السبت، 20 يناير 2018

الاستشراق ومشكلة المجتمع المدني في الإسلام من كتاب (الاستشراق والإسلام والمتخصصين في الإسلام) Orientalism, Islam and Islamists. Edt. Assaf Hussain and others (Brattlebrough: Amana Books, 1984) تأليف برايان إس. تيرنر Brayan S. Turner ترجمة وتقديم د. مازن بن صلاح مطبقاني

بسم الله الرحمن الرحيم
في الوقت الذي نجد فيه أن مشكلة الفهم والمقارنة والترجمة تثير قضايا حساسة في الفلسفة واللغة والوعي الاجتماعي، فإنها تظهر بوضوح أكثر حدة في علم الاجتماع. فبالإضافة إلى الصعوبات الفنية من تحيّز وتشويه وإساءة تمثيل في المنهجية في العلوم الاجتماعية فهناك أسئلة أكثر عمقاً كالنسبية والتعصب والإيديولوجية تثير الشكوك حول قواعد التحليل المقارن. ذلك أنه من الصعب تخيل ما يمكن عدّه علم اجتماع صحيح دون استخدام المنهج المقارن. بيد أن هناك العديد من الصعوبات المنهجية والفلسفية التي غالباً ما تظهر وتحد من مصداقية علم الاجتماع المقارن. وقد وقع اختلاف كبير حول استخدام الوضع الذي تبناه ماكس وبر Max Weber في علم الاجتماع اللاقيمي هل هو ممكن أو حتى مرغوب فيه. ([1])
وفي السنوات القريبة الأخيرة ازدادت الحساسية لدى علماء الاجتماع حول الحقيقة التي مفادها أنه بالإضافة إلى قضية الصعوبات الفنية والفلسفية فإن بناء سياسة القوة ذات تأثير عميق في تشكيل محتوى البحث في العلوم الاجتماعية واتجاهه. وباختصار فوجود العلاقات الاستعمارية الاستغلالية بين المجتمعات كانت ذات أهمية رئيسة للتطوير النظري لعلمي الانثروبولوجيا (علم الإنسان) والاجتماع. وكان دور السياسة الإمبريالية حساماً في تكوين صورة الإسلام في الغرب وفي تخيل المجتمعات الشرقية. ([2])
وثمة افتراض من المنظور المعرفي والمتحرر بأن القوة والمعرفة ليستا وحدهما تضاديتان، ولكن المعرفة الصادقة تتطلب كبت القوة. ففي التاريخ المتحرر للأفكار يكون انطلاق العلم من الأيديولوجية والاعتقادات الفطرية مشتركاً مع نمو الحرية الفكرية وانحسار الإرهاب السياسي القهري. هذه النظرة لتنافض السبب والقوة من قبل الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكوMichael Foucault الذي يجادل بأن نمو السيطرة البيروقراطية على السكان بعد القرن الثامن عشر تستلزم أشكالاً أكثر انتظاماً من المعرفة في صورة علم الجريمة والعقاب وعلم النفس والطب. فاستخدام القوة في المجتمع يقترح مسبقاً صوراً جديدة من المعرفة العلمية التي يمكن أن نتوصل من خلالها إلى تحديد المجموعات المنحرفة والسيطرة عليها. وفي مقابل التقاليد الليبرالية ومن خلال تحليل التقليد الغربي العقلاني نجد أنفسنا مضطرين للاعتراف ب:
إن القوة والمعرفة يتضمن أحدهما الآخر مباشرة، وأنه ليس ثمة علاقات دون المحتويات المتلازمة للمعرفة الميدانية، وليس فقط أي معرفة لا تفترض مسبقاً وتتضمن في الوقت نفسه علاقات قوة. ([3])
        وهكذا فإن نمو المعرفة العلمية لا يعطي البدء لفترة الحريات الفردية، ولكن يشكل قاعدة لصور أكثر اتساعاً للقوة المؤسساتية من خلال الصلة بين السجن والقوبة، والعفو والطب النفسي والعلاج الإكلنكي وفي المستشفيات والمدرسة والبيداغوجية. وتوجد المعرفة اختلافات من خلال التصنيف والتبويب والمقارنة. فالتصنيف المتمثل في "إجرامي" و"جنوني" و"انحراف" هو من مظاهر المعرفة العلمية التي يمارس من خلالها الطبيعي والمجنون القوة في تقسيم منظم للتشابه والاختلاف. ولا يمكن التقليل ببساطة من شأن ممارسة السلطة على الأتباع إلى مسألة الآراء والدوافع من جانب الأفراد مادامت القوة مندمجة في اللغة نفسها التي نصف العالم ونفهمه بها. فلا يمكن تحقيق المقارنات الصحيحة بين كل من الفرد المنحرف والطبيعي وبين العاقل والمجنون وبين المريض والسليم من خلال إعادة تشكيل المواقف والدوافع، حيث إن هذه الفروق نفسها تفترض مسبقاً علماً يكون فيه الاختلاف في الفهم تعبراً عن علاقات القوة.
        وتقدم لنا المعرفة/القوة في عمل ميشال فوكو القاعدة لدراسة إدوارد سعيد الخطيرة للاستشراق بصفته معرفة للاختلاف يكون فيها التناقض الواضح والمحايد بين الشرق والغرب تعبيراً عن علاقات القوة () فالاستشراق علم يمثل الشرق المثير والمهيج والغريب كظاهرة واضحة قابلة للفهم من خلال شبكة من المجموعات والبيانات والمبادئ التي من خلالها وفي الوقت نفسه يُعرف الشرق ويُسيطر عليه. أن تعرف هو أن تسيطر.
وهكذا كانت معرفة المستشرق بصورة رائعة إطار عمل صارم من التحليل الذي تم التعبير عنه من خلال العقيدة والآداب وفقه اللغة والاجتماع، ولم يعبر فقط عن علاقات إمبريالية ولكنه تضمن في الواقع مجالاً من القوة السياسية. لقد أوجد الاستشراق علم دراسة الأفراد منظماً حول التناقضات بين الغربي العقلاني والشرقي الكسول. وكانت مهمة الاستشراق التقليل من تعقيد الشرق اللامنتهي وجعلها في نظام محدد من الأنواع والشخصيات والقوانين. وإن المختارات الأدبية التي تمثل الشرق المثير بيان منظم لمعلومات ميسورة كانت إنتاجاً ثقافياً نمطياً للسيطرة الغربية.
"فالحقيقة" الحاسمة في تحليل إدوارد سعيد حول مقولة المستشرق كانت إننا نعلم ونتكلم حول الشرقيين بينما م لا يفهمون أنفسهم ولا يتكلمون عنّا. وفي لغة الاختلاف هذه ليس هناك علم مساو للاستغراب. فالمجتمع الذي تنطلق منه المقارنة يمتلك مجموعة من المظاهر الأساسية العقلانية والتطور، والمؤسسات الديموقراطية والنمو الاقتصادي. بينما تفتقد المجتمعات الأخرى لمثل هذه المظاهر المسؤولة عن الشخصية الخاصة بالمجتمع الغرب، وهي التي تشرح النقص في المني المجتمعية البديلة. فالاستشراق كنظام محاسبي ينطلق ليشرح المظاهر التقدمية للغرب والركود الاجتماعي للشرق () إن أحد الأسئلة المكونة لعلم الاجتماع الكلاسيكي هو: لماذا ظهرت الرأسمالية الصناعية في الغرب أولاً؟ -وهذا يشكل بالتالي مظهراً من النظام المحاسبي الذي يتعلق بالاختلاف الأساسي بين الشرق والغرب. ويمثل الإسلام دائماً في المجال الواسع للاختلاف بين ما هو غربي وما هو شرقي مشكلة سياسية وثقافية للنظام المحاسبي الغربي.
يختلف الإسلام عن الهندوسية والكونفوشية بأنه يرتبط ارتباطاً دينياً رئيساً باليهودية والنصرانية ويثير تصنيف الإسلام بأنه دين شرقي صعوبات رئيسية في فكر المستشرق، بينما تمثل كون النبوة أمر فريد قصة مستمرة فثمة نقاشات قوية تقترح بأنه من الممكن لنظر لليهودية والنصرانية على انهما صورتان مختلفتان من العقيدة الإبراهيمية ()
وبالإضافة إلى ما سبق كان الإسلام قوة ثقافية رئيسة داخل أوروبا حين كان هو المسيطر في العديد من مجتمعات البحر المتوسط، وبينما لا نحد أي غموض حول كون الإسلام ديناً شرقياً نجد أن النصرانية لا تعد بأي شكل ديناً غربياً. فالنصرانية بصفتها دين سام وعقيدة إبراهيمية أصلاً يمكن النظر إليها على أنها دين شرقي بينما يمكن اعتبار الإسلام ديناً غربياً لأنه كان عنصراً جوهرياً في ثقافة إسبانيا وصقلية وأوروبا الشرقية.
واحتوت مشكلة تعريف الإسلام دائماً مسألة ملحة لعلم الاستشراق؛ ففي الدوائر النصرانية كان من الضروري تصنيف الإسلام إما بصفته طفيلي على الثقافة النصرانية أو إنه علماني خارج على العقيدة النصرانية.
ويدور تحليل فوكو للعلم على اقتراح بأن القواعد نفسها التي تحكم المقولات ضمن اختصاص معين يمكن أن تكون شائعة في علوم متعددة جداً ومنفصلة () ولذا فليست الإشكالية عند المستشرقين خاصة بالعقيدة النصرانية ولكنها مجال يؤكد على كل من الاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع. فإذا كان الموضوع الأساس خلف العقيدة النصرانية هو كون الوحي النصراني فريد بالنسبة  للإسلام فإن السؤال الجوهري خلف علم الاجتماع المقارن هو كون الغرب فريداً بالنسبة للجمود المزعوم في الشرق، وقد اقترحت في بحث سابق أن يحاول علم الاجتماع البحث عن أسباب الغياب الواضح للرأسمالية في المجتمعات الإسلامية وذلك بوضع مفهوم للإسلام مكون من سلسلة من الثغرات() وقد جادل علم الاجتماع الغربي جدلاً بارزاً مفاده أن المجتمع الإسلامي قد افتقد المؤسسات ذات الاستقلال الذاتي من مثل المجتمع البورجوازي الذي حطم في النهاية القبضة العنيدة للاقتطاع المسيطر على الغرب. وبناء على هذا الرأي افتقد المجتمع المدن المستقلة وطبقة برجوازية مستقلة وبيروقراطية عقلانية وقانونية معتمدة والملكية الفردية وتلك الطبقة العنقودية من الحقوق التي تضم الثقافة البورجوازية. وبدون هذه العناصر الثقافية والمؤسساتية لم يكن في الحضارة الإسلامية ما يتحدى اليد المميتة لمجتمع ما قبل الرأسمالية. ويمكن تلخيص نظرة المستشرق للمجتمع الأسيوي في الفكرة التي مفادها أن البناء الاجتماعي للعالم الشرقي تميز بغياب "المجتمع المدني" أي بغياب شبكة من المؤسسات تتوسط بين الفرد والدولة. وكان هذا الغياب هو الذي هيأ الظروف للاستبداد الشرقي الذي يتعرض فيه الفرد دائماً للحكم الاستبدادي المطلق. وقد فسر غياب "المجتمع المدني" في الوقت نفسه تطور الرأسمالية خارج أوروبا وغياب الديموقراطية.

