الاثنين، 18 سبتمبر، 2017

الإسلام عصمة من الزلل

                                     بسم الله الرحمن الرحيم

                                                 
     
      اهتمت الصحافة العربية والمحلية بخبر وفاة الكاتب الفلسطيني أميل حبيبي ، وتسابقت الأقلام لمدحه إن حقاً أو باطلاً وإن كان لدى العامة مثل يقول (إذا مات الميت تصبح رجوله طويلة) ولكني توقفت عند مقالة نشرتها جريدة "الرياض" في 29 ذي الحجة 1416 بقلم جهاد فاضل بعنوان (جناية راكاح على أميل حبيبي) وراكاح هو الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي انضم إليه أميل منذ بداية شبابه وقضى فيه معظم عمره "حتى استيقظ ذات صباح ليجد أن نجم هذه الحركة قد أفل عالمياً وليجد أن (راكاح) الصغرى ولا (راكاح) الكبرى التي سقطت في الخارج قد قدمت له الدواء أو الحل) وهو ما كانت الشيوعية تزعمه بأنه تقدم الحلول لكل المشكلات البشرية، أو تعدهم بالجنة على الأرض.
        لكن ما جناية الحزب الشيوعي على أميل حبيبي؟ يقول جهاد فاضل إن أميل وصل إلى قناعة عجيبة مفادها بأن قومية جديدة قد تشكلت في إسرائيل خلال الخمسين سنة الماضية هي القومية الإسرائيلية "وأن هذه القومية باتت حقيقة نهائية، ولذلك فالحديث عن عروبة فلسطين وتحرير فلسطين بات لغواً".
       ويحلل جهاد فاضل أسباب هذا الضلال الفكري لدى أميل حبيبي بأن أميل دخل الحزب الشيوعي وهو نصراني متمرد على النصرانية وعلى الأديان جميعاً لأنه تعلم في الحزب الشيوعي أن (الدين أفيون الشعوب). ولمّا سقطت الشيوعية لم يجد له عاصماً من هذه الخرافات التي ملأت رأسه " فلا النظرية المرشدة أرشدته إلى الحقيقة لا اجتهاداته اللاحقة لها كانت في محلها."
        ولقد أعجبني اجتهاد جهاد فاضل- ونحن نقرأ لهم وإن كانوا لا يقرؤون لنا- بأن الذي كان من الممكن أن يعصم حبيبي أنه لو كان منفتحاً على الإسلام وتراثه وثقافته وحضارته فالإسلام كما قال جهاد فاضل: "وسيلة نجاة وصمّام أمان، وهو ما كان يفتقده أميل حبيبي الذي كان يعتبر الدين أي دين أفيوناً للشعوب." ويواصل جهاد فاضل تحليله لهذه الشخصية بقوله " ظل أميل حبيبي باستمرار بعيداً عن العروبة والإسلام، وعندما سمح له تحرره من (راكاح) في سنواته الأخيرة أن يعيد النظر في طروحاته وأن يقترب من هاتين القيمتين وهما أعلى القيم عند العربي اقترب أكثر من الإسرائيلية والعبرية. وأضيف أن أميل حبيبي نال جائزة في الأدب من دولة اليهود تسلمها من رئيس الوزراء الإسرائيلي رغم معارضة كثير من أحبابه في العالم العربي.
         هذه شهادة مهمة من كاتب قومي لا يزعم أنه من (الإسلاميين) أو حتى (الإسلامويين) نهديها إلى كل من يحاول أن يغمط دور الإسلام في تاريخ الشعوب العربية وغير العربية التي انضوت يوماً ما تحت لواء الإسلام. ولكن لا يكفي أن تكون الثقافة العربية الإسلامية أو الإسلام أو الحضارة الإسلامية مجرد صمام أمان من الوقوع في شَرَك القومية الإسرائيلية العبرية، أو عصمة للتمسك بالقومية العربية أو عروبة فلسطين. وحبذا لو سمح جهاد فاضل وغيره من الكتاب القوميين لأنفسهم أن يعيدوا النظر في الطروحات العربية فما زلت أتذكر تعليق الشيخ أبي الحسن الندوي على شعار (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) بتساؤله ما هذه الرسالة، وكيف يكون العرب أمة واحدة، والإسلام قد وحّد بين المسلمين جميعاً فأصبح المسلمون أخوة وأمة واحدة كما جاء في قوله تعالى {وأنّ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}
    نعم تميّز العرب في بداية الدعوة بأنهم هم الذين حملوا هذه الرسالة الخالدة إلى أمم الأرض جميعاً تحمل الخير والحق والعدل، وليحققوا ما وعدوا به من السعادة في الدنيا بعد أن عانت البشرية من حكم الأكاسرة والقياصرة أو من تقسيم الشعوب إلى سادة وعبيد أو أمم تقسم فيها الشعوب إلى فئة من رأس الإله وأخرى من ذراعه وثالثة من رجله وطوائف منبوذة. وما أجمل منظر ذلك العربي المسلم الذي لم يتلق العلم عن أرسطو أو جون أو جورج ولكنه درس في مدرسة الإسلام فلما دخل على كسرى وأراد أن يجلس معه على عرشه فأراد الحرس أن يبعدوه فقال لهم تلك الكلمة التي لا يستطيع الفلاسفة أن يصلوا إليها: "كنا نظنكم أولي أحلام ونهى تتساوون فيما بينكم فإذ بكم يستعبد بعضكم بعضا، إن قوماً هذا حالهم فمصيرهم إلى زوال".  ولم تكن الدولة الإسلامية تؤمن بسباق التسلح ولا تتفنن في صناعة أدوات الدمار .
     وعروبة فلسطين التي تناولها جهاد فاضل إنما هي فرع وإلاّ فالأصل أن فلسطين إسلامية منذ سكن فيها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام وكل الأنبياء الذين ظهروا فيها إنما هم مسلمون كما جاء في قوله تعالى {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين} (آل عمران 67). وتجددت إسلامية فلسطين حين تسلّم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه مفاتيح بيت المقدس.
     لقد ذكر جهاد فاضل أن معرفة محمود درويش وسميح القاسم بالإسلام كانت عصمة لهما من الانسياق وراء القومية الإسرائيلية أو الخرافات التي اعتنقها أميل حبيبي. ولكنهما توقفا عند النزعة القومية الضيقة ذات التوجه العلماني، وهما يصرّان على إن الإسلام تراث فكري حضاري ثقافي وليس مبادئ حية يجب أن تعيش الأمة العربية الإسلامية وفقاً لمقتضاها في الشؤون السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

