السبت، 28 يناير، 2017

الإعلام الجامد ومؤتمر عن الإعلام


        عندما اتصلت بالأستاذ جاسم المطوع وسألته عمّا سيدفع من تكاليف سفري من المدينة المنورة إلى بيروت وإقامتي فيها فأخبرني أن ميزانية البرنامج لا تسمح بأكثر من دفع تكاليف السكن بمعدل مائة دولار في الليلة فقط، تعجبت من رخص الإعلام العربي وإن كان ينطبق عليه المثل (بحار تشكو الري وصحار تشكو الظمأ) فقد يغدقون على المعدّين والممثلين وكبار الموظفين ويبخلون على من يقدموا عصارة فكرهم للعالم. وقد كان لي تجربة بائسة مع الإعلام في السعودية فكم قد شاركت في برامج إذاعية وتلفازية ويقال لي إن التعرفة موضوعة قبل أربعين سنة. فيا عجبي من إعلام يبخس أصحاب الفكر حقهم. وقد طالبت فسخروا مني، لقد شاركت ذات مرة في أعداد حلقتين عن الاستشراق حيث وضعت المحاور والأسئلة ثم تلقيت الأسئلة ممن أطلقوا عليه (من إعداد وتقديم) وأجبت عنها وحضرت إلى الأستوديو قبل الموعد بنصف ساعة وسجلنا الحلقتين وغيرت مكاني من حلقة لأخرى وخرجت ليس بخفي حنين ولكن حتى بدونهما إلاّ إن كان شيء من الأجر فأسأل الله حسن النية. ولكن هل يجوز بخس الناس أشياءهم وحقوقهم؟ فقد كنت ذات يوم عند وكيل وزارة الإعلام للشؤون المالية الشيخ الشنقيطي فقال انظر إلى هذه الفواتير، علينا أن ندفع لشركة آرا ستين مليون والمادة الإعلامية أساسها من عندنا، أما أنتم أيها الأساتذة والمشايخ فليس لكم عندنا شيء كما قال موظف الأحوال المدنية عندما سألته هل للمتقاعدين معاملة خاصة؟ قال ما لهم شيء وكأنهم يطلبون الصدقة، أرجو الله أن لا يحاسبه بسوء أدبه بل يحاسب من وضعه في ذلك المكان.
        ومن صور الجمود أن محطة الإذاعة والتلفزيون في المدينة لا تدفع إلاّ نقداً ولا بد من توقيع ما يسمى المسيرات، وإياك أن تحضر ولا يكون حضرة أمين الصندوق موجوداً فهو وإن كان مطلوباً منه الحضور من السابعة والنصف صباحاً حتى الثانية والنصف بعد الظهر فهذا أمر نظري وليس هو الواقع. والمكافأة عن المشاركة في الحلقة الواحدة التي يمكن أن تكون نصف ساعة أو ربع ساعة مائتين وخمسين ريالاً. فما أرخص العلم عندهم، أو كما يقول أهل الحجاز (طاح الرخا في الديرة) وفي مثل آخر يميل إلى اللهجة البدوية (ما بعنا بالكوم إلاّ اليوم) ولا أدري ما الذي يباع بالكوم وقد كان يباع بالحبّة. وقد تأتي لطلب مكافأتك المتواضعة فيقول لك الموظف لقد تسلمها شخص آخر وأنت لم توكل أحداً، فتستحي أن تقول ومن هو هذا الشخص الذي لم أوكله وأكل حقي، فيضيع حقك القليل أو حتى التافه أيضاً.
        وعدت إلى بيروت لأحضر المؤتمر السنوي الرابع لمعهد بيروت لفنون الاتصال بالجامعة اللبنانية الأمريكية بعنوان (وسائل الإعلام والتحولات الاجتماعية في  العالم العربي) في الفترة من 16-19مارس 2004م وكانت مشاركتي ببحث بعنوان (الإعلام والاستشراق:دراسة حالة هيئة الإذاعة البريطانيةBBC) ولاحظوا الحديث عن التحولات الاجتماعية فكرة ليست جديدة، ولكن التحولات الاجتماعية والسياسية منذ بداية الثورة التونسية لا تقاس بأية تحولات أخرى. وشاركت في المؤتمر وتحدثت باللغة العربية وإن كنت قد كتبت معظم البحث (ولم أتمه حتى الآن) باللغة الإنجليزية، وما أن أنهيت تقديمي باللغة العربية حتى طلب مني الدكتور رامز معلوف رئيس المعهد ورئيس المؤتمر (وإن كان الغربيون عموماً لا يعترفون بهذه المسميات) أن أتحدث قليلاً عن بحثي باللغة الإنجليزية وفعلت. وفيما يأتي مقدمة ما كتبت:
يعتقد كثيرون أن المستشرقين إنما هم باحثون يعيشون في بروج عاجية يشغلون أوقاتهم بالبحث والتنقيب في أمهات الكتب، لا صلة لهم بالإعلام ووسائله المختلفة. كما يرى البعض أن المستشرقين باحثون يعملون في البحث العلمي في الجامعات ومراكز البحوث ليقدموا أبحاثهم في المؤتمرات والندوات أو ليقدموا نتائج أبحاثهم للجهات الحكومية المختلفة من وزارات الخارجية أو المؤسسات النيابية أو الاستخبارات.
كل هذا صحيح ولكن صلة الاستشراق بالإعلام قديمة وقد تنبهت  إليها من خلال أمرين: أولهما أنني كنت أعد رسالة الماجستير في التاريخ الحديث حول جمعية العلماء المسلمين الجزائريين فاطلعت على الصحف الجزائرية الإصلاحية وقد وجدت الكثير من المقالات ترد على كتابات المستشرقين في الصحف الفرنسية وكان من ذلك مقالة عبد الحميد بن باديس يرد فيها على إحدى كبريات الصحف الفرنسية وهي الطان Le Temps وكانت مقالة بن باديس بعنوان " الطان وسياسة وخز الدبابيس" أما الأمر الثاني فهو البحث الذي قدمه مارتن كريمر- مدير معهد موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – في المؤتمر العالمي الأول حول الإسلام والقرن العشرين وذكر فيه أن صحيفة فرنسية سألت في أوائل القرن العشرين خمسة عشر مستشرقاً عن توقعاتهم للعالم العربي الإسلامي في القرن العشرين .
وقد أتيحت لي الفرصة في أثناء حرب الخليج الثانية –  هم وضعوا لها أرقاماً كأنهم يخططون لتكرارها لأنها أصبحت ثلاثاً حتى الآن- أن أتابع وسائل الإعلام المختلفة منها إذاعة لندن، وصوت أمريكا وإذاعة مونتي كارلو كما تابعت بعض الصحف الإنجليزية والأمريكية. فوجدت أن الصلة بين الاستشراق والإعلام صلة قوية وكبيرة. فللمستشرقين وجودهم في المجلات الأسبوعية السيارة وبخاصة السياسية منها، كما أن كتاباتهم تظهر في الصحف والمجلات الثقافية المتنوعة.  وقد راجعت وسائل الإعلام المطبوعة منذ الثلاثينيات حين صدرت أول مجلة لهيئة الإذاعة البريطانية القسم العربي وكان يطلق عليها (المستمع العربي)  ثم أصدرت الإذاعة مجلة هنا لندن ثم المشاهد السياسي. وقد بذلت الجهد للحصول على أعداد هذه المجلات فلم أجدها في المكتبات السعودية وكانت تجاوب إذاعة لندن سيئاً فاكتفيت بعدد من مجلدات المستمع العربي من مكتبة جامعة الإمام حيث لم تكن كل الأعداد متوفرة وكأنهم اشتروا بعضها من حراج في مكان ما وليس كما تفعل المكتبات المحترمة بالحصول على كامل المجلدات.
وحين عدت إلى الرياض وصلتني رسالة من مجلة الشرق الأوسط باللغة العربية يطلبون مني البحث إن كان مكتوباً باللغة العربية، ولكن البحث لم يكن كاملاً. وهذه من عيوب الأساتذة حين يستطيعون البحث في موضوع وتقديم فكرة عنه تجعل المستمع يظن أن البحث كامل وجاهز للنشر. وربما كان أول بحث يربط بين الإذاعة البريطانية والاستشراق. ولو كان لي من الأمر شيء لاقترحت على  أحد الطلاب أن يعد رسالة دكتوراه في الإعلام والاستشراق بالتطبيق على إذاعة لندن في فترة ما، وقد عوّضت النقص في الإعلام المكتوب بجهد كبير بذلته في الاستماع لإذاعة لندن (يوم كان يمكننا أن نستمع للموجات القصيرة من مذياع السيارة) وكذلك من خلال الراديو الروسي الذي انتشر في حرب الخليج الأولى (احتلال الكويت) فقد كنت أستمع للإذاعة ما لا يقل عن ساعتين يومياً.


  


من إنجازات نادي المدينة الأدبي

        
            
