الثلاثاء، 10 أكتوبر، 2017

مركز المدينة المنورة للدراسات الأوروبية والأمريكية

بسم الله الرحمن الرحيم


     تُعَدُّ دراسة الاستشراق أو الدراسات العربية والإسلامية في الغرب حول العالم الإسلامي جزءاً من دراسة الغرب، فكما أن الغرب يبذل الجهد في معرفة العالم الإسلامي معرفة دقيقة من النواحي العقدية والتشريعية والتاريخية واللغوية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية..الخ.  ليبني عليها خططه لتحقيق مصالحه في عالمنا العربي والإسلامي، فإننا في الوقت نفسه مدعوون لدراسة الغرب بشقيه الأوروبي والأمريكي للتعرف على الدراسات الاستشراقية أو الدراسات العربية والإسلامية في الغرب ودراسة المناطق للإفادة من إيجابياتها وتفنيد السلبيات والرد عليها .
 ولذلك فقد تقرر تعديل الاسم ليكون مركز المدينة المنورة للدراسات الأوروبية والأمريكية من خلال ما كتبوه هم عن أنفسهم وما كتبه بعض علماء المسلمين عن الغرب الأوربي والأمريكي بالإضافة إلى تقديم نماذج من ترجمات لدراسات عن الغرب تتميز بعمقها وشمولها وصدقها ودقتها لبعض كبار علماء الاجتماع والحكماء في الغرب
ونظراً لما للشبكة العالمية للمعلومات (الإنترنت) من أهمية كبرى في العصر الحاضر ويمكن الإفادة منها في التعريف بالإسلام وقيمه ومبادئه وبخاصة أن العالم بحاجة إلى هذه المبادئ والقيم فقد تقرر إنشاء هذا المركز (الموقع) بهدف إطلاع العرب والمسلمين على الدراسات العربية والإسلامية في الغرب والدعوة إلى هذا الدين عملاً بقوله تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ولا تجادلهم إلاّ بالتي هي أحسن) وقوله صلى الله عليه وسلم (نضّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فبلغها إلى من لم يسمعها فرب مبلّغ أوعى من سامع أو رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه). كما يسعى المركز ليكون منبراً للحوار مع الغرب عموماً من خلال التجاوب مع الكتابات التي تظهر عن الإسلام والمسلمين في الغرب.
وسيكون منهج هذا المركز الدعوة إلى الإسلام وفقاً لمنهج الكتاب والسنّة، ملتزماً بالمنهج الموضوعي الذي ينظر في الإيجابيات والسلبيات معاً عملاً بقوله تعالى (ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)

وفي هذا الموقع سنقدم معلومات أساسية عن حركة الدراسات العربية والإسلامية في الغرب (الاستشراق)  كما سيقوم بمتابعة المستجدات في نشاطات الجامعات الغربية في أوروبا وأمريكا حول العالم الإسلامي من ندوات ومؤتمرات ومحاضرات وإصدارات.في المجالين الاستشراق والدراسات الأوروبية والأمريكية. وسوف يسعى المركز إلى أن يتم تحديث هذا الموقع باستمرار ووفقاً لما يردنا من رد فعل القراء الكرام، كما أن المركز سيقوم بإضافة كتابات وبحوث لباحثين آخرين في هذه القضايا. 

الثلاثاء، 3 أكتوبر، 2017

مشروعات ومشروعات (ما بعد الجلطة)




كنت أتحدث مع الأستاذ بشير أبو ياسر فذكر لي أنه وعد الطالبات بأمر، وأحياناً لا أستوعب الحديث في الهاتف إما لأن التكنولوجيا تؤذي الإذن والمخ أو ربما لضعف في ذكائي، ولكن ما فهمته أن يريد أن أحدثه عن أحداث ما بعد الجلطة وكأنها ما بعد أحداث نيويورك
المهم أرفق لكم فهرساً لكتاب جديد وفي الأيام القادمة أتحفكم ببعض الأشياء الأخرى فهل تستطيعون من الفهرس أن تقترحوا عليّ عنواناً للكتاب؟ وهل منكم من يعرف شخصاً قادراً على التحرير الأدبي ويكون مثقفا واعياً ويكون التحرير عنده ليس عملاً تجارياً مع أنن مستعد للدفع إن شاء الله وإليكم الفهرس
فهرس كتاب تجاربي في حضور المؤتمرات
مقدمة:
تمهيد :
-
المؤتمرات الغربية حول المسلمين والعالم الإسلامي
-
مقارنة بين المؤتمرات العربية والغربية
-
نموذجان للمؤتمرات العربية
القسم الأول : المملكة العربية السعودية والبحرين
- ندوة الحج والإعلام بجامعة أم القرى 1994م.
-
أيام الجنادرية :المسلمون والغرب- المهرجان الثاني عشر
-
مهرجان الجنادرية الحادي عشر- ندوة الإسلام والغرب.
-
مهرجان الجنادرية الثامن عشر
-
قراءة ثقافية في تاريخ دورات الجنادرية.
-
المؤتمر السادس لجمعية القراءة العربية 2000م،Tara 2000،البحرين ،17 -19ذو القعدة 1420هـ(23-25فبراير 2000م)
-
ندوات مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف حول الاستشراق
القسم الثاني: الأردن
- مؤتمر العلاقات العربية الأمريكية (نحو مستقبل مشرق)،الجامعة الأردنية عمّان –الأردن،5-7محرم 1421هـ.(10-12أبريل 2000م).
-
المؤتمر العالمي الثاني حول دراسات الشرق الأوسط، عمّان بالأردن 2006م.
-
مؤتمر أبعاد غائبة في حوار الحضارات – جامعة الإسراء عمّان بالأردن 2009م.
القسم الثالث: لبنان
- المؤتمر السنوي الثاني،تنميط العرب وكيف يرى الآخرون العرب،وكيف يرى العرب أنفسهم والآخرين، بيروت، معهد بيروت لفنون الاتصال، الجامعة اللبنانية الأمريكية،20-24 شعبان 1422هـ(6-9نوفمبر 2001م)
-
تقرير عن مؤتمر الفكر العربي الثاني،استشراف المستقبل العربي ،بيروت ،10-12 شوال 1424هـ(4-6 ديسمبر 2003م)
-
ندوة الدين والإعلام بمعهد بيروت لفنون الاتصال ، 2005م.
القسم الرابع: مصر
- المؤتمر العلمي الثامن لكلية الإعلام بجامعة القاهرة 2002م
-
ندوة الشباب العربي والشباب الألماني- معهد جوته القاهرة، 2005م.
-
المؤتمر السنوي الرابع عشر للرابطة العربية الأمريكية لأساتذة الاتصال، القاهرة الجامعة الأمريكية بالقاهرة 7-9 نوفمبر 2009م.
القسم الخامس : المغرب العربي
- تونس: المؤتمر الدولي الثاني حول منهجية البحث العلمي الغربي في العلوم الإنسانية والاجتماعية في العالم العربي وتركيا،12إلى18ذي الحجة 1416هـ (2-6مايو1996 .- (المغرب العربي: المؤتمر الدولي الاستشراق والدراسات الإسلامية، تطوان-المغرب 15-17 رجب 1417 هـ(26-28نوفمبر 1996م(
-
الجزائر: الملتقى الدولي حول: الدراسات الاستشراقية: الخطاب والقراءة جامعة وهران، كلية العلوم الإنسانية والحضارة الإسلامية، وهران، الجزائر،(18-20 محرم 1421هـ(23-25 أبريل 2000م).
القسم السادس: أوروبا
- المؤتمر العالمي الأول حول الإسلام والقرن الواحد والعشرين ، ليدن، هولندا 1996م.
-
المؤتمر الدولي الخامس والثلاثون حول الدراسات الآسيوية ودراسات شمال أفريقيا. بودبست (المجر) 3-8ربيع الأول 1418هـ(الموافق 7-12 يوليه (تموز) 1997م)
-
المؤتمر العالمي الأول حول دراسات الشرق الأوسط- مينز بألمانيا 2002م.
-
المؤتمر الثاني عشر للرابطة الألمانية لدراسات الشرق الأوسط المعاصر 2005م.
-
ورش العمل حول الشرق الأوسط المعهد الجامعي الأوروبي –فلورنسا إيطاليا 2006م.
-
المؤتمر السنوي للجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط بيرمنجهام بريطانيا 2006م
-
المؤتمر الدولي التاسع حول دراسات القدس الإسلامية ، دندي بريطانيا 2007م.
-
المؤتمر السنوي لمعهد الدراسات العربية والإسلامية بجامعة إكستر – إكستر بريطانيا 2007م.
-
مؤتمر الإسلام المعاش في أوروبا – برلين بألمانيا 2009م

القسم السابع: آسيا
- اليابان :المؤتمر العالمي التاسع عشر للرابطة الدولية لتاريخ الأديان طوكيو، 2004م
-
الهند: المؤتمر الإسلامي السابع لعموم ولاية كيرالا الهند، 2008م.
-
تركيا: المؤتمر الثاني لتحالف الحضارات –اسطنبول، تركيا، 2009م.
-
المؤتمر العالمي السادس لتجمع علماء آسيا- دايجون بكوريا الجنوبية 2009م.
القسم الثامن الولايات المتحدة الأمريكية
- المؤتمر السنوي الثامن لمركز دراسة الإسلام والديمقراطية – واشنطن أمريكا 20 ندوة صدام الحضارات والتفاهم الثقافي بين الشرق والغرب – الكونجرس الأمريكي، واشنطن دي سي 2004م
-
المؤتمر السنوي الرابع والعشرين للتجمع الأمريكي لدراسات المجتمعات الإسلامية، دنفر كولورادو بأمريكا 2007م
القسم التاسع: تقارير عامة
- تقرير عن المؤتمرات الإقليمية والدولية حول العالم الإسلامي لعام 2008م.
-
تقرير عن رابطة علماء آسيا
-
تقرير عن مشروع "الإسلام في أوروبا