    مرة أخرى شكراً للأستاذ جهاد فاضل على هذه المقالة التي أوضحت الانحرافات الفكرية لدى أميل حبيبي الذي تفننت كثير من الصحف على إبرازه كنموذج للمفكر الذي استطاع التعايش مع الاحتلال، ولكنها لم تذكر انحرافاته بالشجاعة التي ذكرها فاضل كما إن إشارته إلى الإسلام كعاصم من الزلل لابد من الإشادة بها شريطة أن يواصل الدراسة والتفكير في هذه القضية فالعرب والمسلمون لن يكون لهم عزة ولا مكانة في العالم إلاّ بالإسلام.                     

الأحد، 17 سبتمبر، 2017

عن أمّي رحمها الله ورحم أبي وأموات المسلمين

هذه خواطر كتبتها في تلك الليلة بعد أن شهدت اللحظات الأخيرة من حياة أمي وهي في غرفة العناية المركزة وقد ربطت كل الأجهزة الممكنة لمساعدتها في مواجهة الآلام وفشل الأعضاء التي ناءت بالسنين الطوال حيث إن والدتي رحمها الله عاشت ما يزيد على تسعين سنة، وكانت واعية حافظة مرحة محبة للخير حتى آخر أيامها. وقد أكرمني الله أن أزورها يوم الخميس الماضي -قبل وفاتها- وأجلس معها ، ثم جاءني الخبر بدخولها المستشفى يوم الأحد فعدت إلى المدينة يوم الاثنين بالسيارة بعد أن أخفقت في الحصول على مقعد في الطائرة سواء السعودية أو غيرها، فتساءلت قل لي بربك لمن الطائرات؟ من المحظوظ الذي يعرف كيف الحصول على مقاعدها.
وإليكم تلك الخواطر:
أين أمي لن أراك بعد اليوم،
لن يكون هناك من أناديه (يمّا) على الطريقة الأردنية الكركية فلم أتخل عنها،
من أقول له بعد اليوم: قوِّك، شلونك، ما يغبر لونك؟
ومن سأكون حبيب قلبه بعد اليوم؟
ومن سيبتسم لي مثل ابتسامتك بعد اليوم؟ لقد كنت مجال تندر اخواني واخوتي (مازن حبيب القلب، وتضيف إحداهن حبيب القلب مازولا)
أمي رحمك الله وغفر لك وأسكنك فسيح جناته.
رحلت بهدوء وسكينة.
ومن الذي سيدعو لي بعد اليوم؟ تلك الدعوات التي لا يعرفها إلاّ هي: الله يعطيك حتى يرضيك"، "الله يعطيك في الدنيا والآخرة"
كم كنت أتعجب من أين تعلمت أمي هذه الدعوات، ولكنها الفطرة السليمة النقية والنفس الصافية والحب الخالص
ومع ذلك أتساءل هل كنت عنّي راضية؟ هل استطعت أن أنال رضاك يا أمي؟
أزعم أنني حاولت وأعرف أنني مهما حاولت فلن أبلغ كما قال عمر بن الخطاب لذلك الرجل زفرة من زفرات الولادة أو طلقة، نعم وكل ما فعلت لا يساوي دموعك حين كنت أمرض صغيراً أو عندما أصبت بالحمى الشوكية.
عجيب أمرك يا أمي كنت أسمع دعاءك (اللهم اجعل يومي قبل يومهم، وتضيف لا تذوقني حسرتهم)، أي لا أريد أن أتحمل حسرتهم.
كنّا نقف بجوار سريرك في المستشفى نرقب الأجهزة التي أوصلوها لتساعد قلبك أن ينبض والجهاز الآخر ليوصل الهواء إلى الرئتين اللتين فشلتا في العمل، وأجهزة أخرى لتقيس الضغط والنبض. وأنابيب تمتد من كل اتجاه.
كنّا نرقب عيونك مفتوحة ثم عيونك مغلقة أو مغمضة، حتى إذا دنت الوفاة لم تحتاجين إلى من يغمض لك عينيك فقد كانتا مغمضتين أي لم تكوني تتابعين الروح أو تتشبثين بالدنيا، لقد خرجت الروح دون أن نشعر.
قاتل الله الأجهزة..... كانت عيوننا محدقة بالأجهزة ينخفض النبض، ينخفض الضغط يتناقص تدريجياً حتى أصبح خطاً مستقيماً على درجة الصفر، أسرع إلينا الأطباء يقولون تعالوا إنها اللحظات الأخيرة التي يعرفونها ولا نعرفها نادونا بطريقة ميكانيكية آلية، كأنه جهاز من الأجهزة قد تعطل وليس إنساناً يفارق الحياة ويفارق أهله وأحبابه بلا رجعة وداع لا لقاء بعده.
يا للموت كم له من هيبة ورهبة، كنت أخفض رأسي لا أنظر إلى أمي خوفاً من أن أرى ما يخيفني وأن أرى نزع الروح الذي أقرأ عنه في تفسير والنازعات غرقاً والناشطات نشطا، وكأني والله أعلم كانت أقرب إلى الثانية، كنت أمسك بيدك وبعد قليل تتحرك يدك وكأنك تقولين: أنا ويدي وكلي لم أعد ملكاً لكم إنني من عالم آخر.
وتنخفض الأرقام ويعلن الأطباء أن أجهزتهم لا تنفع ولا تقدم ولا تؤخر فيحثونا على ذكر الشهادتين أمامها، وتحرك أمي شفتيها ولا ندري ما تقول نتخيل أنها تردد أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، تمنيت لو كنت أستطيع أن أقولها نيابة عنها فيقبلك ملك الملوك، ولكن، لماذا أفكر كثيراً فأنت تقدمين على أرحم الراحمين، إنك تقدمين على من وسعت رحمته كل شيء.
أنت ضيفة الكريم، ومن أكرم من الخالق سبحانه وتعالى، وهل يطلب من الكريم أن يكرم ضيفه، ولكننا نأمل ونطمع أن تكونين أهلاً لكرمه ولطفه ليشملنا بلطفه بعد أن حققنا أوامره سبحانه وتعالى بالإحسان إلى والدينا في الدنيا والدعاء لهما،
(وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً)
أمي، يمّا نداء لن أستطيع التلفظ به بعد اليوم،
لن أراك لأبتسم لك أو لأضحك معك، لن أستطيع أن اخترع شيئاً لتضحكي،
ها أنت يا أمي قد ذهبت وأنا قد أعطيت اثنتين وستين سنة اختبار مستمر أو أقل قليلاً بعد أن أصبحت مكلفاً، ماذا كانت درجاتي في ذلك الامتحان؟ أشعر أحياناً أنني كنت ناجحاً وأحياناً كثيرة تمنيت أن أستطيع أن أفعل أكثر لأمي، ولكنها كانت رحمها الله كريمة تغدق عليّ من رضاها وحبها فلا تجد فرصة حتى تعلن حبها لي ورضاها عنّي ويعلم الله أنني كنت مقصراً ولكنها كانت كريمة كريمة
والآن فقط سأعرف إن كنت ناجحاً أو فاشلاً، فكما قال عليه الصلاة والسلام (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم) فهل أجد البر من أبنائي، هل يكرمهم الله عز وجل بالبر بي وبوالدتهم؟

