لديهم أنماط من التصورات والرغبات والشهوات مخالفة للإسلام، ويجدون أن لا حرج في اقتراف كثير من الآثام التي تعدّ من الكبائر لكنها أمور عادية جـدّاً في تلك المجتمعات، والمعروف أن الإسلام يقرر قاعدة مهمة (الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الغير)، وعندما يضعف الضمير ويغطيه صدأ الآثام فتضعف حساسيته نحو الخير والفضيلة، وكلما طالت المدة ازداد الصدأ وكثر الشر واستمرأت النفس الإثم، ولا يخفى علينا مدى تأثير هؤلاء في المجتمع الإسلامي عند عودتهم حيث إن المجتمع يهيئ لهم –بوعي وبلا وعي فالتخطيط استعماري قديم- المراكز الحساسة ليحتلوها وهذه أشد ما تكون ضرراً إن تكن في مجال التربية والتعليم والإعلام بفروعه المختلفة. وأما إن أحضر الواحد منهم زوجة فهي زيادة على أنها قد لا تؤمن بقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا فلربما تسخر منها وتنظر إليها باحتقار، ذلك أنها من أمة قوية لها اليد الطولي في المدنية والتقدم مما يجبر الشاب المسكين على مشاركتها لتستقيم حياته معها، وإن لم تكن هذه مشاركة هدامة تنتج الخراب فإنه يضطر إلى الانعزال عن جسم المجتمع ولا يعيش إلاّ مع الغرباء يكمل معهم تلك الحياة التي بدأها هناك، ومع ذلك سيكون له تأثير في غيره عن طريق قرابته الآخرين وأصدقائه والعاملين معه.
والعامل الثاني الذي يساعد على إخفاء احتضار أمريكا عن الأبصار هي تلك الصناعات المزدهرة كالأسلحة والطائرات المدنية والحربية والسيارات وغيرها، ومن المعلوم أن هناك كثيراً من الدول التي بدأت تنزل إلى الأسواق بسلع منافسة كاليابان وغيرها من الدول الأوربية التي تنتج سلعاً مماثلة وإن كان ذلك على نطاق ضيق، أما الأسلحة فالعالم كله يتسلح ليوم دمار لا يعلمه إلاّ الله.
والعامل الثالث من هذه العوامل هو الأحلاف العسكرية- التي يضم بعض منها أقطاراً إسلامية- وتتبوأ أمريكا منها مركز القيادة والسيطرة، وتذكرني هذه الأحلاف بتلك التي كانت تنشئها أثينا في عهود اليونان القديمة وتتحكم في مصائر أعضاء الحلف، ولكن هؤلاء الصغار لا بد أن يكبروا يوماً ما ولابد للضعيف أن يقوى، وإننا لنذكر أنه كان يحدث في أحلاف أثينا العسكرية أن يجتمع الصغار فيهاجمون القوي المتغطرس فيهزمونه شر هزيمة، وهذا ولا شك واقع في أحلاف أمريكا إن هي استمرأت سياسة الكبرياء والصلف الحاليين والإصرار على تأييد شرذمة صهيون في إسرائيل رغم معارضة حليفاتها.
أما فقدان أمريكا لمركز الثقل في هذه الأحلاف فيمكن تبريره بالأسباب الآتية التي قد لا تبدو ذات أثر مباشر ولكنها مهمة في ذاتها ومنهاً:
1-                              أن أمريكا تمول بعض البحوث التي يقوم بها عدد من الجامعات والمعاهد وتكون نتائج هذه البحوث من حق وزارة الدفاع الأمريكية، كما يوجد في كثير من هذه الجامعات مراكز تدريب مرشحي الخدمة العسكرية (ROTC)، وقد علمت أثناء وجودي هناك أن هذه الجامعات بدأت ترفض مثل هذه البحوث، لأنها تنصب على حقل واحد وهو الدمار والتخريب ويجعل الجامعة خاضعة لسيطرة وزارة الدفاع تلك السيطرة غير المحببة.
2-                              أن الإقبال على مراكز تدريب مرشحي الخدمة العسكرية آخذ في الانخفاض فما كان الإقبال عليه مرتفعاً إلاّ لوجود التجنيد الإجباري، فتكون فرصة الطالب أن يجند كطالب جامعي أفضل من أن يكون جنديـّاً عاديـّاً كما أن وزارة الدفاع تتكفل ببعض نفقات هؤلاء المرشحين. ومن الطريف أن معظم هؤلاء الشباب الملتحقين بهذه المراكز من مغسولي الدماغ الذين لا يعرفون عن أمريكا إلاّ أنها تنافح وتكافح الشيوعية، وعنده إيمان أعمى بمصالح أمريكا حتى ينسى معه أحقية الأمم الأخرى في الحياة. وهذا فعلاً ما تزرعه فيهم الصحف الأمريكية المحافظة. وزيادة على أن الإقبال على هذه المراكز أخذ في النقصان فإن المعارضة بين صفوف الطلبة تأخذ صورة عدائية تجاه هذه المراكز. وأذكر على سبيل المثال كيف تحرك المتظاهرون ضد سياسة الحكومة الأمريكية العدائية في فيتنام نحو مبنى هذا المركز في جامعة إوريجنOregon فحطموا زجاج النوافذ وأخذوا يدقون على الجدران بعنف كما حضروا تدريباتهم العسكرية وأخذوا يرددون الأغاني الساخرة من هؤلاء المتدربين، ووصمهم بالجبن واتباع العم سام في جنون، وقد جرت محاكمة لهؤلاء المتظاهرين وكان من بين المتهمين في التحريض عليها أستاذ يحمل شهادة الدكتوراه في ا لكيمياء.
3-                              نعلم حقّاً أن المواطن الأمريكي (على الرغم من ضعف تكتلاته) لا يفتأ اليوم يعارض الحكومة المركزية في مصروفاتها على سباق التسلح التي أصبحت أمريكا نتيجة له تمتلك من أدوات الدمار ما يمكن تدمير العالم من 3-5مرات.
4-                              سبق أن ذكرت أن كفاءة المنتسبين لأسلحة الولايات المتحدة الأمريكية قد انخفضت بشكل مثير للانتباه وذلك لانصراف الناس إلى الملذات والإغراق في المتع الجسدية التي لا تحطم الجسد وحده بل العقل والتفكير أيضاً.
5-                              أما عن منافسة الأمم الأخرى فمن المعلوم أن المعسكر الشيوعي خطا خطوات كبيرة في صناعة الأسلحة المتطورة هذا عدا عن الأمم الأخرى التي لم ترض أن تبقى في المؤخرة أو أن تكون عالة على غيرها، ونحن المسلمين حالما نعود إلى العقيدة الصحيحة فلن نكون اليد السفلى ولن نمد أذرعنا للمعسكرات الدولية لتمن علينا بالسلاح حيناً وتمنعنا أحياناً أخرى كثيرة. أما قوة الأحلاف العسكرية التي تملكها أمريكا فإنها تحتم علينا ذكر قول الله تعالى {وتلك الأيام نداولها بين الناس}([4]) وحكيم قول الشاعر:
     هي الحياة كما شاهدتها دول      من سرّه زمن ساءته أزمان
        ونصل الآن إلى العامل الرابع  من العوامل التي تخدع الناظر بأن أمريكا لا تحتضر بل صحيحة العافية وهو الانتعاش الاقتصادي الزائف؛ هذا الاقتصاد الذي بني على غير أساس عقدي، مبني على أن إنماء المال يجب أن لا يرتبط بأي قوانين دينية إنسانية، ومن ذلك ترى أن حمى رفع الإنتاج تطحن العمال بحرارتها حتى لا يجدون وقتاً أو جهداً للبحث عن صالحهم بل هم كالدمى أو أحط في أيدي مخدوميهم. أما المستهلك فهو إنسان يجب أن تُدرس نفسيته من جميع النواحي لاستغلال كل ثغرة أو نقطة ضعف لجعله فريسة لسلعة قد تضر ولا تنفع، ولجعله في النهاية غبيّاً لا يحسن التفكير. و لابد لي من ذكر أمثلة على هذا كله.
أ‌-       مهاجمة ذكاء المستهلك بمعنى احتقار ملكة التفكير لديه ففي صناعة آلة غسل الصحون والأطباق مثلاً جعلوها مستديرة ثم مربعة، وطليت بألوان مختلفة حتى تستهوي المشتري هو في غنى عنها.
ب‌-  أما وضع عبارة جديد أو حديث على المنتوجات فحدث ولا حرج فـ "تايد الجديد"، وصابون كذا الجديد، وأقلام كيت الجديدة، وكلها في الواقع ليست جديدة، وهناك تعبير آخر يحلو للمنتجين أو لأصحاب المتاجر استعماله وهو كلمة مريح أو سهل (convenient) ومعنى ذلك أن استعمال السلعة سيكون سهلاً أو أن التسوق من مكان كذا سهل أو مريح، ولكن المستهلك يضطر للشراء بأثمان عالية نزولاً عند هذه الكلمة الخادعة
        ج- ومن هذه الوسائل أيضاً ما يسمى بالتنزيلات الكاذبة التي يسميها الفرنسيون أوكازيون فهي خدعة واضحة حيث تكون بعض البضاعة بالية، فيمكن وضع بضاعة جيدة بأقل من سعرها ويقل الربح ولكن الربح موجود حتماً، ومن المعلوم أن الأعياد والمناسبات الدينية والتاريخية كلها تستغل لتصريف جميع أنواع البضائع سواء تلك التي يحتاجها المشترى أم لا فقط كون الدعاية تركز عليها؛ ففي عيد ميلاد جورج واشنطن تجد دعايات كثيرة لأدوات كهربائية مثل المكانس والمباشر والمفارم والمناشير ودعايات لبضائع أخرى مثل الأحذية والملابس وحتى السيارات وكل ذلك للبيع بأسعار زهيدة في ذكرى من؟ ذكرى جورج واشنطن الرئيس الأول للولايات المتحدة الأمريكية ومن الغريب المدهش أن يشعر الأمريكان بالشكر والعرفان لخالقهم والمنعم عليهم، ومع ذلك فهناك عيد يسمى عيد الشكر وهذا يستغل تجاريـّاً إلى أبعد حد، أما أكاذيب التنـزيلات فأذكر أن صاحب متجر للأثاث المنزلي كان يدّعي أنه أصاب متجره حريق فهو مستعد لبيع البضاعة بأبخس الأثمان، كما ادعى مرة أخرى بأن تصفية الحسابات السنوية قد قربت ولذلك فلا بد من التخلص من البضاعة وذلك بتخفيض الأسعار، ولكن كم حريق أصابه في تلك السنة؟ وكم تصفية سنوية يجريها هذا المحل أما عن أكاذيب بائعي السيارات فحدث ولا حرج ولا أجد بي حاجة إلى ذكر ذلك فقد يمل القارئ.
        على الرغم من هذا كله فإن البعض يدعي لأمريكا انتعاشاً اقتصادياً ولم أر هذا، فالأمريكي يعيش مديوناً ويموت مديوناً ذلك أنه محاط بالتقسيط من كل جهة وبتسديد بطاقات الاعتماد وما ترفه إلاّ زيف في زيف، والحقيقة أن تلهف الأمريكان وتطلعهم للامتلاك أكثر من الفرص الحقيقية المتاحة لهم لامتلاك أي شيء.
        فلا عجب إذن أن اقتصاد أمريكا المبني على الاستغلال الفاحش لمقدرات الشعوب وثرواتها الطبيعية والبشرية والهيمنة العسكرية كل هذه أشياء بدأت تتكشف أوراقها وتظهر الحقائق من تحتها مما يؤدي إلى انتفاضة الشعوب الصغيرة شيئاً وشيئاً، ولنتذكر المثل القائل "وعظيم النار من مستصغر الشرر" يكاد ينطبق تماماً على هذه الانتفاضات الصغيرة
        أرى خلل الرماد وميض جمر  وأخشى أن يصير لها ضراماً
        إذا كانت السطور السابقة قد أوضحت شيئاً ما عن احتضار أمريكا، ولم تعط الموضوع حقه من البحث والاستقصاء فإنني أرجو أن أكتب مستقبلاً في هذا الأمر محاولاً تقديم صور للداء اللعين الذي هدّ قوى أمريكا وألقاها أرضاً وجعلها حبيسة سكرات الموت، وما أجمل وصف الشهيد سيد قطب رحمه الله لهذا كله في كتابه (الإسلام ومشكلات الحضارة) حيث يقول: "وما تزال البشرية تهوي إلى هاوية الدمار الأكيد. وعجلة الحياة الجامحة مجنونة تلهبها سياط الأجهزة المتعددة حتى يأذن الله فتتسلم القيادة يد غير تلك اليد الرعناء المجنونة الشاردة المحمومة" {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}([5])