قبل أكثر من عشرين سنة (ضرب 2) دعاني الأخ الصديق عبد المؤمن القين لحضور اجتماع لأسرة الوادي المبارك وكنت في ذلك الحين في المرحلة الثانوية ، وكان من بين الحضور الأستاذ عبد العزيز الربيع رحمه الله تعالى وأستاذي عبد الرحيم أبو بكر رحمه الله ، والدكتور محمد العيد الخطراوي(رحمه الله) والأستاذ محمد هاشم رشيد (رحمه الله) وقد كان النقاش حول كتاب أدبي لا أذكره الآن فقد كنت طالباً في القسم العلمي وقد قيل لنا ما لكم وللأدب فالأمم تحتاج العلم أكثر مما تحتاج الأدب.
وقد رأت الرئاسة العامة لرعاية الشباب أن تؤسس الأندية الأدبية في مناطق المملكة المختلفة لرعاية الحركة الثقافية والفكرية وتنشيطها، ولتخرج بها من الجهد الفردي إلى الجهد الجماعي ، وقدمت لها الدعم المادي والمعنوي. وتحولت أسرة الوادي المبارك إلى النادي الأدبي بالمدينة المنورة. وبدأ النادي نشاطه المبارك منذ أكثر من ست عشرة سنة في مجالات النشاط المنبري والنشاط الأسبوعي والنشر . وقبل سنوات بدأ النادي بنشر مجلة علمية محكمة هي مجلة العقيق.
وفي هذا النادي بدأت أولى خطواتي في المحاضرات العامة- وقد كنت حديث عهد بالحياة العلمية بعد أكثر من اثنتي عشرة سنة من العمل الإداري- وإن كنت قد شرعت في التدريس لكن طلاب المعهد العالي للدعوة الإسلامية ( كلية الدعوة حالياً) لم يتجاوزوا العشرين طالباً في القاعة الواحدة. وقدمت نص محاضرة إلى الأستاذ محمد هاشم رشيد وبعد أيام قال لي ندعوك لإلقاء المحاضرة الأسبوع القادم. فذهبت إلى الدكتور محمد كامل خطاب أسأله عن كيفية إلقاء المحاضرات العامة وأقرأ أمامه بعض الأسطر . وزودني بإرشادات كثيرة تبخرت في أول لحظة واجهت فيها جمهور النادي الذي كان منهم تلك الليلة الدكتور أحمد الخراط ، والدكتور أكرم ضياء العمري ،  والدكتور وجيه عبد الرحمن والأستاذ زهير الخالدي.
وقد كانت تجربة مفيدة جداً فقد قرأت نص المحاضرة وكنت أمسك بالأوراق كأنني أخشى أن تطير من الملف. وأخطأت أخطاءً كثيرة. ولكن حسبي أنني بعد المحاضرة اتفقت مع أحد الناشرين على إعداد أربعة كتب. فما أبرك تلك المحاضرة وما أبرك النادي الذي ألقيت فيه.
واستمرت صلتي بهذا النادي المبارك في بعض المحاضرات العامة التي حضرتها وإن كانت قليلة_ ولكن النادي استضاف شخصيات  علمية بارزة من أبناء هذه البلاد المباركة بالإضافة إلى شخصيات إسلامية عالمية منهم الشيخ أبو الحسن الندوي والشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي وغيرهما.
وفي هذه المقالة أود الحديث عن كتاب صدر حديثاً عن النادي وهو دراسة مقارنة بين الأدبين العربي والغربي للدكتور عاصم حمدان. وقد سبق للنادي أن أصدر ثلاثة كتب للدكتور عاصم حمدان هي: المدينة المنورة بين الأدب والتاريخ ، وحارة المناخة، و شارع العنبرية. وهي كتب رائعة قدمت صوراً من الحياة الاجتماعية والثقافية لمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم في القرن الماضي. ومن كالدكتور عاصم يبدع في تقديم هذه الصور فقد عاش في المدينة المنورة يعرف شخصياتها وشخوصها ويعرف شوارعها وأحواشها. ويحمل لأهل المدينة المنورة من المحبة والاحترام والوفاء ما يجعلنا نطالبه بالمزيد من الكتابات حول طيبة الطيبة.
أما هذا الكتاب الذي فهو مجال لا يدعي الدكتور عاصم التخصص فيه ولكنه بذل جهداً عليماً مباركاً في القضايا التي تناولها . وقد كان تقديم الدكتور عادل محمد عطا إلياس إضافة متميزة حيث أكد على الجهد العلمي المتميز الذي بذله الدكتور عاصم في هذا الكتاب. لقد أكد الدكتور عاصم أن الأدب الغربي أفاد وتأثر بالأدب العربي بدون شك وقدم لذلك أدلة وحجج لا يمكن أن ينكرها إلاّ من لا يريد أن يعترف لأمتنا بالتفوق في أي مرحلة من مراحل تاريخها. إننا حين نذكر هذا التفوق ليس لمجرد الفخر والاعتزاز ولكن شحذاًَ للهمم وأننا باستطاعتنا متى ما تمسكنا بهويتنا الثقافية والحضارية أن نقدم للأمم الأخرى ما تحتاج إليه من قيم.
لقد كتب تشارلز دكينز عن المجتمع البريطاني الذي كانت تسوده الطبقية البغيضة وأن الذي يولد حداداً يجب أن يكون أولاده وأحفاده حدادين أو نجارين أو غير ذلك من المهن، أما التعليم والعلم والوظائف الراقية فهي حكر على طبقة النبلاء والأشراف. وقد كان العرب في جاهليتهم كذلك إلى حد ما ولما جاء الإسلام وأخطأ أحد المسلمين بتعيير آخر بأصله فما كان من الرسول الكريم إلاّ أن قال غاضباً (لقد طفّ الكيل ، طفّ الكيل. أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية.)
وأتوقف عند بحثه المعنون ( أنثوبولجيا "جيمس فريزر " وشكلانية ليفي شتراوس "من منطلق نقدي أوروبي) وفيه أتوقف عند كلمات جاك بيرك المستشرق الفرنسي المعروف-للأدباء العرب بأن يتمسكوا بثقافتهم المحلية وأن لا يعلقوا الآمال على الجوائز العالمية. ويدهشك الدكتور عاصم وهو الخبير- بعمق معرفته بالنظريات الأدبية الأوروبية التي يتشدق بها بعض أنصاف المثقفين ويقلدونها بعد أن تصبح بضاعة بائرة عند القوم.
وقد أشار الدكتور عاصم في المقارنة بين الأدبين العربي والغربي إلى نماذج من كتابات يزعمون أنها أدب وهي كتابات أمثال محمد شكري ويستحق الدكتور عاصم الإعجاب لدقة ملاحظاته وعمق معلوماته وغوصه وراء الأحداث وعدم الاكتفاء بالظواهر. فقد التبس على الكثيرين أن محمد شكري أديب وما هو بأديب.

إن الموضوعات التي قدمها الدكتور عاصم حمدان في كتابه إنما هي مقدمات لموضوعات تستحق بحوثاً وجهوداً أكبر، ومن هذه البحوث بحث (من يرسم الصورة العربية في المخيلة الغربية ؟) فإن هذا البحث يستحق أن يكون أكثر من كتاب. فإن اليهود الصهاينة استطاعوا أن يجعلوا من أنفسهم أوصياء على تقديم صورة العرب المسلمين للغرب. وقد كتب الأستاذ سالم المراياتي- أحد المسؤولين في المركز الإسلامي بلوس أنجلوس-  أن العرب المسلمين يواجهون حملة قوية صدهم تشبه الحملة التي قام بها النازيون ضد اليهود في ألمانيا. وقد أثبت أن الحملة الصهيونية اليهودية تتبع أساليب النازية نفسها.  فشكراً للدكتور عاصم حمدان على هذا الجهد العلمي، وشكراً لنادي المدينة الأدبي لنشره هذا البحث الذي يعد إضافة مهمة للبحث العلمي .

حارة المناخة


حارة المناخة: صورة أدبية للمدينة المنورة في القرن الرابع عشر الهجري
تأليف د. عاصم حمدان ، عرض مازن مطبقاني
        يقولون إن الماضي لا يعود لأن قوانين الفيزياء تقوله بأنه لا يمكن لجسمين أن يحتلا حيزاً واحداً، ولا شك أنّ هذا صحيح في عالم المادة والجمادات، ولكن هذه القاعدة لا تنطبق على عالم الفكر والروح؛ فالماضي يعود رغم أن الزمن يسير في طريقه إلى الأمام.
        وها هو كتاب "حارة المناخة: صور أدبية للمدينة المنورة في القرن الرابع عشر الهجري" للدكتور الأديب المبدع عاصم حمدان يعيد ماضي مدينة الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم القريب بمشاهدات رائعة في حقيقتها، ورائعة في تصويرها.
        ليست هذه هي المرة الأولى التي اعيش فيها مع أبداعات صديقي الدكتور عاصم قد منّ الله عليه بإصدار كتابه الأول "المدينة المنورة بين الأدب والتاريخ" فمزج الدب بالتاريخ وتناول قضيايا أدبية وأخرى تاريخية بأسلوب علمي أدبي رفيع وقد كان هذا الكتاب مفتاحاً لبحوث علمية لو صادفت همة الشباب الجامعي والأساتذة الموجهين.
        وجاء كتابه الثاني "حارة الأغوات" لنعيش من جديد قرب المسجد النبوي الشريف، ونتجول في أطهر البقاع على الأرض فنتعرف إلى جيران المصطفى صلى الله عليه وسلم وهم يمضون حياتهم بطمأنينة وسكينة، ونسير في سكك المدينة وأزقتها وأحواشها.
        ويأتي كتاب "حارة المناخة" ليبدأ بموقعها وأهميتها، وما كان يجري فيها من نشاط منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ إنها ساحة إعداد المسلمين لتحمل أعباء الدعوة، إنها التربية العسكرية الرياضة ذات الهدف وليست رياضة التسلية والترفيه، رياضة البناء وليست رياضة الهدم، إنّه جيننا الحنيف الذي ينادي بأنّ "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف" ويشير إلى مسجد السبق المكان الذي كان يتخذه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم للإشراف على هذه النشاطات ، بل كان يمارس بعضها أحياناً
        ولئن كان الكتاب صوراً أدبية كما يشير مؤلفه لكن الأدب ليس رصف كلامات وتزيين القول ففي صفحات الكتاب جولات في تربية النفس وتزكيتها.
        إن النماذج التي يختارها الدكتور عاصم وإن كانت- في معظمها –لأناس عاديين لكنهم بلغوا درجات عالية من الطهر والنقاء والصفاء ، لد تغلبوا على الحقاد والإحن والحزازات – ما أروع الاختيار ، هذا الذي فتح أبواب بيته للناس من طلبة علم وغيرهم وذلك الذي طالما مشى في ساحات المدينة باحثاً عن قلوب كسيرة ليداوي جراحها بذلك البلسم الذي هداه الله إليه؛ إنّه الإيمان.
        واستمع إليه يحدثك عن هذا الرجل بحديثه إليه : كنت تضع بين أيديهم كل ما تحمله من زاد ولا بأس عليك إذا ظللت جائعاً وشبع الآخرون، ولا ضير عليك إذا دبت ليلاً إلى دارك ويدك خالية من الدراهم، لقد كنت أعجب كل العجب كيف يتأتي لنفس أن تؤثر الآخرين على نفسها مثل هذا الإيثار ويأتينا السبب بدرس بليغ في تزكية النّفس ولكنك اكتسبت هذا وغيره بما كان يردده لسانك وقلبك معاً من ذكر الله الباقي، والتدبر في ملكوته العظيم والذكر والتدبّر يقودان إلى الحقيقة؛ والحقيقة أن البقاء لله وحده وما سواه فانٍ.
        وما زلت أذكر منذ قرأت الكتاب في "الأربعاء"تلك القصة التي تشبه الأساطير خيالاً؛ ذلك الرجل من أهل طيبة الطيبة الذي لم يخف الموت ، بل كان يدرك أنه إذا جاءه الموت سيكون ثابت الجأش راضي النفس فوصفه الدكتور عاصم بقلمه المفعم بالعواطف والخيال؛ كيف خرج من بيته يوم الجمعة متطهراً متطيباً وفي منتصف الطريق" عاد إلى البيت ثانية، ولم يكن في الدار إلّا السيّدة الكريمة زوجته ودّعها من أسفل بكلمات مقتضبة ثم تمدّد على الأرض متوجهاً إلى القبلة وقرأ شيئاً من القرآن ونطق بالشهادتين وعندما وصلت زوجته من الجزء العلوي من الدار حيث كانت تجلس كان صاحبنا قد ودّع الحياة ودّعها في طمأنينة وهدوء"
        كثيرة هي المواقف والصور في هذا الكتاب التي تستحق أن نستعيدها ونبدي إعجابنا بها ولكن لا بد من اختيار بعضها فالدكتور عاصم يطعّم كتابة بين الحين والآخر بمناوشات يستدعيها المقام، فهو يذكر قصيدة محمد علي النجّار التي مطلعها
                لطيبة ميثاق عليّ قديم      إذا ذُكرت يوما لديّ أهيم
فهذا شعر جميل ورصين وهكذا كان شعراء المدينة وما لايزالون –إلّا من انحرف، وهم قلة- وقد ظهرت موجة الشعر الذي لا يستحق أن يسمى شعراً، واستشهد الدكتور عاصم بكلام نزار قبّاني الذي سمّى هذا الشعر بالشعر "الهيروغليفي"
        أما أصحاب هذا الشعر فقد كان لعلّامة الجزائر الشيخ البشير الإبراهيمي –رحمه الله – رأي مفاده أن اللغة العربية تضيف واو نوناً لجمع المذكر السالم، وألفاً وتاء لجمع المؤنث السالم وهو سيضيف لهم واواً ونوناً وألفاً وتاء بحيث يوصفون بأنهم "مجددونات" أما اسم هذا الجمع الجديد فهو جمع "المخنث السالم"
        وتناول الدكتور عاصم في صفحة 66 ما زعم أحد "الطاهات" الجدد (نسبة إلى طه حسين) الذي عاد من بعثة دراسية وهو يحمل شهادة (دكتوراة) زعم فيها أو طعن فيها في فصاحة قريش ووجد من يسانده في ساحتنا الأدبية، فوجّه الدكتور عاصم سهام نقده بقوله: "ومع هذا فقد ارتفع في الساحة الأدبية بيننا صوت نشاز يدّعي أن لغة قريش لم تكن فصيحة ورأيت أقوماً يشايعونه، وآخرين يتملقونه ونسي الذين يشايعونه وأولئك الذين يجاملونه لأسباب  لاأفقهها أن الطعن في فصاحة لغة قريش هو الطعن في لغة القرآن"
        ولقد قرأت هذا الكلام وتمنيت حينها أن ينازل الدكتور عاصم هؤلاء المفتونين بالغرب ونظرياته الألسنية والأرجلية ببحث علمي رصين ويسمّيهم بأسمائهم فهؤلاء لا يغنى معهم التلميح (فالتلميح تفهمه ذوو الألباب) ولو كان لهؤلاء ألباب لما قالوا ما قالوا؛ لأن فضح هؤلاء واجب إسلامي لأنهم مصرّون على باطلهم وانحرافهم ولا بد من حماية أبنائنا الطلاب من سمومهم.
        شكراً للدكتور الحبيب عاصم حمدان على لمسات الوفاء لجيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ولدعوته الصادقة لتزكية النفس وتطهيرها وتهنئة له على هذا النجاح الكبير وأسأل الله أن يزيده توفيقاً وأن يعينه على الاستمرار في هذا العمل المبارك.