هذا ما كتبته في اليومين بعد وفاة أمي ولها في نفسي ذكريات وذكريات وفي حياتي معها دروس ودروس أتركها لمقالة أخرى إن شاء الله.

الجمعة، 15 سبتمبر، 2017

بعض ذكريات عن أمي رحمها الله

عندما ماتت أمي قبل شهرين (صدقوني نسيت التاريخ، لأن موتها أكبر من التاريخ) حاولت أن أخربش حول مشاعري عن أمي وعلاقتي بها فعجز القلم أن يطاوعني وأنا الذي سافرت من الرياض إلى المدينة وعدت في اليوم التالي بالسيارة ليكون الوداع الأخير لأني عندما رجعت إليها لم أسمع منها سوى كلمة الحمد لله. وكتبت بعد شهر تقريباً بعض الكلمات تعبيراً عن تلك العلاقة المميزة التي كانت تربطني بأمي وإليكم ما كتبت:
تحدثت مرات ومرات عن أمي وفي كل مرة أتوقف دون أن أكمل الحديث وكأني لا أحسن الحديث عنها، كما تحدثت عن وداعي لأبي رحمه الله (وكان حديثي بعد سنوات) وألوم نفسي أنني لم أعرف كيف أكتب عن أمي،
هل تنقصني الصور والأحداث والعواطف والمشاعر تجاه أمي أو هي كثيرة تزدحم في ذهني مثل طريق مزدحم بالسيارات حتى يتوقف.
أمي كان تقف خلف قدر القمح تسلقه من أجل صناعة البرغل أو أمي تفرد القمح بعد سلقه ليجف وتعطيني صحناً من القمح المسلوق وتضيف إليه بعض السكر، وقدر القمح الذي تستخدمه أمي لسلق القمح كبير جداً حتى إنه يمكن أن تطبخ فيه خروفاً كبيراً، فكيف كانت تحمل القدر وتملأه بالقمح والماء وتضعه على البابور (الدافور) وتجلس لتقوي النار وتستخدم النكاشة لتكون النار أقوى.
وأمي تقف خلف قدر الطبخ تطبخ المليحية لعمل المنسف الأردني المشهور لتكرم ضيوف أبي - وما كان أكثر ضيوفه رحمه الله- ويتعاونان في الطبخ ولكن لن تعرف مطلقاً من الشف أو الطباخ ومن المساعد، فقد كان من مواهب أبي وهواياته الطبخ- ورثت تلك الهواية وبدرجة أقل- ولو كانت أمي وحدها لطبخت أعظم منسف. ولكن لا بد من لمسات أبي رحمه الله في إضافة السمن للرز أو تذوق ملح الطعام.
تعلمت من أمي أن الطبخ نَفَس، وكانت تصف بعض النساء بأنهن يملكن نفساً جميلاً حتى لو وضعت ماء في القدر وغلته لكان لذيذا، تعلمت منها الثناء على الآخرين إن أحسنوا فلم أشعر منها بالغيرة والتنقيص من الآخرين. بل كم سمعت منها الثناء على من قدم لها معروفاً، وبخاصة في أوقات حرجة كان أبي يغيب عن البيت وقتاً طويلاً فتحتاج إلى الطبيب وكان الطب الشعبي والأعشاب وغيرها هي الدواء المتوفر وكانت تذكر نساء من الجيران أو الأقارب، وأذكر منهن الآن أم فوزي رحمها الله التي كانت تجيد علاج بعض الأمراض وبخاصة عمتي سلمى رحمها الله، فقد كانت أخت زوج وقوية الشخصية وحازمة ولكن أمي كانت تقول فعلت لك عمتك كذا وقدمت لنا كذا، وروت لي أن عمتي جاءت لزيارتنا فقلت لعمتي وأنا طفل لا أستطيع أن أراك يا عمتي، وهنا أسرعت عمتي لعمل اللازم إعطائي أسبرين وتغطيتي ولكنها في الوقت نفسه انتقدت أمي على أنها لا تعرف كيف تربي الأطفال. ولم أشعر أن أمي كانت تأخذ تلك الانتقادات بحساسية، وتقول بعد قليل استيقظت وقلت لعمتي الآن أستطيع أن أراك.