نموذجان للمؤتمرات العلمية في العالم العربي


 نظّم الحرس الوطني بالمملكة خلال مهرجان الجنادرية الحادي عشر ندوة كبرى بعنوان (الإسلام والغرب)، ودعي للمشاركة فيها عدد كبير من الباحثين العرب والمسلمين والأوروبيين والأمريكيين، واستمرت فعاليات الندوة أسبوعاً كاملاً تخللها عدد من النشاطات الأخرى.
      وقد سعدت بحضور ندوتين سابقتين من ندوات الجنادرية إحداهما كانت حول منهج الدعوة إلى الله بالإضافة إلى الندوات الخاصة بالمسرح العربي. وقد حضرت هذه الندوة بتكليف من عمادة البحث العـلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود وإعداد تقرير علمي عن مجريات الندوات مما مكنني من التعرف عـن قرب على ندوات الحرس الوطني. وأما الندوة الأخرى فأذكر منها بعض المحاضرات مثل الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الأمريكية التي قدمها الدكتور عبد العزيز السويل. وتابعت ندوات الجنادرية الأخرى من خلال الإذاعة ووسائل الإعلام الأخرى. ولذلك سأعدها أحد النموذجين الذين سأتحدث عنهما في هذه المقالات.
       تميزت ندوات الجنادرية بجدية الموضوعات وحسن اختيارها وجدارتها بالبحث والنقاش، كما تميز المشاركون بتنوع خلفياتهم ومشاربهم. وهذه البلاد تجعل العقيدة الإسلامية منطلقها في جميع الأمور ومنها الندوات والمؤتمرات وذلك لأن الله عز وجل قد اختار الجزيرة العربية لتكون حرماً لهذا الدين كما جاء في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم (لا يجتمع في جزيرة العرب دينان)، فلا غرو أن يكون الجانب الإسلامي هو الأكثر عرضاً.
        ومع ذلك فعملاً بالمنهج القرآني في سعة الأفق والحلم والحكمة في دعوة المخالفين فقد تعددت المشارب في ندوات الجنادرية عموماً. ويهمني أن أركز على الندوة الأخيرة لأنها عقدت منذ عدة أشهر ولقربها من اختصاصي العلمي وكانت بعنوان (الإسلام والغرب) فقد تحدث فيها من الأمريكيين صاموئيل هنتنجتون، ورالف برايبانتي وخالد بلانكنشب، ومن الأوروبيين مراد هوفمان، ومن العرب المسلمين فهمي جدعان، وعبد الجليل التميمي، و ملحم كرم ومن المملكة أبو بكر باقادر، وعبد العزيز السويل.  ومع ذلك فقد كتب أحدهم في إحدى الصحف العربية التي تصدر من بريطانيا في الأيام الأولى لانعقاد الندوة ينتقد غلبة الاتجاه الإسلامي ويرجع ذلك إلى نفوذ بعض أعضاء اللجنة الاستشارية الذين ينتسبون لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ولكن الحرس الوطني كان أبعد نظراً من هؤلاء الذين لو أتيحت لهم الفرصة لاختيار من شاءوا لما تركوا لغيرهم مكاناً أبداً والأمثلة أكثر من أن تحصى.
       وكان النقاش مفتوحاً بطريقة رائعة رغم العدد الكبير الذي يحضر الندوات ورغبة الكثيرين في التعليق أو طرح الأسئلة، ولم يضق مديرو الندوات بالمداخلات أو بالأسئلة. ففي إحدى الفقرات وكـانت حول الجذور التاريخية للعلاقات بين الإسلام والغرب تحدث الدكتور عبد الجليل التميمي ويبدو أنه أخذته الحماسة في امتداح جهود الباحثين الغربيين (المستشرقين) في إبراز بعض النماذج المضيئة من التراث الإسلامي مثل ابن خلدون، ولما طلبت التعليق أشرت إلى أن الباحثين الغربيين أشادوا أكثر بالنماذج السيئة في التراث الإسلامي، وإنني راجعت دائرة المعارف الإسلامية التي يصدرها المستشرقون فوجدت التركيز على كثير من النماذج السيئة من أمثال ابن عربي والراوندي وثورة الزنج والإسماعيلية وإضفاء هالة من الأهمية على هؤلاء وإعطائهم مساحة أكبر مما يستحقون.
   وتميزت ندوات الجنادرية بالاهتمام بالضيوف فبالرغم من الطابع العلمي الصارم للندوات إلاّ إن الكرم العربي الإسلامي واضح جداً في معاملة الضيوف وتحمل كافة المصروفات بل نقل الضيوف من الخارج على حساب الحرس الوطني.
       وكانت التغطية الإعلامية جيدة لندوات الجنادرية لكن كان من الصعب على الجمهور في المدن الأخرى متابعة الندوات كما أشار إلى ذلك الدكتور سالم سحاب في مقالة له بأنه كان يود لو أعد برنامج يوضح الأوقات التي ستنقل فيها الندوات والمحاضرات ليتمكن المشاهدون من مشاهدتها أو تسجيلها إن لم يتمكنوا من المشاهدة في وقت عرضها. أما الندوات السابقة فحبذا لو أعطى الحرس الوطني حق توزيع تلك المحاضرات بعد طبعها في كتب، فهي ما تزال توزع عن طريق إدارة المهرجان فقد لا تصل إلى كل المهتمين بهذه الندوات.
     وقد كانت ندوة الجنادرية لهذا العام فرصة لحصولي على دعوة لحضور المؤتمر العالمي الثاني حول المنهجية الغربية في دراسة العلوم الإنسانية والاجتماعية في العالم العربي وتركيا في تونس. وهو النموذج الثاني الذي سأتناوله في المقالتين القادمتين. وسبب حصولي على الدعوة هو النقاش الذي دار بعد محاضرة الدكتور عبد الجليل التميمي رئيس مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات المنظمة لهذا المؤتمر. فقد أزعجه تدخلي ومناقشتي إياه في مسألة إعجابه بالمستشرقين، فأوضحت له تخصصي في دراسة كتابات المستشرقين وقيامي في العام الماضي بزيارة العديد من الجامعات الأمريكية ومراكز البحوث والمعاهد المتخصصة في الدراسات العربية والإسلامية. وكان من أسباب دعوة التميمي لي لحضور المؤتمر في تونس هو أنه يريد منّي أن أطلع على نموذج من المؤتمرات العلمية العالمية التي يعقدونها هناك لأرى مستوى المدعوين والطرح العلمي. ووعدته بالاستجابة لدعوته.
    ومن العجيب أنه لولا أن منّ الله عليّ بحضور ندوات الجنادرية لما لقيت الأستاذ التميمي ولما عرفت عن المؤتمر الذي تعقده مؤسسته، وهذا من التقصير الحاصل في العلاقات الثقافية بين البلاد العربية، وكذلك يشير إلى جانب من الجوانب التي سأتحدث عنها في النموذج الثاني من المؤتمرات العلمية في العالم العربي في الأسطر القادمة.      
     تناولت في الأسطر السابقة ندوات الجنادرية بصفتها أحد النموذجين الذين اخترت الحديث عنهما من المؤتمرات العربية، وأوضحت مدى ما تتمتع به ندوات الجنادرية من الجمع بين الالتزام بالإسلام والحرص على قيمه ومثله وأخلاقه والتفتح على وجهات النظر الأخرى والحرص على العرض المتوازن للاتجاهات كافة بما فيها تلك التي اعترى فهمها للإسلام بعض الشوائب أو النقص أو حتى التي تعادي الإسلام بطريقة خفية بسبب الجهل أو العمد.
         وأتناول فيما يأتي نموذجاً آخر لمؤتمر عقد في تونس نظمته مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات بالتعاون مع مؤسسة كونراد إديناور للبحث العلمي الألمانية. وكان المؤتمر بعنوان:" المؤتمر العالمي الثاني حول المنهجية الغربية في العلوم الإنسانية والاجتماعية في العالم العربي وتركيا." في الفترة من 2إلى 6 مايو 1996م الموافق 15-19 ذي الحجة 1416هـ.
        شارك في المؤتمر باحثون من الدول العربية الآتية: سوريا، ولبنان، والأردن، ومصر، وتونس، والمغرب، والجزائر، والسعودية، وشارك باحثون من فرنسا وإيطاليا وروسيا وبلغاريا. وبلغ عدد البحوث التي قـدمت اثنان وثلاثون بحثاً. وأود أن أقدم أولاً بعض الملاحظات العامة حول هذا المؤتمر وأخلص في نهـاية المقالتين إلى خصائص هذا النموذج. ومن هذه الملاحظات:
  1-تحدث معظم الباحثين المغاربة من تونس والجزائر والمغرب باللغة الفرنسية، وكذلك كان حوارهم وجدالهم ونقاشهم باللغة الفرنسية، وأخص من هؤلاء متخصصاً في اللغة العربية، وثانياً أستاذاً للتاريخ الإسلامي بجامعة الزيتونة، بينما تحدث الأوروبيون بلغاتهم مع أن بعضهم يجيد اللغة العربية تماماً.
   2- تضمن المؤتمر حفلة غناء وطرب وقد أشار أبو القاسم سعد الله (رحمه الله) في كتابه أفكار جامحة (ص254) إلى أن هذه بعض المؤتمرات السابقة كانت تتضمن رقصاً شرقياً
3- تطلب مؤسسة التميمي نسخ البحوث من الباحثين ولكن ما يوزع على المشاركين هو فقط ملخصات البحوث بينما المتعارف عليه إعطاء المشاركين نسخاً كاملة من البحوث في بداية المؤتمر حتى يتسنى لهم قراءتها والتعليق عليها في أثناء الجلسات أو بعدها. بل إن الحصول على نسخة كاملة من أي بحث تعد من الأمور الصعبة جداً وكأنه سر خطير.
4- أشار أحد الباحثين إلى أن حضور المؤتمرات إنما هو لتجديد التعارف ولقاء الأصدقاء وليس لتقديم بحوث علمية جادة، وقد وصف أبو القاسم سعد الله – رحمه الله- بعض من يحضر مؤتمرات التميمي بأنهم لا يقدمون علماً بل هم من الصنف(الباير) كما أشار إلى حضور بعض الأجانب الذين لا علاقة لهم بالموضوع فقط ليطلعوا على ما يدور في مؤتمراتنا.
5-المشاركون في ندوات مؤسسة التميمي والمؤسسة التي سبقتها بإشراف الدكتور عبد الجليل التميمي هم مجموعة لا تتغير كثيراً، ومن خلال استعراض الأسماء المشاركة في المؤتمرات السابقة ومنذ أكثر من عشرين سنة نجد أنهم هم هم تقريباً.
6- يتم تسجيل جميع ما يدور في المؤتمر من بحوث ونقاشات وهو أمر يحد إلى حد كبير من حرية الباحثين في النقاش.