وحقّ لنا أن نخشى إيران

قرأت مقالة الدكتور محمد عبد اللطيف آل الشيخ عن الخطر الإيراني، وأعجبت بالتحليل الجميل والمعلومات المختلفة التي قدمها. وقد اجاد في الحديث عن الخطر الإيراني. وأبدأ بالحديث عن الخليج العربي وليس الفارسي فالسؤال إن الشعب الذي يسكن حول الخليج من شاطئيه الشرقي والغربي يتحدثون اللغة العربية وأكبر المقاطعات من الجهة الشرقية تسمى (عربستان) ومعظمهم إن لم يكن كلهم من العرب. ثم لماذا هذه الضجة أن نسميه فارسياً أو عربياً؟
أعود إلى الخطر الإيراني فإذا كانت إيران تريد أن تصبح قوة كبرى وتنفق أموالها في الخارج على زيادة أتباعها في الوقت الذي يجوع الناس داخل إيران، والحجاج الإيرانيون يأتون ومعهم أموال طائلة بينما لا يجدون لقمة العيش في بلد الخير والنعمة. وإيران بلد البترول لا تكاد تكرر ما يكفيها من المواد البترولية وتتدفق ملايين الدولارات منها إلى كل أنحاء العالم من أمريكا الشمالية إلى أندونيسيا تشتري الأتباع. وفتحت جامعاتها فيستطيع اي شاب مسلم أن يلتحق بجامعة إيرانية خلال أربع وعشرين ساعة بينما يجد من الصعوبات والعراقيل ما لا نهاية له ليلتحق بجامعة في بلد كالسعودية. فقد تقلص حجم الجامعة الإسلامية وتقلصت المنح لأبناء العالم الإسلامي ولو فتح المجال لتدفق علينا الألوف. ولكن تلك قضية أخرى.
وقبل أسابيع قرأت مقالة لعبد الرحمن الراشد في الشرق الأوسط يلوم إيران أنها تريد أن تصبح قوة كبرى مما أخاف جيرانها فلجأ بعضهم إلى فتح بلاده للقواعد الأجنبية. وفي ذلك إشارة إلى الاتفاق بين فرنسا والإمارات. أما الكويت فلديها اتفاقية مع أمريكا والأسطول الأمريكي قريب من البحرين وقطر لديها قاعدة كبرى، ولا أتحدث عن الآخرين.
وقال الراشد إن الذي يلام ليس الذي جاء بالقواعد الأجنبية ولكن بالذي أخاف من حوله.
أما الحقيقة فإن الحل ليس في القواعد الأجنبية أو مطالبة إيران أن توقف برنامجها الطموح لتكون قوة كبرى. ولكن الحل أن يكون ثمة جيش قوي لدى دول الجزيرة العربية. فالسؤال الذي لا ينفك يسأل كم عدد قوات دول الجزيرة العربية بما في ذلك اليمن؟ وما التسليح الحقيقي لهذه الدول؟ ما عدد الجيش الذي تحتاجه المملكة العربية السعودية التي يزيد طول حدودها البرية والبحرية على ثمانية آلاف كيلو متر وهذا في العرف العسكري يتطلب أن يكون عندنا جيش لا يقل تعداده عن ثمانمائة ألف جندي. فكم عندنا منهم؟
نحن لسنا بحاجة أن نظل نشعر بالرعب من إيران أو غير إيران، إننا بحاجة إلى جيش حقيقي يحمي البلاد وبحاجة إلى نظام تجنيس يسمح بأن يدخل أبناء الوافدين من عرب ومسلمين بعد أن يقضوا فترة في بلادنا أن يكون لهم الحق في دخول الجيش.
أما التسليح فتلك قضية أخرى. لقد أعلن العرب إنشاء هيئة التصينع الحربي العربي بعد الهزيمة الكبرى في عام 1967م فماذا صنعت هذه الهيئة؟ نحن بحاجة إلى أن نصنع سلاحنا. وبحاجة إلى الاستثمار الحقيقي في الدول المجاورة التي تملك الأراضي الزراعية لنحقق أمننا الغذائي فيأتينا موز الشربتلي من أقصى الكرة الأرضية فما ذا استثمر الشربتلي في سوريا أو لبنان أو الأردن أو السودان أو في الجزائر وتونس؟
لا يصلح أن نظل نخشى إيران ويصيبنا الهلع والخوف كلما أعلنت إيران عن تجربة سلاح جديد فأين أسلحتنا يا قوم والسلام



وماذا إذا امتلكت إيران القنبلة النووية؟


كنت في زيارة لليابان في الفترة من 13-27 نوفمبر 2006 ودارت أحاديث بيني وبين بعض اليابانيين واليابنيات حول إنشاء وزارة دفاع لليابان وبالتالي البدأ في التفكير في إنشاء جيش ياباني، فرأيت من الناس عزوفاً عن مسألة القوة والجيش، وكأنهم استسلموا لما أملته أمريكا عليهم بأن عليهم أن يتفرغوا للنهضة الصناعية والعلمية وغيرها ويتركوا أمر القوة فإن القوات الأمريكية التي ترابط في بلادهم هي التي ستحميهم. وهم قد جربوا أن يكونوا قوة فكانت القوة كارثة عليهم. فقلت عجيب أمركم أيها اليابانيون إما أن تكون القوة كارثة ومصيبة أو تكون القوة لغزو الآخرين والاحتلال الوحشي لبلادهم. وعرف عن المحتل الياباني القسوة. ولكن أن تكون اليابان بلا جيش فأمر مخالف لسنن الحضارات والتاريخ، فكيف لأمة أن تكون محترمة وهي تنتظر غيرها ليدافع عنها. وقلت لأحدهم لدينا نحن العرب مثل يقول (لا يفل الحديد إلاّ الحديد) ومثل آخر (القتل أنفى للقتل) ويقول ربنا سبحانه وتعالى (ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب)
وهذه إيران تسعى لأن تكون قوة نووية ولديها جار مهدم محطم (مؤقتا) وجيران آخرون ضعفاء في عددهم وفي عدتهم فهل ينبغي أن نخاف من إيران أو لا؟ إن التاريخ بين السنّة والشيعة يؤكد أن مخاوف السنّة منطقية والسوابق التاريخية في مواقف الشيعة مع قوات الغزو والاحتلال معروفة، وحتى في احتلال العراق وأفغانستان لم تكن إيران بعيدة، بل إن إيران حصلت على مساعدات أمريكية في حربها مع العراق فيما عرف بإيران جيت.

علينا أن نخشى إيران ولكن ليست أمريكا هي التي ستسعى إلى حمايتنا، يجب أن نفكر من اليوم أن يكون كل مواطن في الجزيرة العربية جندياً، يجيب أن نفكر بجد في التجنيد الإجباري بدل من أن نترك شبابنا يضيع ويصيع في الشوارع تتلقفه محطات الغناء والأفلام الأمريكية التي لا تنتهي. إننا أمة الجد وأمة العمل وأمة القوة فهل يصح أن نكون ضعفاء وغيرنا يزداد قوة.

الخميس، 26 يناير، 2017

سؤال عن دراسة الفكر الغربي وعن مواجهة العقبات

   
تلقيت في رسالة خاصة في منتدى آخر سؤالاً حول دراسة الفكر الغربي من إحدى العضوات واستأذنتها في نشر الإجابة فلم ترد لا بالموافقة ولا بالرفض ولذلك لما وجدت أنني كتبت بعض الأفكار التي تستحق -في نظري - أن تنشر فأستميحها عذراً في نشر الإجابة وإليكموها
الابنة الكريمة
سلام الله عليك ورحمته وبركاته
هذا والله سؤال كبير كبير، ويحتاج إلى همة عالية عالية، ويحتاج إلى دأب وجهد ونصب وتعب. الفكر الغربي اليوم أو أمس أو قبل أمس، الفكر الغربي الروماني أو اليوناني أو القرون الوسطى أو العصر الحديث؟ الفكر الغربي مؤسسات أو أعلام، الفكر الغربي اجتماعاً أو سياسة أو اقتصاد أو أخلاق؟ الفكر الغربي قضية ضخمة تحتاج إلى جيش من المثقفين لسبر أغوارها وإدراك كنهها، كنت في زيارة لجامعة طوكيو وبخاصة مركز الدراسات الأمريكية فرأيت مكتبة قد لا تتوفر في بعض الجامعات الغربية لكثرة الكتب والمراجع فيها.
نعم تحتاجين لغة أجنبية إنجليزي أو فرنسي أو ألماني؟ لا يصح أن يزعم الواحد منا أنه متخصص في فكرهم وهو لا يستطيع أن يقرأ هذا الفكر في لغاته الأصلية. ما دمت في مقتبل العمر فهل يكون لك أسوة في الصحابة الكرام الذين أتقنوا لسان الأقوام الذين بعثهم الرسول صلى الله عليه وسلم رسلاً إليهم أو زيد بن ثابت الذي تعلم العبرية في خمسة عشر يوماً أو سبعة عشر يوما؟
بودي أن أستفيض في حديثي عن الفكر الغربي لأعترف لك أنني لست متخصصاً فيه، وإنما هي قراءات عابرة وإنما الذي أظن أنني تابعته بشيئ من التوسع هو النشاطات الغربية في الدراسات العربية والإسلامية.
جميل أن يكون عندك طموح أن تفهمي هذا الفكر الغربي، ولعلك تجدين في كتابات الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله بعض ما يشفي الغليل فالرجل خبرهم وقرأهم وعرفهم معرفة جيدة. اعذريني إن أطلت فالسؤال حرك شجوناً وشجوناً وهل تأذنين لي بنقله إلى المنتدى؟
وقد استزادت في رسالة أخرى عن خبراتي في دراسة الغرب وكيف للباحث أن يتخطى الصعاب والعراقيل والعقبات،
فأولاً خبرتي أني عشت في أمريكا خمس سنوات وقد سكنت مع أسرة في لوس أنجلوس ومع أسرة أخرى في (قرية بند) بأوريجن (كان عدد سكانها ثلاثة عشر ألفاً، وهم الآن أكثر من ستين ألفاً) وكان لي رفيق في السكن أمريكي يعد الدكتوراه في الحقوق استمر سكني معه خمسة أشهر، وسكنت مع آخر أيضاً في التخصص نفسه.
وكنت قارئاً فقرأت كثيراً من كتب الأدب، ثم إني درست مواد مثل علم النفس والأدب واللغة وكان لي احتكاك بالطلاب الأمريكان كثيراً.
أما العقبات والعراقيل فقضية أخرى يطول الحديث عنها، لا أنكر أنني رضخت لكثير من تلك العراقيل وقيدت حريتي وطموحي كثيراً، ولكني في الوقت نفسه مارست كثيراً من التمرد والمقاومة القوية الصلبة وتغلبت على كثير من العقبات. ينبغي أن يقنع الإنسان نفسه أنه قادر بإذن الله على تخطي الصعاب وهو سيقدر بإذن الله. وأرجئ الحديث عن هذا الأمر لمناسبة أخرى إن شاء الله.