وكانت تدرك أن الطفل يجب أن يكون قوي الشخصية فلا يقبل أن يعتدي عليه فلا يرد عن نفسه، وفي الوقت نفسه لا تحب العدوان أو العدائية فقالت لعمتي خذي مازن معك إلى الغور، وكان لزوج عمتي مزارع في غور الصافي، وكان رأيها أن عمتي أقدر على تعليمي الشجاعة والقوة. وكنت أمضى شهراً أو أكثر مع أولاد عمتي الذين يذكرون مواقف من طفولتي قد نسيتها.
وكانت أمي رحمها الله يعجبها عفة النفس والكبرياء، وقد روت أنني خرجت معها من البيت لزيارة بعض الأقارب وكنا جائعين فلما قدمت المضيفة وربما كانت خالتي بعض الطعام ترددت في الأكل بل قلت إني شبعان، ثم سألت أمي هل آكل؟ فقالت نعم ُكل، وتقارن أمي بين موقفي المتعفف رغم الجوع مع أطفال اليوم الذين ما إن يدخلوا بيوت غيرهم حتى يبدؤوا في البحث عن الأكل وربما فتحوا ثلاجة أقاربهم بجشع.
رحم الله أمي فقد كانت تنتظرني حين أعود من المدرسة لتنظر في دفاتري وتصحيح الأستاذ وكانت تعرف الفرق بين علامة الصح وعلامة الخطأ والقلم الأحمر وتسألني عن الخطأ لماذا أخطأت، وتسأل عن الدرجات ولا ترضى بأقل من مائة في المائة فإن قلت خمسة وتسعين قالت لماذا؟ ولكنها لا تضرب ولا تقرص ولا تعاقب حيث تترك ذلك كله لأبي الذي كانت حريصة على حضه دائماً على الحزم في التربية وبخاصة حين تراه يدللني أكثر مما ينبغي - في نظرها- وتردد أنت ستفسد الولد، ولكن كان لأبي رحمه الله نظرة عميقة في التعامل مع أولاده فيعامل كل واحد بالطريقة التي تناسبه، بل إن له مدرسة لا أعرف كيف أفسرها ولكن أقول إنها كانت تربية بالتلميح، فيكفي أن يروي قصة أو ينشد بيتاً من الشعر وكأنه كان يقول: ولقد لحنت لكم كيما تفهموا واللحن تفهمه ذوو الألباب.
أمضيت في رعايتها حتى تخرجت في الثانوية العامة لا أذكر أنني تأخرت يوماً عن المدرسة لأن أمي تأخرت في الاستيقاظ أو لأن ملابسي لم تكن نظيفة وجاهزة أو لأن الفطور لم يكن جاهزاً، وكان أبي رحمه الله يتدخل للمساعدة لا لأنها قصرت ولكن طبيعة والدي رحمه الله في شهامته ونخوته وحبه لأهله فربما كان هو الذي يغلي الحليب أو يعد الشاي ولا يأنف حتى أن يغسل الصحون.
ومرت الأيام وعشت تجربة ما يسمى تحرير المرأة وأن الرجل مطالب بالعمل والمساعدة في أعمال المنزل ووجود صراع بين المرأة والرجل ومن يكون صاحب القرار في البيت، وتردد على مسامعي من يذبح البس ليلة العرس وما عرفت مثل هذا الصراع بين أمي وأبي رحمهما الله رحمة واسعة.
          عشت مع أبي وأمي واخواتي وأخي عبد الكريم في غرفة واحدة طويلة (لا أتذكر كم طولها الآن) مقسمة إلى ثلاثة أجزاء مبنية من الحجر والطين وانتقلنا إلى بيت من عدة غرف فلم أعرف غرفة مغلقة بمفاتيح ولا صندوقاً فيه الأشياء الثمينة (وهل كانت المسكينة تملك أشياء ثمينة أثمن من أولادها) فلا غرف مغلقة ولا صناديق فقد كانت درجة الأدب والعفة عالية جداً، وليست المسألة غباءً ولكن احتراماً لخصوصيات الأم والأب. وكأنها الفطرة.

أعلى النموذج

وفي المقالة القادمة أكمل الحديث عن إصابة أمي بالتيفوئيد أثناء رضاعتي فإلى اللقاء.