مفهوم المجتمع المدني

        تحتوي الفلسفة السياسية الغربية مجموعة من التصنيفات الأساسية التي يمكن إرجاعها إلى أرسطو لتميز بين الحكومة في صورة الحكم الفرد أو الديموقراطية أو الاستبداد(المطلق). وبينما من الممكن أن ندرس هذا التصنيف عددياً بمعنى واحد أو عدد قليل أو عدد كبير إلاّ أن عنصراً هاماً في مشكلة الحكومة هو العلاقة بين الدولة والفرد. ونمطياً مثلاً تشير فكرة الاستبداد إلى فضاء ميتافيزيقي للنظام الاجتماعي يحتوي على فراغ مؤسساتي بين الفرد الخاص والحكومة العامة. ويكون الفرد في الحكم الاستبدادي معرضاً تماماً للنظرية المتفرسة من الحكام المستبد لعدم وجود مؤسسات اجتماعية متوسطة بين الحاكم والمحكوم. فالفرد مكشوف كلياً لانفعالات الحاكم المستبد ونزقه وإرادته وليس ثمة أي مؤسسات اجتماعية أو مجموعات يمكن أن يختفي الفرد خلفها. ويمكن أن تكون المسافة كبيرة بين الحكام المستبد والمحكوم. ولكن الفراغ الاجتماعي لا يملؤه نمو كثيف للتجمعات الاجتماعية التي يمكن أن تغلف الفرد. ويمكن نمو المصالح المنفصلة ضد إرادة الحاكم المستبد يفترض مقدماً مجتمعاً يكون فيه "المجتمع المدني" إماّ غائباً أو متخلفاً. إن "المجتمع المدني" هو تلك الشبكة الواسعة من المؤسسات (الكنيسة، والعائلة، والقبيلة، والنقابة، والرابطة والمجتمع) التي تقع بين الدولة والفرد، وتربط في الوقت نفسه الفرد بالسلطة وتحي الفرد من السيطرة السياسية الكلية. ولذلك ففكرة "المجتمع المدني" ليست فقط جوهرية لتعريف الحياة السياسية في المجتمعات الأوروبية لكنها أيضاَ نقطة الاختلاف بين الغرب والشرق.
       كانت النظرة لظهور "المجتمع المدني" في فترة التنوير في اسكتلندا أنها إِشارة رئيسية للتطور الاجتماعي من حالة الطبيعة إلى الحضارة. فقد كانت نظرية "المجتمع المدني" جزءاً من الانقسام الكبير بين الطبيعة الحضارة حيث إن الفرد قد أُعطي أخيراً حقوقاً للملكية والتملك والأمن. ويرى هيجل في فلسفته الاجتماعية أن " المجتمع المدني" يتوسط بين العائلة والدولة، ويتكون من التبادلات الاقتصادية بين الأفراد. وكانت فكرة هيجل عن " المجتمع المدني" في صورة العلاقات الاقتصادية هي أساس كثير من الغموض في التحليل الماركسي الذي جاء فيما بعد حيث أصبح من الصعب تحديد موقع" المجتمع المدني" بدون غموض في القاعدة الميتافيزيقية الاقتصادية وفي البناء الكبير فبالنسبة لماركس
  يضم المجتمع المدني كل التعاملات الفردية خلال مرحلة محددة لنمو القوى الإنتاجية.     وتضم كل الحياة التجارية والصناعة لمرحلة معطاة وبالتالي تتجاوز الدولة والأمة.      مع ذلك فمن جهة أخرى يجب أن تؤكد نفسها في علاقاتها الخارجية بصفتها قومية وداخلياً يجب أن تنظم نفسها كدولة. (9)
       وحيث أن ماركس كان مهتماً أساساً في التحليل النظري للنمط الرأسمالي للإنتاج كان من الصعب بالتالي على الماركسيين أن يحددوا العلاقة الدقيقة بين المجتمع المدني والدولة من جهة وتحليل مثل هذه المفاهيم الاجتماعية ك "العائلة" و"الكنيسة" و"المجتمع" أو "القبيلة" من جهة أخرى. ومن الطبيعي أن يكون أحد الحلول هو معالجة هذه الناحية من الحياة الاجتماعية بالتفصيل في مصطلحات اقتصادية بحتة؛ ويكون التقسيم الأساسي للمجتمع هو التقسيم الطبقي الذي يمكن تفسيره بالتالي بنمط الإنتاج. (10)
        ونجد مثالاً للصعوبات في تحديد المجتمع المدني بالنسبة للاقتصاد والدولة في المناظرات الأخيرة حول تحليل أنطونيو جرامسكي Antonio Gramisci لهذا المفهوم(11)
        علّق جرامسكي في فقرة مشهورة بأن المجتمع المدني يقع بين البناء الاقتصادي والدولة بتشريعاتها وحكمها القسري. (12)
        يرى جرامسكي في كتاباته أن المجتمع المدني هو المنطقة التي يحدث خلالها السيطرة الإيديولوجية والموافقة السياسية وبالتالي تتعارض مع الدولة حيث موقع القوة السياسية والقسر ومثل هذا المفهوم من شأنه تعقيد التقسيم الثاني الماركسي الأكثر شيوعاً بين القاعدة والبناء الفوقي. ولكن هناك الكثير من الاختلاف في النظر حول موضع تأكيد جرامسكي النظري. (13) ففي حين يزداد الاختلاف حول مدى قبول الاستبداد في الرأسمالية الحديثة مما يلفت النظر إلى أن مفهوم جرامسكي للمجتمع المدني كان أمراً هاماً بالنسبة لنظرته بأن الخطط السياسية لها علاقة بالنسبة لمدى القسر والإذعان في المجتمع. (14) وقد ميز جرامسكي تمييزاً أساسياً بين الغرب الذي يوجد فيه إجماع واسع مبني على المجتمع المدني والشرق الذي تسيطر عليه الدولة على المجتمع وحيث القسر أكثر أهمية من الإجماع. وفي حديثة الخاص بروسيا يجادل جرامسكي قائلاً:
        كانت الدولة هي كل شيء، فالمجتمع المدني كان بدائياً وهلامياً وفي الغرب
        كان هناك علاقة سليمة بين الدولة والمجتمع المدني وعندما يهتز كيان الدولة
        يظهر حالاً بناء قوي للمجتمع لمدين، فالدولة كانت خندقا خارجياً يقف خلفه
        نظام قوي من الحصون والسدود. (15)
وحيثما يكون المجتمع المدني متخلفاً نسبياً بالمقارنة مع الدولة فإن القسر السياسي على الأفراد يكون هو القاعدة لحكم الطبقة أكثر من القبول الإيديولوجي الذي يميز المؤسسات البورجوازية للرأسمالية الغربية.
        وفي الوقت الذي نجد فيه نظرية الحرية السياسية تختلف جوهرياً في مظهرها الخارجي واستنتاجاتها فهي تطرح غالباً التناقض بين الشرق والغرب في مسألة القسر/الإقرار باستخدام المصطلحات نفسها وبخاصة بطريقة الضمانات والموازين الدستورية. وقد ميز مونتسيكو Montesquieu في كتابه "روح القانون" الذي كتبه عام 1748م بين الجمهوريات وبين الحكم الفردي وبين الحكم الاستبدادي بخصوص مبادئهم الهادية لهم التي كانت هي الفضيلة والشرف والخوف. (16)   والاختلافات الأساسية بين الحكم الفردي والحكم الاستبدادي هي:
1-    بينما يركز حكم الفرد على عدم المساواة في الطبقة الاجتماعية يتساوى الناس في الحم الاستبدادي في العبودية حيث تخضع جماهير الشعب لإرادة الحكام القسرية؛
2-    يتبع الحاكم في الحكم الفردي العادات والقوانين بينما يسيطر الحاكم المستبد وفقاً لهواه.
3-    لا يوجد في الحكم الاستبدادي مؤسسات اجتماعية وسيطة تربط بين الفرد والدولة.
       وقد اهتم مونتسيكو في كتاب سابق له عنوانه" نظرات في أسباب عظمة الرومان وانهيارهم" بمشكلة المركزية في الإمبراطورية الرومانية، وتحول الجمهوريات إلى ممالك فردية (17)
وقد أصبح مونتسيكو نتيجة تأثره العميق بلوك Locke والتاريخ الدستوري البريطاني يرى أن تقسيم السلطة المركزية يشكلان ضمانات أساسية للحقوق السياسية، وقد سمح له كتابه "رسائل فارسية"(18) أن يكتب مراجعة نقدية للمجتمع الفرنسي من خلال عيون ملاحظ شرقي. ولم يكن بالتالي واضحاً إذا ما كان تعريف مونتسيكو واعتراضاته على الحكومة الاستبدادية الشرقية موجهة حقيقة ضد السياسـة الفرنسية وبخاصة ضد الحكم الفردي المطلق. (19)
        وجاءت نظرة إميل دوركايم Emil Durkheim الذي كتب أطروحته باللاتينية حول مونتسيكو وروسو Rousseau ونشرت عام 1892 لترى أن مشكلة الحياة السياسية الحديثة ليست في تأثير تقسيم العمل بناء على العواطف العامة ولكن في غياب المؤسسات المنظمة بين الفرد والدولة. وقد أسهم كل من انحدار الكنيسة وضعف مؤسسة العائلة وفقدان الروابط الاجتماعية المهمة التي حمت الفرد من الدولة. وخلافاً لهربرت سبنسر Herbert Spencer لم يعتقد دوركايم أن توسيع مهمات الدولة في المجتمع المعاصر كانت السبب في الاستبدادية السياسية. وقد عرف دوركايم في كتابه" قانون لنشأة الجزاء" الاستبدادية في العبارات الآتية:
    إنما يجعل القوة المركزية أكثر أو أقل استبداداً هو زيادة أو نقص الغياب
 المتطرف لأي قوة موازية منظمة بانتظام بهدف جعلها متوسطة وبالتالي نستطيع
أن نتنبأ بأن ما ينتج قوة من هذا النوع هو التركيز الكلي الأكثر أو الأقل لكل
مهمات المجتمع المسيطرة عليه في يد واحدة. (20)