 7-لاحظت أن رئاسة المؤتمر وهي رئاسة المؤسسة تقوم بإجراء تعديلات على البحوث عند إعدادها للنشر بطريقة تسلطية لا تتفق مع الأمانة العلمية، وبخاصة إذا كانت لا تتفق وميول المؤسسة.
       ونظراً لكثرة البحوث التي قدمت فإنني سأختار أبرز النقاط التي أثيرت في بعض هذه البحوث وما دار حولها من نقاش. فمن هذه البحوث ما قدمه رئيس المؤسسة الدكتور عبد الجليل التميمي بعنوان "همـوم الباحث العربي والتونسي بصفة خاصة والمشاريع العلمية المعطلة." تناول فيه مسألة البحث العلمي في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية وضعف الاهتمام بهذا الجانب على مستوى العالم العربي وأكد ضرورة إعطاء أهمية ووزناً أكبر لدور البحث العلمي في منظومة التنمية الشاملة، وبالرغم من مرور أكـثر من أربعين سنة على استقلال الدول العربية فإن "المؤسسات العربية ومختلف منظماتها لم تنجح في إصدار دائرة معارف عربية واحدة للعلوم الإنسانية والاجتماعية مثلا أو دائرة معارف لتاريخ الأمة العربية على الرغم من تشكيل مئات اللجان بهذا الخصوص والتي باءت جميعها بالفشل."
ومن الملفت للانتباه أن ضعف الاهتمام بالبحث العلمي من أبرز أسباب ظاهرة خطيرة وهي هـجرة الأدمغة العربية إلى الغرب حيث إن العالِم لا يستطيع أن يواصل مشوراه العلمي دون أن تتوفر له أدوات البحث والمؤتمرات والندوات والدوريات فإن لم يجدها فإنه يبحث عنها في أي مكان من العالم.
        ونبّه التميمي إلى مسألة خطيرة وهي أن فرنسا "هي الدولة الأجنبية الوحيدة التي تقدم دعمها بصورة متواصلة ومكثفة سعيا منها لدعم حضورها المعرفي والبحثي." وتجدر الإشارة هنا إلى القناة الفرنسة الثانية التي تبث عدداً من الساعات لنشر الثقافة الفرنسية وما فيها من جوانب مادية وإباحية. واستغرب التميمي من عزوف المؤسسات التجارية والبنوك عن تقديم أي دعم مادي للبحث العلمي في حين أن بعض هذه المؤسسات تدعم قطاع الرياضة بالتبرعات السخية. ويعلل ذلك بقوله:"ويرجع ذلك إلى ضعف المكونات الحضارية لهذه الشخصيات(المتبرعين)."
        ولفت انتباهي في محاضرة التميمي انتقاده للمؤسسات العربية التي تقدم الدعم لبناء المساجد وتعزيز الحضور الديني للجاليات الإسلامية، ويرى التميمي أن هذا الدعم يجب أن يتوجه لدعم البحث العلمي سواء في أوروبا أو في العالم العربي للدفاع عن الثوابت والقيم الحضارية العربية. ولكن ربما لا يعرف التميمي أن ثوابت الأمة العربية وقيمها هي الثوابت والقيم الحضارية الإسلامية ومنها بناء المساجد والوجود الديني، ولم يقل أحد بأن الإسلام ينحصر في المسجد بل الإسلام هو الحياة كلها: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}
قدمت فيما مضى موجزاً لمحاضرة الدكتور التميمي حول هموم البحث العلمي في العالم العربي في مجال الدراسات الإنسانية والاجتماعية، وهو موضوع يستحق أن تعقد له ندوات ومؤتمرات ليس للخروج بتوصيات براقة ولكن حبذا لو اشترك في ذلك بعض المسؤولين الحكوميين لتكون التوصيات بمنزلة القرارات.
        وقدم الدكتور على فهمي من مركز الدراسات العربية بالقاهرة محاضرة حول الأدوات البحثية الغربية في العلوم الاجتماعية ومدى ملاءمتها للعالم العربي، وأكد في محاضرته أن التجربة قد أثبتت عدم ملاءمة كثير من هذه الأدوات للعالم العربي. ولكن ما لم يتناوله الدكتور فهمي استخدام مناهج البحث الاجتماعي الغربي وهي التي كان يجب البحث فيها، كما إن أدوات البحث الاجتماعي لم تكن مجهولة تمـاماً لدى المسلمين فعملية المسح الاجتماعي عرفت منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وعرفت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين كان يقوم بالعس ليلاً ليتفقد أحول الرعية. كما إن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أرسل إلى القبائل من يقوم بإحصاء النفوس وما يملكون من ماشية وعدد ضيوفهم ليقدر لهم الأعطيات، وكانت الثقة كبيرة بين الدولة والأفراد فما كان من المتوقع أن يمتنع أحد عـن تقديم المعلومات الصحيحة والدقيقة. أما في عصرنا الحاضر وكما أشار الدكتور فهمي فإن من أكبر الصعوبات الحصول على المعلومات من الجمهور.
          وتناول الدكتور مسعود ضاهر من الجامعة اللبنانية مركز الدراسات العربية المعاصرة بجامعة جورجتـاون بواشنطن العاصمة فتحدث عن المركز منذ إنشائه عام 1975حتى الآن. وأشار إلى نشاطات المركـز من عقد الندوات والمحاضرات ونشر الكتب والبرامج الجامعية التي تخرج فيها ثلاثمئة دارس يحملون درجة الماجستير في الدراسات العربية المعاصرة ويعملون في القطاع الحكومي وفي الشركات. وأشاد الدكتور ضاهر بالمركز في قوله:" ويشعر الأستاذ الزائر أن نشاط هذا المركز عن الوطن العربي يعادل نشاط عدد كبير من الجامعات العربية مجتمعة." كما أشاد بحسن التنظيم في المركز. وأود أن أضيـف بأننا ينبغي أن نفيد من تجربة الغربيين في دراسة العالم الإسلامي، وليس المقصود هنا التقليد ولكن الاقتباس في التنظيم حيث إن لنا أهدافنا الخاصة التي تختلف عن أهدافهم.
        وكانت محاضرة الدكتور نور الدين الصغير من قسم التاريخ بجامعة الزيتونة بعنوان "الإسلاميات التطبيقية والأنثروبولوجيا الدينية" دعا فيها إلى ضرورة " إثراء معارفنا بمختلف وسائل التجديد الفكري والاعتمـاد على البحوث الأنثروبولوجية الدينية والمعرفية والعامة." وتناول مسألة " المقدس والمحرم" وأشار إلى بعض الشخصيات التي ظهرت في التاريخ الإسلامي وتجرأت على مناقشة " المقدس" (النص القرآني) و(الحديث النبوي) ومن هؤلاء ابن الراوندي وأحد خلفاء بني أمية وانتقد بعض المصطلحات الإسلامية مثل “دار الإسلام " و" دار الكفر" وأن هذا المصطلح " عشعش في أذهان المسلمين زمناً طويلاً".  ورددت عليه في هذا بأن المصطلح ليس فيه ما يعيب فما ذا كان الغربيون يسمون ديار المسلمين؟  بل ما ذا يطلقون علينا حتى اليوم؟ لماذا نخجل من مصطلحاتنا؟
         وقد كان ملفتاً للانتباه أن الدكتور عبد العظيم رمضان الذين يدعي أنه " يساري وتقدمي" غضب من اتهام أحد خلفاء بني أمية (الوليد بن يزيد) بأنه مزّق المصحف فقال لا يمكن أن يكون هذا صحيحـاً فالوليد يعد من العلماء. وقد أكد لي هذا أن الفطرة حتى لدى التقدمي واليساري تستيقظ أحيـاناً للدفاع عن مقدسات الأمة كما لا لاحظت قوله في أثناء غضبه من المحاضر قوله (سيدنا رسول الله)
        وكان لي حديث مع الدكتور الصغير خارج قاعة المحاضرات فقلت له إنكم تريدون نزع القداسة عن القرآن الكريم والحديث الشريف فما بالكم تضفون القداسة على كلام البشر؟ ماذا يفيدكم نزع القداسة عن القرآن الكريم أو الحديث الشريف؟
        وقدّمت بحثاً بعنوان "منهجية التعاون العلمي بين العالم العربي والغرب: الواقع والمثال " بدأت الحديث بالبسملة وكدت أكمل بالحمد والثناء على الله عز وجل لولا أنني خفت أن يمنعوني من تقديم موضوعي. أما المحاضرة فقد أوضحت فيها الجوانب الإيجابية والجوانب السلبية للتعاون العلمي الحالي. فمن الجوانب الإيجابية الاهتمام الكبير بالدراسات العربية الإسلامية في الغرب، وتوفر بعض الباحثين الغربيين الذين خرجوا على النظرات التقليدية في محاربة الإسلام والمسلمين. وكذلك من الجوانب الإيجابية وجود عدد من الأساتذة المسلمين إما من أصل أمريكي أو من العالم الإسلامي يقدمون صورة صحيحة عن الإسلام عقدية وشريعة وتاريخاً واقتصاداً00الخ. وكذلك من الإيجابيات قيام كراس للدراسات الإسلامية في الجامعـات الكبرى مثل كرسي الملك فهد في جامعة لندن (مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية) وكرسي الأمير نايف في جامعة موسكو، وكذلك السماح بإنشاء المعاهد الإسلامية ومراكز البحوث مثل معهد العـلوم العربية والإسلامية في واشنطن التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وكذلك المعهد العالمي للفكر الإسلامي- هرندن بفرجينيا- وكذلك المراكز الإسلامية المتعددة في الغرب والتي أسهمت المملكة إسهاماً مباركاً في الكثير منها.
       أما الجوانب السلبية فتتمثل في أن كثير من الجامعات الغربية والأمريكية ما تزال تحتفي بالمتغربين من أبناء العالم الإسلامي وتوفر لهم فرص التدريس والبحث وحضور الندوات والمؤتمرات في الغرب، وتكاد الفرص تقتصر على هؤلاء، بل إن الغرب وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية احتضنت الماركسيين واليساريين العرب بعد زوال الشيوعية ــ بعضهم تلقى الماركسية في أمريكا نفسها مثل صادق جلال العظم.
       وهكذا فإن من أبرز ملامح هذا النموذج -المؤتمر العالمي في تونس- عدم التوازن في عرض وجهات النظر وإن مثل هذه المجموعة تضيق بالنقد إذا وجه إليهم، ويعدون أنهم المتنورون وأن غيرهم في ظلام وتخلف. وتلك نرجسية عجيبة فإن ما يزعمونه من التنوير وبعد الأفق أن تقبل آراءهم وتسير في ركابهم وإلاّ فإنهم مستعدون لإخراج كل ما في جعبتهم من التهم الجاهزة والشتائم، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.