ميامي وألمانيا عن طريق المدينة المنورة


ما أن عدت من الولايات المتحدة الأمريكية حتى أدركت أنني بحاجة إلى زيارة والدتي فقد وصلت الثلاثاء مساءً على الخطوط الألمانية، وكانت سيارتي في الصيانة فذهبت قبل صلاة الظهر لتسلمها، وفي طريقي إلى البيت فكرت بالاتصال بأمي لأعتذر لها عن القدوم لأنني متعب من السفر ثم عزمت أمري وقررت السفر ثم فكرت في أثناء الطريق أني مسافر إلى ألمانيا الأسبوع القادم فلا بد من زيارتها قبل سفري إلى ألمانيا، وهنا عدت إلى البيت لإعداد بعض مستلزمات الرحلة مثل القهوة المركزة (الاسبرسو) حتى لا أشتري من الطريق ولا تكون بجودة القهوة التي أعدها في البيت، وبعض المكسرات لأنني من المدنين على الفصفص حتى كنت أقول لأحد الباعة لا بد من تأليف جمعية لمكافحة الإدمان على الفصفص. وأخذ ملابسي وركبت السيارة إلى المدينة المنورة، ويبلغ طول الطريق ثمانمائة كيلو متر وثلاثين أو عشرين أو قريباً من ذلك، وبدأت المشوار: قرأت دعاء السفر وربطت الحزام وملأت خزان الوقود
وقصتي مع المدينة المنورة أنني أتشرف بالانتساب إلى هذه المدينة العظيمة، وهل تأملنا لماذا أطلق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم اسم (المدينة)، إنه لأمر عجيب فكل مدينة في الدنيا لها اسم والمدينة هي المدينة، أي أنها علم على المدن فلا يشاركها في اسمها مدينة أخرى ولا يمكن، حتى اسم مكة استخدم ليدل على المكان الذي يأتي إليه الناس ويحجون أما المدينة فهي المدينة وكفى. وانتسابي إلى المدينة المنورة ليس انتساب ميلاد ونشأة ونسب فقد ولدت في الكرك بالأردن وعشت فيها ثنتي عشرة سنة من حياتي ولكني أحب الانتساب إلى المدينة حباً وولاءً وإخلاصاً وتعظيماً وقناعة. أحاول أن أكون ممن يستحق النسبة لهذه البلدة الطيبة الطاهرة وأحاول التشبه والتقليد لأولئك القوم الذين عاشوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فأهل المدينة في القديم والحديث ألين جانباً وأطيب معشراً وألين عريكة، فهم الذين وصفهم الحق سبحانه وتعالى ( والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبل يحبون من هاجر إليهم ولا يجدوا في أنفهسم حاجة مما أوتوا ولو كان بهم خصاصة)
وأعود إلى السفر إلى المدينة التي يبدأ طريقها بالمرور بالقصيم وهو الجزء الأصعب من الطريق على الرغم من أنه الجزء الأكثر أنسا وحركة وأقصر. ولكن ما يزعج في الطريق إلى القصيم أن كثيراً من السيارات تسير بسرعة جنونية، ولا يريدون أن يعطوك الفرصة لتترك لهم المسار الأيسر بل إنهم يصرون بالنور العالي والاقتراب الخطر وكأن كل واحد من هؤلاء معه الزر النووي أو إنه ذاهب لإكمال تجاربه النووية التي لا يمكن أن تتأخر ثانية. وتتحمل وتبحث عن فجوة في المسار الأوسط لتهرب منهم وفي بعض الأوقات أؤشر لهم بيدي هذه الطريق أمامكم فلا تتأخروا وأحياناً أتكلم معهم وهم لا يسمعوني بكلمات تنفس عما بداخلي من هذا السلوك الهمجي وكأنهم لم يقرؤوا حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم في النهي عن ترويع المؤمن. وكنت أعتقد أن هذه السرعة الجنونية ليست من التحضر في شيء بل إن السرعة الجنونية التي يكون فيها مضايقة لرفقاء الطريق تدل على الهمجية والتوحش وأحياناً يخطر لي أن أطالب إدارة المرور بمنع هؤلاء من السفر براً، وليكن لديهم طائرات خاصة أو عليهم بالسفر جواً إن كانوا مستعجلين إلى هذه الدرجة. ومن الأفكار الجنونية أن بعض هؤلاء يستحق التعزير ولو كانت لدي درة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لهويت بها على رؤوسهم. ومرة قلت لأحد المستعجلين يا أخي تحتاج إلى ونانات تسير أمامك؟ لماذا كل هذه العجلة؟
وصلت المدينة المنورة بعد سبع ساعات ونصف تقريباً فأول منظر يصدم القادم إليها الجسور المعلقة، لا أقصد المعلقة في الهواء ولكن المعلقة في الإنجاز فترى الجسر وليس ضخماً ولا طويلاً ولا معقداً ولكنه جسر بسيط يربط بين نقطتين مسافة لا تزيد على نصف كيلو متر ولا يستغرق في بلاد العالم أكثر من بضعة أشهر ولكنه في المدينة المنورة يستغرق سنوات وسنوات. بل إن أحد الجسور بدأوا بتشييد الجزء الصاعد منه وتوقفوا لأن قضية نزع الملكيات وقطع النخيل لم تحل بعد. ويتساءل المرء لماذا لم تحل هذه المسائل قبل الشروع في بناء الجسر؟ ولكل جسر قصة في المدينة المنورة ولو كان لدي الوقت والمزاج لكتب رواية بعنوان (قصة جسر)، أتحدث فيها عن مشروعات الجسور في المدينة المنورة وكم استغرق كل جسر ومن المقاول وكم قيمة كل مقاولة وكم جسراً تبني بدلاً من جسر أو جسرين أو أكثر. لكتبت كثيراً عن فن بناء الجسور في التاريخ الإسلامي وكيف أننا ربما كنّا أكثر تقدماً من زمننا هذا.
وفي المدينة المنورة أيضاً هناك قصة أرصفة شارع قباء التي بنيت وهدمت وأعيد بناؤها مئات المرات، فقد كنت أسير في طريق قباء متجهاً من الجنوب إلى الشمال، أي من جهة قباء إلى المسجد النبوي الشريف وقبل نهاية الطريق أو عندما ما كان يسمى (باب قباء) إذ بالأرصفة مهدمة أو مدمرة وهناك مقاول يقوم بإعادة بناء الجسر وفكرت من جديد في أن أرصفة قباء هذه تستحق أن يكتب فيها كتاب أو أكثر. يبدأ الكتاب بتاريخ الشارع متى افتتح وكيف كان أول رصيف له، كم كان عرض الرصيف من الجهتين وكم بقي للشارع، ولماذا لشارع قباء شارعان أحدهما صعوداً إلى قباء والثاني نزولاً إلى المسجد النبوي الشريف؟ وبعد الرصيف الأول متى كان هدم هذا الرصيف، ولكن لا بد أن ندرس الرصيف الأول من حيث مواصفاته طولاً وعرضاً والمواد التي بني منها، وكم كانت التكلفة، وكم عدد العمال الذين عملوا في بنائه، ومن كان رئيس البلدية حين ذاك ومن المقاول؟ ثم متى كان أول هدم لأول رصيف ونعيد المعلومات نفسها، ومتى كانت المرة الثالثة والرابعة والخامسة والعاشرة؟
وأمضيت في المدينة يومين رجعت بعدها لأستعد للسفرة التالية بعد أن قررت أن يكون غيابي فرصة للطلاب لحل اختبار الكتاب المفتوح في مادة مجتمع الأمة الإسلامية (سلم 454) ومادة فقه السيرة النبوية (437سلم) ومادة أسس النظام السياسي في الإسلام (سلم 104) وأعطيت الطلاب الأسئلة وشرحت لهم معنى الأسئلة وما يمكن أن يكتب في الإجابة حتى إن أحد الطلاب لحقني بعد المحاضرة ليقول أستاذ أنا أحب مادتك فهي حيوية ومفيدة.
وفي المدينة ذهبت إلى مقهى الباشا لأشرب الشاي الأخضر أو الأتاي المغربي ولأمر بصالون الحلاقة فلا يضيع وقت الانتظار هدراً أقوم ببعض الترجمة (وقد ترجمت كثيراً في هذا المكان) وتساءلت ما معنى لقب (باشا) فهو لقب تشريفي تركي كان السلطان ينعم (!) كما يقولون على بعض الناس لقاء خدماتهم للدولة (قيل أصبح يشترى فيما بعد، وهكذا حال الدول في آخر أيامها) وبين الصالون المقهى محل اسم (مغاسل المستقبل) وتساءلت عن معنى الاسم، أي مستقبل يحتاج إلى الغسيل؟ أو إن الأدوات التي يتسخدمها أصحاب المحل جاءت من المستقبل؟
أما لفظ الباشا فقد أصبح دارجاً عندنا فعندما نريد أن نظهر احترامنا للشخص أو نتلطف في ندائه فنقول له (يا باشا) وتساءلت هل في العالم العربي مثل هذه الألقاب؟ أو إن العرب عزفوا عن الألقاب ومع ذلك فقد وجدت أننا نقول:جلالة الملك المعظم، ومعالي الوزير ، وسعادة المدير العام وسماحة الشيخ ، وفضيلة الشيخ، وأخيراً ينال بعضنا عبارة المكرم وهي أدنى عبارات التبجيل، وربما حتى المكرم فيقولون (السيد فلان) وبدون أن نناقش معنى كل عبارة أتوقف عند (المكرم) التي كانت تبدأ بها خطابات كثيرة أعرفها –لا أقول موجهة لمن- فالمكرم في الخطاب يهان ويذل ويشتم وتجرح كرامته أو تذبح من الوريد إلى الوريد وبعد ذلك وقبله هو (المكرم) فهل هي كما عرف العرب أسماء الأضداد حين كانوا يطلقون على الجمل الأجرب السليم، فهل يقصدون بالمكرم العكس؟ لا أدري وهنا توقف مازن عن الكلام المباح...