* - كتبت هذه المقالة في مسودتها الثالثة سنة 1395هـ الموافق 1975م. وقد نشرت الحلقات الثلاث من هذه السلسلة في مجلة المجتمع سنة 1395هـ الموافق 1975م. وتوقفت عن نشر هذه المقالة لنصيحة أحد أساتذتي في جامعة الملك عبد العزيز الذي أشار إلى أنه من المبكر وأنا طالب منتسب في قسم التاريخ أن يكون لي مقالات منشورة قد تزعج بعض الأساتذة ممن درس في الغرب....
[1] - سورة آل عمران، آية 139.
[2] - كتبت هذا الاقتراح عام 1395هـ، ولم أنشره، ولكن أخذت به وزارة التعليم العالي فيما بعد، ولكن فيما أعلم اقتصر تقديم البرنامج على جامعة واحدة، وحبذا لو أعطيت الفرصة للجامعات الأخرى لتقديمه فلديها أساتذة في العلوم= =الشرعية وكذلك أساتذة عاشوا في الغرب ويستطيعون أن يقدموا برامج متميزة في تثقيف الشباب المبتعث.
[3] - سورة آل عمران آية 8
[4] -سورة آل عمران، آية 140.
1- سورة يوسف آية 21

الخميس، 24 نوفمبر، 2016

رحمك الله يا محمد كامل خطّاب

                                      بسم الله الرحمن الرحيم
                       
  قبل سنين طويلة حينما كنت طالباً في ثانوية طيبة بالمدينة المنورة  بلغنا في الفصل أن أحدهم قد توفي وكانت حصة اللغة الفرنسية فترحمنا عليه وذكر الرجل بخير فما كان من أستاذ اللغة الفرنسية الأستاذ حكمت الخانجي رحمه الله إلاّ أن ردد بيت الشعر الذي يقول
          والموت نقّاد على كفّه جواهر                  يختار منها الجياد.
          ومرت السنون وكنت أسمع بين الحين والآخر بموت أحد من أعرف فقلت في نفسي مات الذين عرفتهم وكأنّ بقية الجملة أن الدور قادم علينا. وإذ بأحدهم يقول لي إن ثمة بيتاً من الشعر يقول: مات الذين أحبهم               وبقيت مثل السيف وحدي.
          تداعت هذه الأفكار وأنا أسمع خبر وفاة الأخ الحبيب الصديق الغالي الدكتور محمد كامل خطاب. فقلت رحم الله الدكتور محمد كامل خطّاب فقد كان أخاً حبيباً وأستاذاً فاضلاً وبدأت أستعيد شريط الذكريات مع الدكتور محمد كامل خطّاب.
          كان مذيعاً في الإذاعة ومن كان لا يعرف الخطّاب بصوته الجهوري القوي ونبراته الواضحة حتى كأني كنت أتصوره درساً في الإلقاء وإخراج الحروف من مخارجها وفي الهدوء والتؤدة. لقد كان مدرسة في هدوئه في تقديمه لنشرات الأخبار. حتى إذا جاء التلفزيون وبدأ يقرأ الأخبار ويقدم البرامج المختلفة ومنها على سبيل المثال برنامجه الناجح الذي كان أول من بدأه في التلفزيون السعودي (الأحداث في أسبوع) فكان يجول في مكتبة الأخبار ينتقي أبرز الأخبار الدولية السياسية والاقتصادية والثقافية والأخبار الطريفة فكان يقدم باقة من الموضوعات تنبئ عن حس إعلامي lمتميز.
وبعد كل ذلك الوجود الإعلامي القوي رغب الدكتور محمد كامل خطّاب رحمه الله أن يعود إلى المدينة المنورة  ويبتعد عن الأضواء ،فكان له ما أراد حيث انتقل من جامعة الملك سعود إلى قسم الإعلام بكلية الدعوة بالمدينة المنورة وترأس هذا القسم عدة سنوات. وكانت تجمعنا استراحة الأساتذة نتجاذب فيها أطراف الحديث العلمي والحديث العادي فكم خرج علينا بموضوعات طريفة أثارت الكثير من النقاش.
ولا بد أن أذكر أنني حينما دعيت لإلقاء أول محاضرة لي في النادي الأدبي في المدينة المنورة جلست إليه جلسة التلميذ إلى معلمه قائلاً غداً سأقدم هذه المحاضرة فما هي النصائح التي تقدمها لشخص متعلم مثلي. فبدأ بأن نصحني بأن لا أعتذر في بداية المحاضرة عن التقصير فالمستمع لا يحب من المحاضر أن يكون ضعيفاً. ثم بدأت أقرأ أمامه السطور الأولى من المحاضرة فكان يطلب منّي أن أقرأ بطريقة معينة وأقرأ مرة بعد مرة.
أما عن نصائحه الأخرى في مسيرتي العلمية وفي المصاعب التي يمكن أن يواجهها الإنسان في الحياة الجامعية فكم كانت له نصائح رائعة أفادتني كثيراً.
أما عن علاقته بزملائه الآخرين في الكلية فكانت مثالاً للعلاقات المبنية على المحبة والاحترام المتبادل والإخلاص والصدق ليس على المستوى العملي بل على المستوى الشخصي أيضاً. وكانت علاقاته بتلاميذه علاقة متميزة كان فيها الأستاذ الحريص على إفادة طلابه علماً وأخلاقاً وقدوة. وقد أبدى كثير من الطلاب رغبتهم في مواصلة دراستهم في تخصص الإعلام وبذل جهوداً كبيرة مع إدارة الجامعة على أن يستمر قسم الإعلام في الكلية في المرحلة الجامعية.ولا شك أن حب الطلاب لأستاذهم كان أحد الأسباب التي حببت إليهم دراسة الإعلام.
وما أن بلغ سن الستين رحمه الله حتى فضل أن يتقاعد من العمل الوظيفي، ولكن سرعان ما حنّ إلى الإعلام فتم تعيينه مستشاراً في مركز تلفزيون المدنية المنورة، وكان من أعماله الإشراف على  برنامج المملكة هذا الصباح، وأذكر أنني شاركت في إحدى المناسبات (اليوم الوطني قبل أعوام) فوجدت الدكتور في الاستديو منذ السابعة صباحاً يعد للبث المباشر بهمة ونشاط.

رحم الله الدكتور محمد كامل خطاب وأسأل المولى عز وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته وأن يتقبله في الصالحين 