تقرير عن المؤتمر الدولي الثاني حول منهجية البحث العلمي الغربي في العلوم الإنسانية والاجتماعية في العالم العربيوتركيا

                              
 12إلى18ذي الحجة 1416 (2-6مايو1996)

مؤسسة التميمي للبحوث والدراسات والمعلومات - تونس
                             بالتعاون مع مؤسسة كونراد إديناور الألمانية -تونس

    
       تلقيت دعوة من مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات بتونس لحضور مؤتمر علمي. ولما كانت الدعوة قد وصلتني في شهر ذي القعدة بعد لقائي مدير مؤسسة التميمي الدكتور عبد الجليل خلال ندوة الجنادرية حول الإسلام والغرب في شهر شوال، فلم يكن ثمة متسع من الوقت للحصول على إذن رسمي بالحضور كما لم أكن متأكداً من إمكانية إعداد بحث لإلقائه في المؤتمر وترتيب الأمور المالية للحضور.
      وأحمد الله عز وجل أن مكنني من السفر لأشارك في هذا المؤتمر الذي تشترك مؤسسة كونراد إديناور الألمانية في رعايته -وهي مؤسسة ترعى مؤتمرات علمية في إسرائيل-، وللاطلاع على إحدى مـؤسسات البحث العلمي الفاعلة في العالم العربي وذلك لكثرة المؤتمرات والندوات التي تعقدها وما تنشره من بحوث ودراسات ودوريات علمية.
       وبعد ثلاثة أيام من المحاضرات والنقاشات اتضح لي أن هذه المؤسسة إنما هي امتداد للمؤسسات الاستشراقية من حيث النهج الفكري والميول. بل لعلها أكثر أهمية من كثير من المؤسسات الاستشراقية لأنها تستقطب عدداً كبيراً من قادة الفكر والرأي في العالم العربي وتركيا. ومما يؤكد أهمية دراسة هذه المؤسسة واتجاهاتها أن الباحث الغربي حين يطعن صورة الإسلام أو يشـوهها فإنه إنما يفعل ذلك عن جهل أو تعمد، ولكنه في اعتقاده يخدم مصالح قومه وأمته. ولكن عندما تصدر أراء مخالفة للنهج الإسلامي من أشخاص مسلمين فليس من السهل اكتشاف ذلك كما إنه مدعاة لقبول هذه الآراء.
        أما ورقتي التي قدمتها فكانت حول منهجية التعاون العلمي بين البلاد العربية وتركيا والعالم الغربي بين الواقع والمثال. وقد تناولت في هذه الورقة بعض الجوانب الإيجابية والسلبية في واقع هذا التعاون، وحاولت أن أقدم بعض المثاليات التي ينبغي التطلع إليها في هذا التعاون.
       وكانت مناسبة مهمة أن أبرز دور المملكة الإيجابي في التعاون العلمي من حيث قيام المملكة بتمويل عدد من المراكز الثقافية، وكذلك تمويل بعض كراسي الدراسات الإسلامية في الجامعات الغربيـة بالإضافة إلى المعاهد ومراكز البحوث السعودية. وأوضحت أن من الصور الإيجابية للتعاون العلمي ما يقوم به الحرس الوطني في ندواته السنوية حيث يتيح الفرصة للعديد من علماء الغرب تقديم وجهات نظرهم في القضايا المطروحة ولعل مثال ندوة الإسلام والغرب يوضح هذا أجمل توضيح.
        أما الصورة السلبية في هذا التعاون فهو اهتمام الجامعات الغربية ومراكز البحوث بالباحثين العرب من ذوي الاتجاه العلماني أو اليساري. وذكرت نماذج لهؤلاء عرفوا من خلال آرائهم المنشـورة ونشاطاتهم العلمية ومن هؤلاء على سبيل المثال: صادق جلال العظم، وعبد القادر الزغل، وفضل الرحمن، ومحمد سعيد العشماوي، ونوال السعداوي، ونصر حامد أبو زيد، وعزيز العظمة، وبسام طيبي وفضل الرحمن وغيرهم. ومن السلبيات أيضاً أن كثيراً من الندوات والمؤتمرات التي تعقد في الغرب لا يدعى إليها المتخصصون أو يدعى لها أصحاب الاتجاه العلماني الذين لا يخرجون عن كونهم صدى للفكر الغربي العلماني. ومثال على ذلك أن جامعة نيويورك عقدت ندوة في 27 فبراير 1996 بعنوان (الرقابة الإعلامية وأثرها في المصالح القومية: الجزيرة العربية) ودعت إليها متخصصة في العلوم السياسية وبخاصة في اليمن حيث هي رئيسة المعهد الأمريكي للدراسات اليمنية في جامعة ريتشموند وكان المدعو الثاني مراسل لبعض الصحف الخليجية عدة سنوات. وقد شاركت في هذه الندوة بناء على طلب مني لاهتمامي بالإعلام، وكانت مشاركتي هي المشاركة الوحيدة اللصيقة بالموضوع. أما المراسل الصحفي الفلسطيني فقد قدّم صورة سلبية جداً عن الرقابة الإعلامية في دول الجزيرة كلها وبخاصة دول الخليج.
       وثمة صورة سلبية أخرى وهي أن مشروعات البحوث التي تمولها الجامعات ومراكز البحوث الغربية تتسم بالتحيز ومن ذلك مشروع جامعة شيكاغو عن الأصولية، وكذلك مشروع معهد الولايات المتحدة للسلام لدراسة الحركات الإسلامية " الأصولية" حيث كلّف المعهد الدكتور سعد الدين إبراهيم وهو معروف بعدائه للحركات الإسلامية ويعمل في الجامعة الأمريكية في القاهرة.
       أما المثال الذي دعوت إليه فيتمثل في النقاط الآتية:
أولاً: استضافة علماء من العالم الإسلامي ممن عرفوا بالاعتدال للمشاركة في إلقاء المحاضرات وفي حضور الندوات والمؤتمرات، والإشراف على طلاب الدراسات العليا.
ثانياً: التوسع في الترجمة من اللغة العربية واللغات الإسلامية الأخرى في مجال الدراسات الإسلامية حتى لا يظل الطلاب الغربيون أسرى للكتابات الاستشراقية التقليدية مثل كتابات مارجليوت وشاخت وجولدزيهر وكولسن وفلهاوزن وفان فلوتن وكيتياني، ودي خويه وغيرهم.
ثالثاً: إتاحة الفرصة للطلاب الغربيين في مرحلة الدراسات العليا للدراسة في الجامعات العربية الإسلامية أو تحت إشراف مشترك.
رابعاً: زيادة الاهتمام بالكتابات الإسلامية الجادة باللغات الأوروبية وجعلها ضمن الكتب المنهجية أو القراءات المعتمدة للمواد التي تدرّس في الجامعات الغربية ومن هذه الكتابات كتابات طيباوي والفاروقي وغيرهما.
      لقد كان حضوري لهذا المؤتمر أداءً للأمانة في ضرورة التعرف إلى قطاع فكري في العالم العربي الإسلامي له أهميته، وكذلك إتاحة الفرصة لهؤلاء لينفتحوا على الفكر الآخر عملاً بحرية الحوار بين كافة الاتجاهات الفكرية في العالم العربي، والحمد لله رب العالمين

                                                                                      


منهجية التعاون العلمي بين المؤسسات العلمية جامعات الغربية والعربية الواقع والمثال

مقدمة

       
           ما زالت الجامعات منارات للعلم والحضارة في كل مكان تسعى إلى نشر العلم والمعرفة، وكأنها إحدى الوسائل لتحقيق التعارف بين الشعوب والأمم كما جاء في الآية الكريمة (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)، ويتم ذلك بصورة واضحة في أقسام الدراسات الإقليمية ودراسات المناطق. فهناك آلاف الأقسام العلمية في الجامعات الغربية من أوروبية وأمريكية تهتم بدراسة العالم العربي والإسلامي. كما أن الغرب الذي كان محتلاً لمعظم أجزاء العالم الإسلامي سعى إلى أن ينقل إليه كثيراً من آثار البلاد التي كان يحتلها، فامتلأت متاحف العالم الغربي بالآثار والمقتنيات، كما امتلأت إدارات الوثائق بالوثائق العربية والإسلامية، ومن أبرز الأمثلة على ذلك متحف لندن، والأرشيف الفرنسي لما وراء البحار في مدينة إكس إن بروفانس Aix En Provence، بالإضافة إلى دور الوثائق الأخرى هنا وهناك، ولعل أكبر مجموعة للبرديات العربية هي الموجودة في فينا. وأما المخطوطات فلها قصة أخرى حين بدأ الغربيون يجوبون البلاد العربية والإسلامية يحصلون على كل ما وقعت عليه أيديهم من مخطوطاتنا بكل وسيلة ممكنة، فأقاموا لها المكتبات، وخصصوا لها الفهارس الكبرى.
        صحيح أن العالم العربي لم يقم بواجبه في السعي إلى التعارف كما ينبغي، ولكن كان البديل (الناقص) أن الدول الأوروبية حين احتلت بلادنا أنشأت المعاهد الخاصة التي درس فيها نفر من المسلمين عرفوا من تاريخ أوروبا وثقافتها وحضارتها أكثر مما عرفوا من تاريخ بلادهم وحضارتهم. بل وصل الأمر ببعض أبناء البلاد التي استعمرها الفرنسيون أن كانوا ينشدون (بلاد الغال بلادي والغال هم أجدادي)، ثم كانت مسألة الابتعاث حين أرسل العالم العربي والإسلامي الآلاف من أبنائه للدراسة في الغرب فعاشوا فيه سنوات عرفوه معرفة جيدة. كما أن بعض المؤسسات العلمية الغربية سعت إلى إنشاء المعاهد والجامعات في بلادنا. ومن أبرزها الجامعة الأمريكية التي بدأت بفرعين في لبنان والقاهرة وثالث في أنقره أصبح لها الآن فروع عديدة في دول الخليج العربي مثل دبي والكويت والشارقة وأبوظبي. وفتحت جامعات أجنبية بأسماء محلية؛ لأنها أخذت بالمناهج الغربية، وجعلت لغة التعليم هي الإنجليزية أو الفرنسية.
        كما أن المسلمين سعوا إلى إنشاء معاهد ومراكز بحوث في عدد من الجامعات الغربية تسعى إلى نشر المعرفة بالإسلام وبالعالم الإسلامي، ولكنها تحترم لغة البلاد، فلا يكون التعليم إلاّ بلغة تلك البلاد، ولا يكون النشاط إلاّ بها على العكس من جامعاتهم ومعاهدهم في بلادنا.
        وهذا التواصل والمعرفة هدفهما تحقيق بناء الجسور بين العالم العربي  والغرب، فكم من هذه الأهداف تحقق في أرض الواقع؟ وما المأمول أن يتحقق لو سعينا سعياً حقيقياً ليكون التعاون والتواصل مبنياً على أصول علمية حقيقية.
        وهذه الورقة التي تسعى إلى تناول منهجية التعاون العلمي بين الغرب والبلاد العربية سوف تركز على أمثلة من الواقع عاشها مقدم هذه الورقة من خلال أكثر من رحلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وكذلك من خلال متابعاته للنشاطات العلمية في مجال الدراسات العربية الإسلامية والنشاطات الثقافية عموماً في الغرب، والتي تتعلق بالعالم العربي. وستنقسم الورقة -كما يشير العنوان- إلى قسمين رئيسين: هما الحديث عن الواقع ثم الحديث عن المثال. ولا تزعم هذه الورقة الإحاطة بالواقع تماماً، لأن بضعة رحلات إلى أوروبا وأمريكا لا تكفي لوضع صورة كاملة لكنها تبرز جوانب من الواقع الذي عرفه مقدم الورقة، وإلا فإن في الواقع صوراً جميلة لكنها قليلة أو استثنائية .