متى نتخلص من العقليات التي يسيطر عليها الروتين لننطلق


قبل أعوام تزيد على العشرين سنة وجه إلي النادي الأدبي بالمنطقة الشرقية دعوة لإلقاء محاضرة بعنوان (الجديد في عالم الاستشراق) فطلبت من النادي أن يخاطب الجامعة حتى تأذن لي، فبدأت المراسلات كما يأتي:
1- خطاب من رئيس النادي إلى مدير الجامعة
2- خطاب من مدير الجامعة إلى عميد الكلية يسأله إن كان إلقاء المحاضرة يؤثر على العملية التعليمية أو على ارتباطي بالتدريس.
3 خطاب من العميد إلى رئيس القسم يسأل عن الشيء نفسه
4- خطاب من رئيس القسم إلى عميد الكلية
5- خطاب من عميد الكلية إلى مدير الجامعة
6- خطاب من مدير الجامعة إلى رئيس النادي
واستغرقت هذه الخطاب قرابة الأسبوعين وقد أوشك موعد المحاضرة لم يحل والمراسلات دائرة في جامعة الإمام بين مدير الجامعة وعميد الكلية ورئيس القسم.
وقررت بعدها أن لا أستأذن مطلقاً فلست بحاجة إلى المرور بكل تلك المراسلات.
وقريباً حصل معي في جامعة الملك سعود قريباً من هذا وبعد المكاتبات قام مسؤول بطلب المفاهمة الشفوية بل علمت أن القضية كانت تتطلب الاستئذان قبل شهرين حتى يأخذ الروتين مجراه.
ليس معنى هذا أن تصبح الأمور فوضى وأن يغيب الأستاذ كما يشاء ولكن لماذا المراسلات وطلب المفاهمة على أمر كان يمكن حله بالهاتف، أو برسالة بريد إلكتروني أو بزيارة إلى مكتب المسؤول الذي لا يبعد عن القسم عندنا أكثر من خمسة عشر متراً.

وكم كان بودي أن يستدعيني المسؤول ويسألني أو حتى يحقق معي لماذا تريد أن تسافر وهل مثل هذا السفر ضروري؟ وما الفائدة المرجوة من سفرك أو غير ذلك؟ لماذا لا تستغل الجامعة قدرتي على السفر للإفادة من صلاتي العلمية في المجالات الفكرية فليست الدنيا كلها فيزياء وكيمياء ورياضايات وذرّة بل إن العلوم الاجتماعية مما تقوم عليه الأمم ولو لم تنهض الأمم نفسياً وأخلافياً وسلوكيا وفكرياً وقبل ذلك إيمانيا وعقدياً فإنها لن تنهض ولو أتينا بكل أدمغة الدنيا عندنا ولم نعتن بالتاريخ والجغرافيا وعلم النفس وعلم الاجتماع والتربية والثقافة الإسلامية فوالله لن ننهض ولن ننهض ولن ننهض... فقليلاً من الاهتمام بالفكر أيتها الجامعة الحبيبة والسلام.

عرض لكتاب كارل أرنست (على نهج محمد صلى الله عليه وسلم)(إعادة التفكير في الإسلام في العالم المعاصر)



تأليف كارل إرنست Carl Ernest ترجمة حمزة الحلايقة
مراجعة وتحرير : مركز التعريب والبرمجة، الناشر بيروت: الدار العربية للعلوم
أول ما يتبادر إلى الذهن حين تقرأ العنوان أن الكاتب مسلم يقدم لك سيرة الحبيب صلوات الله وسلامه عليه لتسير على نهجها وخطاها، ولكن ما أن تبدأ في القراءة حتى يقول لك المؤلف إنه ليس مسلماً وإنما أراد أن يكتب عن الإسلام والمسلمين في زمن انتشرت فيه ظاهرة شتم الإسلام والانتقاص منه وتحذير الناس من الإسلام والمسلمين وهي الظاهرة التي أطلق عليها ظاهرة التخويف من الإسلام. وهنا انبرى نفر من الغربيين يريدون أن يوضحوا لقومهم أن الإسلام لا يخاف منه وأن المسلمين بشر من البشر لهم وجودهم وكيانهم وتاريخها وأوضاعهم السياسية والاقتصادية، ولِمَ الخوف منهم. ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر جون اسبوزيتو أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة جورج تاون ومؤسس مركز التفاهم الإسلامي النصراني في جامعة جورجتاون بعد انتقاله من معهد هارتفورد اللاهوتي ومستشار مركز الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي النصراني.
قلت إذن ثمة خطأ في ترجمة العنوان فهو في اللغة الإنجليزية معناه الأقرب (اتّباع محمد، إعادة النظر في الإسلام في العالم المعاصر) فكيف اعتقد المترجم أنه يقصد على خطى محمد صلى الله عليه وسلم. لنترك العنوان ونأتي إلى المترجم فلا شك أنه بذل جهداً طيباً في الترجمة هو ولجنة المراجعة والتحرير ولكنه وحتى المراجعون ليسوا متخصصين في كتابات الغربيين حول الإسلام والمسلمين، بل لم يفهموا تاريخ هذه الدراسات ووضعها الحقيقي. لذلك أشاد المترجم وأطنب في الإشادة بالكتاب دون أن يدرك حقيقة ما قصده المؤلف أو ما أراده.
ودلفت إلى النص كما يقولون لتصدمني عبارات عجيبة في الحديث عن أهداف المؤلف من تأليف الكتاب فهو يقول أن هدفه الأساس هو التوضيح بأن المسلمين "عبارة عن كائنات بشرية بمعنى أن لهم تاريخاً وأنهم يعيشون أوضاعاً اجتماعية وتاريخية متعددة معرّفة من خلال الطبقة الاقتصادية والمعرفة والجنس بالإضافة إلى جميع العوامل التي لا بد للناس الطبيعيين أن يتعاملوا معها، وبصراحة أشعر شخصياً أنني مجبر على إثبات هذه الفرضية البسيطة وذلك بسبب العلاقات الإنسانية العميقة التي أقمتها مع المسلمين عبر السنين" فهل نفرح أن المؤلف قرر أن يمنحنا شرف الانتساب إلى البشر والإنسانية؟ هل هذه رسالة المسلم والمسلمين في الأرض؟ لقد وصل الاستعلاء بالغربيين في وقت من الأوقات وحتى اليوم أن ينظروا إلى الأمم الأخرى بأنهم أقل شأنا، وأنهم القادرون على الحكم على البشر، وكانت رسالة الرجل الأبيض كما زعموا تحضير الشعوب والأمم الأخرى. هل نحن فقط بشر كما يريد لنا المؤلف العزيز؟ ألسنا أمة تحمل رسالة هداية وصلاح للبشرية جمعاء منذ بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ ألم يقل ربعي بن عامر رضي الله عنه لملك الفرس (إن الله جاء بنا وابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الواحد الأحد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة"؟ ألم نحقق هذه الرسالة حين كنّا نعيش بالإسلام وللإسلام؟
ويقول المؤلف في موضع آخر إن من أهدافه "الكشف عن الوجه الإنساني للإسلام" فهل الوجه الإنساني للإسلام بحاجة إلى من يكشف عنه؟ إن الذين يزعمون أنهم اخترعوا علماً أسموه علم الإنسان ما دروا أن في القرآن سورة كاملة جميلة (وكل سور القرآن الكريم جميلة) اسمها (الإنسان)(هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً، إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج فجعلناه سميعاً بصيراً، إنّا هديناه السبيل إمّا شاكراً وإمّا كفوراً)
وتحدث المؤلف في فصل جعل عنوانه (الإسلام في عيون الغرب) شكى فيه من جهل الأمريكيين بالثقافات الأخرى، ولكن لم يتساءل لماذا يجهل الأمريكيون العالم من حولهم؟ ولماذا أمريكا عندهم هي كل العالم؟ ألم يتساءل لماذا يسعى الإعلام الأمريكي بقنواته التي تفوق الحصر جاهلاً بكل ما حوله؟ لماذا حاربت وربما لا تزال الحكومة الأمريكية تحارب فهم الأمريكيين للشعوب والأمم الأخرى من خلال فرض حصار على الشعب الأمريكي. وثمة قصة طريفة لطالب سعودي أراد في الستينيات أو السبعينيات الميلادية أن يشتري مذياع بموجات قصيرة فلم يجد حتى دلوه على شوارع خلفية في مدينة لوس أنجلوس ليشتري ذلك المذياع وكأنه يشتري مخدرات أو ممنوعات. وهل رأيتم في حياتكم راديو أمريكي فيه غير الموجة إي إم وإف إم. وقد فاجأني الدكتور هيث لوري (رئيس قسم دراسات الشرق الأدنى بجامعة برنستون عام 1995م بقوله أنتم محظوظون بمشاهدة السي إن إن الدولية، أما السي إن إن الأمريكية فهي لا تهتم إلاّ بالشأن الأمريكي. ومن الأمثلة على إغراق المواطن الأمريكي بالقضايا المحلية أن جعلت محاكمة إ وجي سمبسون محاكمة القرن، والمرأة التي قطعت عضو زوجها بطلة قومية وربما علموا أفلاماً حول القضية ، وما إلى ذلك من القضايا المحلية التي ينطبق عليها (صناعة محلية واستهلاك محلي)
ومع ذلك فأصر لماذا لا يعرف الأمريكيون العالم أو يعرفوه معرفة مشوهة؟
وتحدث المؤلف في كتابه عن المرأة واتهام الإسلام والمسلمين باضطهاد المرأة وأشار إلى أن المرأة المسلمة سبقت الغربية في نيل كثير من حقوقها ومن ذلك الحق المالي أن جعل الإسلام للمرأة ذمة مالية مستقلة. ولم يشر إلى أن المسلمين حين يضطهدون المرأة فإنما يكونون مخالفين للإسلام الذي يأمر بالإحسان إلى المرأة والرفق بها (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) وتقول عائشة رضي الله عنها ( كان صلى الله عليه وسلم في مهنة أهله (وفي تدل على الاستغراق كما يقول اللغويون):كان يرقع ثوبه ويخصف نعله ويحلب شاته) وأما المرأة الغربية فإن العنف ضدها أضعاف أضعاف ما عندنا واكتب في جوجل عبارة (العنف ضد المرأة )باللغة الإنجليزية وانظر ملايين الصفحات والقوانين والقرارات. فأينا أكثر تقديراً للمرأة نحن أم هم؟
وتحدث عن تطبيق الشريعة الإسلامية ولم يوف الموضوع حقه بل تناول السعودية بشيء من المعلومات الخاطئة والأفكار المسبقة بأن ذكر الوهابية وهذه تسمى في البحث العلمي التعميمات الجارفة. ولو أدرك حقيقة المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية لعرف أننا نريد أن نعيش حياة فيها صدق وأمانة وشفافية وأن يكون الرجل المناسب في المكان المناسب، وأن يراعي الحاكم أحوال أمته (من ولي من أمر المسلمين شيئاً فشق عليهم إلاّ شق الله عليه) ويريد المسلمون من تطبيق الشريعة الإسلامية أن يكون في الأمة محاسبية وشفافية ومن أين لك هذا، ويريد المسلمون أيضاً أن يكون الرجل المناسب في المكان المناسب لا أن توسد الأمور إلى غير أهلها فنكون قد وصلنا إلى قرب يوم القيامة.
وفي فصل آخر تحدث عن مفهوم الدين عند المسلمين ولكنه غرق في تعريف القارئ بمعنى كلمة الدين عند أساطين العلماء النصارى والفلاسفة. وكان الأولى أن يبدأ بالتعريف اللغوي للدين عندنا من معاجمنا لو كان يعرفها، ولو رجع إلى آيات القرآن الكريم التي أوردت لفظ الدين في أكثر من موضع، ومنها (إن الدين عند الله الإسلام) وفي آية أخرى (هو سمّاكم المسلمين). بل وقع المؤلف فيما وقع فيه قبله المستشرقون بأن زعم أن مصطلح الدين مصطلح غامض واستشهد بنقل عبارات طويلة من المستشرق الخطير ويلفرد كانتول سميث لأن القارئ العربي ربما لا يعرف هذا المستشرق ولأن مثل هؤلاء المستشرقين هم العمدة عنده.
وفي الحديث عن مصادر الإسلام وأشار إلى أن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم هي أحد هذه المصادر وإن كان قد اعترف بأنها دونت خيراً مما دونت سيرة عيسى عليه السلام ولكنه عاد ليقلل من شأن هذا التدوين بقوله:" بينما يبدو للوهلة الأولى أن حياة محمد صلى الله عليه وسلم موثقة بدرجة أكبر بكثير من خلال مصادر معاصرة (من عصر النبي) إلاّ أنه مع تعمق في الفحص يجد أن فصل محمد التاريخي عن محمد الإيماني هو بالدرجة نفسها من الصعوبة" ولا أدري كيف يكون الفصل بين محمد التاريخي ومحمد الإيماني؟ ولكنه قرن ذلك بما عند النصارى من فرق بين عيسى عليه السلام تاريخياً وإيمانياً.
وأورد حديثاً عن توضيح الرسول صلى الله عليه وسلم لأسس الإسلام في الحديث الصحيح الذي درسناه في الأربعين النووية وفيه (عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال بينما كنّا جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر وليس عليه أثر السفر ولا يعرفه منّا أحد فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم .. وسأله عن الإسلام وعن الإيمان وعن الإحسان) ويقول المؤلف في هذا الحديث: "يصف لنا لقاء بين محمد (صلى الله عليه وسلم) وشخصية مبهمة كانت عبارة عن الملك جبريل) فلماذا يروي الحديث بهذه الطريقة؟
وأختم بعبارة لفت نظري إليها أحد الطلاب أن المؤلف زعم أن المستشرقين أو المتخصصين في الدراسات العربية والإسلامية الغربيين لم يكن هدفهم في دراساتهم للإسلام خدمة الاستعمار أو الأهداف السياسية. فهذا من العجب العجاب فالأغلبية منهم في وقت من الأوقات عملوا في خدمة أهداف بلادهم السياسية والاقتصادية والثقافية ومازال كثير منهم يعمل لتلك الأهداف. كان على المؤلف أن يبتعد عن مثل هذه العبارات التي تنزه مجالاً معرفية ما وجد إلاّ ليحارب الإسلام ومازال.
نعم جامعة شمال كارولاينا لها مزايا وإيجابيات ولكن لن يكفينا كتاب واحد ولا معلومات سريعة وإنما نحتاج إلى أن نراجع كل تلك الدراسات ونتساءل كم عدد المسلمين في الجامعات الغربية الذين يدرسون مادة الإسلام أو يدرّسون عن الإسلام؟ ولماذا لا يستقطب للعمل في الجامعات الغربية إلاّ من كان عنده الجرأة وربما حتى الوقاحة في نقد الإسلام وتراثه ولا يسمح لمعتدلين من أبناء المسلمين أن يدرسوا الإسلام ولماذا يصرون على اختيار كتب معينة ويتجاهلون كتباً قيمة ألفها مسلمون وهي كثيرة؟