الأربعاء، 30 أغسطس، 2017

متى نكتب تاريخنا؟ أبناؤنا ودراسة التاريخ


لعل من أسباب نفور الطلاب من درس التاريخ الطريقة التي يُدرّس بها وبالتالي طريقة الامتحان، فالتاريخ – في نظر الطلاب -لا يمكن فهمه، ولا يمكن حفظه بطريقة سهلة، وحسبك من أمرين أحلاهما مُرّ: فلا بد من الحفظ إذن.
وفيما أنا أنظر في أسئلة امتحان مادة التاريخ لبعض الصفوف الابتدائية عثرت على هذه النماذج التي أسوف بعضها-هنا – دليلاً على ما أقول:
-ضع عبارة (صح) أو (خطأ) أمام العبارات التالية:
1-عدد خلفاء الدولة العباسية سبعة وثلاثون خليفة (...)
2-حاصر الصلّيبيون بيت المقدس سنة 483هـ
-وسؤال آخر يقول أكمل الفراغات التالية:
1-أوّل معركة بحرية بين المسلمين والروم هي معركة .......عام....
2-بدأت الدولة الأمويّة سنة .... وانتهت سنة....
-       وسؤال ثالث صل بين العبارة من الجدول (أ) بما يناسبها من الجدول (ب):
جدول أ
-تولّى عمر الخلافة
-تم فتح مصر بقيادة عمرو بن العاص
-مدة خلافة معاوية
-توفي عليّ بن أبي طالب
جدول (ب)
سنة 40
سنة 20
سنة 13
سنة 21
وبعد قراءة هذه الأسئلة تعجبت هل هذا هو التاريخ فقط؟ أين الحديث عن الإيمان بالله – عز وجل-الذي دفع المسلمين إلى الجهاد في سبيل الله والتضحية بأرواحهم، وكل ما يملكون من الدنيا لإعلاء كلمة الله؟ أين تربية الرسول-صلى الله عليه وسلم-لأصحابه على الشجاعة والإقدام حتى قال أحدهم: "كنّا إذا حميَ الوطيس احتمينا برسول الله –صلّى الله عليه وسلم-؟ أين الحديث عن ثباته –صلّى الله عليه وسلم-وأصحابه الكرام في أحد والخندق والحديبية؟
وبعد فما الذي يدعو أساتذة التاريخ إلى تدريس مادتهم بهذا الجفاف حتى كرهها الطلاب ونفروا منها؟
أكاد أقول "فاقد الشيء لا يعطيه" وليس هذا لوماً ولا ذمّاً لهم؛ فهم قد أخذوا التاريخ بهذا الأسلوب، فأذكر من دراستي الجامعية أنّ السيرة النبويّة لم تتعد الحديث الموجز المبتور عنها بهذه الطريقة: الجزيرة قبل البعثة، الولادة، البعثة، الدعوة سراّ، الدعوة جهراً الهجرة، الغزوات.
إنّ أي جهاز "كمبيوتر" قادر -بلا شك-على حفظ هذه المعلومات. فهل نبحث عن أسلوب جديد لتدريس التاريخ حتى تغدو مادة محبّبة للطلّاب؟
وليعلم إخواني أساتذة التاريخ أن هذه المادة من أهم موادّ الدراسة التي يجب أن يكون لها أثر كبير في صياغة شخصية الفرد المسلم.
وليكن القرآن الكريم قدوة لنا فيما قصَّ من أحداث سيرة سيد المرسلين سيدنا محمد –صلّى الله عليه وسلم- وكذلك قصص الأنبياء والرسل من لدن آدم حتى عيسى- عليه السلام- كذلك نجد في القرآن الكريم أخبار الأمم السالفة وما حدث لهم مع رسلهم.
ومما يعكس أهمية التاريخ أن بعض الخلفاء والملوك كانوا يطلبون من العلماء أن يحدّثوهم عن التاريخ، وحوادثه وعبره. ولا يمكن أن تكتمل ثقافة من يتولّى مسؤولية عامّة من حكم وإدارة دون فهم للتّاريخ.
وأخيراً ليعذرني إخواني التربويّون إن كتبت في مجال تخصصهم ، لكنني لم أجد بدّاً من الحديث ، وفّق الله الجميع إلى ما يحبه ويرضاه.





[i] ألون من الترات، عدد 22 سنة 14 صحيفة المدينة المنورة العدد (8700) 52 شعبان 1411هـ/ 11مارس 1991م