وبينما لا يستخدم دوركايم بصفة خاصة المصطلح على ضوء إشارته إلى أهمية القوى المتوازية فليس من غير الشرعي أو غير المناسب أن نقترح بأن مناقشة دوركايم تقتضي أن ضعف المجتمع المدني تقع بين الفرد والدولة إنما هي شرط للاستبدادية السياسية.
لا يمكن فهم التقاليد الفرنسية في علم الاجتماع السياسي فهماً مناسباً من مونتسيكو إلى دوركايم دون مراعاة النظر إلى الحوار الذي ظهر في فرنسا حول طبيعة " الحكم الاستبدادي" أو " السلطة المطلقة المتنورة" وإن ما نشير إليه على أنه الاستبداد المتنور أو السلطة المطلقة المتنورة ظهر أولاً كقضية فكرية وسياسية في فرنسا عام 1760 جزئياً نتيجة لتعاليم الفيزيوقراطيين (21) وكان المصطلح المفضل لدي الفيزيوقراطيين هو الاستبداد الحرفي والاستعباد الشرعي. وهكذا قدم-مثلاً-تي جي دانيال T.G. Daniel تعريفاً للحكومة الطبيعية بأنها " الحكومة الأكثر سعادة هي ذات الموقف العادي والواضح." وذلك في تاريخه الذي كتبه حول التجارة مع الهند الغربية والشرعية. وقد التزم الفيزيوقراطيين في كتاباتهم الاقتصادية بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الاقتصادية، وذلك لتحرير الاقتصاد والفرد من القيود غير الطبيعية التي قيدت كل من الجودة والإنتاج الاقتصادي. ومع ذلك لم يكن المجتمع حراً من مثل هذه القيود غير الطبيعية، وكان من الضروري حدوث تغيرات متطرفة من قبل الاستبداد الحرف. وقد رأى الفيزيوقراطيين أنه مما لا جدال فيه أن مثل هذا الحكم الاستبدادي سيكون في أيدي حكم وراثي فردي سيدفع جانباً الفوضى المصطنعة للماضي ويعيد النظام الطبيعي للحرية الفردية، فمن واجب الحاكم المستبد أن يُكره الناس على أن يكونوا أحراراً عن طريق سياسة تعليم عقلانية وعن طريق الإصلاح الاجتماعي.
لم يُثر الجدال حول مزايا(فضائل) أشكال الحكومات فقط بسبب الحكم المطلق في أواخر القرن الثامن عشر ولكن سبب ظهور الاستعمار في القرن التاسع عشر أيضاً. أجبر الإداريون الاستعماريون على اتخاذ قرارات حول قضايا في السيطرة الاستعمارية على المستعمرات الجديدة. وفي سياق مناقشة المستعمرات يبدون استخدما راينال Raynal لفكرة الحكومة الاستبدادية المشروعة مثيراً للانتباه وكانت النقاشات الهادفة حول التنظيم السياسي قد قامت كذلك في سياق تعد الحكومة البريطانية من قبل الأرستقراطية الوراثية بلغة الحكومة الاستعمارية في الهند. كان القائلون بالمذهب النفعي مهتمين بمشكلة الطبقة العاملة، والحكومة البريطانية في بريطانيا وفي حكومة المواطنين الهنود (22) وهكذا كان لكتاب جيمس بيل James Mill"تاريخ الهند البريطانية" مهتماً بصفة خاصة بمسألة الحكومة الاستبدادية الوطنية والإصلاح الحكومي وقد لاحظ:
كانت الحكومة عند الهندوس وفقاً للنموذج الأسيوي فردية، ومع الاستثناء
المعتاد وهو الدين وقساوسته فإنها مطلقة، ولم يكن وصل إلى فكر الهنود
أو مشرّعيهم أي فكرة عن نظام للحكم يختلف عن الحكم الخاضع لإرادة
شخص واحد. (23)
وكان ميل يرى بوجود فجوة اجتماعية بين التقليدي الذي يحتضن بالكلية حياة القرية الهندية وخارجها والعالم العام للممالك. ذلك أن التدمير المستمر للممالك تناقض مع العزلة الاجتماعية والركود في القرية الهندية. وكان الحل السياسي الرئيس لهذه الحكم الاستبدادي الراكد هو جرعة من الاستبداد الحرفي وهذا يعني حكومة مركزية قوية وقوانين رحيمة خيّرة وإدارة محدّثة وإعادة توزيع حقوق ملكية الأراضي. وقد تبع جيمس مل مم طريقة والده في النقاش حول كل من الإصلاح السياسي في بريطانيا والحكومة الاستعمارية. وكان خوف جون ستيوارت ميل الأساس منصباً على تأثير حكومة الأغلبية في الديموقراطيات الشعبية على حياة الأفراد المتعلمين والحساسين ووعيهم. وقد تأكد هذا الخوف تأكداً عظيماً بالجوانب الأكثر تشاؤماً من تحليل ألكسيس دو توكفيلAlexis de Tocuelville للمؤسسات السياسية الأمريكية في كتابه " الديموقراطية في أمريكا" والذي قرأه ميل عام 1835(24) وبناء على رأي دو توكفيل فإن حكم الأغلبية المبني على حق الانتخاب العالمي يمكن أن ينتج إجماعاً عقيماً والذي كان ضاراً بالفردية وحقوقها. وسيكون الرقيب الوحيد على الحكم الاستبدادي في الأغلبية وجود روابط قوية طوعية (وهذا يعني المجتمع لمدني) يحمي الفرد من سيطرة الأغلبية وتحرس المصالح لمختلفة والثقافة. وما لم تتوفر الضمانات فإن الديموقراطية سينتج في بريطانيا العقم نفسه الذي أتت به التقاليد في آسيا وهذا يعني الركود. وقد كانت مخاوف ميل بالتالي هي:
                                                                         
