الأحد، 12 يناير 2014

ملخص ورقتي في مؤتمر "التربية والتعليم في سياق التبادل الثقافي" بجامعة نوتردام يومي 2 و3 يونيه 2011



"ضرورة إنشاء الدراسات الأوروبية والأمريكية في الجامعات العربية "

خلفيات تاريخية:

        ذكر المستشرق الألماني رودي بارت في كتابه (الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية) الذي نشر عام 1964 أنه حدث في أحد مؤتمرات المستشرقين أن التفت مستشرق إلى عالم مسلم فقال له: ها نحن ندرسكم ونبحث في قضاياكم وموضوعاتكم، فمتى تبدؤون أنتم بدراستنا"

        وحينما حضر جون اسبوزيتو المتخصص في الدراسات الإسلامية بجامعة جورج تاون بواشنطن العاصمة إلى مهرجان الجنادرية قال في محاضرته: لقد ألفت عشرات الكتب عن الإسلام والمسلمين، فكم عدد العلماء أو الباحثين المسلمين الذين كتبوا في العصر الحاضر عن النصرانية أو اليهودية؟

        وأما حسن حنفي فنشر كتابين أولهما (مقدمة في علم الاستغراب) أكد فيه على ضرورة أن يدرس العرب والمسلمين الغرب وذلك ليقضوا على مركب الاستعلاء والتفوق لدى الغربيين، وثانياً ليتخلصوا من مركب النقص والضعف الذي نعيشه، وقال علينا أن نتحول من ذات موضع الدرس إلى ذات دارسة.

        وكان السيد محمد الشاهد أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية قد قدّم اقتراحاً مفصلاً لإنشاء كلية للدراسات الأوروبية والأمريكية، ولكن تلك الجامعة لم تستوعب الاقتراح ولم تفهمه، فخرج الشاهد من الجامعة دون أن يتحقق مخططه.

        وكان لي محاولة للدعوة إلى دراسة الغرب في مقالة بعنوان (متى ينشأ علم الاستغراب؟) نشرت في كل من مجلتي أهلاً وسهلاً ومجلة الفيصل. كما أنني ألقيت محاضرة في النادي الأدبي بأبها عام 1419هـ بعنوان (المعرفة بالآخر دراسة للظواهر الاجتماعية) وقد صدرت الطبعة الأولى عن النادي نفسه، ونشرت طبعة ثانية مزيدة أضفت فيها فصلاً عن بعض الجوانب الإيجابية التي يمكن أن نتعلمها من الغرب.

الأمة الإسلامية رائدة في معرفة الأمم والشعوب الأخرى.

        عندما كانت الأمة الإسلامية أمة راقية متحضرة وكان الإبداع يلقى الدعم والتشجيع عرفنا الأمم والشعوب الأخرى ولعل أول إشارة إلى هذه المعرفة قول الرسول صلى الله عليه وسلم عن النجاشي حاكم الحبشة "إن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد" ولما دخل رسول الجيش الإسلامي على القائد الفارسي وقال له "كانت تبلغنا عنكم الأحلام أنكم تتساوون فيما بينكم فإذ بكم يستعبد بعضكم بعضاً، إن قوماً هذا حالهم فمصيرهم إلى زوال"

        وعرف المسلمون الملل والنحل والأديان فكتب الشهرستاني والبغدادي وابن حزم وابن تيمية، أما أبو الحسن البيروني فسبق المستشرقين والرحالة العرب والأوروبيين حيث ذهب إلى الهند وعاش فيها عشر سنوات تعلم لغات الهند وتاريخها وعقائدها ومجتمعاتها وثقافاتها. لله دره كيف أدرك أهمية الانتقال لدراسة الهند لو لم نكن أمة مستيقظة حقاً.

وكتب أسامة بن منقذ كتابه الرائع (الاعتبار) الذي وصف فيه الصليبيين من النواحي الأخلاقية والخلقية والثقافية وطباعهم وعاداتهم وغير ذلك.