مازالوا يفخرون بالحروب الصليبية


     هل إذا تحدثنا عن الحروب الصليبية نكون نتحدث في قضايا بالية؟ وهل حقا انتهت الحروب الصليبية،وأن العداء الغربي للإسلام والمسلمين لا ينطلق من أسباب دينية وإنما هي مصالح سياسية واقتصادية وإقليمية؟ لن أجيب بنعم أو لا. ولكني وجدت أن القوم ما زالوا يهتمون بالحروب الصليبية. وقد نشرت صحيفة الحياة اللندنية عرضين لكتابين حديثين صدرا عن إدارة النشر بجامعة كمبردج البريطانية، بالإضافة إلى الأخبار عن فيلم جديد ستقوم هوليوود بتصويره قريبا من إنتاج المنتج اللبناني ماريو قصّار ويقوم بدور البطولة فيه الممثل المشهور آرنولد شوارزينجر (الذي قام بدور البطولة في فيلم "أكاذيب حقيقية")- أصبح حاكم ولاية كاليفورنيا عن الحزب الجمهوري-، كما نشرت جريدة الحياة عرضا لفيلم وكتاب بعنوان" الصليبيون" من تأليف تري جونز والان اريرا  من إصدار هيئة الإذاعة البريطانية.
    أما الكتاب الأول فهو" انتصار في الشرق- التاريخ العسكري للحملة الصليبية الأولى" تأليف جون فرانس. ويتناول الكتاب (الحياة 11543في 25/9/1994م) الجانب العسكري من الحملة الأولى التي يرى المؤلف أنها: "رسخت الوجود الفرنجي في قلب العالم الإسلامي، وساهمت في قيام ممالك صليبية عدة..." وكانت هذه الحرب" صدمة قاتلة ليس فقط للعرب والمسلمين الذين كانوا الضحايا الأساسيين في الفظاعات التي طبقها الصليبيون.. بل أيضا بالنسبة إلى  الصليبيين أنفسهم الذين ما كانوا يتوقعون مثل هذه السرعة المذهلة في احتلال معظم المناطق القريبة من الهلال الخصيب"، ويتناول الكتاب أيضا الدوافع التي تسببت في الحروب الصليبية،  وكذلك تركيب المجتمع الأوروبي.
    أما الكتاب الثاني فهو" القلاع الصليبية"تأليف هيو كيندي، ولئن كان الكتاب كما يشير عنوانه يتناول التاريخ العسكري للحروب الصليبية لكنه يوضح مدى اهتمام الغرب بهذه الحروب، ويقول في ذلك سمير رزق الله الذي قدم العرض:" غير أننا بتنا نشهد في السنوات القليلة الماضية اهتماماً بالمواضيع التفصيلية الهادفة إلى تبيان جوانب غامضة من الوجود الصليبي في المنطقة، خصوصاً أن هذا الوجود استطاع أن يثبت أقدامه لأكثر من قرنين كاملين عمد خلالهما إلى إنشاء ممالك وإمارات إفرنجية لعبت دوراً مهما في التطورات الاجتماعية والاقتصادية خلال القرون الوسطى في أوروبا أو في الشرق العربي الإسلامي."(الحياة11601-22/11/1994م)
     وفي مجال السينما نشرت جريدة الحياة(11406في 10/5/1994) خبراً عن عزم المنتج اللبناني ماريو قصار إنتاج فيلم عن الحروب الصليبية وسيحتاج الفيلم لمبلغ ضخم لإنتاجه ، وقد استطاع قصّار إقناع بعض الأثرياء العرب بالإسهام في إنتاج الفيلم، بينما فشل المخرج المعروف مصطفى العقاد في الحصول على التمويل اللازم لفيلم بعنوان" صلاح الدين"، ومن العجيب أن تخوف بعض العرب والمسلمين من تمويل فيلم صلاح الدين كان لأسباب تافهة ومن ذلك أن صلاح الدين لم يكن عربيا، أو ربما كان شيعيا، وكان أتفه من ذلك أن المحرر الذي أورد الخبر لم يكلف نفسه الرد على هذه التفاهات إما جهلاً بالحقائق أو تعمداً لإبقاء القارئ جاهلاً بالحقيقة.
      وهكذا يهتم الغرب بالحروب الصليبية وتمارسها بعض حكوماته ووسائل إعلامه، ومن ذلك القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية الذي يطلق على المجاهدين الشيشان "المتمردين" ويطلقون عليهم أيضاً(الإنفصاليين). وفي برنامج الإذاعة نفسها باللغة الانجليزية عن العنف في العالم ركز البرنامج على الضحايا اليهود وأهمل الضحايا المسلمين. وقد خصص جزء كبير من وقت البرنامج للحديث عن الجندي اليهودي الذي اختطفه بعض الفلسطينيين فاستضافت الإذاعة أمه وأباه، واستدرت عطف الجماهير المسكينة على هذه الضحية، بينما لم ينل الضحايا الفلسطينيون عشر معشار ما نال اليهود من الاهتمام. كما أهمل البرنامج الضحايا المسلمين في كشمير وفي الفلبين وفي البوسنة والهرسك وفي الشيشان وفي غيرها. ولعل من أحدث ملامح الصليبية المعاصرة أن صندوق النقد الدولي سيقدم عدة آلاف من ملايين الدولارات لروسيا تعويضا لها عما خسرته في حربها للشيشان، أليس هذا من شر البلية.
      ماذا لو اهتم المسلمون بالكتابة عن الحروب الصليبية (قديما وحديثا) لقيل أنتم تهتمون بالماضي وتثيرون العداء ضدكم، وكأنّ الغرب أو بعض دوله في حاجة لمن يثر عداءها.

الخميس، 17 أغسطس، 2017

الإسلام والديمقراطية وأعداء الإسلام


*بقلم أبو الفتح

        الإسلام هو أول دستور قرر للإنسان حقوقه ووضع القواعد التي تحمي تلك الحقوق. الإسلام هو أول نظام أمر بديمقراطية الحكم. تعالوا نتبصر في الأمر الإلهي الذي نزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إذ يقول: {إنما أنت مذكّر لست عليهم بمسيطر} هذا أمر من الله سبحانه وتعالى إلى رسوله الكريم الذي اختصه إلى يوم الدين بأن يكون سيد الخلق أجمعين. يقول عز وجل للرسول {إنما أنت مذكر} أي أن رسالتك هي تذكير الناس بأمور الإسلام ثم يقول ولكنك: {لست عليهم بمسيطر}
        إذا كان الله قد قرر بأن سيد الخلق ليس له على أي مخلوق سيطرة، يكون من باب أولى قرر أنه لا سيطرة لمخلوق على بني الإنسان. أليس في هذا الأمر الإلهي للمصطفى عليه الصلاة والسلام أعظم دليل على إقرار الإسلام مبدأ حرية الإنسان. هذا المبدأ العظيم تقرر مع نزول آيات القرآن الكريم وبنزول الآية التي نصت عليه أي منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة وقت أن كان الحكام في كل الدول الأخرى يعتبرون أنفسهم ليس فقط مسيطرين على شعوبهم بل متحكمين في أرواحهم أيضا.
        وإذا ما ربطنا هذا الأمر العظيم بالمبادئ الأخرى التي تنهي عن الإكراه في الدين وفي وجوب أن يكون الجدال بالتي هي أحسن وبأن الأمر شورى بين الناس وأن على سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم ) أن يشاور في الأمور التي لم ينزل فيها وحي من الله. استطعنا أن نقرر أن الإسلام قد سبق كل النظم السياسية سبقا كبيرا في تقرير حرية الإنسان والأخذ بمبدأ الشورى الذي تطور بعد حوالي أكثر من ألف سنة إلى تحقيقه في صورة انتخابات. أن نظرية العقد الاجتماعي والمجناكارتا والثورة الفرنسية قد سبقها القرآن إذ أمر بأن الإنسان حر وإن الشورى هي دستور المسلمين.