الثلاثاء، 22 نوفمبر، 2016

جئناهم بالحجاب والحياء وجاؤونا بالخنا والفجور وعظائم الأمور


        وقف مسؤول ياباني كبير قبل مدّة يعلن اعتذار بلاده عمّا ارتكبته في حق بعض شعوب دول جنوب شرق آسيا، وعندما فكّرت أن هذه لفتة حضارية إنسانية ولكني تراجعت بعد قليل لأتساءل ولماذا ارتكاب تلك الجرائم في المقام الأول؟ وما ذا يفيد الاعتذار منها؟ هل يعيد الشرف إلى من دُنّس شرفها، وهل يعيد العفة إلى من فقدت عفّتها؟ وهل يعيد للأيتام آباءهم أو للأرامل أزواجهن أو للثكالى أبناءهن؟ هل يعيد المشردين إلى ديارهم؟
        وتساءلت لو قُدّر للعالم العربي الإسلامي أن يطالب الدول الغربية التي احتلت دياره وقتلت شيوخه ونساءه وأطفاله، ونهبت ثرواته وخيرات وأفسدت عقول بعض أبنائه، لو قُدّر للعالم الإسلامي هذه الدول الاعتذار فما يُجدي الاعتذار؟ وهل يعترف الغرب بهذه الذنوب؟
        لا يُنكر الغرب أن حركته الاستعمارية كان هدفها الأساس البحث عن الثروات الطبيعية لتشغيل مصانعه وجعل بلادنا أسواقا لمنتجاته حيث يتدخل في تغيير طبيعة الحياة الاجتماعية لتصبح عالة على منتوجاته وغلّف الغرب هذه الحملة الاستعمارية الإمبريالية بمزاعم متنوعة منها تحضير الشعوب وتعليمها والارتقاء بمستواها الحضاري. وشاركت الجمعيات التنصيرية ومجلس الكنائس العالمي في هذه الحملات الاستعمارية فكان المنصّرون أحياناً هم الرواد للحملات الاستعمارية
        لقد حقّق الغرب نجاحاً ضخماً في تحقيق أهدافه الاستعمارية فقد نهب الثروات الطبيعية مقابل بعض الهبات والقروض والهدايا، وظلت مصانعه تدور بما يصلها من هذه الثروات والطاقة، ونجح في التأثير في الحياة الاجتماعية فتغيرّت الأنماط الاجتماعية وأصبحت دول العالم العربي الإسلامي عالة على المنتوجات الغربية وعلى الرغم من مضي عشرات السنين فما زلنا نقدم المواد الخام بأرخص الأسعار ويعيدون إلينا الآلات والأدوات ومنتجات مصانعهم بأغلى الأسعار.
        ولو اقتصر الأمر على الجانب المادي لهان الخطب، ولكن هذه الدول ما أن احتلت جيوشها ديارنا العربية الإسلامية حتى بدأت حرباً لا هوادة فيها للتعليم الإسلامي فسيطرت على الأوقاف التي كانت الممول للتعليم واستولت على المساجد فهدمت البعض وحوّلت البعض إلى كنائس أو مستودعات أو مخازن سوى ذلك.
        أما زعمهم بأنهم جاءوا لتحضير هذه الشعوب فإنها أكذوبة كبرى حيث فتحوا مدارسهم لعدد محدود جداً من أبناء البلاد المستعمَرَة وأخضعوا هؤلاء لغسيل دماغ أفقدهم هويتهم وارتباطهم بأبناء بلدهم وتاريخها وعقيدتها حتى بلغ بأحد أن ينكر وجود هُوُيّة عربية إسلامي ذلك أنه كان يتعلم في المدارس الفرنسية (نحن الغاليّون والغاليّون أجدادي)
        وكان من جهودهم الحثيثة لتحضير الشعوب العربية الإسلامية في زعمهم أنهم تدخلوا في المناهج الدراسية فأضعفوا دراسة اللغة العربية والدين الإسلامي وقسّموا التعليم إلى تعليم علماني وآخر ديني. وزيادة على ذلك استخدموا الفنون المسرحية والسينمائية لإخراج المجتمعات العربية الإسلامية من عقيدتها وأخلاقها. ولم يكتف الاحتلال الأوروبي بكل هذا بل إنهم فرضوا على البلاد التي احتلوها أن تسمح بالبغاء "الرسمي" وقد صحب نابليون معه عدداً من البغايا كما يروي ذلك الجبرتي. وفي إحدى الدول العربية فرضت السلطات الاستعمارية فتح ناد ليلي دون رضى الحاكم المسلم فما كان منه إلّا أن بعث بعض أعوانه فافتعلوا مشاجرة حطّموا أثاث النادي مما حدا بتلك السلطات تغيير خطتها أو تأجيلها.
        والآن حين ينتقل مجموعة من المسلمين (صاروا ملايين) للعيش في أوروبا ليس حبّاً في هجر بلادهم ولكن لأن الاحتلال وما تلاه أخلّ بأوضاع هذه البلاد أو أن آباءهم أو أجداد هؤلاء جاءوا إلى أوروبا مكرهين لخدمتها في أثناء الحربين الأوروبيتين (العالميتين) وقرروا أن يتمسكوا بهويتهم ومن مظاهرها الحجاب أقام بعض المسؤولين الفرنسيين –وبخاصة فرنسا- الدنيا ولم يقعدوها وأعلنوا أن المسلمين "جاءوا إلى بلادنا بوصفهم مستعمرين، إنهم يفرضون الحجاب في المدارس وهذا الاعتداء لا يمكن التسامح معه" (جان كلود بارو عن عاصم حمدان، المسلمون العدد 405)
        وأخيراً نتساءل هل استعمارنا خير أم استعمارهم؟ استعمار يأتي بالعري والفجور أو استعمار يأتي بالحشمة والعفاف والأدب؟