ليس من الحرية العظيمة ولكن الخضوع الجاهز جداً؛ وليس من الفوضى
ولكن الذل، وليس من التغير السريع جداً ولكن من الركود الصيني. (25)
وكان الخيار في حالك الحكم الاستعماري بين نوعين من الحكم الاستبدادي الوطني أو الإمبريالي. وقد كان الاستبداد الوطني اعتباطياً دائماً وغير فعّال بينما كان الاستبداد المتنور من "شعب أكثر تحضراً على أراضيهم ثابتاً ومنتظماً وفعّالاّ في تشجيع الإصلاح الاجتماعي والتقدم السياسي.
لقد كان كل من جون ستيوارت ميل(1806-1873) وكارل ماركس Karl Marx(1818-1883) متعاصرين وقد تأثرا في نظرتيهما للمجتمع الأسيوي بأحداث معاصرة متشابهة. وأدلة وثائقية متشابهة أيضاً. وليس مدهشاً بالتالي أن نجدهما في بعض لفرضيات حول المجتمع الأسيوي بالرغم من النظرات التقويمية المختلفة وتوقعات الحكم البريطاني في الهند. ففي الوقت الذي كان فيه مفهوم ماركس للنموذج الأسيوي مبنياً أساساً على البناء الاقتصادي وخطواته (أو غياب ذلك) فالنموذج الأسيوي هو أيضاً صورة من الفكرة السياسية المألوفة عن "الاستبداد الشرقي" وقد تميز المجتمع الشرقي في كتابات ماركس الصحافية بتغيرات سياسية لا تنتهي في الأسر الحاكمة وبالجمود الاقتصادي الكلي. ولم يوفر التوزيع الوراثي أي تغير بنائي لأن ملكية الأرض ظلت في أيدي أسياد الأرض. وأكد ماركس مثله في ذلك مثل جيمس ميل على ركود حياة القرية بناء على اكتفائها الذاتي. فلم يوجد المجتمع المدني بين الفرد والحاكم المستبد ولا بين القرية والدولة وذلك لغياب المدن المستقلة والطبقات الاجتماعية عن النظام الاجتماعي.
وفي حين اعترف ويبر Weber بأنه مدين لتحليل ماركس لحياة القرية الهندية في كتابه "دين الهند"(26) فإن دراسات ويبر التفصيلية المتعددة للنماذج السياسية –المؤسساتية الوطنية-تركز أكثر على مشكلة التنظيم العسكري أكثر منها على الأسس الاقتصادية للحياة السياسية. وفي الحقيقة من الممكن رؤية الدراسات الاجتماعية التي أعدها وبر Weber بصفتها تحليل للروابط العلائقية بين ملكية الدولة وسائل الإنتاج ووسائل العنف. وقد وضع بالتالي سلسلة متصلة مجردة بين حالة الفرسان الذين يملكون سلاحهم ويقدمون خدمات عسكرية لأحد السادة تحت سيطرة سيد ما، وسياق آخر تكون فيه وسائل العنف مركزية تحت سيطرة سيد كنسي. وقد اعترف وبر نظرياً بندرة وجود هذه "الأنواع الخالصة" في مثل هذه الأشكال المبسطة، ولكن التناقض مهم في تحليل وبر للتوتر بين الإجراءات المركزية واللامركزية في الإمبراطوريات السياسية.
وفي الإقطاع حيث يمتلك الفرسان حقوقاً موروثة للأرض ويمولون أنفسهم بالسلاح نجد ضغوطاً سياسية قوية تجاه المحلية وظهور الممالك الصغيرة المستقلة ذاتياً. وهكذا يكون الصراع السياسي الحاسم في الإقطاع داخلياً ضمن الطبقة المسيطرة وليس بين السادة وللخدم وذلك أن المسألة الحاسمة هي المحافظة على السيطرة السياسية لملوك الإقطاع على ملاّك الأراضي الذين يطلبون حصانات إقطاعية واسعة من سيدهم. وتوجد طريقة في النظام الكنسي للسيطرة على الفرسان الأرستقراطيين وفقاً للإقطاع أو الحقوق الكنسية في الأرض وهي استخدام الجيوش المكونة من العبيد أو المرتزقة وليس لمثل هذه الجيوش أي ارتباط بالمجتمع المدني-فهم عادة غرباء وعزّاب أو خصيان وليس لهم انتماء قبلي. وهكذا ليس لجيوش العبيد أي مصالح محلية في المجتمع المدني، وهم رسمياً، على الأقل –معتمدون كلياً على السيد الكنسي. وكما أشار وبر أن النظام الكنسي لا يمكن أن يستمر ما لم يكن السيد الحاكم يتمتع بالاستقرار ولديه سيولة نقدية أو الإمكانية لاستخدام مصادر أخرى للإنفاق على جيوشه. وتعاني الإمبراطوريات الكنسية من أزمتين دائمتين:
1-    ثورات يقوم بها جيوش العبيد و
2-    عدم الاستقرار في الوراثة السياسية. وفي حين لا يستخدم وبر التمييز الإقطاعي/الكنسي كتصنيف ضروري للتفريق بين الشرق والغرب إلاّ أنه ينظر إلى عدم الاستقرار الكنسي أو السلطات كمشكلة أساسية في المجتمع الشرقي وبخاصة في تركيا.
       وجد الحوار حول الإمبراطوريات الشرقية في الفكر الاجتماعي الغربي التعبير الكلاسيكي عنه في القرن العشرين في كتاب كاري وتفوجلKarl Witfogel"الحكومة الاستبدادية الشرقية"(27) وقد وضع عنواناً فرعياًً لهذا الكتاب بصورة تقليدية: دراسة مقارنة للسلطة المطلقة" قدم فيه وتفوجل أساساً تقريراً فنياً حول الإمبراطوريات الشرقية. وكان جفاف الطقس هو الباعث على ظهور النظام المائي الذي يمكن تنظيمه على أساس القوة السياسية المركزية. ويمكن حل صعوبات الإدارة المائية على أساس البيروقراطية ونظام العبودية العام والحكم المركزي. وقد أجبرت الحكومة المائية على إلغاء كل المجموعات الاجتماعية التوازنية في مجتمع يمكن أن يهدد قوتها الكلية. وتضم هذه "القوى غير الحكومية" مجموعات الأقارب والمنظمات الدينية المستقلة والمجموعات العسكرية المستقلة ذاتياً، ومالكي الصور البديلة من الملكية. (28) وهكذا مثّلت الحكومات الاستبدادية الشرقية انتصار الدولة على المجتمع. ورأى وتفوجل أن غياب المجتمع المدني في الإمبراطوريات المائية بصفته قاعدة أساسية للسلطة المطلقة. وكانت الحكومة المطلقة في أوروبا تواجه قوى توازنية في المجتمع المدني:
    لا يقتضي غياب الرقابة الدستورية الرسمية بالضرورة غياب القوى المجتمعية
    ذات المصالح والمقاصد التي على الحكومة أن تخدمها. وقد أصبحت الأنظمـة
    المطلقة في معظم دول أوروبا في فترة ما بعد الإقطاع مقيدة إلى حد كبــير
    بالدستور الرسمي بقدر ما هي مقيدة بالقوة الفعلية لكل من نبـــلاء الأرض
  والكنيسة والمدن. وفي الحكومات الأوروبية المطلقة جميعها نظّمت هذه القوى
  غير الحكومية سياسياً وتم ربط بعضها ببعض. وهكذا اختلفوا اختلافاً عميـقاً
  عن ممثلي ملاكي الأراضي والمهن الدينية أو المدنية في المجتمع المائي.(29)
      ومع أن فكرة غياب المجتمع المدني في الحكم الاستبدادي الشرقي قد وضعت بالإِشارة إلى آسيا ككل ولعبت دوراً رئيسيا بصفة خاصة في تحليل المجتمعات الإسلامية؛ وهذا مظهر جوهري في المعرفة الاستشراقية. وبالإضافة إلى ذلك فإن مسألة فقدان المجتمع المدني سيطرته على التقسيم السياسي والفكري في الغرب مقدماً إطاراً عاماً للماركسيين ولعلماء الاجتماع. فقد لاحظ ماركس وإنجلز Engels في مقالتهما لصحيفة نيويورك تربيون اليوميةNew York Daily Tribune بأن غياب الملكية الخاصة في الأرض ومركز السلطة في الدولة قد حالت دون ظهور طبقة برجوازية قوية. وعنت سيطرة البيروقراطية وعدم الاستقرار في المجتمعات المدنية ما يأتي:
-      فقدان أول شرط أساسي للملكية البورجوازية أمر الفرد وملكية التاجر(30) وقد تبنى ماركس وبر ي كتابه "علم اجتماع الدين" موقفاً شبيهاً حيث اقترح فيه أن تأثير التوسع الإسلامي كان تحويل الإسلام إلى "دين قومي عربي محارب" وكانت النتيجة هي أن الروحة المسيطرة في الإسلام يتأصل فيها ازدراء السلطة المطلقة البورجوازية التجارية وتعدها طمعاً دنيئاً وعلى أنها معادية لها عداءً خاصاً. (31)
      وقد ناقش التفسير الاجتماعي الغربي المجتمعات الإسلامية على أنه بسبب غياب "روح الرأسمالية" في الطبقة الوسطى كانت السيطرة على التجارة في معظم المجتمعات الإسلامية تاريخياً من قبل الأقليات (اليونان والهنود والأرمن والسلاف) وقد واصلت الدراسات الاجتماعية الحديثة للإسلام هذا التقليد باقتراح أن غياب روح الالتزام ودوافع الإنجاز مرتبطة بالطبيعة المتخلفة للطبقة الوسطى في الإسلام. (32)
وقد ارتبط غياب المجتمع المدني وضعف الثقافة البرجوازية بالنسبة لجهاز الدولة في الإشكالية الاستشراقية ليس فقط في الاقتصادي ولكن بالحكم الاستبدادي السياسي أيضاً. ولعلماء السياسة وجهة نظر عامة مشتركة ترى بأنه ليس ثمة تقليد ثابت للمعارضة  القانونية للحكومة الفوضوية في الإسلام لأن فكرة الحقوق السياسية والاتصال الاجتماعي ليس له ما يؤيده في الطبقة الوسطى المستقلة.(33) ومع ذلك فإن أطروحة المستشرقين حول غياب المجتمع المدني قد امتدت إلى أبعد من منطقة الاقتصاديات والسياسيات. وقد عولجت الثقافة الإسلامية العلمية والفنية على أساس احتكار الديوان الإمبريالي الذي تبنى داخل حدود المدينة إلحاح الثقافة العقلانية في مقابل دين الجماهير. وقد كان اتحاد العلوم والصناعة إحدى الصفات المميزة للطبقة الوسطى الإنجليزية البروتستانتية في القرن التاسع عشر غائباً بوضوح في الثقافة الإسلامية. وهكذا اقترح ارنست رينان Ernest Renan في تعليق نصف شهري حول الإسلام والعلوم بأن " المسلم يزدري بعمق التدريب والتعليم بل أي شيء تتكون منه الروح الأوروبية."(34)
وبالنسبة لرينان فإن العلم لا يمكن أن يزدهر في الإسلام إلاّ إذا كان مرتبطاً بالهرطقة. ومع ذلك فإن آراء رينان المتعصبة جداً نادراً ما وجدت ما يفصلها بشكل واضح في الدراسات الاستشراقية المعاصرة إلاّ أن الموقف الخاص برعاية النخبة للفنون والعلوم في غياب الطبقة المتوسطة يعاد تكراره دائماً. وهذا المنظور عادة ما يُربط مع الكفرة التي مفادها أن العوم في الإسلام كانت طفيلية على الثقافة اليونانية وأن الإسلام كان ببساطة عربة نقلت عليها الفلسفة اليونانية إلى أوروبا في عصر النهضة. (35) فالعيوب في المجتمع الإسلامي وفي السياسة وفي الاقتصاد وفي الثقافة في نظر الاستشراق تكمن في غياب المجتمع المدني.




السيرة النبوية والتاريخ الاسلامي في كتابات المستشرقين

    
   