آخر الأديان

        وإذا تجرد أعداء الإسلام من الحقد والأغراض الخبيثة لأدركوا أن الله سبحانه وتعالى حيث شاءت أرادته أن يكون الإسلام هو آخر الأديان قرر أن يكون الدين الحنيف هو السبيل إلى إقامة المجتمع المثالي. وقد وصلت القواعد التي أرساها الإسلام إلى وضع تنظيمات تربط معاملات الناس بكتابة العقود والقروض ومن الذي يكتب القرض وضرورة شهادة رجلين.
        لم يترك الدين الإسلامي أمراً من أمور الحياة إلّا وضع قواعد لو سادت لخلت المحاكم من القضايا واختفت المشاحنات، فهو نظّم لنا قواعد الزواج والطلاق وما يترتب عليهما ووضع القواعد للميراث والقواعد ومسؤولية القائم على أموال وثروات اليتيم. حتى أسلوب الإنفاق والمشي وآداب الزيارة والحديث وحقوق الجار. وهكذا ليوفر لكل إنسان حقوقه مع احترام حقوق الغير وكي يحمي الإنسان ويحافظ له على حقوقه وضع العقوبات للجرائم. وذهب إلى أبعد من ذلك فحرّم من المأكل والمشرب ما يضر بصحة الإنسان وحرم الميسر الذي يخرب البيوت ويدمر علاقات الناس ويهدد أعصاب المقامر.
        والإسلام هو الدين الذي أباح للإنسان المتع الحلال {كلوا من طيبات ما رزقناكم} ، وهو الدين الذي لم يفرض على الإنسان أن يترك العمل ليتفرغ طوال يقظته، وهو الدين الذي يدعو إلى انفتاح العقول إذ يحدث الناس عن السماء. والنجوم والليل والنهار وعن الأرض والجبال والوهاد ومرج البحرين ويحدثنا عن الماء الذي يقول لنا الله في كتابه {وجعلنا من الماء لك شيء حي} ويقول العلم أن 65% من جسم الإنسان من الماء والإسلام هو الدين الذي يدعو إلى العلم والسعي له. ويقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:   ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو علم ينتفع  به أو ولد صالح يدعو له)) ويقول:   (( اطلبوا العلم ولو في الصين)) ومن آيات الذكر الحكيم العديد التي تحث على العلم {وقل ربي زدني علما} وقد يفسر البعض العلم في القرآن بأنه مقصور على العلم بالعبادات وبما أمر الله به ولكن الله الذي يحدثنا عن كثير من أمور الطبيعة وخلق وعن أسلوب خلق الجنين وتطور مراحل الخلق وقد أثبت العلم الحديث أن الجنين يمر فعلا بنفس التطورات التي وردت في القرآن)).. والله إذ يحدثنا عن الطبيعة وخلق الإنسان وتطور الجنين إنما يحدثنا عن أمور ليست من العبادات ولا الحدود ولا تنظيم علاقات الناس بل يريد أن يبصرنا بالعلم ويفتح الرؤية على ظواهر علمية وذلك كي لا ينكمش عقل وحياة الإنسان في دير العبادة.
        كل هذه أمور يتجاهلها أعداء الإسلام. كل هذه الأمور وغيرها مما نعرفه علن الإيلام يعرفها أكثر أعداء الإيلام ويتجاهلونها في حملاتهم الباغية. فيتهمون الدين بأنه دين عدوان وإنكار لحقوق الإنسان وعدو للديمقراطية وذلك لينفذوا إلى نفث سمومهم ضد الإسلام.
        أعداء الإسلام يشنون حملات ويصنعون أزمات لأن فتيات قمن بتغطية الرأس بينما لا يثيرون أدنى اعتراض على لبس اليهود الطواقي في المدارس والأماكن الرسمية. ولا ارتداء الآسويات ملابسهن الوطنية.
        أعداء الإسلام جعلوا الدول الغربية تنزل العقاب على من يجرؤ على إنكار إحراق اليهود في أفران الغاز النازية فقد حكمت المحاكم على جان ماري لي بن بتعويضات لأسر يهودية رفعت قضايا أدعت فيها أن تصريح الزعيم الفرنسي بأن إحراق اليهود   ((الهلكوست)) أمر تافه قد سبب لها أحزانا وصلت قيمة التعويضات إلى أكثر من مليون فريك فرنسي. وعندما يؤلف إنسان كتابا، وينشره ويوزعه يحشده بأبشع وأفحش الأمور الكاذبة عن الإسلام والنبي الكريم ويغضب المسلمين ينبري أعداء الإسلام بالدفاع عن الكاتب والكتاب مدعين الدفاع عن حرية الرأي.
        ويدعي أعداء الإسلام أن الدين القيم يحرم المرأة من حق العمل، وهذا كذب وافتراء أن لا توجد في كل آيات القرآن ولو آية واحدة تحرم العمل على المرأة.
        ولو أن الإسلام كان من عند سيدنا محمد كما يدعي بعض الأعداء لما اختار السيدة مريم العذراء ليكرمها ويرفع مكانتها على نساء العالم ولكان أثر بهذا المركز السامي إحدى زوجاته.