        وعرف العالم الإسلامي الرحّالة الذين جابوا أقطار الدنيا حتى أضحت كتاباتهم مرجعاً للأوروبيين أنفسهم مثل ابن فضلان وابن حوقل وغيرهما، كما عرف العالم الجغرافيين المسلمين الذين درسوا الكرة الأرضية شمالها وجنوبها وشرقها وغربها.

النهضة العربية الحديثة

إن النهضة العربية التي بدأت منذ بداية القرن التاسع عشر قد أخرجت لنا المئات من العلماء الذين عرفوا الغرب وكتبوا عنه من الداخل، ومن أبرز هؤلاء خير الدين التونسي ورفعت رفاعة الطهطاوي وغيرهما، كما عرفت العشرات أو حتى المئات من الدبلوماسيين الذين عملوا سنوات في أوروبا وكتب بعضهم عنها بالتفصيل. ولكن هذه المعرفة لم تتحول إلى عمل مؤسسي على  الرغم من أن هؤلاء عرفوا الاستشراق والمعاهد الاستشراقية وإنتاج المستشرقين بل إن علماء من الأمة الإسلامية شاركوا مع المستشرقين في مؤتمراتهم. لقد تأخرنا ومازلنا متأخرين.

تجارب الأمم الأخرى في دراسة بعضها البعض

بريطانيا:

أدركت الحكومة البريطانية حاجتها إلى المتخصصين في الدراسات الأوربية الشرقية والسلافية والشرقية والإفريقية فكلفت العديد من اللجان على مدى قرن كامل وكان أولها عام 1903 ثم في عام 1947وفي عام 1961 و1985 و1993 وقد عُدّ الإسلام موضوعاً استراتيجياً عام 2007 وخصصت أموال طائلة لدراسة الإسلام والشعوب الإسلامية. ومن الملفت للانتباه أن مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية أسست في لندن بناء على قرار من مجلس النواب البريطاني عام 1916م.وكان هذا الدعم في شكل منح وأموال لتستمر هذه الدراسات وتقوى وتشتد. وقد عانت هذه الدراسات من شح الإمكانيات في عهد رئيس الوزراء توني بلير فاتصل به أعضاء من الجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط لتزيد الحكومة في دعمها لهذه الدراسات.

أما أمريكا فقد ورثت الإمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس فكان من أول اهتمامات أمريكا أن تسد النقص الكبير لديها في المتخصصين في الدراسات العربية والإسلامية والدراسات الإقليمية فصدر المرسوم الدفاعي الجمهوري عام 1957 لدعم عدد كبير من مراكز دراسات الشرق الأوسط في عدد من كبريات الجامعات الأمريكية لدراسة العالم العربي والإسلامي. وكان من وسائل سد النقص في هذه المرحلة أن استقدمت الولايات المتحدة الأمريكية عدداً من كبار المستشرقين الأوروبيين من أمثال هاملتون جيب وفون جرونباوم وفيليب حتي وغيرهم. واستمر الاستقدام عن طريق برامج الأساتذة الزائرين الذين كانوا يعملون في الجامعات الأمريكية فترات معينة ومن هؤلاء على سبيل المثال برنارد لويس الذي انتقل إلى أمريكا نهائياً عام 1974م. واستمر هذا الدعم حتى ظهرت الحاجة الماسة إلى مزيد من التعرف على العالم العربي والإسلامي بعد عام 1990 فزاد الدعم لهذه المؤسسات والهيئات، وظهرت الحاجة ماسة أيضا عام 2001 بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر فظهر أن أمريكا بحاجة إلى متخصصين في عدد كبير من لغات العالم وصلت إلى أكثر من مائة لغة، كما أن بعض الجامعات قدمت برامج لتخريج متخصصين في اللغات الأجنبية يتقنونها كأهلها وهذا أمر يكلف الكثير.