     يبدأ تاريخ الأمة الاسلامية بالسيرة النبوية الشريفة، فهي أول تطبيق عملي للدين الاسلامي عقيدة وشريعة وأخلاقاً وسلوكاً. ولا بد للمسلمين أن يعتنوا بسيرة نبيهم الكريم صلى الله عليه وسلم. وهم قد فعلوا ذلك فلم تكتب سيرة نبي مرسل ولا ملك ولا عظيم قوم كما كتبت سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فمعظم أحداثها تجدها في كتب الحديث الشريف الذي نال من عناية العلماء مالم تعرفه أمة من الأمم قبل الأمة الاسلامية ولا بعدها. وبالإضافة الى ذلك فإن كتاب الله عز وجل قد أورد كثيراً من وقائع السيرة النبوية بالتفصيل وأضاف الى ذلك بعض اللمحات عن الحالة النفسية للرسول صلى الله عليه وسلم مما لا يمكن لأحد علمه الا سبحانه الذي يعلم السر وأخفى.
    وتوالت الكتابات في السيرة النبوية الشريفة وتسابق العلماء لينالوا هذا الشرف. ولما بدأ النصارى الاهتمام بالإسلام كان من أول ما فعلوه بعد ترجمة معاني القرآن الكريم الكتابة في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم. فظهرت الكثير من الكتابات، وكانت في البداية غاية في الوقاحة وسوء الأدب مما نكف قلمنا عن الكتابة فيها. وقد جاء من المستشرقين المعاصرين من انتقد أسلافهم في ذلك؛ ومن هؤلاء المستشرق ريتشارد سوذرن في كتابه (صورة الاسلام في العصور الوسطى) وكذلك كتاب نومان دانيال (الاسلام والغرب)
     وقد تناولت كتابة المستشرقين سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم من ثلاثة محاور:
أولا: شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وأخلاقه.
ثانيا: أحداث السيرة في العهد المكي والعهد المدني.
ثالثا: تفسير أحداث السيرة.
   وفي هذه المحاور الثلاث تعددت الأخطاء المنهجية في الكتابات الاستشراقية، وقد تناول كثير من العلماء المسلمين المعاصرين الكتابات الاستشراقية بالنقد والتفنيد. ويمكن إجمال الأخطاء الاستشراقية فيما يأتي: التشكيك في أحداث السيرة النبوية دونما دليل أو لمواقف مسبقة فينطلق المستشرق بحثاً عن أي أثر من دليل ولو كان ضعيفاً أو موضوعاً ليؤيده مع عدم الاهتمام بما أثبته علماء الحديث المسلمون من أحداث. أما الخطأ الثاني فهو محاولة تفسير أحداث السيرة وفقا لأهوائهم أو لمواقف سلبية مسبقة. والخطأ الثالث النفي الكيفي لأحداث السيرة دونما دليل أو برهان
    ولو تركنا جانباً الكتابات الاستشراقية التي ظهرت في العصور الوسطى(الأوروبية) فأن الكتابات التي صدرت حديثاً ليست بأفضل حال من السابقة وإن قلت نسبة الفحش والبذاءة في الكتابات المعاصرة. ولعلهم تيقنوا أن القارئ المعاصر لا يقبل مثل هذه الكتابات. وهذه الكتابات السيئة لا تنفي مطلقاً وجود كتابات تتسم بشيء من الاعتدال والانصاف. وقد استطاع الباحثون المسلمون المعاصرون في ردودهم على المستشرقين الاستعانة بكتابات مستشرقين آخرين. ولكن مما يجب الحذر منه أن بعض المستشرقين -كما قال العلاّمة الندْوي- يذكر عشر محاسن حتى يقنعك باعتداله وإنصافه ثم يفتري فرية كبيرة على السيرة تنسبك كل ما ذكره من محاسن سابقة.          
    ومن الأسماء المشهورة في عالم الاستشراق جوستاف فيل الذي كتب (محمد وحياته ((1843) والمستشرق اليوس سبرنجر (1861) وتيودر نولدكه المستشرق الألماني الذي تخصص في دراسة القرآن الكريم فقد زعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم" كانت تنتابه نوبات عنيفة من الانفعال جعلته يظن انه تحت تأثير إلهي ويظن أنه يتلقى وحيا." (محمد عبد الله شرقاوي، الاستشراق ص 136) والمستشرق اليهودي صموئيل مرجليوت في كتابه (محمد وظهور الاسلام) والمستشرق وليام ميور والمستشرق ماكدونالد والمستشرق هاملتون جيب في
كتابه:(المحمدية) الذي أعاد طبعه بعنوان(الاسلام)، والمستشرق مونتجمري وات في كتبه "محمد في مكة" و"محمد في المدينة" و"محمد رجل الدولة". وفيليب حتّي اللبناني الذي انتقل الى الولايات المتحدة الأمريكية وكتب باللغة الانجليزية زاعما أن المسلمين كتبوا سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم كما يرغبون أن تظهر هذه السيرة وليس كما هي في الحقيقة والواقع. :"وخلعوا على مؤسس ديانتهم وباني مجدهم كثيراً من التبجيل والتعظيم، ووضعوا لذلك أحاديث ونحلوه أفعالاً ليس له."(الشرقاوي، ص143)
   ولابد من ذكر المستشرق البلجيكي المتعصب جداً هنري لامانس فقد أنفق حياته للطعن في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وكان حجة لغيره من المستشرقين في انهم يجعلوه هدفاً لنقدهم فيقولون: انظروا ما فعل لامانس نحن لم نقل مثله ولا ربعه 000. وقد كتب عنه المستشرق الفرنسي الشيوعي ماكسيم رودنسون قائلا:" وقد كان هنري لامانس ممتلئا بالاحتقار الرهيب للإسلام ولمجده "الزائف" ولرسوله"الفاسق" "الداعر" ولعرب الصحراء الذين كانون في تقديره جبناء متبجحين بهبة مخربين."(الشرقاوي ص146-147)
    التاريخ الاسلامي في نظر المستشرقين
    وكما درس المستشرقون السيرة النبوية فقد كتبوا حول التاريخ الاسلامي في جميع عصوره حتى الوقت الحاضر. وقد خصوا عصر الخلافة الراشدة بكثير من افتراءاتهم لأنهم رأوا إذا كان طعنهم في السيرة غير كاف فهذه الفترة التي شهدت أفضل تطبيق للإسلام كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) كما شهدت هذه الفترة انتشار الفتوحات الاسلامية.
      وقد تركزت كتابات بعضهم على الطعن في شخصيات هؤلاء الصحابة الكرام، وفي ظنهم أنهم إذا شككوا في هؤلاء الذين نقلوا الاسلام الينا فإنهم بزعمهم يهدمون هذا الدين. وكانت أولى افتراءاتهم ان الوضع في الحديث الشريف قد بدأ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام:" من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).
    وزعم بعض المستشرقين أنه ما أن لحق الرسول عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى حتى تآمر ثلاثة من الصحابة على اقتسام السلطة وتوارثها. وقد كتب هذا المستشرق توماس آرنولد المشهور عند كثير من المسلمين باعتداله في كتابه (الخلافة) ونسبه الى المستشرق الايطالي كايتياني ووصفه بانه من أعظم المؤرخين المعاصرين(له) وشكك المستشرق برنارد لويس بصحة الاسلام الأنصار وطمعهم في الخلافة.
    وعندما تحدث هؤلاء المتعصبون عن الفتوحات الاسلامية حاولوا تفسيرها انطلاقا من تاريخهم الاوروبي ونظرتهم المادية للأمور. فقد كانت الفتوحات في نظرهم بحثاً عن الغنائم والمكاسب المادية. كما وصفها مستشرق آخر بأنها كانت آخر موجات الهجرة من جزيرة العرب التي عرفت مثل هذه الهجرات في السابق حينما تضيق مواردها.
    ولا يكلف المستشرق نفسه البحث في حقيقة دوافع المسلمين في الفتوحات الاسلامية وهي نشر رسالة الاسلام الذي يدعو الى تحرير البشر من العبودية للإمبراطوريات السابقة بل من كل أنواع العبوديات، وفتح الطريق أمام دعوة الله عز وجل. وقد أثبت الفتوحات نفسها مدى بعد الغالبية العظمى من الجيش الاسلامي عن الطمع في الغنائم. وهذا جندي ينقل كنوز كسرى الى المدينة المنورة فيسلمها كما هي فيتعجب عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أمانته، فيقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:" عففت فعفت الرعية، ولو رتعت لرتعوا" وكان جنود المسلمين " رهباناً بالليل فرساناً بالنهار" كما وصفهم أحد جنود الأعداء.
     وقد شكك المستشرقون في الجانب الإيماني الغيبي في الفتوحات فزعموا ان الدولتين الفارسية والرومانية كانتا على درجة كبيرة من الضعف وان جيش المسلمين كان يملك من القوة والعتاد ما يماثل جيوش هاتين الدولتين، بالإضافة الى معرفة العرب بالصحراء ودروبها. وكم هو جاهل هذا المستشرق الذي لم تقنعه كل الروايات التاريخية عن عدد جنود الجيشين الرومي والفارسي وقدرتهما العسكرية. أما المعرفة بالصحراء فما يقول في معركة القادسية في قلب فارس، او معركة الجسر أو معركة اليرموك، فمن كان يعرف البلاد أكثر، وهل هذه الأنهار تجري في الصحاري؟
      أما مراحل التاريخ الأخرى فقد كتب حولها المستشرقون كثيراً وقد اهتموا بالفرق الضالة المنحرفة فأكثروا من الكتابة عن الشيعة والاسماعيلية والحشاشين. وعد بعضهم المنافقين حزب المعارضة في دولة المدينة. ويتأسف أحدهم أنه لم يعثر على المصادر التي توضح له العبقرية السياسية والفكرية لزعيم فرقة الحشاشين، ويصفه بالبطل. كما كتبوا عن ثورة الزنج حتى ظهر من الحداثيين أتباع أدونيس من يربط نفسه بالقرامطة والزنج وغيرهم من رواد الفكر المنحرف في التاريخ الاسلامي.
   لا شك أن التاريخ الاسلامي ليس كله صفحة بيضاء نقية، فهو تاريخ بشر يصيبون ويخطئون أما أن ينسب إليهم ما لم يفعلوه او تلصق بهم تهماً باطلة أو تزيف نياتهم فيما عملوا فأمر لا يقبله العقل والمنطق، ولا تقبله الموضوعية التي يزعم المستشرقون أنهم روادها كما هم رواد البحث العلمي الموضوعي الذي يجب أن نتعلمه منهم.


الجمعة، 19 يناير 2018

الجزء الثالث من بحث الأستاذ بو قرين والخاتمة والمراجع

الشبهة السادسة:
ومن شبهاتهم أيضا أن بين السنة والقرآن تعارضا في الكثير كما يزعمون أن السنة تتعارض فيما بينها ويرتبون على ذلك النتيجة التي قدموا لها بأنه لا داعي للأخذ بالسنة أي بالأحاديث النبوية.‏

الرد على هذه الشبهة :   
 إن علماءنا الأفاضل وقفوا أمام شبهة التعارض المزعومة هذه  سواء كانت تعارضا مزعوما بين القرآن والحديث أو بين الأحاديث بعضها مع بعض ومن أمثلة التعارض الأول حسب زعمهم أي التعارض بين القرآن والسنة أن يأمر القرآن بقراءة ما تيسر من القرآن في الصلاة في قوله ( فاقرأوا ما تيسر من القرآن )‏ ثم يقول الحديث النبوي : "‏ لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب "‏ ‏ فنقول ببساطة شديدة أن هذا الأمر لا يمكن أن يكون تعارضا أبدآ و لكنه تخصيص للعام و هذا الأمر من بديهيات علوم الشريعة فأمر القرآن عام خصصته السنة النبوية ومثله قول القرآن (‏ وأحل الله البيع وحرم الربا )‏ فهو عام في كل أنواع البيع لكن يجئ الحديث النبوي ليخصص أنواعا بعينها بطريقة بعينها في البيع فيقول :‏ "‏ الذهب بالذهب مثلا بمثل ويدا بيد والفضل ربا إلخ "‏ ولا تعارض لأن السنة وهى البيان التفصيلي لما يجمل في القرآن كما تصرح الآية (‏ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم )‏ .‏  
ومن النوع الثاني ‏ أي تعارض حديث مع حديث  ما روى عن استحباب الوضوء بعد الأكل من طعام مسته النار مثل :‏ من أكل لحم جزور فليتوضأ وتوضأوا فيما مست النار ثم جاء الحديث الآخر  كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ترك الوضوء مما مست النار  فلا تعارض هنا  ولكن الحديث الأخير غير الحكم في الحديث الذي سبقه فهو ما يسميه علماء الحديث النسخ أي تغيير المتأخر للحكم المتقدم ولا تعارض فيه ‏     
ومسائل كثيرة قد تحدث شبهة كاستثناء الخاص من العام كقوله تعالى (‏ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا )‏ ثم يأتي الحديث ليقيد حج النساء باشتراط أن يكون مع المرأة محرم "‏ لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها "‏ فهذا استثناء للخاص من العام وأيضا لا تعارض فيه .‏
فهذه المسائل وغيرها قد عنى بدراستها وتوضيح ما يصنع الشبهة فيها عنى بها علماء السنة وأفردوا لها التصانيف المختلفة التي حولتها من مواطن اشتباه أو مآخذ كما يتلمس الكارهون إلى حيث أصبحت جميعها مصدر سعة وثراء ورفع للحرج عن الإنسان في التشريع الإسلامي يحسب له ولا يعاب عليه.