الإجابة عن أسئلة الشيخ خباب الحمد



السؤال الأول: سيرة ذاتية أو تعريف موجز بنفسك
الإجابة:
كانت حياتي التعليمية عادية جداً ابتدائي فمتوسط فثانوي، كنت متفوقاً في معظم سنواتها، لكن لم أكن متميزا إلاّ في نظر والدي رحمه الله وبعض أساتذتي، وكان والدي رحمه الله يبث فيّ روح التفوق والتميز اللامحدود والطموح ومما حفظت منه قول الشاعر
يقولون لي ما أنت في كل بلدة    وما تبغي أبتغي جلّ ما يُسمَى
          وفي بداية المرحلة المتوسطة كنت أتابع بعض أعداد مجلة العربي فقرأت ذات مرة مقالة للدكتور أحمد زكي رحمه الله موضوعها ما معنى أن تكون رجلاً يشار إليك بالبنان، وكأنه كان يتحدث عن الإبداع والتفوق حتى يصبح الشخص علماً في تخصصه. كما قرأت في مرحلة الابتدائية قصص الأنبياء وتلك القصص لا شك تبعث في النفس حب التميز والصلاح والدعوة. ومما قرأت في المرحلة المتوسطة كتابي الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله (رجال من التاريخ) و(قصص من التاريخ)
          ولما أنهيت المرحلة الثانوية كان طموح الشباب في سنّي أن يدرسوا الهندسة أو الطب، وحاولت الحصول على بعثة من وزارة الدفاع لدراسة الطب ولكني فشلت ولا زلت لا أعرف سبب عدم قبولي. ولكن حصلت على بعثة لدراسة الإدارة الصناعية في الولايات المتحدة الأمريكية ولم أكن أعرف ما الإدارة الصناعية وكان متاحاً للمبتعث أن يغير تخصصه كما يشاء. فشرعت في دراسة المواد العلمية التي يمكن أن تقود إلى دراسة الطب أو الهندسة، ولكن بعد أن أمضيت خمس سنوات أحاول البحث عن تخصص وعن مجال أحصل فيه على شهادة فلم أستطع، فقررت العودة دون شهادة، ولكنّي درست اللغة الإنجليزية دراسة جيدة حتى إنني درست العديد من المواد في الأدب الإنجليزي بل أوشكت أن أحصل على البكالوريوس. وأتيحت لي الفرصة للحصول على شهادة من بعض الكليات التي ليس فيها علم وإنما مجرد الحضور يكفي، ولكني رفضت والأخطر من هذا كله أنني أصبت بقناعة رفض الشهادات وأن العلم أهم من الشهادة. وفوجئت بعد عودتي أن المجتمع يعترف بالشهادات أكثر من اهتمامه بالعلم فكان الحصول على وظيفة أمراً صعباً، ولولا أن سخّر الله عز وجل لي وساطة لما وجدت عملاً في الخطوط السعودية التي اعترفت بما درست في أمريكا وكانت معرفتي باللغة الإنجليزية عاملاً مساعداً في تطوري في تلك الوظيفة.
          وهنا قررت أن أواصل الدراسة وكان أمامي أن أتخصص في اللغة الإنجليزية أو التاريخ أو علم الاجتماع أو الإدارة والاقتصاد فاخترت التاريخ لأنني لم أكن أعرف ما علم الاجتماع وما أهمية دراسته، أما الإدارة والاقتصاد فتصورت أنني بحاجة لدراسة المحاسبة والرياضيات فهربت منها. وكان قدر الله خيراً كثيراً
          ومن الأمور المهمة في مسيرتي العلمية أنني بعد رجوعي من أمريكا وجدت فراغاً في أثناء البحث عن وظيفة فبدأت مشروع قراءة كتاب كل يوم فقرأت كتابات أبي الحسن الندوي رحمه الله ومحمد محمد حسين وأبي الأعلى المودودي وسيد قطب ومحمد قطب وسعيد حوى ويوسف القرضاوي. فبدأت حياتي الفكرية تتجه اتجاهاً عكس ما كنت عليه عند عودتي من أمريكا من الإعجاب بالغرب والانبهار به.
          وفي عام 1395هـ(1975) نشرت مقالة في صحيفة المدينة المنورة بعنوان (عندما تصبح القيم فريسة للمادة) بتشجيع من الأستاذ سباعي عثمان (محرر الصفحة الأدبية) رحمه الله تعالى، ثم تشجعت فراسلت مجلة المجتمع لنشر مقالات بعنوان (مشاهدات عائد من أمريكا) فنشرت ثلاث حلقات بعنوان خاص لكل حلقة. وهذه المقالات جمعتها في كتاب بعنوان (رحلاتي إلى أمريكا) وقامت بنشره مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض عام 1425هـ
          واصلت الدارسة بعد البكالوريوس للحصول على الماجستير في التاريخ الحديث، وأكرمني الله عز وجل بأن وفقني للبحث في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية فكانت فرصة لتزويدي ليس فقط بالمعلومات التاريخية بل أيضاً بثقافة شرعية طيبة حيث قرأت كثيراً من كتابات الشيخ عبد الحميد بن باديس في مجلة الشهاب والبصائر والسنّة والصراط، كما قرأت في كتبه (مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير) وكتابه (مجالس التذكير من كلام البشير النذير).
          ثم التحقت بقسم الاستشراق بالمعهد العالي للدعوة الإسلامية (فرع جامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية) عام 1406هـ، وحصلت على أول درجة دكتوراه يمنحها القسم بعد معاناة طويلة مع تسجيل الموضوع وغير ذلك وكان ذلك في رمضان 1414هـ وكانت حول المستشرق الأمريكي الجنسية البريطاني الأصل اليهودي الملّة صهيوني النزعة.
س:يرى البعض أن الاستشراق المعاصر قد خفت ذروة الاهتمام به بعد الثمانينات الميلادية فهل ترى أن هذا القول سديد؟
ج: الثمانينات هي بداية القرن الخامس عشر الهجري وقد أنشأت جامعة الإمام في مطلع هذا القرن وَحدة لدراسة الاستشراق والتنصير في عمادة البحث العلمي، وعمل فيها عدد من الأساتذة الخبراء بالاستشراق والتنصير ومنهم الدكتور قاسم السامرائي ومحمد فتحي عثمان وجعفر شيخ إدريس وعبد العزيز عبد الغني إبراهيم والسيد محمد الشاهد. ثم تطور الأمر إلى إنشاء قسم للاستشراق بالمعهد العالي للدعوة الإسلامية بالمدينة المنورة وكان العناية بالقسم كبيرة، وحرص القسم على ابتعاث بعض الطلاب للدراسة في الخارج، كما قدم دورات أو أتاح الفرصة لبعض المعيدين والمحاضرين لتعلم اللغة الإنجليزية. ومرت سنوات حصل عدد كبير على درجة الماجستير في الاستشراق وكذلك الدكتوراه.