وأبدع الأمريكيون في هذا المجال حتى إنهم أسسوا ما سمي الدراسات الإقليمية أو دراسات المناطق التي كانت ملفتة لانتباه اللجنة البريطانية التي كوّنت عام 1961 برئاسة سير وليام هايتر الذي زار عشر جامعات أمريكية للتعرف على هذه التجربة والتعلم منها والإفادة منها في الجامعات البريطانية

وينطبق الأمر نفسه على برامج الدراسات الشرقية والعربية والإسلامية في فرنسا وألمانيا وروسيا وغيرها.  وعدوتنا إسرائيل لها جهود كبيرة في دراستنا فهناك العديد من مراكز دراسات الشرق الأوسط في عدد من الجامعات الإسرائيلية التي تطلع على كل ما يُنتج في بلادنا العربية والإسلامية من إنتاج فكري، كما يشارك باحثون من إسرائيل في كثير من المؤتمرات حول الشرق الأوسط في جميع أنحاء العالم.

الدراسات المتبادلة: الغرب يدرس الغرب والشرق يدرس الغرب

بدأت اليابان في الدراسات الأمريكية بسلسلة محاضرات بدأت عام 1949 بجامعة دوشيشا بمدينة كيوتو، ثم تطورت هذه المحاضرات إلى قسم علمي ثم توسعت اليابان في هذه الدراسات حتى كانت هذه الدراسات موجودة في جامعات طوكيو وكيوتو ودوشيشا وغيرها. بل إن اليابان أسست جامعة في أوزاكا للدراسات الخارجية لتخدم وزارة الشؤون الخارجية. واقتضى التطور في الدراسات الأمريكية أن أنشأت اليابان الرابطة اليابانية للدراسات الأمريكية، كما أنشأت رابطة أخرى لدراسات الشرق الأوسط ورابطة ثالثة للدراسات الأوروبية ولديهم دراسات لدول المحيط الهادي وجنوب شرق آسيا.

     ولم تتأخر الصين عن الدراسات الإقليمية فالأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية كانت تحتل مبنى لا يزيد عدد طوابقه عن الخمسة عام 1947 وفي عام 2000 أصبح المبنى  أكثر من عشرين طابقاً وعقدت الأكاديمية ومعهد دراسات غرب  آسيا وشمال أفريقيا مؤتمراً حول العولمة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ونشأت فيها الدراسات الأمريكية حتى إن هناك الآن أكثر من خمسة عشر مركزاً،

        ووجدت هذه الدراسات في ماليزيا والهند وغيرها من الدول.

الغرب يدرس الغرب.

قرأت إعلاناً عن معهد الدراسات الأمريكية بجامعة لندن فلما راسلتهم وجدت أن لديهم برنامج ماجستير ودكتوراه في الدراسات الأمريكية من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد تحول هذا المعهد من الاقتصار على أمريكا الشمالية  حيث أصبح المعهد لدراسة الأمريكيتين، وقام البريطانيون بتأسيس الرابطة البريطانية للدراسات الأمريكية.

      وفي ألمانيا وجدت أن هناك مركز الدراسات البريطانية الذي يمنح درجة الماجستير في الدراسات البريطانية وفي برلين نفسها يوجد أكبر مركز خارج أمريكا للدراسات الأمريكية وفيه مكتبة ضخمة وهو مركز كنيدي للدراسات الأمريكية. وتوجد هذه الدراسات في معظم الدول الأوروبية حتى إن هذه المؤسسات أسست مؤسستين مهمتين هما: الرابطة الأوروبية للدراسات الأمريكية، كما أن هناك شبكة الدراسات الأمريكية وهي مؤسسة تضم أكثر من تسعة عشر مركزاً مختصاً بهذه الدراسات.

        وتشارك روسياً أيضاً بالدراسات الأمريكية.