المبحث الأول
واقع التعاون بين الجامعات الغربية والعالم العربي

        التعاون العلمي الحقيقي يكون بين متماثلين أو متكافئين، ولما كانت الجامعات الغربية من أوروبية وأمريكية قد مضى عليها في مجال العمل الأكاديمي والبحث مئات السنين والجامعات العربية ما تزال تحبو، بالمقابل فإن مثل هذا التعاون لا بد أن يميل لصالح جانب على آخر. ولكن الجامعات العربية تستطيع بحق أن تفخر بأنها قطعت شوطاً كبيراً في مضمار العمل الأكاديمي والبحث العلمي لولا العوائق الكثيرة التي لا تقتصر على الجامعات، بل تعاني منها المجتمعات العربية بعامة. ومن أولها غياب الحرية الحقيقية. فإن كانت الجامعات الغربية تنعم بحرية أكاديمية وحرية فكرية هي جزء من المنظومة الفكرية والسياسية التي تعيشها هذه المجتمعات لكن ما تحقق للجامعات العربية من إنجازات علمية وأكاديمية يجعلنا نتطلع إلى نوع من التعاون المتكافئ.
        وسوف أقدم فيما يأتي بعض النماذج الإيجابية عن التعاون الأكاديمي بين الجامعات العربية والجامعات الغربية:
        المنح القصيرة وبرامج الزائر الشرفي
تسعى الجامعات الغربية لاستقطاب الباحثين العرب والمسلمين للبحث والدراسة فيها وبخاصة ممن كان له سجل متميز في البحث والتدريس، فالمجلس الثقافي البريطاني يقدم عدداً من المنح السنوية الصيفية لما بعد الدكتوراه توزع على الجامعات العربية ومراكز البحوث. وكذلك معهد الدراسات الشرقية الحديث بجامعة برلين لديه برامج منح لما بعد الدكتوراه التي يتيح الفرصة فيها لعدد من الباحثين والعلماء العرب والمسلمين للعمل في المعهد فترة من الزمن تصل إلى سنة كاملة. وهناك منح مؤسسة الداد الألمانية.
كما أن جامعة ليدن لديها برنامج لاستضافة الباحثين في مرحلة ما بعد الدكتوراه، حيث يقدمون للأستاذ الجامعي من البلاد العربية والإسلامية فرصة البحث في الجامعة والتدريس. وكان الباحثون في الغالب من إندونيسيا أو من جنوب شرق آسيا، فهل الأمر يعود إلى تركيز الجامعة على هذه المناطق، كما أنهم يركزون على قضايا معينة في دعوة الباحثين، كأن تكون تخصصاتهم في القضايا الساخنة في المنطقة كالحركات الإسلامية أو التطرف أو "الإرهاب".
وقد أتيح لكاتب هذه السطور الحصول على منحة باحث شرفي بجامعة إكستر في معهد الدراسات العربية والإسلامية للقيام ببحث بعنوان (الجهود البريطانية الرسمية لدعم دراسات الشرق الأوسط منذ عام 1975م) وذلك للفترة من أول يونيه حتى نهاية سبتمبر 2006م وكذلك للعام الدراسي عام 2007م.

برنامج الزائر الدولي بوكالة إعلام الولايات المتحدة الأمريكية.
ويعد هذا البرنامج من الجوانب الإيجابية في التعاون العلمي. فوكالة إعلام الولايات المتحدة (ألغيت الوكالة وضمت مهماتها إلى الملحقية الثقافية في السفارات الأمريكية) تدير برنامجاً يسمى برنامج الزائر الدولي، تقدم فيه الدعوة لشخصيات من مختلف التخصصات العلمية والاقتصادية والصناعية وغيرها لزيارة الولايات المتحدة وتقوم بكافة الترتيبات الخاصة بزيارتهم كما تتحمل تكاليف انتقالهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية ومنها، كما تتحمل نفقاتهم داخل أمريكا. وقد دعيت ضمن هذا البرنامج في الفترة من 5سبتمبر إلى 22 منه عام 1995م. وقد تضمن برنامجي الذي استغرق جهداً كبيراً من عشرات من الموظفين والمتطوعين. وقد زرت العديد من الجامعات ومراكز البحوث والمعاهد.
الباحثون الزائرون في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض:
        دأب هذا المركز منذ عدة سنوات على استضافة باحثين من الجامعات ومراكز البحوث الغربية للقيام ببحوث حول المملكة العربية السعودية في مجالات مختلفة في السياسة والاقتصاد والاجتماع وغير ذلك. وقد عقد المركز اتفاقية مع جامعة أكسفورد تقدم مؤسسة الملك فيصل الخيرية بموجبه منحاً لباحثين زائرين من الجامعات البريطانية.
         وقد تنوعت البلاد التي قدم منها الباحثون ففي الفترة من عام 1420إلى 1426هـ(200-2006م) استضاف المركز واحداً وخمسين باحثاً زائراً من عدد من الدول الأوروبية وأمريكا وكذلك من البلاد العربية والإسلامية فعلى سبيل المثال بلغ عدد الباحثين من أمريكا ثمانية باحثين، وأربعة من بريطانيا وباحثين من ألمانيا وخمسة باحثين من فرنسا بالإضافة إلى عدد من الباحثين العرب والمسلمين الذين يدرسون في جامعات فرنسية وباحث من النرويج وباحثة من المكسيك وباحث من البوسنة وباحثة من بولندا.
        والمركز يقدم للباحثين الخدمات البحثية من مكتبة كبيرة ومراجع في شتى المعارف، كما يساعد الباحث في ترتيب زيارات لهيئات ومؤسسات سعودية ويرتب لهم لقاءات مع علماء وباحثين ومسؤولين في السعودية. وبعض هؤلاء الطلاب يقضون مدة قد تصل إلى ستة أشهر وبعضهم يأتي لمدة قصيرة.
       ويمكن أن أقدم بعض عناوين البحوث التي قام بها عدد من الباحثين الأوروبيين والأمريكيين في أثناء وجودهم في المركز وهي كالآتي:
1-             ألخاندرا جينادو زارت المركز مرتين الأولى في أثناء إعداد رسالتها للدكتوراه في جامعة درم البريطانية وفي المرة الثانية لعمل بحث عن أوضاع المرأة في السعودية.
2-             ديفيد كومنز الأستاذ المشارك بقسم التاريخ بجامعة ديكنسون الأمريكية وكان بحثه بعنوان (العلم والعلماء في الجزيرة العربية خلال القرن التاسع عشر)
3-             الدكتورة باربرا ميخالاك رئيسة قسم اللغة العربية بجامعة باجيلوسكي في بولندا، وبحثها كان عن أدب المرأة في المملكة العربية السعودية.
4-             الدكتور إيغور تيموفيف نائب رئيس الصندوق الروسي لدعم تطوير الاستعراب والتعاون مع الأقطار العربية، وكان بحثه حول الملك فيصل ابن عبد العزيز –سيرة أدبية.
5-             مارك وستون صحفي أمريكي وكان بحثه حول المملكة العربية السعودية
6-             الدكتوره لورانس لوير وهي باحثة بمعهد الدراسات السياسية في باريس وكان بحثها بعنوان "التطورات الاجتماعية والسياسية في دول الخليج العربية.
7-             الدكتور فولكر بيرتس مدير معهد الشؤون الأمنية في برلين وكان بحثه حول الانتخابات البلدية في المملكة.