          ولكن كانت ظاهرة الضعف أو الجهل باللغات الأوربية من أهم الأسباب التي جعلت القسم يتدهور أو يموت. ولكن لم تكن اللغة هي العائق الوحيد؛ فقد غاب عن إدارة المعهد أن التخصص في الاستشراق والفكر الغربي يتطلب شخصيات ذات قدرات عقلية ونفسية وإمكانات أكاديمية عالية، كما يتطلب مثل هذا التخصص حس المغامرة والسفر ومواجهة الصعاب والتحدي. ومرت سنوات بعد تخرج معظم المعيدين والمحاضرين وحصولهم على الدكتوراه ولم يقدموا شيئاً مهما، بل لم يحضر أحد منهم مؤتمراً في جامعة أوروبية أو أمريكية. ولم يتقنوا اللغة الإنجليزية ولا غيرها من اللغات.
          وقد ظهر القسم بعد كتاب إدوارد سعيد (الاستشراق) بعدة سنوات الذي أحدث ضجة كبرى في الشرق والغرب وذلك لأنه فضح ارتباط الاستشراق بالعقلية الإمبريالية الغربية والنزعة إلى الهيمنة والسيطرة. وقدم في الحقيقة خدمات رائعة لفضح هذا المجال المعرفي حتى صار يقال "الاستشراق قبل إدوارد سعيد وبعده"
          ومات القسم بعد عشرين سنة تقريباً دون أن يحدث الأثر المطلوب، ولكن الاستشراق الذي انتهى هو الذي كان يقوم بدراسة اللغات وفقهها، وينطلق الباحث الغربي من دراسة اللغة العربية والدين الإسلامي ليتخصص في مجالات المعرفة المختلفة من لغة وشريعة وجغرافيا وتاريخ وعلم اجتماع قد تحول الآن إلى العديد من التخصصات الدقيقة وتغير اسم الاستشراق عندهم إلى دراسات الشرق الأوسط والدراسات الإقليمية ودراسات المناطق.
          ولكن الذي يتعمق في دراسة هذه المعاهد والمؤسسات والأقسام يجد أن الاختلاف بين الاستشراق القديم والاستشراق الجديد ليس جذرياً بل إن خطورة الاستشراق المعاصر أكبر في أنه يكون جيشاَ من الباحثين العرب والمسلمين هم أشد خطورة في محاربته للإسلام والمسلمين من المستشرقين القدامى، وقد نجحوا في ذلك نجاحاً كبيراً.
س: كتبت عن علم الاستغراب، فما سبب اهتمامكم بهذا الفن في هذا الزمن؟
الإجابة: يعود اهتمامي بالاستغراب إلى سنوات الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية حيث أتيحت لي الفرصة لأتفاعل مع الحياة الثقافية والفكرية والاجتماعية والسياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى الرغم من كثرة الطلاب العرب والمسلمين في الجامعات التي التحقت بها، لكني كنت أميل أكثر إلى الاحتكاك بالأمريكيين، فقد عشت منا يزيد على الشهرين مع عائلة منصّر عمل في إيران إحدى عشرة سنة، وكما عشت مع شاب أمريكي كان يدرس القانون في جامعة أريزونا الحكومية مدة من الزمن، وعشت مع أسرة في مدينة بندBend  بولاية أوريجنOregon  مدة سنة دراسية كاملة.
          هذه المعرفة قادتني إلى الاعتقاد بضرورة معرفة المجتمعات الغربية معرفة عميقة من الداخل، وقد عادت فكرة ضرورة هذه المعرفة أنني عملت في الخطوط السعودية أكثر من اثنتي عشرة سنة تعرفت خلالها على الكثير من الأمريكيين الذين كانوا يعملون معنا في الخطوط، كما كان هناك احتكاك بالغربيين في أثناء المفاوضات التجارية مع الشركات الأوروبية والأمريكية ومع الهيئات الحكومية في تلك الدول. وجاء التخصص في الاستشراق فرأيت ضخامة الجهد الذي يبذل في الغرب لدراستنا فأدركت أهمية أن يكون هناك جهد مواز لدراسة الغرب.
          وتساءلت لماذا يدرسوننا هكذا؟ وهل يمكن أن ندرسهم، وتطورت الفكرة لدي بعد الاطلاع على مشروع الدكتور السيد محمد الشاهد الذي قدمه إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وكان موضوعه (إنشاء كلية الدراسات الأوروبية والأمريكية) عام 1410هـ، ووضع المشروع على الرفوف أو في الأدراج أو في سلات المهملات. ثم ظهر مشروع الدكتور حسن حنفي في كتابه (مقدمة في علم الاستغراب) والذي دعا من خلاله إلى دراسة الغرب وأن مثل هذه الدراسة تحقق أهدافاً كبيرة منها القضاء على مركب الاستعلاء الذي يشعر به الغرب تجاهنا، والقضاء على مركب النقص الذي ترسخ في وجداننا تجاه الغرب، وأجاد الدكتور حسن حنفي في الحديث عن مكونات الثقافة الغربية مؤكداً أنها ليست فقط نصرانية يهودية كما يزعمون، ولكن هناك أكثر من مكّون ينكره الغرب، وأشار إلى أن هناك مكونات ظاهرة ومكونات مخفية وأما المخفية فهي المكون الإسلامي والبيئة، وهذين المكونين لا يذكرهما الغرب. وأنهم بدون المكوّن الإسلامي لم يكن ليستطيعوا الانطلاق.
          وشرعت في الاهتمام بدراسة الغرب فاتضح لي أن الأمم الحية هي التي تعرف غيرها معرفة عميقة، انظر إلى رسول الجيش الإسلامي حين دخل على رستم وأراد أن يجلس معه على عرشة فحاولوا إبعاده، فقال لهم أنتم دعوتموني ولم آت من نفسي، وثانياً كانت تبلغنا عنكم الأحلام أنكم تتساوون فيما بينكم فإذ بعضكم يستعبد بعضاً، إن قوماً هذا حالهم فمصيرهم إلى زوال. وانظر إلى أسامة بن منقذ الشاعر الفارس الأديب في كتابه "الاعتبار" كيف وصف الصليبيين بدقة. وانظر إلى ابن فضلان وإلى ابن حوقل وغيرهما كيف وصفا الشعوب المختلفة وصفاً دقيقاً رائعاً حتى أصبحت كتب الرحالة المسلمين مراجع للغربيين أنفسهم في تاريخهم وتراثهم.
أما انطلاقة مشروع دراسة الغرب فقد بدأت بمحاضرة في نادي أبها الأدبي عام 1416هـ بعنوان (المعرفة بالآخر دراسة للظواهر الاجتماعية في الغرب) وقد نشرها النادي في كتاب عام 1419هـ ثم أعدت نشرها في طبعة ثانية مزيّدة عام 1425هـ
          ونحن بحاجة إلى دراسة الغرب لتحقيق الأهداف الآتية:
1-    معرفة أسرار نهضة الغرب ووسائله وآليات العمل والإبداع في الغرب.
2-    موقف الغرب من الإسلام والعالم الإسلامي وبخاصة أن الغرب لا يرى منافساً لحضارته سوى الإسلام.
3-    تحقيق الشهادة التي وردت في الآية الكريمة (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) وتحقيق الشهادة لا يكون إلاّ بمعرفة الأمم الأخرى معرفة وثيقة ودقيقة.
4-    إشباع الحاجة إلى العلم والمعرفة التي هدفها النهائي إرضاء الله.
5-    توفير العمل للعديد من الشباب في مجالات الإعلام والثقافة والتجارة والاقتصاد وفي السلك الدبلوماسي .