لماذا لا تقوم جامعاتنا بالدراسات الأوروبية والأمريكية؟

        لقد تأكد لي من خلال تجربة طويلة في عالم الاستشراق أن مثل هذه الدراسات تحتاج إلى قرار من أعلى مستوى من ملك أو رئيس جمهورية أو رئيس وزراء. فهذه الدراسات لا يمكن أن تعتمد على الجهود الفردية من الجامعات أو من الأفراد أو منظمات المجتمع المدني، وإنما الأصل أن تنطلق الدعوة من قمة السلطة السياسية، فلماذا لا يتحرك الزعماء العرب والمسلمون (عدا ماليزيا) في اتجاه إنشاء هذه الدراسات حتى إن الدراسات الأمريكية في بلادنا في معظمها في جامعات أمريكية أو يقودها أمريكيون.

        فدعوتي هنا أن تنطلق الدراسات الأوروبية والأمريكية في أسرع وقت بل علينا أن نفكر بجد في الانتقال من الدراسات الأمريكية إلى الدراسات الإقليمية لتضم دراسات الصين واليابان والهند وباكستان وتدرس القارة الإفريقية ودراسات أمريكا الجنوبية.

السبت، 11 يناير 2014

العداء الغربي للعالم الإسلامي لـ بوهندوي – محمد مصطفى "نيازي "أستاذ بكلية اللغة العربية والدراسات الإسلامية بيشاور - باكستان


بوهندوي– محمد مصطفى "نيازي"


 
 
 

إلى نهاية عقد الثمانينات كان العدو الرئيسي للغرب هو النظام الشيوعي والدول التي اتخذت النظام الشيوعي للحكم، كانت الرأسمالية هي الخصم الأساسي، وقد حارب الغرب الشيوعية والإسلام، وبذل كل ما في وسعه، إلا أنه لم ينجح في إضعاف الشيوعية حتى جاء غورباتشوف إلى السلطة، بينما استطاع إضعاف الثانية على مراحل، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط النظام الاشتراكي في شرق أوربا برز عدو جديد للغرب، وهذا العدو هو الإسلام، وكما يُقال في بعض الأوساط بالتطرف الإسلامي ففي يوم الخميس 30 أيلول (سبتمبر) 1999م قال كاردنال بوبارد أحد المقربين من البابا يوحنا بولس الثاني : "إن الإسلام يشكل تحديا مرعبا بالنسبة للغرب، ومشكلا خطيرا بالنسبة للأمل المسيحي" معترفا في الوقت ذاته بأن "لا علاقة للإسلام بالتطرف الإسلامي" وقال بوبارد رئيس المجلس الحبري للثقافة في حوار أجرته معه صحيفة (لوفيغارو) : "أن هذا التحدي يتمثل في كون الإسلام دينا وثقافة ومجتمعا ونمطا للعيش والتفكير والممارسة" مشيرا إلى أنه أمر حاصل، وإلى أن الواقع برهن على أن الإسلام لم يتغير"وأضاف قائلا : "أن العديد من المسيحيين الأوربيين _وأمام تزايد ضغط المجتمع ونمط العيش وعوامل داخلية أخرى- يأملون في تهميش الكنيسة وينسون الصوم الكبير وعذاب النار، ويهتمون في المقابل بل وينبهرون برمضان"