من طرائف رحلاتي العلمية (الرحلة الأولى)


بعدما سجلت رسالة الدكتوراه بعنوان: (منهج المستشرق برنارد لويس في دراسة الجوانب الفكرية في التاريخ الإسلامي) وافق مجلس القسم ومجلس الكلية على أن أقوم برحلة علمية إلى كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية لأجمع المادة العلمية ولأجري لقاءً مع المستشرق برنارد لويس في مقر إقامته بمدينة برنستون بولاية نيوجرسي بالولايات المتحدة الأمريكية.
ودارت بيني وبين لويس مرسلات عدة كان يبدو فيها متردداً أن يوافق على مقابلتي لأنني قادم من جامعة محمد بن سعود الإسلامية، ومن كلية الدعوة ومن المدينة المنورة، فكان متخوفاً ألاّ أكون موضوعيا -بزعمه- ولا بد أن يقرأ فصلاً مما كتبت. فقمت بترجمة خطة البحث وتخفيف لهجتها في المواضع التي تنتقده بشده، وأرسلتها إليه. ولكنه أصر على قراءة فصل مما كتبت. وهنا أدركت أنه لن يعطيني موعدا، فلأذهب إليه وأفاجئه بحضوري. ورتبت سفري، وأعددت ما لدي من مال للإقامة شهرين. كما اتصلت بالمشرف الدكتور جميل المصري رحمه الله، فأملي عليّ بعض الأسئلة ثم كان لي لقاء بعميد الكلية الدكتور عبد الله الرحيلي فأملى علي أسئلة أخرى أو كتبها بخط يده. ولأطمئن من سلامة الأسئلة وأنها تصلح لطرحها على المستشرق ذهبت إلى الدكتور أكرم ضياء العمري- أستاذ التاريخ الإسلامي بالجامعة الإسلامية- غادرها لأن السعودة كانت مهمة في نظر بعض المسؤولين-
وتعجب الدكتور أكرم من الأسئلة وفجاجتها، وأنها هجوم مباشر على المستشرق، فحذرني من أن أقدم تلك الأسئلة للمستشرق وإلاّ طردني وغضب مني، فقلت لأذهب وهناك أرى رأيي فيها.
وكان للرحلة جانب آخر، فكنت محاضراً بالجامعة وكان من المفروض أن تكون رحلتي انتداباً أو على الأقل أن يحسب لي مكافأة معقولة للبقاء شهرين في برنستون ولندن. ولكم أن تتخيلوا المكافأة وكان هذا عام 1408هـ(1988م) لقد كانت المكافأة ألفين وستمائة ريال شهرياً بالإضافة إلى مصروفات التنقل من مدينة لأخرى أو النسخ. وكان المبلغ تافهاً يصرف لبعض المسؤولين في أيام وليس في شهرين. وأخبرني الأستاذ الدكتور نعمان السامرائي أن الجامعة كانت ترسل بعض الأساتذة للدعوة في بعض الدول الأفريقية (رخيصة نسبياً ، وربما حصلوا على الضيافة) وتدفع لهم ألف ومائتي ريال يومياً بالإضافة إلى الإركاب في الدرجة الأولى، وبعضهم لا يغادرون فنادق الخمس نجوم، وهذا ما يسمى دعوة فنادق النجوم الخمسة، ولكن كانت وسيلة لاستصناع البعض ومكافأتهم على الولاء للإدارة...
المهم ألفان وستمائة ريال شهرياً لا تكفي ، بل إن أحقر غرفة في مدينة برنستون، وهي بالمناسبة مدينة للأثرياء ولأبناء الأثرياء فجامعتها من الجامعات الكبرى والباهظة التكاليف. نعم نزلت في فندن (بيكوك Peacock) –وهو الفندق الذي نزل فيه ألبرت إنشتاين عندما زار برنستون. هذا الغلاء جعلني أخاطب العميد: يا سيادة العميد كان ينبغي أن أحمل معي كيس خبز جاف، وخيمة وأقيم في إحدى الحدائق العامة؟ أهذا مبلغ يعطى لباحث في الولايات المتحدة الأمريكية.(ذهب زملاء لي في رحلة شبيهة ولكنهم اتصلوا بمعهد العلوم الإسلامية والعربية التابع للجامعة فتمت استضافتهم.)
لن أتحدث عن لقائي ببرنارد لويس، ولكن أتحدث أنني عدت من تلك الرحلة لأؤلف وأنشر عدة كتب هي
1-    من آفاق الاستشراق الأمريكي المعاصر
2-    الغرب في مواجهة الإسلام
3-    من أصول التنصير في الخليج العربي (ترجمة لرسالة ماجستير ، قدمت في جامعة برنستون) وجدتها على الرف فأبحت لنفسي أخذ نسخة منها، وسألت عن صاحبها وعنوانه وراسلته لأستأذنه في ترجمتها فعادت إلي الرسالة.
4-    نبش الهذيان من تاريخ جورجي زيدان لأمين بن حسن الحلواني المدني، تحقيق.
وشاء الله أن أبيع نسخاً من هذه الكتب لوزارة الإعلام وبسعر متواضع (لم أكن أعرف اللعبة) ولكن الله عوضني ما أنفقته في تلك الرحلة.
أما في لندن فتيسر لي الاتصال بأحد الاخوة الذين كانوا يدرسون في لندن، فاتصل بدار الرعاية الاجتماعية ليسمحوا لي بالإقامة لديهم، وفي غرفة فيها ست أو سبع أسرّة وأجرة السرير سبعة جنيهات وتقع الدار في شمال لندن، ولكن يمكن الوصول إليها في قطار الأنفاق. وكانت فرصة عظيمة أن لقيت اثنين من الزملاء من جامعة الإمام ومن قسم التاريخ بالرياض هما عبد اللطيف الحميد وعمر العمري. ولم يكن هناك صعوبة في لندن بل تيسر لي الحصول على مادة علمية لطيفة.

كنت أسير في أحد الممرات ومعي الأخوين العمري والحميد فمر بنا رجل عجوز فسلمت عليه وسألته أتعرف برنارد لويس، قال نعم، قلت له أريد أن أعرف الرسائل العلمية التي أشرف عليها خلال تدريسه في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية. قال نعم من الممكن أن تحصل على هذه المعلومات في كتيب اسمه (التقرير السنوي للهيئة المشرفة على مدرسة الدراسات الشرقي والأفريقية) وبالفعل حصلت على التقارير لهذه المدرسة للسنوات من عام 1938 وحتى عام 1974م. وهذا التقرير يقدم معلومات رائعة عن نشاطات الأساتذة من محاضرات عامة وحضور مؤتمرات ومشاركات إذاعية أو تلفازية وما كتبوه صحفياً أو كتب عنهم. إنه رصد رائع للنشاط وتقديراً للكفاءات والمواهب. كما علمت من هذا التقرير السنوي ما قامت به المدرسة في بعض الأعوام من تدريب عدد من الطلاب العرب والمسلمين على الإعداد للمؤتمرات وتنظيمها والمشاركة فيها. وهو فن يتقنه الأوروبيون وما زلنا نتعلم في هذا المجال.