مراسلة أخرى للكويت

أخي الحبيب الدكتور عبد الرزاق الشايجي              حفظه الله
        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
          أتقدم إليكم بالتهنئة الأخوية الصادقة بعيد الفطر المبارك سائلاً المولى عز وجل أن يعيدكم لأمثاله وأنتم تنعمون بالصحة والعافية وأن يعيد أمتنا الإسلامية إليه عوداً جميلاً.
أخي الكريم
          لم يحدث بيننا اتصال منذ لقائنا في القاهرة قبل أكثر من شهرين. لقد كان لقاءً ممتعاً ومفيداً. وإنني أتطلع إلى مزيد من التعارف والتآلف والعمل الإسلامي. وقد لاحظت أن مجلة الشريعة طلبت منّي أن أكتب تقريراً حول بحث عن الصوفية في الجزائر. وقد قمت باللازم وأرسله اليوم إن شاء الله.
          أخي الكريم أعد الآن لزيارة الكويت ولدي عدد من المحاضرات التي قدمتها في بعض الأندية الأدبية في المملكة وأرفق لكم موجزاً لهذه المحاضرات التي سوف أضمنها كتاباً أبحث له عن ناشر الآن. فيمكن اختيار محاضرة أو أكثر لتقديمها في كلية الشريعة. كما أرجو أن تتضمن زيارتي لقاءً مع مجلة المجتمع والبلاغ وبعض الصحف الكويتية وكذلك الدكتور إسماعيل الشطي الذي أرسلت له رسالة الدكتوراه في البريد الممتاز ولم يبلغني بوصولها منذ أكثر من أربعة أعوام.
 أرجو أن تقترحوا موعداً للزيارة على أن يكون قبل بداية الحج أي في نهاية شهر شوال أو أوائل شهر ذي القعدة وان تكون مدة الزيارة أسبوعاً واحداً.
          لكم تحياتي والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
7شوال 1419

                                                          د.مازن صلاح مطبقاني 

طلب عمل في الكويت

فضيلة عميد كلية الشريعة المساعد بجامعة الكويت
                       حفظه الله
          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
أتقدم إليكم بالتهنئة بعيد الفطر السعيد سائلاً المولى عز وجل أن يعيدكم لأمثاله وأنتم تنعمون بالعفو والعافية والتوفيق وأن تعود أمتنا العربية الإسلامية إلى ربها عوداً جميلاً.
أتقدم لكم بهذا الخطاب برغبتي في العمل أستاذاً بكليتكم الموقرة علماً بأنني حصلت على الدكتوراه عام 1415(1995) ولكني نشرت العديد من الكتب والدراسات قبل حصولي على الدرجة، كما قمت بالعديد من النشاطات الفكرية والثقافية والإعلامية بعد الحصول على المؤهل كما تلاحظون من خلال السيرة الذاتية المرفقة.
أرجو التفضل بإفادتي عن إمكانية العمل لديكم في أقرب فرصة ممكنة حتى يتيسر لي ترتيب أموري مع جامعتي الحالية (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ). ومتى تريدون الاطلاع على هذا الإنتاج العلمي لأتمكن من إرسال نسخ منه أو إحضاره معي في زيارتي القريبة إلى الكويت في أوائل شهر مارس بإذن الله.
لكم تحياتي والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
8شوال 1419هـ.
25يناير 1999م.
                                                                             أخوكم
                                                                   د. مازن صلاح مطبقاني