الشبهة السابعة   :
إن حَمَلَةَ السنة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم كانوا جنودا للسلاطين والملوك في العصر الأموي والعباسي فكانوا يضعون لهم من الأحاديث ما يوافق رغباتهم ويثبت ملكهم.

الرد على هذه الشبهة :   
ولقد أجاب الدكتور مصطفى السباعي على هذا الزعم الباطل في كتابه مكانة السنة في التشريع الإسلامي فقال: "إن أعداء الإسلام من غلاة الشيعة والمستشرقين ودعاة الإلحاد لم يصلوا ولن يصلوا إلى مدى السمو الذي يتصف به رواة السنة من الترفع عن الكذب حتى في حياتهم العادية بل ولن يصل أعداء الإسلام إلى مبلغ الخوف الذي استقر في نفوسهم بجنب الله خشية ورهبة، ولا مدى استنكارهم لجريمة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال منهم من قال بكفر من يفعل ذلك وقَتْلِهِ وعدم قبول توبته إن أعداء الإسلام معذورون إذ لم يفهموا عن علمائنا هذه الخصائص لأنه لا يوجد لها ظل في نفوسهم ولا فيمن حولهم، ومن اعتاد الكذب ظن في الناس أنهم أكذب منه واللص يظن الناس لصوصا مثله وإلا فمن الذي يقول في قوم جاهروا بالإنكار على بعض ولاتهم لأنهم خالفوا بعض أحكام السنة وتعرض بعضهم للضرب والإهانة والتنكيل في سبيل الجهر بكلمة الحق من يقول: إن هؤلاء استباحوا لأنفسهم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضيفوا إلى سنته أحكاما لم يقلها".ا هـ
نعم إن قوما لم يحابوا في حكمهم على الرجال أحدا لا أبا ولا ابنا ولا أخا ولا صديقا ولا شيخا إن ذلك لَعُنوَانُ صدق ديانتهم ونزاهتهم وأمانتهم وعنوان إجلال الحفاظ للسنة النبوية الشريفة وأنها عندهم أغلى من الآباء والأجداد والأولاد والأحفاد فكانوا مضرب المثل في الصدق والتقوى والأمانة.
وهاك أمثلةً على نزاهتهم في حكمهم على الرجال :
1- المُجَرِّحُونَ لآبائهم:
الإمام علي بن المديني سئل عن أبيه فقال: "سلوا عنه غيري" فأعادوا المسألة، فأطرق ثم رفع رأسه فقال: "هُوَ الدِّينُ، إِنَّهُ ضَعِيفٌ".
2- المجرحون لأبنائهم:
الإمام أبو داود السجستان
ي "صاحب السنن" قال: "ابني عبد الله كذاب". ونحوه قول الذهبي في ولده أبي هريرة: "إنه حفظ القرآن، ثم تشاغل عنه حتى نسيه".
3- المجرحون لإخوانهم:
زيد بن أبي أنيسة قال: "لا تأخذوا عن أخي يحيى المذكور بالكذب".
4- المجرحون لأصهارهم وأختانهم:
شعبة بن الحجاج قال: "لو حابيت أحدا لحابيت هشام بن حسان كان خَتَنِي، ولم يكن يحفظ".
5- المجرحون لبعض أقاربهم:
أبو عروبة الحراني: "قال الذهبي في ترجمة الحسين بن أبي السري العسقلاني: "قال أبو عروبة: هو خال أمي، وهو كذاب".
6- ومن الذين لم يحابوا مشايخهم:
روى الإمام ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن مهدي قال: "اختلفوا يوما عند شعبة، فقالوا: اجعل بيننا وبينك حكما فقال: قد رضيت بالأحول يعني: يحيى بن سعيد القطان، فما برحنا حتى جاء يحيى فتحاكموا إليه فقضى على شعبة وهو شيخه ومنه تعلم وبه تخرج، فقال له شعبة: ومن يطيق نقدك - أو من له مثل نقدك - يا أحول؟!
قال ابن أبي حاتم:
هذه غاية المنزلة ليحيى بن سعيد القطان إذ اختاره شيخه شعبة من بين أهل العلم، ثم بلغ من عدالته بنفسه وصلابته في دينه أن قضى على شعبة شيخه ومعلمه".
وبلغ من نزاهة أئمة الحديث أنهم كانوا لا يقبلون شفاعة إخوانهم للسكوت عمن يرون جرحه وكيف يرتضون تلك الواسطة وهم الذين طعنوا في أبنائهم وآبائهم وإخوانهم لما رأوا منهم ما يستوجب القدح.
أما عن موقف الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة الإسلام من ملوكهم وأمرائهم فالنماذج المشرفة الدالة على ذلك كثيرة فمنها على سبيل المثال لا الحصر موقف أبي سعيد الخدري من مروان والي المدينة، وموقـف ابن عمر من الحجاج وموقف الإمام الزهري مع هشـام بن عبد الملك الأموي  وغيرهم الكثير و الكثير .

الشبهة الثامنة :

وهذه الشبهة هي  إختلاف المحدثين في التوثيق والتضعيف .

لقد اعتبر الطاعنون اختلاف علماء الحديث في توثيق الرجال وتضعيفهم مطعنا في منهجهم، ويلزم من ذلك أن يوثقوا من لا يستحق التوثيق، ويضعفوا من لا يستحق التضعيف، وينتج عنه تصحيح أحاديث لم تبلغ درجة الصحة، ولذلك حكموا على كثير من الأحاديث بالصحة وهي ليست كذلك.

الرد على هذه الشبهة :
ما وضعه علماء الحديث من قواعد وأصول ثابتة لتوثيق الرواة وتضعيفهم ينفي ما قالوا، ولم ينطلقوا رحمهم الله في تعديل الرواة وتجريحهم من هوى، وإنما كانوا يفعلون ذلك حسبة لله وتدينا، ولذلك كثر قولهم: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".
ولقد قام علم عظيم وضعت له القواعد وأسست له الأسس، وجعل مقياسا دقيقا ضبطت به أحوال الرواة من حيث التوثيق والتضعيف، ذلك "علم الجرح والتعديل" الذي لا نظير له عند أمة من الأمم.
والذي يطالع كتب علوم الحديث يقف مبهورا أمام هذا العلم فائقِ الدقة، البالغ الإحكام، الذي لا يمكن أن يكون وضع صدفة أو جاء عفوا، وإنما بذلت فيه جهود، وتعبت فيه أجسام، وسهرت فيه أعين حتى بلغ إلى قمة الحسن ومنتهى الجودة.
ونتناول من هذا العلم ثلاثة أسئلة يتضح من خلالها فساد هذا الزعم وبطلانه.
أولا: من هو الراوي الذي يقبل حديثه؟.
ثانيا: كيف يوثق؟.
ثالثا: إذا تعارض فيه توثيق وتضعيف، ما العمل إذا؟ وما الذي أدى إلى ذلك؟.
والجواب على هذه الأسئلة:
أولا: لقد نص علماء الحديث على صفات معينة متى توفرت تلك الصفات في شخص معين قبلت روايته واحتج بحديثه.
قال ابن الصلاح - رحمه الله: "وأجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلا ضابطا لما يرويه. وتفصيله أن يكون مسلما بالغا عاقلا، سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظا غير مغفل، حافظا إن حدث من حفظه، ضابطا لكتابه إن حدث من كتابه. وإن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالما بما يحيل المعاني".
فهذا هو الثقة الذي تقبل روايته وهو الذي جمع بين شرطي العدالة والضبط. ثانيا: يوثق الراوي إذا ثبتت عدالته بالاستفاضة، أو باشتهاره بين أهل العلم بالثناء والخير، أو بتعديل عالم أو أكثر، وثبت ضبطه بموافقة روايته للثقات المتقنين في الغالب.
ويقبل تعديل الراوي ولو لم يذكر سببه وذلك لكثرة أسباب التعديل ومشقة ذكرها.
وأما جرحه فلا يقبل إلا إذا بين سببه؛ لأن الجرح يحصل بأمر واحد، ولا مشقة في ذكره، إضافة إلى اختلاف الناس في أسبابه.
ثالثا: إذا تعارض جرح وتعديل في راو معين قدم الجرح إذا كان مفسرا ولو زاد عدد المعدلين، وعلى ذلك جمهور العلماء؛ لأن مع الجارح زيادة علم خفيت عن المعدل، فالمعدل يخبر عن ظاهر حال الراوي، والمجروح يخبر عن أمر باطن، وهذا شرط مهم؛ فإنهم لم يقبلوا الجرح إذا تعارض مع التعديل إلا إذا كان مفسرا، وهذا ما استقر عليه الاصطلاح.
يقول الدكتور نور الدين عتر:
"لكن هذه القاعدة ليست على إطلاقها في تقديم الجرح، فقد وجدناهم يقدمون التعديل على الجرح في مواطن كثيرة، ويمكننا أن نقول: إن القاعدة مقيدة بالشروط الآتية:
1ـ أن يكون الجرح مفسرا، مستوفيا لسائر الشروط.
2ـ ألا يكون الجارح متعصبا على المجروح أو متعنتا في جرحه.
3ـ أن يبين المعدل أن الجرح مدفوع عن الراوي، ويثبت ذلك بالدليل الصحيح.
وهذا يدل على أن اختلاف ملحظ النقاد يؤدي إلى اختلافهم في الجرح والتعديل، لذلك قال الذهبي وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال: "لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة". وهذا؛ لأن الثقة إذا ضعف يكون ذلك بالنظر لسبب غير قادح، والضعيف إذا وثق يكون توثيقه من الأخذ بمجرد الظاهر.
وقال الحافظ ابن حجر: "والجرح مقدم على التعديل، وأطلق ذلك جماعة ولكن محله إن صدر مبينا من عارف بأسبابه؛ لأنه إن كان غير مفسر لم يقدم فيمن ثبتت عدالته، وإن صدر من غير عارف بالأسباب لم يعتبر به أيضا، فإن خلا المجروح عن تعديل قُبل الجرح فيه مجملا غير مبين السبب إذا صدر من عارف على المختار؛ لأنه إذا لم يكن فيه تعديل فهو في حيز المجهول، وإعمال قول المجروح أولى من إهماله".
كما أنه يجب أن يراعى عند الاختلاف حال المعدل والمجرح؛ لأن ذلك من القرائن التي يرجح بها عند الاختلاف في التوثيق والتضعيف.
قال الإمام الذهبي مبينا أقسام المتكلمين في الرجال من حيث التعنت والتوسط والاعتدال في الجرح والتعديل:
1ـ قسم منهم متعنت في الجرح، متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، ويلين بذلك حديثه، وهذا إذا وثق شخصا فعض على قوله بنواجذك، وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف رجلا فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه، فإن وافقه، ولم يوثق ذاك أحد من الحذاق، فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلا مفسرا، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلا: هو ضعيف، ولم يوضح سبب ضعفه، وغيره قد وثقه، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب. وابن معين وأبو حاتم والجوزجاني متعنتون.
2ـ وقسم في مقابلة هؤلاء، كأبي عيسى الترمذي، وأبي عبد الله الحاكم، وأبي بكر البيهقي: متساهلون.
3ـ وقسم كالبخاري، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة، وابن عدي: معتدلون منصفون.
وبعد فعلماء الحديث لم ينطلقوا في توثيقهم وتجريحهم، وتصحيحهم وتضعيفهم من خواء وتخبط، وإنما انطلقوا من قواعد متينة وأرض صلبة، في أحكامهم؛ ولذلك برزت هذه الأحكام إلى الوجود في منتهى الدقة، متفقة فيما بينها، متحدة لا شذوذ فيها، منسجمة لا تباين يعتريها، ويعجز كل دعي أن ينقد ما أصلوه بنقد علمي لا مطعن فيه، وبحكم لا قادح فيه.
وهذه شهادة أحد المستشرقين أنفسهم ينقلها الدكتور نورالدين عتر في هذه المسألة وهو (ليوبولد فايس) قال: "إننا نتخطى نطاق هذا الكتاب إذا نحن أسهبنا في الكلام على وجه التفصيل في الأسلوب الدقيق الذي كان المحدثون الأوائل يستعملونه للتثبت من صحة كل حديث، ويكفي من أجل ما نحن هنا بصدده أن نقول: إنه نشأ من ذلك علم تام الفروع، غايته الوحيدة البحث في معاني أحاديث الرسول، وشكلها، وطريقة روايتها.
ولقد استطاع هذا العلم في الناحية التاريخية أن يوجد سلسلة متماسكة لتراجم مفصلة لجميع الأشخاص الذين ذكروا عن أنهم رواة أو محدثون، إن تراجم هؤلاء الرجال والنساء قد خضعت لبحث دقيق من كل ناحية، ولم يعد منهم في الثقات إلا أولئك الذين كانت حياتهم وطريقة روايتهم للحديث تتفق تماما مع القواعد التي وضعها المحدثون، تلك القواعد التي تعتبر على أشد ما يمكن أن يكون من الدقة. فإذا اعترض أحد اليوم من أجل ذلك على صحة حديث بعينه أو على الحديث جملة، فإن عليه هو وحده أن يثبت ذلك".