عوائق الإبداع: الجهل والابتداع



كتب معهد دراسات جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية إلى الجامعات السعودية يخبرها بأنه سيعقد مؤتمراً في نوفمبر عام 2000حول العولمة والشرق الأوسط، وكان الخطاب مؤرخاً في 10 أبريل عام 2000 وكان آخر موعد لتقديم ملخصات الموضوعات أو الموضوعات المقترحة في 15 أغسطس من العام نفسه. وأُرسل الخطاب من الجامعة في الرياض إلى فرعها في المدينة المنورة (جامعة الإمام وكلية الدعوة بالمدينة) فوصل الخطاب في 16 أغسطس أي بعد فوات الموعد بيوم. وبقدر الله (ليس صدفة أو مصادفة) شاهدت الخطاب على مكتب العميد أو العميد بالإنابة لأن الوقت كان صيفاً، (لم يكن في درجه، لم يكن لديه وقت ليضعه في الدرج أو لم يتوقع أن يكون أحد عينه طويلة مثلي) فأخذت عنوان الجهة الداعية وأخبرتهم إن البيروقراطية في جامعتنا لم تتح لي الفرصة أن أعرف عن الموضوع إلاّ اليوم وها أنا أرسل لكم رسالة إلكترونية أستأذن أن أقدم موضوعاً. وبالفعل تجاوبوا ووافقوا على الاقتراح ، وأرسلت فكرة الموضوع (لا يرفض لي عادة موضوع مقترح، إنه التوفيق، ثم الخبرة) وتقدمت أستأذن وليتني لم أفعل، فقال العميد فض فوه ما العلاقة بين الاستشراق والعولمة (فكان لسان حالي يقول: إن كنت لا تدري ....وإن كنت تدري) كان المشاركون معظمهم من المستشرقين الغربيين ومن الصينيين المتخصصين في الشرق الأوسط) فرفض أن يستأذن لي |(يطلب الإذن من الرياض). فقررت الذهاب على الرغم من عدم الموافقة، ولكني عندما تقدمت للقنصلية الصينية في جدة طالبوا أن أحضر خطاباً من جامعتي، وأخبروني بأن أي أستاذ يحضر مؤتمراً عندهم لا بد له من خطاب من جامعته، قلت لهم جامعتي لم تعطني الإذن وأنا ذاهب على حسابي، قال لا بد من الخطاب، طلبت أن أقابل القنصل، ولكن الموظف كان سيئاً رفض وأصر على الورقة. لم أذهب ولكني كنت أعددت بحثاً لمؤتمر يعقد في الأردن في الوقت نفسه أو قريب منه، وطلبت الإذن وارسل العميد إلى الجامعة موافقته، ولكن الجامعة كعادتها لم ترد، وذهبت بعد أن قدمت طلباً بإجازة اضطرارية، وكتبت الخطاب على عجل وكتبت تبدأ الإجازة يوم السبت ولم أحدد عدد الأيام، فلما رجعت فوجئت بخطاب من العميد يسألني كيف غبت وقد طلبتَ إجازة ليوم واحد، قلت له أن تعرف شفوياً أنني كنت سأحضر مؤتمراً والمؤتمر لا يستغرق يوماً واحداً وتعرف شفوياً أنني أردت خمسة أيام، ثم قال لي كيف لم تحضر اللقاء مع مدير الجامعة. فرددت عليه أشرح له كم تأسفت لأنني لم أحضر اللقاء مع معاليه، ولكن شفوياً قلت له كلاماً آخر لن أذكره هنا (بعد سنوات قلت له ما فائدة حضور لقاء مع مدير جامعة لن أفيد من لقائه شيئاً (علمني مسؤول في هيئة الرقابة والتحقيق: قال قل للعميد ما تريده بينك وبينه دون أن يكون لديه شهود) (فُش غلك كما يقول اللبنانيون) وحضرت المؤتمر في الأردن ولم أحضر مؤتمر الصين بسبب جهل العميد العلاقة بين العولمة والاستشراق ولا أدري هل عرف الآن أم لا زال على جهله؟

الأربعاء، 25 يناير، 2017

جولة في الصحافة الأردنية


الإعلام هذه الأيام إعلامان أو ثلاثة أو أكثر فأحدها هو الإعلام الورقي الذي لا يمكن أن يصدر دون موافقة وزارات الإعلام وأحياناً الإعلام والثقافة أو الثقافة والإعلام، ومن يقف خلف هذه الوزارات أو أم الوزارات في العالم العربي وهي وزارة الداخلية. ترقب من يكتب وما يكتب ولا يعيّن رئيس تحرير في هذه البلاد في منصبه ما لم توافق عليه الجهات الأمنية. وهي الجهة التي لديها الصلاحية أن تطرده من منصبه إن ارتكب أي خطأ وإن صدر القرار شكلاً باسم وزراء الإعلام. وقد اطلعت في أثناء زيارتي للأردن على عدد من هذه الصحف هي: الدستور والرأي والغد والسبيل. ومن الواضح أن الصحف الثلاث الأولى هي الأوسع انتشاراً ودعماً من الجهات الرسمية أما السبيل فتميل إلى الاتجاه الإسلامي ولا تباع على الطرقات كما تباع الصحف الأخرى التي يمكن أن توصف بـ (شبه الرسمية) وإن كانت موجودة في معظم البقالات والمتاجر.
أما الإعلام الثاني فهو الإعلام غير الورقي أو الإلكتروني هو منتشر في الأردن كذلك وقد احتجت إلى الاطلاع عليه حينما كثرت أمام مسامعي أخبار الفساد المالي في الأردن وشكوى الأردنيين من الغلاء الفاحش والضرائب الباهظة التي تكثر في أيام الفساد والكساد. ووجدت مادة دسمة سأعرض لها في حينها إن شاء الله.
وإليكم بعض المقالات التي لفتت انتباهي:
المقال الأول: فهد الفانك في صحيفة الرأي يوم الاثنين 4 يوليو 2011م حول الديون الداخلية والخارجية على الحكومة الأردنية حيث تحدث الكاتب عن خدمات الديون أو الفوائد الربوية، وتساءل الكاتب لماذا تنفق الحكمة مالا تملك؟ وذكر أن فوائد الدين العام المحلي بلغت 284 مليون دينار ، وأما تسديد رأس المال فقد رُحِّل للأمام، وقد بلغت خدمة الدين العام الخارجي (الفوائد) 450مليون دينار منها 10 ملايين دينار فوائد والباقي اقساط وتبلغ التكلفة الكلية لخدمة الدين العام 834مليون أو 4,1من الناتج المحلي.
وتحدث الكاتب عن الأبعاد الأخلاقية والسياسية والمالية والتاريخية للديون، فالبعد الأخلاقي يتخلص في السؤال لماذا تنفق الحكومة ما لا تملك بل تقترضه ونسيت الحكومات أنها مأمورة مثل الفرد (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً) ونسوا أيضاً قوله تعالى (والذين إذا أنفقوا لم يسفروا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً) وغفلوا عن الآية الكريمة التي تصف بالمبذرين بأنهم إخوان الشياطين.
أما البعد السياسي فإن الدين الخارجي له تأثير سلبي على "سيادة البلد واستقلاله لأنه يصبح عالة على الدول المانحة والدائنة، ولكل منها له شروط قد لا تكون مطابقة لمصالح البلد وخططه والقول بأن المنح غير مشروطة مغالطة صارخة "
وتحدث عن الجانب المالي وهو أن الدولة تصبح مضطرة "لزيادة الضرائب لخدمة الديون (سداد الربا) ومنه جهة أخرى لضغط النفقات وتقليل الخدمات التي كان يمكن أن تقدمها للمواطنين كالبنية التحتية والتأمين الصحي والتعليم..." وقد عانيت من هذا الأمر في أثناء زيارتي التي لم تزد على شهر وبضعة أيام فبطاقة الهاتف ذات الدنانير الخمسة عليها ضريبة مقدراها دينار ونصف بالإضافة إلى ما تحصله الدولة من ضرائب على مجمل إيرادات الشركة. والبعد التاريخي هو أن هذه المديونية تنتقل من جيل إلى جيل حتى تأتي الأجيال التالية فتلعن من أوقع البلاد في الدين دون فائدة حقيقة.
واختم الحديث عن هذه المقالة بما كتبه الكاتب: "ويبقى أن ارتفاع المديونية وانفلاتها عن السيطرة مؤشر لسوء الإدارة من جهة، والفساد من جهة أخرى فقد اتضح أن هناك تناسباً طردياً واضحاً بين حجم المديونية ومستوى الفساد في بلدان العالم الثالث"
والحديث عن الديون الخارجية والقروض يمكن أن ينقلنا إلى الحديث عن دول أصبحت مستعمرة وإنما كانت الديون في بعضها لإشباع ملذات الحكام وشهواتهم والإنفاق على جيوش الاستخبارات والمباحث التي أنشئت لتحميهم من غضبة الشعب أو لقهر الشعب والسيطرة عليه. وفي دول لو ضاقت الدنيا ولم يجدوا مالاً لشراء الدواء فإن المال سيكون وفيراً لإدارات الشرطة والأمن. ويكفي أن تسير بجوار بعض مستودعات الجهات الأمنية في بعض بلادنا العربية لترى آلاف السيارات التي أتلفت لأن المال متوفر لشراء الجديد ولأن شراء الجديد يوفر عمولات وعمولات ورشاو لعدد من كبار المسؤولين. ولا تسأل عن الأموال التي تنفق في عمليات التجسس التي تتطلب استخدام المال والنساء نسوا أن النساء أعراض الشعب تنتهك من أجل عملية سخيفة.
المقال الثاني: "مع الحياة والناس" زاوية عريب الرنتاوي ي جريدة الدستور 2 شعبان 1432هـ (4 يوليو 2011م)، وعنوان الزاوية "الإنسان أغلى ما نملك"
يقول الكاتب إن هذه العبارة طالما رددها الأردنيون (والحقيقة تردد في كل مكان يستهان بالإنسان وتنخفض قيمته) وركز الكاتب أو الكاتبة على انخفاض مستوى هذا الإنسان سواءً كان خريج جامعة فلا تكاد الشهادة تساوى ثمن الحبر الذي كتبت به أو الورق الذي خُطّت عليه، فخريج العلوم السياسية لا يفقه شيئاً في السياسة، والسباك أو المواسرجي الذي يخرب عمله أو شغله حالما يغادر المكان. وأشار في مقالته إلى قضية تهمني وهي التخصص في معرفة الشعوب الأخرى.فمما قاله:" حاولوا أن تتذكروا كم خبيراً في الشؤون الإسرائيلية لدينا كم خبيراً في الشؤون التركية كم خبيراً في الشؤون الإيرانية إلى غير ما هنالك من مجالات وميادين... الجميع خبراء في كل شيء والندرة النادرة تبدوا اختصاصية في حقل من حقول المعرفة. وأحب أن أتوقف هنا أنه ما دام أن هناك من يدرك حاجتنا للخبراء في شتى المعارف ومنها المعرفة بالشعوب والأمم الأخرى فمتى تستيقظ حكوماتنا لتقدم الدعم والتأييد والمساندة لمشروع إنشاء هذه الدراسات على أن يكون على أسس علمية حقيقية وليس لإيجاد وظائف لطائفة من المقربين المتزلفين المنافقين الزئبقيين .
وختم الكاتب مقالته بالحديث عن توفير الوظائف للمواطنين أو ما يطلقون عليه "الأردنة" أي إحلال الأردني محل العامل الأجنبي وما يراه الكاتب من أن العامل الأردني لم يظهر الجدية الحقيقية في العمل وأن العمال الأردنيين يفضلون أنماطاً من العمل حتى وإن كانت أقل دخلاً واستقراراً على أن يضطروا للقبول في وظائف مصنفة في ثقافة العيب، متدنية اجتماعيا. وتكاد هذه الفكرة تنتشر في كل مكان تنتشر فيه العمالة الوافدة التي توفر للأثرياء أن يزدادوا ثراءً وللفقراء أن يزدادوا فقراً. فمتى نثق بعاملنا الوطني ومتى يحاسَبُ أصحاب الأعمال ولكن كما قيل (إن كان خصمك القاضي فمن تُقاضي؟)
أما مسألة شعار "الإنسان أغلى ما نملك" فترفعه حكومات وحكومات وهي تعني أنه الأغلى لأنه قابل للاستغلال والابتزاز والاستذلال، فهو الذي يدفع الضرائب لتستمر عجلة الفساد وهو الذي يدفع الغرامات والإتاوات والجزاءات والرسوم والطوابع وغيرها لأن المسؤولين الكبار يعيشون في بروجهم العاجية تنتفخ أرصدتهم في المصارف الأجنبية وفي سوق العقارات العالمية يملكون أكثر مما يملك بعض أثرياء تلك البلاد. وهذا الإنسان الغالي باسمه تصدر الميزانيات الفلكية الضخمة لتدريبه وتعليمه –ولكنه غبي في نظرهم لا يتعلم- وتكون فرصة لمزيد من الإثراء وهو الأغلى لأنه يدفع الضرائب التي لا تنتهي ويدفع الغرامات والجزاءات وأكاد أجزم أن نصف الغرامات غير مستحقة وإنما هي افتراء، وثمة رأي فقهي أن لا يغرم الإنسان في ماله مقابل خطأ ارتكبه عن جهل أو سهو أو حتى عن عمد