طلب العمل في جامعة قطر وطلب شفاعة

الأخ الحبيب الدكتور عبد الرحمن عمير الجبر النعيمي                   حفظه الله
                   السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
تسلمت اليوم خطاباً من مدير جامعة قطر ورئيس لجنة ترشيحات أعضاء هيئة التدريس الأستاذ الدكتور إبراهيم صالح النُعيمي يقول فيه أن أوراقي قد أحيلت على القسم المختص للنظر فيها. ولمّا رأيت أن اسمه النُعيمي قررت الاتصال بكم لتشفعوا شفاعة حسنة لقبولي للتدريس في جامعة قطر فاختصاصي في الاستشراق يكاد يكون نادراً وإن كان يدرس أحياناً جزءاً من الثقافة الإسلامية لكنه يحتاج إلى عناية خاصة.
حاولت الاتصال بك هاتفياً ولكني وجدت الرقمين ليسا في الخدمة فأرجو أن تصلك هذه الرسالة وأن تتخذ حيالها ما يلزم. كما أود أن أطمئن على انتهائك من بحث الدكتوراه راجياً أن يكلل الله عز وجل جهودك بالتوفيق والنجاح.
وتقبلوا تحياتي والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
10ذو القعدة 1419.
27فبراير 1999م.
                                                                             أخوكم
                                                                        د. مازن مطبقاني


من رسائلي الشخصية لأستاذي الدكتور قاسم السامرائي

                                        بسم الله الرحمن الرحيم

 أستاذي الجليل الدكتور قاسم السامرائي                حفظه الله ورعاه
        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
        سبقتني وأنت السبّاق دوماً فسألت عنّي، وأدّعي أنني مشغول، و لا ينبغي أن ينشغل الإنسان عمّن أحب. أسرعت إلى الاتصال بك وفرحت بسماع صوتك ولم أستطع أن أقول كثيراً في المكالمة ولا أستطيع أن أتحدث في الرسالة. ولا يمكن أن يقول المبتلي غير (إنّا لله وإنّا إليه راجعون) و(حسبي الله ونعم الوكيل)
        قدّمت في جازان محاضرة بعنوان (الأدب العربي الحديث في الكتابات الاستشراقية) وقد لاقت قبولاً من جمهور النادي سوى بعض الحداثيين الذين يبدو أنني آلمتهم قليلاً أو أوجعتهم بذكري اهتمام المستشرقين برموزهم.
        غداً لي في تبوك محاضرة حول المؤتمرات الاستشراقية حول الإسلام والمسلمين ولولا كلفة البريد لأرسلت المحاضرتين لاطلاعك ، ولكني أرسل واحدة ثم أبعث بالأخرى فيما بعد إن شاء الله .
        أنتظر أن يطبع لي نادي المدينة المنورة كتاباً وكذلك نادي أبها الأدبي. أفكر في تقديم تصور عن إنشاء كلية للدراسات الأوروبية والأمريكية إلى وزير التعليم العالي لعلهم يوافقون على الفكرة ويسمحون بإنشاء هذه الكلية في جامعة الملك سعود مثلاً أو جامعة أم القرى. فما رأيك في الفكرة؟ هل هي مناسبة وهل لديك مقترحات في الموضوع؟
        لا يبارحني القلق وأخاف أن لا يكون القلق البناء الذي عشته في يوم من الأيام في أثناء بحث الدكتوراه. وقد زرت جراح المخ والأعصاب فأفادني بأن أعصابي جيدة ولكن هل يطول ذلك؟ إنني لا أشكو فما اعتدت الشكوى وإلى مثلك يبث مثلي همومه!!
        أطلت ولم أقل شيئاً. فالمعذرة المعذرة وإليك في الختام تحياتي والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
8شعبان 1418.                                              ابنكم