الشبهة التاسعة :

 ومن شبهاتهم أيضآ أن نقد المحدثين إقتصر على نقد الإسناد ولم يشمل نقد المتون 

يقول غاستون ويت: "وقد درس رجال الحديث السنة بإتقان إلا أن تلك الدراسة كانت موجهة إلى السند ومعرفة الرجال والتقائهم وسماع بعضهم من بعض" ثم قال: "لقد نقل لنا الرواة حديث الرسول مشافهة ثم جَمَعَهُ الحُفَّاظ ودوَّنُوه إلا أن هؤلاء لم ينقدوا المتن لذلك لسنا متأكدين من أن الحديث قد وصلنا كما هو عن رسول الله من غير أن يضيف إليه الرواة شيئا عن حسن نية في أثناء روايتهم الحديث".

الرد على هذه الشبهة:    
لقد اهتم علماء الحديث اهتماما بالغا بدراسة متن الحديث واستوفوا تلك الدراسة وبذلوا قصارى جهدهم في العناية به بحيث لا يوجد مزيد على ما قدموه.
ولقد كان الهدف الذي يسعون إليه من دراسة الإسناد ونقده وهو تمييز صحيح الحديث من ضعيفة وحماية السنة من العبث والكيد كان ذلك مرتبطا ارتباطا وثيقا بنقد المتن، وقد بينا أن توثيق الراوي لا يتم إلا بثبوت عدالته وضبطه، وهذا الأخير إنما يعرف بمقارنة مرويات الراوي مع مرويات الثقات الآخرين.
ومن الثابت الذي لا جدال فيه عند المحدثين أن صحة إسناد الحديث لا تعني بالضرورة صحة الحديث لأن من شروط الصحيح ألا يكون شاذا ولا معللا والشذوذ والعلة يكونان في السند كما يكونان في المتن فقد يصح إسناد حديث ما ويكون في متنه علة قادحة تقدح في صحته وهكذا الشذوذ ولذا لم تكن دراستهم قاصرة على الأسانيد وإنما بحثوا في علل المتون وشذوذها وجمعت أبحاثهم هذه في علل المتون والأسانيد في مصنفاتهم من كتب العلل وهي كثيرة.     
ومن أجل ذلك نشأت علوم لا تكتفي بدراسة الإسناد بل تعني بدراسة الإسناد والمتن جميعا فمن ذلك: الحديث المقلوب، والمضطرب، والمدرج، والمعلل، والمصحف، والموضوع، وزيادة الثقة.  
كما أنشئت علوم تتعلق بدراسة المتن خاصة من ذلك غريب الحديث، أسباب وروده، ناسخه ومنسوخة، مشكله، ومحكمه.  
وفي هذا بذل المحدثون جهدا لا نظير له ولا مثيل ومن جهودهم في دراسة المتن ما وضعوه من علامات وضوابط يعرف بها وضع الحديث من غير رجوع إلى سنده من ذلك:   
1ـ ركاكة اللفظ في المروي: فيدرك من له إلمام باللغة ومعرفتها أن ذلك لا يمكن أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم إذا صرح الراوي بأنه لفظه وإلا فمدار الركة على المعنى وإن لم ينضم إليها ركاكة اللفظ.      
2ـ مخالفة الحديث لنص القرآن أو السنة المتواترة: فما يخالف القرآن كحديث: "مقدار الدنيا وإنها ... آلاف سنة" فهو مخالف لقوله تعالى: (يَسأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرسَاهَا قُل إِنَّمَا عِلمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَت فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرضِ لَا تَأتِيكُم إِلَّا بَغتَةً يَسأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنهَا قُل إِنَّمَا عِلمُهَا عِندَ اللَّهِ) (34) .
وما يخالف السنة كأحاديث مدح من اسمه محمد أو أحمد، وأن كل من يسمى بهذه الأسماء لا يدخل النار؛ والنار لا يجار منها بالأسماء والألقاب وإنما بالإيمان والعمل الصالح
3ـ ما اشتمل على مجازفات وإفراط في الثواب العظيم على الأمر الصغير، أو وعيد عظيم على فعل يسير: كحديث: من قال: لا إله إلا الله، خلق الله من تلك الكلمة طائرا له   
يقول الدكتور صبحي الصالح صاحب كتاب علوم الحديث و مصطلحه مؤكدا عدم تفرقة المحدثين بين السند والمتن في حكمهم على الحديث: "على أننا لا نرتكب الحماقة التي لا يزال المستشرقون، وتلامذتهم المخدوعون بعلمهم" الغزير" يرتكبونها كلما عرضوا للحديث النبوي، إذ يفصلون بين السند والمتن مثلما يفصل بين خصمين لا يلتقيان أو ضرتين لا تجتمعان، فمقاييس المحدثين في السند لا تفصل عن مقاييسهم في المتن إلا على سبيل التوضيح والتبويب والتقسيم، وإلا فالغالب على السند الصحيح أن ينتهي بالمتن الصحيح، والغالب على المتن المعقول المنطقي الذي لا يخالف الحس أن يرد عن طريق صحيح".    
فعلماء الحديث - رحمهم الله - درسوا متن الحديث دراسة وافية يعرف قدرها من نظر إلى مؤلفات القوم وما تركوه من ميراث عظيم سارت على ضوئه الأجيال، واعترف بذلك المنصفون، فلا عبرة بما قاله غاستون ويت، ولا بما قاله كل حاقد  يريد شرا بديننا القويم فنحن المسلمون بحمد الله نثق في علمائنا الأجلاء ونقدر لهم جهودهم، ونشكر لهم ما بذلوه من جهود في خدمة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ونشهد لهم بذلك وبسلامة منهجهم واستقامته ولا نلتفت إلى طعن الطاعن أو قول مبغض فيهم أبدا بل نكشف قوله ونرد كيده ونمحو أثره وصدق الله إذ يقول: (بَل نَقذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الوَيلُ مِمَّا تَصِفُونَ)  .




الشبهة العاشرة :

يقول المستشرق " ماكدونالد " وغيره من المستشرقين : "إن الأحاديث لا تنبني عليها الحقائق التاريخية، وإنها سجل مضطرب كثير الأغلاط التاريخية مما يدل على الوضع في الحديث .