من ذكريات المؤتمرات

وفي أثناء الانتظار في مطار القاهرة قابلت الأستاذ الدكتور محمد السيد سليم أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت والمعار من جامعة القاهرة وخريج إحدى الجامعات الكندية في العلوم السياسة والقريب من منظمي المؤتمر ومؤسسي الرابطة الدولية لدراسات الشرق الأوسط، فعرفت أنه ذاهب للمشاركة في المؤتمر ومعه زوجته وسيقابل ابنه المشارك في المؤتمر والقادم من كندا. فتحدثت إليه بما يدور في نفسي حول ها المؤتمر وتنظيمه والدعم الكبير الذي يلقاه من المنظمات والهيئات والمؤسسات الأوروبية وتساءلت وما الهدف من مثل هذا المؤتمر، وأبديت شكوكي بالغموض الذي يلف الرابطة الدولية لدراسات الشرق الأوسط، فكان كل ما قاله إنها أسئلة مشروعة. وسألني عن مشاركتي في المؤتمر فأخبرته بموضوعي (القيادة في وقت الأزمات: النموذج الإسلامي أبو بكر الصديق رضي الله عنه" فأسرعت لسؤاله وهل ستقدم شيئاً فقال نعم ، فأضعت وما موضوعك، فلم يرد علي. أو بالأصح تجاهل سؤالي.
وبعد أن افترقنا لنركب الطيارة التي تأخرت أكثر من ساعتين دون أن يعتذر الإخوة من مصر للطيران عن التأخر وكنّا نرى وضع الحقائب في الطائرة وكان هذا العمل يقوم به عامل واحد مع أن الطائرة شبه مليئة مما يعني أنهم كانوا بحاجة إلى ثلاثة أو أربعة عمّال، وظل العامل يضل الحقيبة تلو الحقيبة ثم يتوقف قليلاً ريثما تأتيه الإشارة من العامل الآخر الذي ينسق وضع الحقائب. بعد أن افترقنا تذكرت أن الدكتور محمد السيد سليم هو من أصدقاء المنظمين للمؤتمر بل لعله أحدهم وبخاصة أنه درس في كندا، وقد لقيته في المؤتمر السنوي التاسع للرابطة الدولية لدراسات الشرق الأوسط الذي عقد في كندا ورأيت الود بينه وبين المنظمين حيث إنهم كما عرفت من مدرسة واحدة – المدرسة الكندية في العلوم السياسية والعلاقات الدولية-، وكان قريباً جداً من المنظمين حتى إنني صحت (أو أشبه بالصيحة) ارفعوا السرية عن هذه المنظمات وأخبرونا أين تقع ومن الذي أسسها وما أهدافها الحقيقية وما دستورها وما طريقة الانضمام إليها؟ ولم يجب أحد بشيء مع أني أجزم أنهم يعرفون الإجابات الحقيقية.
وعلمت أن الدكتور سيقيم في شقة في الحرم الجامعي فتساءلت ولم أسأل كيف تسنى له أن يعرف عن السكنى داخل الحرم الجامعي في شقة مفروشة أو ربما فيلا –فهو من المقربين- ولم أعرف عن ذلك لأنني كان ينبغي أن أسافر يومياً أكثر من ثلاثين كيلومتراً (أو كيلاً كما يقول الطنطاوي رحمه الله) بين المدينة ومقر المؤتمر، وهذه أمور لا تهم لولا أن مثل هذه الجمعيات والمنظمات تعامل الناس خياراً وفقوسا (والفقوس لمن لا يعرف صنو الخيار ولكنه خشن في الغالب و هو القثاء، بينما الخيار الناعم ذي النكهة الجميلة وبخاصة إذا نبت في الشمس وأجمل إن كان من سقي المطر –يطلقون عليه بعل في الأردن)
زيارتي هذه لبرشلونة ليست الأولى ولإسبانيا هي الثالثة. ولكن كانت رحلتي لبرشلونة قبل أكثر من عشرين سنة، وقد أصبت بفقدان ذاكرة لتلك الرحلة فلم يكن في ذهني حتى صورة واحدة عنها سوى مركز تسوق كبير أمضينا فيه وقتا كبيراً وأتذكر أكياسه ذات اللونين الأخضر والأبيض. ولكن فقدان الذاكرة رحمة أحياناً حتى أرى برشلونة جديدة في كل شيء وفي كل شارع.
وقبل أن أنطلق في الحديث عن برشلونة أريد أن أتوقف مع مصاعب السفر، فالذين يظنون أن حضور المؤتمرات أمراً هيناً وفسحة فليعرفوا ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله (‏حدثنا ‏ ‏عبد الله بن مسلمة ‏ ‏حدثنا ‏ ‏مالك ‏ ‏عن ‏ ‏سمي ‏ ‏عن ‏ ‏أبي صالح ‏‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏رضي الله عنه ‏‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله) وحفظت قديماً أن عائشة رضي الله عنها وصفت السفر بأنه قطعة من سقر أو هو سقر كله.
ومن هذا العذاب والذي لم يكن موجوداً سابقاً قبل أن نصبح نحن في المملكة موضع اتهام العالم كله –زوراً وبهتانا- الوقوف بباب السفارات وانتظار التأشيرات ما لا يقل عن أسبوعين وبخاصة تلك التأشيرة المسماه "شنقن" وكأنهم يعطوك مفتاح الجنة يدققون ويدققون ويطلبون التذكرة والتأمين الصحي وحجز الفندق وإفادة بالعمل وبيان الحساب البنكي وغير ذلك. وتأتي إليهم بالطلبات وتقف بالأبواب تنتظر الدور ويأتيك موظف الأمن وهو الذي ينطبق عليه (الحكم فرحة ولو كان على فرخة) فيقول لك تعال من هنا، اجلس هنا، افعل كذا ولا تفعل كذا، وتلبي مكرهاً فليس لك أن تقول له كيت أو كيت، والمعروف أنه والموظف أو الموظفة خلف الزجاج يستطيعون أن يعطوك التأشيرة أو يمنعونك. وانظر إليهم جلسوا كلهم خلف الزجاج كأننا مصابين بالجرب أو يخشون منّا، فهمنا أن يتعاملوا في المصارف والبنوك بهذه الطريقة فلماذا في السفارات، فالذي يدخل السفارة يفتش تفتيشاً بدنياً ويمنع من أن يكون معه هاتفه النقال ولو استطاعوا لمنعوه أن يحمل معه قلماً أو أوراقاً. وتنتظر عند الباب وتنتظر في الداخل. وكل هذا مفهوم لو كانت المعاملة دائماً لا تفضيل فيها ولا واسطة. دخل أحدهم فما أن جلس أو حتى قبل أن يجلس نادته الموظفة لتأخذ منه الأوراق، فلماذا يتخطى هذا الجميع؟ ولو قلت (كان يماني) لقالوا لك ما عندنا تأشيرة واضرب رأسك بألف جدار أو حيط، فهذا الموظف الصغير يصبح أقوى من السفير لأنه قادر على أن يدعي عليك بأي شيء وهو مصدق في سفارته. وتصر بعض السفارات أن تجري لك مقابلة فلا يصح أن توكل أحداً عنك في استخراج التأشيرة _وسقى الله تلك الأيام كنّا لا نخرج من باب الخطوط السعودية (كنت موظفاً فيها ثنتي عشرة سنة وزيادة) حيث تتولى إدارة الشؤون الحكومية –كنت أقول أحسن ما فيها كلمة مخرج- وكم أقول ليت جامعاتنا تتعلم من تلك الإدارة العظيمة. وتتساءل لماذا يقابلونك في السفارة؟ ويعطونك موعداً الساعة الثامنة صباحاً وتقابل الموظف الرابعة ظهراً وأنت محبوس أو محجوز داخل جدران السفارة كل ذلك الوقت. ولكن إن كان لك واسطة فتذهب إلى الشباك مباشرة. وفي إحدى السفارات وعندي واسطة قالت لي الموظفة: نحن سعيدون أن نصدر لك التأشيرة فمتى تريدها وكيف نعيد لك الجواز؟قلت أريدها غداً وسأعود لتسلم الجواز بنفسي وقد تأكدت أن التأشيرة صدرت في اليوم نفسه.

ومن مصاعب السفر أن لا تجد الحجز في الوقت المناسب فتضطر أن تسافر قبل الموعد بيوم أو يومين أو تعود كذلك، وقد تطلب السفر في موعد محدد وتعلم أن هناك رحلات ثم تجد الموعد قد تغير في التذكرة بل تجد أنك ستتوقف في محطتين قبل الوصول إلى وجهتك الأخيرة بدلاً من توقف واحد. وأما أسعار التذاكر والشطط في الشروط فكأننا في شريعة الغاب، يشترطون عليك شروطاً تعجيزية: لا تغير الحجز ولا تلغيه ولا تسترد نقودك ولا بعضها وكأنهم أعطوك التذكرة صدقة أو تبرعاً، ولكن هل من حق شركات الطيران أن تصدر تذاكر بهذه الشروط؟ لا أدري.