معايير اختيار الباحثين والأساتذة الزائرين:
في لقاء مع البرفسور إبراهام يودوفتش رئيس قسم دراسات الشرق الأدنى بجامعة برنستون الأمريكية في صيف عام 1988م ذكر لي أن القسم حريص على عرض صورة صحيحة ومتوازنة عن الإسلام والمسلمين. والدليل على ذلك أنه يعمل بالقسم أستاذ مسلم تقي هو الدكتور مدرّسي. ولم أرد عليه في ذلك الحين. ولكن تساءلت ما معايير الأستاذ التقي؟ وهل هذه المعايير تنطبق على الدكتور صادق العظم-كان أستاذاً زائراً حينها- الذي يصر على إعلان إلحاده وماركسيته والذي أصدر كتابه "نقد الفكر الديني" بعد هزيمة العرب في عام 1967 لينسب الهزيمة إلى تمسك العرب بالدين الإسلامي، أو الدكتور عبد القادر الزغل (أستاذ علم اجتماع من تونس) صاحب الاتجاه اليساري وغيرهما.
      أما الدكتور صادق جلال العظم فقد كانت محاضراته لطلبة الدراسات العليا حول الفكر السياسي العربي المعاصر تتركز على فكر الزعيم اليساري البعثي ياسين الحافظ من خلال مذكراته أو سيرة حياته. فتساءلت: أي فكر سياسي لهؤلاء العرب غير ما يستقونه من الفكر الشيوعي الغربي أو الشرقي حيث انقسم شيوعيونا بين ماركس ولينين وتروتسكي وماو وغيرهم.  وتساءلت ماذا كان الدكتور العظم سيقول عن زعماء الحركات الإسلامية من مثل الأمير عبد القادر الجزائري، وعبد الحميد بن باديس، وحسن البنا، وعبد الكريم الخطابي، وعبد العزيز الثعالبي، وعز الدين القسام وغيرهم. فأي معايير علمية حقيقية تسعى الجامعة إلى تحقيقها من استضافة مثل هؤلاء الأساتذة؟
        والجامعات الأمريكية تستضيف أمثال الدكتور فؤاد العجمي وهو لا يختلف كثيراً عن صادق جلال العظم أو مدرّسي، فله شعبية واسعة لدى وسائل الإعلام الأمريكية التي تسرع لاستضافته للحديث في أي شأن يخص العالم العربي، وعرف عنه مواقفه المخالفة لمصالح الأمة العربية الإسلامية وتطلعاتها ومبادئها، بل المتعاطفة مع اليهود حتى إن هذه المواقف هي السبب في بقائه في الجامعات الأمريكية ونجاحه وظهرت حقيقته أكثر في تأييد الغزو الأمريكي للعراق واحتلالها.
         وقد قمت بمتابعة نشاطات جامعة هارفرد Harvard من خلال النشرة نصف الشهرية لمركز دراسات الشرق الأوسط للعام الدراسي 1995 م فوجدت أن الفرص غير متوازنة في عرض القضايا العالم الإسلامي. وأتوقف عند الدكتورة منى مكرم عبيد فهذه الأستاذة ترى أن الحكومة المصرية ينبغي أن تخفض من عدد الحصص المخصصة للدين الإسلامي، وأن تخفض الساعات المخصصة للشؤون الإسلامية في وسائل الإعلام، وأنها ترى أن الحكومة تخضع لرغبات الحركات "الأصولية" " المتطرفة".
    كما أن معهد الولايات المتحدة للسلام قام بتكليف الدكتور سعد الدين إبراهيم بإعداد بحث عن الحركات الإسلامية" الأصولية" في مصر. والدكتور سعد الدين صاحب موقف معاد لهذه الحركات وللإسلام عامة، فكيف يمكن الحصول على بحث يتسم بالموضوعية من شخص عُرِف عنه العداء للإسلام وللحركات الإسلامية. وقد ذكرت هذا الأمر لاثنين من المسؤولين في المعهد واستشهدت بما كتبته صحيفة "الشرق الأوسط" في صفحتها الأولى عن ارتباطات الدكتور المشبوهة حينما أعلن عن إنشاء معهد ابن خلدون الإنمائي في القاهرة، وأعلن الأخير عن عزمه إقامة ندوة حول الأقليات العرقية  والدينية في العالم العربي بتمويل مجهول المصدر. فما كان من الدكتور سعد الدين إلاّ أن نقل هذا المؤتمر ليعقد في قبرص.
    ومن النماذج التي ظهر فيها ضعف التعاون بين الجامعات الغربية والعالم العربي أن جامعة شيكاغو قامت بمشروع إصدار موسوعة عن الحركات "الأصولية في العالم" فكلفت عدداً من الباحثين الغربيين والمسلمين لهذه لموسوعة التي ظهرت قبل فترة قصيرة، وقد أشارت مجلة "شؤون الشرق الأوسط" لعيوب هذه الموسوعة كما إن البروفيسور جون اسبوزيتو مدير مكتب التفاهم الإسلامي النصراني في جامعة جورج تاون أشار إلى أن هذه الموسوعة لا تتسم بالموضوعية.
        نماذج أخرى من الباحثين العرب والمسلمين:  
تبدي الجامعات الغربية ومراكز البحوث والمؤسسات العلمية المختلفة في الغرب اهتماماً بنماذج معنية من الباحثين والأدباء والمفكرين في العالم العربي. ويتسم هذا الاهتمام بالتحيز لاتجاهات فكرية معينة. ومن الأمثلة على ذلك -وهي كثيرة- معهد الفنون المعاصرة البريطاني. والمعهد مؤسسة توزيع غير تجارية مسجلة في بريطانيا وهو أيضاً مؤسسة تعليمية خيرية بريطانية تحصل على دعم مالي من مجلس الفنون البريطاني ومجلس مدينة ويستمنستر ومعهد الفيلم البريطاني ومؤسسة راين. ومن أهداف هذا المعهد توفير مكان لعرض وجهات النظر المتعددة. وهذه الآراء هي آراء الفنانين والكتاب وكتاب الدراما والمشتغلين بصناعة الأفلام. ولا تمثل هذه الآراء بالضرورة آراء المعهد. وفيما يأتي أبرز الأسماء التي استضافها المعهد عام 1992: محمد شكري صاحب كتاب (الخبز الحاف)، وعبد الرحمن المنيف (صاحب رواية مدن الملح)، وطارق علي ونوال السعداوي. وقد أشارت النشرة التي أوردت أخبار استضافة هؤلاء إلى أن كتبهم ممنوعة في معظم البلاد العربية. (أخيراً سمحت السعودية بكتب كثيرة وذلك في معرض الرياض الدولي للكتاب لعام 1427هـ(2006م) الذي تشرف عليه وزارة الثقافة والإعلام، وكان من بينها رواية مدن الملح وروايات المنيف الأخرى)
وتأكيداً لهذا الاهتمام بأصحاب الفكر المخالف للفكر الإسلامي الصحيح في العالم العربي الإسلامي ما لقيه سلمان رشدي وتسليمة نسرين ونوال العشماوي ونصر حامد أبو زيد من تأييد واهتمام مبالغ فيه حتى إن رؤساء الدول يتدخلون لمنح بعض هؤلاء تأشيرات الدخول أو استقبالهم في مكاتبهم. وكان آخر تلك الرعاية أن منحت الملكة البريطانية لقب الفروسية (سير) لسلمان رشدي بناء على ترشيح رئيس الوزراء البريطاني توني بلير قبل رحيله من رئاسة الوزراء.
ومن صور الاهتمام بالنماذج التي لا تمثل الإسلام تمثيلاً صحيحاً نشر بعض الكتب لتلاميذهم من الباحثين العرب والمسلمين ومن أمثال هؤلاء نشر كتب الدكتور محمد عبد الحي شعبان حول التاريخ الإسلامي، حيث قامت إحدى أعرق الجامعات البريطانية بنشر عدة كتب له. والحقيقة أن هذه الكتب تتضمن من الإساءات للمسلمين وتاريخهم ما عفت عنه أقلام بعض المستشرقين في القديم والباحثين المعاصرين الغربيين في التاريخ الإسلامي.
   ولا يتوقف الاهتمام عند نشر هذه الكتب التي تسيء إلى الإسلام والمسلمين بل إن بعض الجهات في الغرب تحرص على ترجمة بعض الكتب التي تسيء إلى الإسلام والمسلمين، ويَدّعي هؤلاء بأنهم أحرار الفكر وأنهم مضطهدون والأمثلة على ذلك كثيرة مثل ترجمة كتاب عزيز العظمة (الإسلام والتحديث)، وكتب فاطمة المرنيسي في نظرة الإسلام إلى المرأة مع أن فهم هذه المرأة مخالف للفهم الإسلامي الصحيح، وكذلك كتب نوال السعداوي، ويغفلون مثلاً عن كتاب قيم مثل كتاب (المرأة بين الفقه والقانون) لمصطفى السباعي وغيره كثير.
   