الرد على هذه الشبهة :   
الذي يطالع دواوين السنة وخاصة "الصحيحين" يجد حشدا ضخما من الأحاديث النبوية التي تشير إلى وقائع وأحداث تاريخية ماضية كقصص الأنبياء والأمم السابقة وبدء الخلق كما أن هنالك كثيرا من الأحاديث التي تدل على أمور تحدث في المستقبل كأحاديث الفتن وغيرها وكثير من هذه الأحاديث صحيح وثابت تلقته الأمة بالقبول وصدقت بما جاء فيه وآمنت بكل ذلك لأن الذي نطق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال الله عز وجل فيه: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى إِن هُوَ إِلَّا وَحيٌ يُوحَى) (35) .
وقد اعتمد علماء الأمة على تلك الأحاديث في بيان الحقائق التاريخية وإثباتها بل تعتبر عندهم من أقوى الأدلة بعد القرآن الكريم ولذلك ملئت بها كتب السير والتاريخ وحكموها في كثير من أخبار أهل الكتاب فقبلوا منها ما أيدته الأحاديث النبوية وردوا منها ما خالفته وتوقفوا فيما لم يرد شاهد من القرآن أو السنة عليه قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في بيان معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ) قال: "أي إذا كان ما يخبرونكم به محتملا لئلا يكون في نفس الأمر صدقا فتكذبوه أو كذبا فتصدقوه فتقعوا في الحرج ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه".
 وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستندون في ذكر الحقائق التاريخية وتصويبها على ما جاء في كتاب الله وما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى البخاري بسنده إلى سعيد بن جبير قال: قُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوفًا البَكَالِيَّ يَزعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيسَ بِمُوسَى بَنِي إِسرَائِيلَ إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ، فَقَال:َ كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ! حَدَّثَنَا أُبَيُّ بنُ كَعبٍ عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: ( قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسرَائِيلَ، فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعلَمُ، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيهِ إِذ لَم يَرُدَّ العِلمَ إِلَيهِ، فَأَوحَى اللَّهُ إِلَيهِ: أَنَّ عَبدًا مِن عِبَادِي بِمَجمَعِ البَحرَينِ هُوَ أَعلَمُ مِنكَ...) .
فقد استدل ابن عباس رضي الله عنهما على صدق الخبر وحقيقته بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وكذب بذلك نَوفًا، وتلك حقيقة تاريخية دل عليها الحديث.
بل أكثر من ذلك فقد كانوا يلجئون إلى الأحاديث في فض النزاع إذا اختلفوا في حقيقة تاريخية كما يلجئون إليها في الأحكام.  
روى البخاري بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما: أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بنُ قَيسِ بنِ حِصنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بنُ كَعبٍ فَدَعَاهُ ابنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ؛ هَل سَمِعتَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَذكُرُ شَأنَهُ؟ قَالَ: نَعَم سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (( بَينَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ ...) .

إذن نعلم يقينا بعد دحض هذه الشبهات التي أوردناها للمستشرقين و من شايعهم أنهم فشلوا فشلا ذريعا في جميع مطاعنهم التي وجهوها للسنة النبوية والتي وجهوها أيضا للمنهج النقدي للمحدثين وظهر عوار هؤلاء المستشرقين واختلال منهجهم العلمي في البحث .


خاتمة البحث :

نأتي إلى خاتمة هذا البحث و الذي أردت من خلاله عرض شبهات المستشرقين و من شياعهم و من ثم دحضها و تفنيدها و الرد عليها ,و كنت قد  تحدثت في الباب الأول من هذا البحث عن تعريف السنة في اللغة ثم تعريف السنة في الإصطلاح عند الفقهاء ثم تعريف السنة عند الأصوليين ثم تعريف السنة عند المحدثين و تحدثت في الباب الثاني عن مفهوم الإستشراق و أهم أهدافهم ثم بعد ذلك تحدثت في الباب الثالث عن شبهات هؤلاء المستشرقين و من سار في ركابهم وهذا هو صميم موضوعنا و أردفت كل شبهة من هذه الشبهات بالرد عليها ودحضها , و قد تبين لي من خلال بحثي هذا جملة من الحقائق و النتائج حول السنة النبوية و كذلك حول هؤلاء المستشرقين و من سار على نهجهم .

أولا : حقائق ونتائج حول السنة النبوية  :
1 . أن الأمة الإسلامية قد عُنِيَت بصيانة الحديث النبوي منذ أول عهدها بالرواية ، وأن العلماء لم يدخروا جهدا في سبيل هذا الأمر .
2. أن الهدف الجليل الذي نشأ من أجله علم مصطلح الحديث ، أو علوم الحديث ، وهو صيانة الحديث النبوي الذي هو أعظم المصادر الإسلامية بعد كتاب الله تعالى .
3 . أن قواعد علوم الحديث قواعد نقد شاملة تدرس جوانب الحديث كلها دراسة تامة دقيقة .
4 . أن جهود المحدثين في حقل تطبيق المنهج النقدي قد بلغت الغاية في الوصول إلى هدف صيانة الحديث النبوي وهذه تصانيفهم الكثيرة في أنواع الحديث ما اختص منها بالصحيح، أو الضعيف , أو اختص بالموضوع ، أو بنوع مستقل من علوم الحديث الأخرى كالمرسل والمدرج ، وغيرها , وهذه التصانيف برهان عملي على مدى ما بلغوه من العناية في تطبيق هذا المنهج حتى أدّوْا إلينا تراث النبوة صافياً نقيا ً.

ثانيآ : حقائق و نتائج حول المستشرقين ومنهجهم :
1 . اعتمادهم على نصوص مفردة متقطعة عما ورد في موضوعها مما يوضح المراد منها ويبينه وذلك كثير في أبحاثهم ومنه استدلال المستشرق المجري تسيهر على أن تصنيف الحديث تأخر إلى القرن الثالث بما ورد عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال في سعيد بن أبي عَرُوبَة ( 156هـ) : ( هو أول من صنف الأبواب بالبصرة... لم يكن له كتاب إنما كان يحفظ" فاستدل بقوله: "لم يكن له كتاب" على أنه لم يؤلف كتاباً) مع أن المحدثين يستعملون هذا في الدلالة على أن المحدث حافظ متين الحفظ لا يعتمد على الكتاب في روايته للحديث وهذا لا يدل على أن المحدث لم يصنف كتاباً من محفوظاته ، وهو يصرح في أول كلمته بأنه صنف ، والشواهد على ذلك كثيرة .
2 . أنهم يعولون على مصادر ليست في مستوى البحث العلمي ، مثل كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصبهاني ، وهو ليس كتاباً علمياً ، ولا كتاب حديث ، إنما يعتمد عليه في الأدب والفكاهات .
3 . وضع النصوص في غير موضعها، وتحميلها مالا تطيقه ألفاظها ولا يستمد من معانيها.
4 . أنهم يوردون مقدمات جزئية ضعيفة ثم يبنون عليها نتائج ضخمة فضفاضة لا تناسب تلك المقدمات ولا تنتج منها .
5 . إغفال الحقائق التي تخالف استنتاجاتهم وتبطلها .
وأخيراً أحمد الله العلي القدير جل في علاه و أثني عليه بما هو أهله و أصلي على سيدنا  محمد المبعوث رحمة للعالمين بالحق بشيرا و نذيرا و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .



فهرس الآيات :

(7) الآية 67 من سورة المائدة .
(8) الآية 38 من سورة الأنعام .
(9) الآية 89 من سورة النحل .
(10) الآية 38 من سورة الأنعام .
(11) الآية 89 من سورة النحل
(12) الآية 38 من سورة الأنعام .
(13) الآية 7 من سورة الحشر .
(14) الآية 15 من سورة يونس.
(15) الآية7 من سورة الحشر.
(16) الآية 7 من سورة الحشر .
(17) الآية50 من سورة القصص .
(26) الآية 21 من سورة الأحزاب .
(34) الآية 187 من سورة الأعراف .
(35) الآية 4 من سورة النجم .



فهرس الأحاديث :

(1) الحديث صحيح رواه مسلم في كتاب الزكاة و سنن الدارمي .
(2) رواه البخاري في كتاب المغازي باب الرجوع من الأحزاب 15/294 برقم4119 
(18) أخرجه مسلم في كتاب الزهد 18 /129
(19) أخرجه البخاري في كتاب العلم باب كتابة العلم 1/ 309 .
(20) رواه البخاري في كتاب العلم 1/313 .
(21) رواه أبو داود باب كتابة العلم 10/ 79
(23) رواه البخاري في كتاب العلم 1/315 .
(24) أخرجه البخاري كتاب الاعتصام باب الإقتداء بأفعال النبي عليه السلام برقم 7298
(25) رواه أبودود باب الصلاة في النعل 2/353 برقم 636 .
(27) رواه النسائي في كتاب مناسك الحج 5/ 270 .
(28) رواه البخاري في كتاب الأذان 3/315 .
(29) رواه البخاري في كتاب الاعتصام 28/ 12 .
(30) أخرجه أبو داود في كتاب العلم 10/ 79 .
(31) رواه البخاري في كتاب العلم باب من كذب على النبي عليه السلام برقم 106 .


فهرس المراجع :

(3) رسالة في الطريق إلى ثقافتنا لمحمود محمد شاكر 57 .
(4) رسالة في الطريق إلى ثقافتنا 86 .
(5) مذاهب فكرية معاصرة لمحمد قطب 597 .
(6) أضواء على السنة المحمدية .
(22) تدوين السنة د . محمد مطر الزهراني 76
(32) السنة و مكانتها من التشريع الإسلامي 61 .
(33) السنة و مكانتها من التشريع الإسلامي 66 .

 فهرس الموضوعات :



الموضوع ....................................................................................................رقم الصفحة
مقدمة البحث : ............................................................................................     2
الباب الأول : التعريف بالسنة النبوية ..........................................................      3
الباب الثاني : الإستشراق منهجه و أهدافه ...............................................        5
الباب الثالث : شبهات و ردود حول السنة ..................................................     7
الشبهة الأول : .............................................................................................     7
الشبهة الثانية .............................................................................................      9
الشبهة الثالثة .............................................................................................      11
الشبهة الرابعة ...........................................................................................      13
الشبهة الخامسة ...........................................................................................      17
الشبهة السادسة .........................................................................................      23
الشبهة السابعة ...........................................................................................      24
الشبهة الثامنة ............................................................................................      26
الشبهة التاسعة ...........................................................................................      29
الشبهة العاشرة ...........................................................................................     31
خاتمة البحث :نتائج و حقائق تم التوصل إليها.................................................     33
فهرس الآيات :  ..........................................................................................     35
فهرس الأحاديث : ......................................................................................     36
فهرس المراجع : .........................................................................................    37
فهرس الموضوعات : ...................................................................................    38