                                                    مازن مطبقاني 

وصحبة ماجد أو غير ماجد - من أروقة المؤتمرات


يقول المثل العامي (معرفة الرجال غنيمة) وأود أن أضيف (معرفة الناس تجارة) والشافعي جعل صحبة ماجد أحد فوائد السفر  الخمس، وهناك من جعلها سبع، ولكن هاهي الخمس:
تغرب عن الأوطان في طلب العلا           وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفريج هم واكتساب معيشة                    وعلم وآداب وصحبة مـــــــاجد
وفي أحد المقالات التي تقدم نصائح لمن يحضر المؤتمرات أن يكون الباحث أو الأستاذ جريئاً في الحرص على التعرف على الآخرين فهم قد جاؤوا لمثل هذا الهدف. وعلى الرغم مما أجده في نفسي من خجل في التعرف إلى الآخرين وبخاصة حين أكون الوحيد من جامعتي أو من العالم العربي فأضطر إلى المشي وحيداً وإلى الجلوس في صالة الطعام وحيداً حتى يشاركني غيري. ولكن أجد نفسي جريئاً في مواقف أخرى، ففي أحد المؤتمرات كانت هناك نزهة بحرية أو نهرية وجلست مع زوجتي وكان بالقرب منّا طاولة يجلس إليها عدد من الأساتذة الأمريكيين فسمعت طرف الحديث وكان يهمني فقمت إليهم وقلت إن ما تتحدثون به هو جزء من اختصاصي فهل تسمحون لي بالاشتراك معكم؟ وقدمت نفسي ورحبوا وكان حديثاً شيقاً وتبادلت بطاقات الزيارة مع عدد منهم.
وفي هذ المؤتمر تعرفت إلى عدد من الأساتذة الذين يجمعهم بعض الأمور المشتركة وهي الانتقال إلى العمل في اليابان وكيف أن المقام قد طاب لهم في تلك الديار. وأولهم أستاذ إثيوبي متخصص في الاقتصاد درس في بريطانيا في جامعة لندن وفي مدرسة الاقتصاد والعلوم السياسية، كما درس في جامعة أكسفورد فحصل على فرصة التدريس في اليابان وهو مقيم في اليابان منذ خمس سنوات.
وفيما أنا استمع إلى المذياع في صبيحة يوم الجمعة في الرياض عندما كنت ذاهباً لشراء صحن فول إذ بالبرنامج مع رواد الثقافة للدكتور سعد القحطاني وكان الضيف أستاذ تونسي أتيحت له الفرصة للتدريس في السنغال ثم في جزر القمر حيث أمضى في جزر القمر ثلاث سنوات، فوقع في نفسي الغبطة لهؤلاء الذين أتيحت لهم الفرصة للعمل في عدة دول والإفادة من الاحتكاك بشعوب مختلفة. ولكني تذكرت أنني أيضاً أتيحت لي الفرصة للعمل في الخطوط السعودية والسفر إلى أنحاء كثيرة من العالم، صحيح أنه لم تتح لي الإقامة إلاّ في إكستر عدة أشهر ولكني حصلت على فرص طيبة وأحمد الله عز وجل على توفيقه،  وأحب أن أتذكر دائماً قول الله عز وجل (وما بكم من نعمة فمن الله)
ومن الأشخاص الذين قابلت في المؤتمر أستاذ أمريكي وهو إم جي شلفتول M. G. Sheftall وهو أستاذ مشارك في جامعة شيزوكا في كلية المعلوميات University of Shizuoka فسألته ماذا تدرس اليابانيين قال، نظرية الاتصال ، قلت أهي نظرية أو نظريات؟ قال نظريات ولكن أطلق هذا المصطلح على المادة، قلت وهل تدرّس مواد أخرى؟ قال نعم. تاريخ اليابان الحديث، فأسرعت إلى القول من "من وجهة النظر الأمريكية؟" قال: لا من وجهة نظري الخاصة فقد عشت في هذه البلاد ، خمس وعشرين سنة أي أكثر من أعمار بعض طلابي. وأعرف من الحقائق الكثير عن تاريخ اليابان الحديث. وتعجبت كيف يعيش أمريكي كل تلك السنين في اليابان، ولكني تذكرت أستاذاً ألمانياً متخصصاً في العلوم السياسية قابلته في جامعة طوكيو حينما كنت ضيفاً للمؤسسة اليابانية ودعينا لمحاضرة للسفير البلجيكي حول الاتحاد الأوروبي والنظريات التي تنادي بتوسيع الاتحاد والنظريات الأخرى المطالبة بعدم التوسع في عضوية الاتحاد. وكان من بين الحديث مع السفير البلجيكي عن انضمام تركيا، فقال من المستحيل أن يقبل الاتحاد الأوروبي تركيا، فهي بالإضافة إلى كونها دولة مسلمة ولكنها تأتي بتاريخ طويل وهو الدولة العثمانية والنفوذ في العالم التركي وهي معظم جمهوريات آسيا الوسطى التي تشترك مع الأتراك في العرق واللغة. وكان الأستاذ الألماني الذي يدرّس الطلاب اليابانيين أيضاً قد أقام في اليابان ما يزيد على عشرين سنة.
وأعرف نموذجاً ثالثاً وهو الدكتور سمير  عبد الحميد المتخصص في لغات وآداب شبه القارة الهندية وبخاصة الأردو واللغة الفارسية، أتيحت له الفرصة للعمل في اليابان فتزوج امرأة يابانية وأتقن اللغة اليابانية وقد بلغ أولاده الآن سن الجامعة فعاد إلى اليابان ليعيش فيها من جديد.
كما قابلت باحثين آخرين من عدة جامعات أوروبية وأمريكية وهم متخصصون في الدراسات الأسيوية فهذه باحثة مجرية أعدت رسالة الدكتوراه حل المنظمة الأسيوية التي تسمى آسيان وقد كتبت على بطاقتها (بطاقة الزيارة) مستشرقة ومؤرخة وباحثة) وتقول إنه ليس عندها وظيفة في الوقت الحاضرة فكتبت تلك التعريفات.
وكان لي لقاء مع موظف العلاقات العامة ببنك التنمية الأسيوي، وكذلك مندوبة الرابطة النوردكية للدراسات الأسيوية ومن ضمن الحديث معها تناولت مشروعها في إصدار كتاب حول (كيف تنشر كتابك؟) ويتناول الكتاب أيضاً أن يقوم المؤلف بنشر كتابه بنفسه بعيداً عن دور النشر. ودار الحديث أيضاً حضور المؤتمرات وأهميتها. وقلت لها يوجد لديكم رابطة لدراسات الشرق الأوسط تعقد مؤتمراً سنوياً ، فقالت إنه لا علم لها بمثل هذه الرابطة وكان لدي ورقة فيها إعلان عن المؤتمر، ففرحت بالمعلومة وأخبرتني أنها ستفيد من هذا الأمر لتعرض كتاباً نشرته رابطة الدراسات الأسيوية على رابطة دراسات الشرق الأوسط لبيعه من خلالهم وفي مؤتمرهم القادم.
وتساءلت هل عيب أن نهتم بشؤون العالم؟ وهل خطأ أن نغيب حين يحضر الآخرون؟ لماذا نحضر؟ ولماذا نغيب؟ وقد ذكرت أنه كان من المقرر أن تعقد أكثر من جلسة حول موضوع جوانب من الإسلام ولكن نظراً لغياب الباحثين فقد تم دمج الجلسات كلها في جلسة واحدة. فأتساءل أين الجمعية السعودية لعلوم العقيدة والمذاهب المعاصرة؟ وأين الجمعية الجديدة التي أعلنت في القصيم قبل عدة أشهر عن الإسلام والقضايا الفكرية، وأين الجمعيات الأخرى مثل جمعية العلوم السياسية وجمعية الجغرافيين وجمعية كذا وجمعية كذا؟
لقد لفت انتباهي التهافت العجيب على مؤتمرات في بلاد سياحية مثل ماليزيا ومصر والأردن . وعلى الرغم من أن قضية اللغة في المؤتمرات الدولية قد تكون عائقاً ولكن لدينا والحمد لله جيش من الأساتذة الذين درسوا في الغرب ويتقنون اللغات الأجنبية فلماذا لا يحضرون؟ هل حضور الأستاذ مقابل انتداب محدود لا يغري الأساتذة للتعب من أجل حضور المؤتمرات في الدول الأجنبية بينما رأيتهم يتسابقون على مؤتمر في إحدى الجامعات المصرية، ورأيت أستاذاً سعودياً أو أكثر وهو يرتدي المشلح في أروقة المؤتمر كأنه في حفلة عرس وليس في محفل علمي. ورأيت أحدهم كيف يحرص على أن يكون له من يستقبله ومن يودعه، بل إن أحد هؤلاء رفض أن ينزل في الفندق الذي ينزل فيه الضيوف وإنما أصر على النزول في فندق أفخم.
وقابلت آخرين في ردهات المؤتمر ومنهم البروفيسور الهندي المتخصص في علوم السياحة وهو ساتيندرا باتنيك Satyendra Patnaik  ويعمل مدير تنسيق التخطيط ومدير معهد السياحة وإدارة الضيافة في جامعة KIIT بمدينة أوريسا بالهند Orissa وأشار إلى استعداده للتعاون مع كلية الآثار والسياحة بجامعة الملك سعود أو أي كليات للسياحة بالمملكة وأضاف إنه على استعداد للتعاون المجاني.

وفيما أنا أهم بالعودة إلى الفندق بعد نهاية جلسات اليوم الثاني وقفت أنتظر سيارة أجرة وفجأة جاء عدد من الأساتذة فركبنا سوياً إلى الفندق وسمعت حديث أستاذ أمريكي متخصص في الصين وأنه كان يزور الصين مرة كل عام حتى قررت السلطات الصينية عدم منحه التأشيرة ولا يدري ما الأسباب وقد حاول أن يكتشف تلك الأسباب ولكن دون جدوى، فقرر أن يتحول إلى دراسة كوريا، وكان في السيارة أيضاً باحثة أسترالية مهتمة بالشأن الأسيوي وبخاصة بماليزيا.