    المؤتمرات والندوات في الجامعات والمؤسسات العلمية الغربية
        كنت قد شاركت في مؤتمر عقد في ماليزيا صيف العام الماضي (2006م) وتحدثت عن المؤتمرات الغربية عن الإسلام والمسلمين وهل هي جسور للتعاون والتفاهم أو هي عوائق لذلك، ومما كتبته حينها "والأصل في هذه المؤتمرات والندوات أن تسعى إلى بناء الجسور والتقارب الثقافي والتفاهم بين المتحاورين أو المشاركين فيها، أو تسعى إلى حل مشكلات قائمة، أو غير ذلك مما تهدف إليه المؤتمرات عادة. ومن الطبيعي أن بعض هذه المؤتمرات يحقق هذه الأهداف ويكون وسيلة ناجحة وفعّالة في التقريب بين الشعوب والأمم والأفكار والاتجاهات المختلفة وبخاصة بين العالم الإسلامي والغرب. ولكن ثمة مؤتمرات لا ترقى إلى مستوى التطلعات والآمال في إقامة الجسور، بل إنها تسعى إلى زيادة الحواجز والفجوات بين الإسلام والغرب".
        وعندما حضر الكاتب المصري جمال سلطان المؤتمر العالمي الأول لدراسات الشرق الأوسط الذي عقد في جامعة مينز بألمانيا عام 2002م دهش لنوعية الحضور من الباحثين العرب والمسلمين فذكر أنهم في الغالب من تلاميذ المستشرقين، ومن الذين تشبعوا بالفكر الغربي حتى إنهم لن يقدموا جديداً لما يقدمه أساتذتهم أو من على شاكلتهم. وتعجب من غياب الباحثين العرب المسلمين ذوي الاتجاه الإسلامي أو الاتجاه المعتز بدينه وهويته العربية الإسلامية. وكان مما قاله عن الحضور من الباحثين العرب والمسلمين أنهم من:" أهل الاغتراب الفكري والسلوكي.. فبعضهم أكثر تطرفاً في معاداة الأمة وهويتها من المستشرقين الخلّص، وبعضهم كان يزايد في نقد الإسلام وتاريخه بقصد زيادة التودد إلى الدوائر الاستشراقية التي يُطرب بعضها مثل هذا الحديث، وتحتضن عادة كل متمرد على الأمة مهما كان ضحلاً أو حتى تافهاً في قيمته الثقافية والفكرية.. وكم نادينا من قبل أن لا نترك المجال في مثل هذه المؤتمرات إلى هذه الفئة أو الفئة المتدينة الضعيفة في قدرتها على الحوار مع الغرب. وطالبنا أن يزداد تمثيلنا في هذه المؤتمرات"([1])
        ويعد الأساتذة في الجامعات الأوروبية والأمريكية طلابهم العرب والمسلمين للمشاركة في الندوات والمؤتمرات الدولية والمحلية والإقليمية، وكان من الملاحظ أن هذه المشاركات هي في الغالب للصنف المتغرب والبعيد عن التمسك بالهوية الإسلامية والعربية، بل إن المؤتمرات عادة تعقد في أوقات صلاة الجمعة ولا يتم التوقف احتراماً لمن يريد أن يؤدي صلاة الجمعة، وفي بعض هذه المؤتمرات لا تجد مكاناً لأداء الصلوات العادية. وأما التوجه التغريبي ومعاداة الإسلام ففي تصريح للباحثة عفاف بطاينة (أردنية) التي حضرت مؤتمراً في جامعة إكستر وهو مؤتمر الخليج السنوي لعام 2007م كالت التهم والشتائم للحركة الإسلامية في الكويت، فلما قال لها أحد الحضور (وكان يغرد خارج السرب) ألم تكوني قاسية على الحركة الإسلامية في الكويت، فتغامزت مع أحد الأساتذة بأنها كانت لينة، وردت على منتقدها يبدو أنك لا تصلح أن تحضر مثل هذه المؤتمرات.
ومن الندوات والمؤتمرات التي لا تبني جسوراً بين العالم العربي والغرب بل هي في الواقع حواجز وعقبات: ما كان يقوم به المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية بالتعاون مع هيئة الإذاعة البريطانية من عقد ندوات بعنوان "الحوار بين العالم العربي وأوروبا" في كل من القاهرة والبحرين. وعند استعراض الأسماء المشاركة في هذه الندوات كانت من أصحاب الاتجاه العلماني أو المتغرب.([2]). والعجيب أن هذه الندوات تقام في بلادنا ونستضيف العلماء البريطانيين والأوروبيين ليسمعوا صدى أفكارهم وآرائهم فكأنهم لا يطيقون أن يسمعوا صوتاً مخالفاً.
ومن المؤتمرات العلمية الغربية التي لا تبني الجسور المؤتمر العالمي الأول حول الإسلام والقرن الواحد والعشرين الذي عقد في مدينة ليدن عام 1996 فمن الملاحظات عليه هو غلبة الطابع العلماني في طرح بعض القضايا  الإسلامية مثل قضايا الحركات الإسلامية، وموضوع المرأة، حيث تزعمت الحديث عن المرأة المسلمة الباحثة الباكستانية رفعت حسن التي تفخر بمؤتمر السكان الذي عقد في القاهرة على مقربة من الأزهر ليسمع صوت المرأة في قضاياها. وكذلك غاب عن المؤتمر ممثلون للحركات الإسلامية المعتدلة في العالم الإسلامي وبخاصة من مصر الذي انفرد ممثلو مؤسسة الأهرام أو التيار العلماني(الليبرالي) بالحديث عن هذا الموضوع.
وتأكيداً لهذا التوجه فقد تم اختيار هذه الباحثة الباكستانية التي تعمل في جامعة لويفيل الأمريكية بولاية كنتكي Kentucky. لتلقي المحاضرة الافتتاحية وكانت بعنوان "ماذا يعـني أن أكون مسلماً عشية القرن الواحد والعشرين؟" بدأتها بالحديث عن تعجبها من اختيارها لإلقاء المحاضرة الرئيسة كونها امرأة، وأشادت بجامعة لايدن وأن هذا لا يحصل إلاّ في هذه الجامعة، وهي لذلك تشعر بالفخر والاعتزاز.
ومن نماذج الندوات والمؤتمرات حول قضايا العالم الإسلامي التي يغيب فيها الصوت الإسلامي حلقات البحث التي عقدتها جامعة نيويورك عام 1996م وكانت إحداها في السابع والعشرين من شهر فبراير لعام 1996 حيث عقدت حلقة بعنوان (الرقابة الإعلامية والمصالح القومية) وكان من موضوعات هذه الحلقة تأثير البث المباشر والاتصالات الحديثة (الكمبيوتر) في الشخصية الوطنية أو الأيديولوجية ومدى قدرة الرقابة الإعلامية على التأثير في هذا المجال، ومتى لا تعد الرقابة الإعلامية فعّالة.
وكانت هذه الحلقة مخصصة للجزيرة العربية. وعند استعراض الأسماء المشاركة تجد أنها لباحثين أمريكيين أو عرب مقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية على الرغم من أن الموضوع يتناول قضية حساسة تحتاج إلى مشاركين من البلاد العربية وبخاصة أن صاحب التجربة الميدانية في الموضوع يختلف عن الشخص البعيد عن تلك القضايا. ومع ذلك فقد وجه مركز دراسات الشرق الأدنى بالجامعة دعوة لباحث من السعودية للمشاركة في هذه الندوة (وبناء على طلبه أن يشارك في نشاطات المركز).
وكان من المشاركين في الندوة أيضاً الأستاذة شيلا كارابيكوSheila Carapico المتخصصة في العلوم السياسية ومديرة المعهد الأمريكي للدراسات اليمنية بجامعة ريتشموند بولاية فيرجينيا. وقد ركزت على الصحافة الناطقة باللغة الإنجليزية والمواجهات بينها وبين الحكومة اليمنية. وأشادت باليمن مقارنة بغيرها من دول الجزيرة العربية.
وكان المتحدث الثالث الأستاذ محمد دلبح وهو مراسل صحفي لعدد من الصحف والمطبوعات الخليجية في واشنطن العاصمة منذ عام 1978. وقدّم ورقته المتضمنة خلاصة تجربته مع الرقابة الإعلامية في دول الخليج مدة تزيد على عشرين سنة، وقد ركز على الجوانب السلبية فقط وكأنّه لم يجد أي جوانب إيجابية للرقابة الإعلامية في دول الجزيرة العربية.
ولما كانت الندوة تتضمن جانباً أغفله المتحدثان اللذان سبقاني فقد تركت ورقتي التي أعددتها سابقاً لأعلق على رأي المتحدثَين وأحاول تغطية الجانب المهم من الرقابة الإعلامية. وهذا الجانب هو ما تصدّره إلينا آلة الإعلام والسينما الغربية من مصائب وكوارث (أصبحنا ننتجها بإتقان الآن) وهذه هي السينما الخليعة الفاحشة التي تسعى إلى تدمير القيم والأخلاق وتنشر الفاحشة والخنا والفجور. وأشرت إلى كتاب صدر في الولايات المتحدة الأمريكية وهو (أمريكا وهوليوود) للناقد السينمائي مايكال ميدفيد Michael Midved الذي انتقد فيه بشده ما تنتجه هوليوود ويخالف القيم والأخلاق ويصور المجتمعات الغربية على غير صورتها الحقيقية. كما ذكرت دعوة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون لأربعمائة من شخصيات هوليود في حفلة عيد الميلاد في إحدى سنوات حكمه وناشدهم تخفيف جرعات الجريمة والعنف والجنس في السينما. وكيف كانت هذه الدعوة مثار سخرية واستهزاء من بعض هؤلاء. وقلت كيف لا نطالب بأن يكون لدينا رقابة وهذا ما يصدر إليها؟ وأشرت أيضاً إلى تقارير اتحاد الإذاعات والتلفزيون العربي من الاعتماد إلى حد كبير على الإنتاج الغربي حتى يكاد يصل في بعض القنوات إلى ستين بالمائة من ساعات البث.
        وقد أصبح الإعلام الآن أكثر خطراً حين تخصصت قنوات لدينا لتبث آخر ما يصدر من السينما الغربية على مدى أربع وعشرين ساعة فصار المواطن العربي يتعرض لأكثر من مائة ساعة يومياً من الأفلام الأمريكية. وبلغ من كرم الأمريكيين أنهم يقدمون لإحدى تلك القنوات آخر ما أنتجته هوليوود وقبل أن يصل إلى أي أسواق أخرى في العالم.
       