الحملات الشرسة

        الحملات الشرسة التي تزداد شراسة لتشويه الإسلام لدى الشعوب غير المسلمة التي تجهل ما هو الإسلام وما هي قواعده ترجع لعدة أسباب:
        أولا: هو الدين الوحيد الذي لم يحدث في كتابه المنزل أي تحريف ولو في آية واحدة ولا حتى في كلمة واحدة من كلماته بينما الكتب المسيحية الإنجيل واليهودية التوراة نجد فيها كتبا مختلفة وقواعد متضاربة.
        ثالثا: أسباب سياسية منها عداء اليهود لقيام دولة فلسطينية وطمع اليهود في الاستيلاء المستمر على أرض دول عربية  (من النيل إلى الفرات)، ولان القرآن الكريم تروي آياته ماذا أنعم الله على بنى إسرائيل وكيف غفر لهم مرات ومرات مع ذلك كان أكثر هم يعاودون التحلل من تعاليم الله.
        أسباب سياسية أيضا نتيجة إقبال الشعوب التي استعبدها الاستعمار على اعتناق الإسلام في وسط أفريقيا السوداء، فالإسلام لا يفرق بين بني الإنسان بسبب الجنس أو اللون.
        كما أثار اعتناق بعض كبار المفكرين في أوربا وأمريكا الدين الإسلامي المخاوف لدى أعداء الإسلام.
        رابعا: الخوف من تنظيم يضم المسلمين ويوحد كلمتهم ويرتب أمورهم ويعيد لهم القوة ويرسم لهم سبيل الخروج من الأزمات والتفكك.
        وقد أشار الرئيس نيكسون رئيس أمريكا الأسبق في كتابه الأخير إذ قال:   "إنّ القوة في المستقبل التي ستواجه الغرب هي قوة الإسلام".      
        وقد استطاع اليهود أن يقنعوا جانبا من المسيحيين بإيجاد تجمع فكري يطلقون عليه اسم  (التجمع اليهودي المسيحي) وهذا التجمع مقصود منه مواجهة الإسلام ومن المعلوم أن البابا يوحنا بولس الثاني لم يؤيد هذا التجمع.
        المسلمون منتشرون من الصين إلى المحيط الأطلسي ويملكون ثروات ضخمة ولاى ينقصهم إلا أن يجمعهم الدين الإسلامي جمعا صادقا لتصبح الدول الإسلامية لها قوتها التي تفبرض كلمتها في الميدان الدولي.

وأخيرا الإسلام والديمقراطية

        الحقيقة أنه لا توجد في ذلك آيات القرآن الكريم ولو سورة واحدة تدعو إلى دكتاتورية الرأي، بل على العكس توجد عشرات السور التي تدعو إلى الشورى، وإلى المجادلة بالحسنى، وإلى أنه لا واسطة بين الإنسان والله.
        الأمر بالشورى، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس بمسيطر على الناس، وبالتالي لا سيطرة لإنسان على آخر، والمقصود بالسيطرة هو التحكم في العباد.
        هذه الأمور  (الشورى وعدم السيطرة وحرية الإنسان والمجادلة بالحسنى) هي نفس القواعد التي ترتكز عليها الديمقراطية التي لم تعرفها الدول كنظام دستور إلا بعد أكثر من ألف سنة.
        وفي ظل دستور إسلامي يمكن أن تقوم أحزاب تتنافس على تولي السلطة ببرامج مختلفة ومجال اختلاف البرامج واسع فهو يشمل القواعد الاقتصادية التي تقوم عليها الدول.هل هي الاندفاع نحو الصناعة على حساب الزراعة أم الزراعة على حساب الصناعة، أم الأخذ بحل وسط يعطي كل جانب نصيبه. وتتناول البرامج مثلا سياسة التعليم بآراء مختلفة وكذلك علاقات الدول بدول العالم وهي علاقات سياسية واقتصادية وتحالف وتكامل وتعاون وأمور لا حصر لها.
        الدستور الإسلامي لا يمنع أبدا اختلاف الآراء بالنسبة لعشرات المسائل وحيث أنه يأمر بالشورى فإن الوصول إلى الواجب تطبيقه يتحقق بالانتخاب كأفضل أسلوب لمعرفة رأي الأغلبية، فالإسلام لا يعارض ولا يتعارض مع معرفة الرأي عن طريق الانتخاب.
        في الدول الديمقراطية الغربية الدستور تحمي نصوصه قوانين العقوبات. فالذي يعتدي على الدستور يتعرض للعقاب. فلماذا لا يكون للدستور المشتق من الإسلام قدسيته وتكون له الحماية من المعتدين.
        الحديث عن عظمة الإسلام لا ينتهي... وما أنا بالعالم الفقيه ولكني سمحت لنفسي بالكتابة عنه راجيا المولى ألا أكون قد أخطأت وما دفعني إلى ذلك إلا الحملات الفاجرة التي يشنها أعداء الإسلام مستغلين أخطاء المسلمين ليلصقوها بالإسلام، وضرورة الرد عليها.

الثلاثاء، 15 أغسطس، 2017

نهاية الحرية في أمريكا

من كتاب في طور الإعداد

بقلم روبرت بي أبل Robert P. Abele
27 ديسمبر 2013م فى informationclearinghouse.info

الحريات الأربع الموجودة في أسس الحكم في الولايات المتحدة وعلى لسان كبار القادة هي:
1-حرية الكلام وحرية التعبير في كل مكان في العالم
2- حرية العبادة لكل إنسان ليعب الله بالطريقة الخاصة به.
3- الحرية الاقتصادية التي تضمن لكل أمة حياة صحية في وقت السلم لمواطنيها في كل مكان.
4- الحرية من الخوف والتي تعني تخفيض السلاح حتى لا تعتدي دولة على أخرى.
وهذه الحريات مناقضة تماماً مناقضة تماماً للاستبداد والفاشية.
كم هي حرية الناس اليوم في أمريكا؟
الناس أحرار لاستخدام التقنية لتبادل أفكارهم من الآخرين وتحطيم هذه الحرية يمكن تحقيقه بسهولة بمعرفة التي تسعى لتسجيل هذا الحديث مثل برامج وكالة الاستخبارات الوطنية NSA، وبدون الخصوصية في تبادل آرائنا مع الآخرين فليس هناك حرية تعبير ولا حرية اتصال مع الآخرين. ولا يمكن الاحتجاج على فقدان هذه الحرية لأن أي احتجاج من أي مجموعة معروف ويمكن إيقافه في مهده قبل أن يقع لسابق علمهم بأي خطة للاحتجاج