المبحث الثاني
المثال
       إن المسؤولية في تصحيح صورة التعاون بين الجامعات العربية والجامعات الغربية تقع على عاتق الجانبين، فعلى الجامعات العربية أن تسعى إلى أن يكون لها دور حقيقي في هذه النشاطات فلا تترك المبادرة في أيدي الجامعات الغربية وحدها. وسأقدم فيما يأتي صوراً من التعاون الحالي المثالية أو القريبة من المثالية:
صور من وسائل التعاون الحالية:
وسائل التعاون كثيرة ولعل من أبسط صورها هي تلك التي تقوم على تمويل النشاطات العلمية في الجامعات الغربية ومراكز البحوث من قبل بعض المؤسسات المالية أو الهيئات الحكومية العربية. ومن الأمثلة على ذلك أن مركز دراسات الشرق الأدنى والأوسط يصدر نشرة شهرية بعنوان: "أحداث لندن في شهر" وتورد النشرة في الصفحة الثانية من كل عدد من أعدادها الهيئات التي تسهم في تمويل نشاطات المركز ومن هذه الهيئات :
1- مؤسسة الفرقان العالمية للتراث الإسلامي      2- البنك السعودي البريطاني
3- المكتب الإعلامي الأردني                        4- المكتب الإعلامي التونسي
5- بنك الاستثمار الدولي السعودي                 6- شركة شل الدولية.
ويحق لنا أن نتساءل ما المردود الفعلي لهذا التمويل؟ قبل سنوات عقدت ندوات في جامعة لندن بتمويل من إحدى الدول العربية حول آفاق التعاون المستقبلي بين هذه الدولة ومجموعة الدول الأوروبية. فهل كان من الصعب على تلك الدولة أن تنفق الأموال في بلدها وتدعو من ترى أنه مناسب لدعوته من الغرب للبحث في هذه القضية بدلاً من تكليف جامعة غربية لعقدها.
ولا بد هنا من الإشادة بنموذج ندوة الحرس الوطني في الرياض حول العلاقة بين الإسلام والغرب حيث دعي لها عدد كبير من العلماء والباحثين من العالم العربي والإسلامي والغرب وأذكر من هذه الأسماء البروفيسور صموئيل هتنقتونSamuel Hutington  صاحب مقولة "صدام- أو صراع -الحضارات "، ودعت كذلك البروفيسور جون اسبوزيتوJohn Esposito الذي يحذر الغرب من المبالغة في النظر إلى الحركات الإسلامية على أنها خطر على الغرب . ومن الأسماء التي دعيت وشاركت كل من : رالف بريبانتيRalph Bribanti ومراد هوفمان وخالد بلانكنشب (أمريكي مسلم) Blankinship
وتأكيداً على حرص المملكة العربية السعودية على تحمل مسؤوليتها في الدعوة إلى الإسلام والدفاع عن هذا الدين فقد اشتركت اشتراكاً فعلياً في تمويل عدد من الكراسي العلمية في الولايات المتحدة وفي أوروبا. وقد تحول قريباً كرسي الملك فهد للدراسات الإسلامية إلى مركز للدراسات الإسلامية وهي المرة الأولى التي ينشأ في جامعة لندن مركز للدراسات الإسلامية مع أن الإسلام وقضاياه المختلفة كانت تدرس ضمن برامج الأقسام العلمية المختلفة كالتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع والقانون وغير ذلك. ومن المؤمل أن تكون هذه الإسهامات فرصة لمشاركة أكثر فعالية لعلماء وباحثين من المملكة العربية السعودية للإسهام في هذه المراكز والأقسام العلمية في المحاضرات والندوات والمؤتمرات وفي الإشراف على البحوث والدراسات العليا في تلك الجامعات.
ويجب التنبيه إلى أن إسهام المملكة في هذه المجالات لا يسعى إلى التدخل في الشؤون الداخلية للجامعات الغربية كما زعم برنارد لويس في دراسة أعدها حول دراسات الشرق الأوسط في الجامعات الأمريكية حيث انتقد بعنف دراسة أعدتها لجنة منبثقة عن مؤتمر الشباب الإسلامي التي عقدت في طرابلس عام 1973 وزعم لويس أن أموال الدعم العربية تتدخل في التأثير على نتائج الدراسات العلمية. وبالرغم من أننا لا نريد أن ندخل مع لويس في تبادل الاتهامات ولكني أذكر عبارات البروفيسور إدوارد سعيد عن الاتجاه الذي تمثله جامعة برنستون بأنها تمثل الاتجاه الصهيوني وهي التي انتقل إليها لويس منذ عام 1974م بعد رحيله عن بريطانيا حتى عام 1988م حينما تقاعد وظل يتمتع بنفوذ كبير.
ومن وسائل التمويل البعثات العلمية التي انطلقت من البلاد العربية الإسلامية للحصول على مختلف الدرجات العلمية؛ حيث يسهم وجودهم في تمويل الدراسات العليا في الجامعات الغربية من طريقين أحدهما الرسوم الدراسية التي يدفعها الطلاب الأجانب أو تقوم دولهم بدفعها نيابة عنهم. كما أنّ تكلفة الطالب المبتعث لا تقتصر على الرسوم الدراسية فالبعثات تتضمن نفقات الكتب والرحلات العلمية والأجهزة وغيرها. وبالإضافة إلى ذلك فإن البحوث التي يقوم بها الطلاب العرب المسلمون تقدم اجتهادات علمية يتم الإفادة منها في تعميق المعرفة بالعالم العربي الإسلامي وبخاصة إذا كان هؤلاء الطلاب من الطلاب المتفوقين.
وفي المقابل فقد وصل كثير من الجامعات العربية والتركية إلى درجة عالية من التفوق الأكاديمي فلماذا لا يتم ابتعاث عدد من الطلبة الغربيين إلى الجامعات العربية والإسلامية التي تتميز بتوفر الأساتذة الكبار وتوفر مصادر المعرفة فلا شك أن الحصول على دكتوراه في مجال علوم الحديث أو القرآن أو الفقه أو اللغة العربية من الجامعات العربية الإسلامية له مزاياه الخاصة. فالطالب في هذه المجالات في الغرب سيظل يدور في فلك جولدزيهر وشاخت وكولسون ومرجليوت وغيرهم. ولا بأس أن يعرف جهود هؤلاء لكن لا ينبغي التوقف عند هذه الجهود مطلقاً.
ومن المطلوب أيضاً في تقوية التعاون العلمي بين البلاد العربية والجامعات الغربية الاهتمام بالدراسات العلمية ذات المستوى الأكاديمي الرفيع وترجمتها إلى اللغات الأوروبية وجعلها في متناول الطلاب والباحثين. وأذكر على سبيل المثال لا الحصر كتب الدكتور الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله: "السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي"، وكتاب "المرأة بين الفقه والقرآن" وهناك الكثير من الرسائل العلمية التي تنشر في العالم العربي ويمكن أن تسهم في تصحيح كثير من التشويه الذي تعرضت له الدراسات العربية والإسلامية في الغرب.
ويمكن للتعاون العلمي أن يكون مثالياً لو أعيد النظر في كثير من المؤلفات التي كتبها علماء وباحثون مسلمون من أمثال البروفيسور إسماعيل راجي الفاروقي رحمه الله والدكتور عبد اللطيف الطيباوي وغيرهما وجعلت ضمن المناهج الدراسية أو القراءات المقررة في مجال الدراسات العربية والإسلامية. أمّا أن يزعم أحد بأنّ هذه المؤلفات فوق مستوى فهم الطلبة فأمر لا يمكن التسليم به ذلك أن هؤلاء العلماء عاشوا في الغرب طويلاً وأتقنوا لغة التخاطب مع العقلية الغربية وهم على مستوى عال في اللغة التي كتبوا بها.
معاهد ومراكز بحوث إسلامية:
   من الإنصاف أن نذكر أن الغرب قد رحبّ بقيام العديد من مراكز البحوث والمعاهد الإسلامية وسأذكر بعض هذه المعاهد ومراكز البحوث :
1- مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، تأسس هذا المركز في جامعة أكسفورد،  وقد أنجز الكثير من الأعمال المهمة منذ تأسيسه من أبرزها المحاضرات التي عرّفت بالإسلام والمسلمين في الغرب منها محاضرة الأمير تشارلز أمير ويلز ولي العهد البريطاني المعنونة (الإسلام والغرب) وكانت بحق محاضرة قيمة فيما قدمته من فهم جميل للإسلام وأثره في الحضارة الغربية وما يتعرض له الإسلام من سوء فهم في الوقت الحاضر. بالإضافة إلى العديد من المحاضرات لشخصيات مهمة في العالم العربي الإسلامي وفي الغرب. ويكفي المركز أنه يحظى برعاية الشيخ أبي الحسن الندوي والدكتور عبد الله عمر نصيف كما بدأ المركز بإصدار دورية أكاديمية مهمة منذ عدة سنوات ، كما أصدر المركز منذ عدة أشهر أول موسوعة إسلامية أشرف عليها البروفيسور جون اسبوزيتو.
2- معهد العلوم الإسلامية والعربية في واشنطن العاصمة (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) وقد افتتح المعهد قبل عدة سنوات ويقدم جهوداً كبيرة في الدعوة إلى الإسلام وتصحيح صورة الإسلام والمسلمين في الولايات المتحدة.كما شارك المعهد في حضور بعض الندوات العلمية بالإضافة إلى إقامته أكثر من ندوة حول الدراسات العربية الإسلامية.
3- المعهد العالمي للفكر الإسلامي -هيرندن فيجينا وهو معهد تأسس قبل أكثر من عشر سنوات وله نشاطات مهمة في مجال نشر الفكر الإسلامي بالمؤتمرات والندوات التي يعقدها وكذلك من خلال مطبوعاته والتي منها المجلة الأمريكية للعلوم الاجتماعية الإسلامية.
   وهناك العديد من مراكز البحوث التي لا يمكن إحصاؤها في هذه الورقة لكن المؤمل أن تجد هذه المراكز والمعاهد الدعم من الغرب ومن العالم الإسلامي لتقوم بدورها وتصبح ذات تاثير في تصحيح صورة الإسلام والمسلمين في الغرب، وفي الحوار البناء بين الإسلام والغرب. ولعلنا نصل في يوم من الأيام أن يكون لنا جامعات كبرى كالجامعة الأمريكية في بيروت والقاهرة واسطنبول وغيرها. 


الخاتمة
تحرص الجامعات الغربية على التعاون مع الجامعات العربية لبناء جسور من المعرفة والتفاهم من خلال تقديم المنح الدراسية والبحثية والدورات العلمية وورش البحث العلمي، والندوات والمؤتمرات والجمعيات العلمية والروابط البحثية التي تضم في عضويتها الباحثين في مجال الدراسات العربية والإسلامية من جميع أنحاء العالم. وفي الوقت نفسه تقف الجامعات العربية في المقابل شبه جامدة كأنها تعيش في قرون مضت. فلا جمعيات علمية عالمية ولا روابط بحث ولا مؤتمرات ولا ندوات. وإذا عقدت الندوات والمؤتمرات في العالم العربي فهي حول قضايانا ليأتي إلينا بعض الغربيين ليقدموا وجهة نظرهم. بينما بناء الجسور والتفاهم يقتضي أن نبدأ نحن بدراستهم واستقطاب البارزين من علمائهم ليقدموا خبراتهم ونتائج بحوثهم لدينا.
كما علينا أن نسعى بجهد أكبر لنشر لغتنا العربية فما زال حقل الدراسات العربية والإسلامية يشكو من قلة من يجيد هذه اللغة وقلما تجد منحاً من الجامعات العربية لدعم هذا المجال. ولا يظن ظان أن جامعتنا تشكو من قلة الموارد والأموال ولكن المسألة تتعلق بطريقة صرف تلك الميزانيات الضخمة التي قد يذهب بعضها في أمور لا علاقة لها بالبحث العلمي.
وليس التعاون العلمي أن نسارع في زيادة عدد الجامعات الأجنبية أو الجامعات العربية التي تكون لغة التدريس فيها أجنبية والمناهج أجنبية. فلم يحدث أن وجدت مراكز بحوث عربية وإسلامية في أوروبا تدرس بغير لغة تلك البلاد. والأمل معقود على أكتاف العلماء والأساتذة والإدارات في زيادة حجم التعاون ولكن بطريقة أكثر نضجاً ووعياً من الواقع الحالي.




1- جمال سلطان، "مؤتمر في ألمانيا" في مجلة الحج، رمضان 1423هـ.
[2] - عندما بعثت رسالة إلى هيئة الإذاعة البريطانية أطلب محاضر جلسات هذه الندوات بعثوا إليّ التقارير الإخبارية التي نشرت في مجلة (هنا لندن) وبدون توثيق. فبعثت إليهم أطلب التوثيق وأتساءل عن غياب التوازن في مثل هذه الندوات . ولم أتلق أي رد فقلت لعلها غطرسة القوة