          ودعا الكاردنال –الذي قال إنه "لا يخشى أن تُستغل تصريحاته هذه من طرف الخصوم- إلى الوعي أكثر بالحضور المتزايد للإسلام في القارة الأوربية التي أضحت الحدود فيها هشة وأكثر نفاذية" وخلص الكاردنال بوبارد –الذي صدر له مؤخرا كتاب بعنوان (المسيحية في أفق الألفية الثالثة)- إلى أن "الحوار ضروري بالنسبة للجميع، ومن شأنه المساهمة في إسقاط الأحكام المسبقة"وفي يوم الأربعاء 13 أكتوبر 1999م حذَّرَ أسقف أزمير الكاثوليكي المونسيتور برنارديني من مخاطر "فتح إسلامي جديد" لأوربا، وذلك في مداخلة ألقاها أمام مجمع أساقفة في الفاتيكان حول أوربا نُشرت في روما وعدَّدَ الأسقف -الإيطالي الأصل- أمام الحبر الأعظم والأساقفة الآخرين في المجمع سلسلة مراحل تؤكد برأيه العزم على إعادة فتح أوربا. وقال إن العالم الإسلامي سبق أو بدأ يبسط "سيطرته" بفضل دولارات النفط، وأضاف إن هذه الدولارات لا تُستخدم لخلق فرص عمل في الدول الفقيرة في أفريقيا الشمالية أو في الشرق الأوسط، بل لبناء مساجد ومراكز ثقافية للمسلمين المهاجرين إلى دول مسيحية بما في ذلك روما عاصمة المسيحية" وتساءل : "كيف يمكننا أن لا نرى في كل ذلك برنامجا واضحا للتوسع والفتح الجديد؟"

وأكد الأسقف برنارديني أن "كلمات الحوار والعدل والمعاملة بالمثل، أو مفاهيم مثل حقوق الإنسان والديمقراطية تتضمن في الإسلام معاني تختلف تماما عن مفهومنا لها" وأضاف إن ذلك قد يجعل من الحوار بين المسيحيين والمسلمين "حوار طرشان" وتابع إن "الجميع يدرك أنه يجب التمييز بين الأقلية المتعصبة والأكثرية الهادئة والمعتدلة، لكن علينا ألا ننسى بأن الأكثرية ستقف وقفة الرجل الواحد وتستجيب دون تردد لأوامر تصدر باسم الله أو القرآن"

        وطلب برنارديني من البابا السماح بتنظيم ندوة تُكلف بـ"دراسة مشكلة المهاجرين المسلمين في الدول المسيحية بعمق، وإيجاد استراتيجية مشتركة للبحث فيها وتسويقها بطريقة مسيحية وموضوعية" وأكد أسقف تورنتو الإيطالي المونسينيو لويدج بابا خلال مؤتمر صحافي حول المجمع أن الكثير من الكاثوليك يشاطرون رأي برنارديني وأنه من الضروري أن تطلق الكنيسة حوارا، وفي يوم الأحد 26 سبتمبر 1999م وجه رئيس الجبهة الوطنية في فرنسا جون ماري لوبون في كلمة بمناسبة استئنافه النشاط السياسي تحذيرا من الإسلام، وأعلن أن حزبه سيعقد مؤتمرا في ربيع عام ألفين" وقال لوبن : "إن الغالبية العظمى من المسلمين في فرنسا تجهل الاندماج أو ترفضه، وأنها تتأثر بنفوذ بعد الدول أو الحركات الأجنبية التي تعرف أنها لا تتردد في القيام بعمل إرهابي أو سلوك وحشي"وقال رئيس الجبهة الوطنية : "الأمر لا يتعلق بمنع تحرك هؤلاء الرجال، بل بمراقبتهم لمنع الاستيطان الديموغرافي : كل شعب في بلده وكل دين في دائرته الجغرافية"

       ويواجه لوبن داخل قيادة حركته نزاعا بين تيار يدعو إلى إطلاق حملة جديدة ضد الهجرة، وآخر توصل إلى الاستنتاج بأن فرنسا أصبحت "بلدا متعدد الأديان". وكان المختصون أشاروا إلى أنه بمعدلات النمو الديموغرافي الحالية والمنتظرة في فرنسا سيشكل المسلمون أكثر من 50% من السكان حوالي سنة 2050 واعتبر لوبن أن فرنسا "يجب أن تعالج بشكل عاجل مشكلة حوض المتوسط الهائلة بكاملها"وأضاف يقول : "عندما تكون الأجراس في الشمال والمساجد في الجنوب تصبح الأمور واضحة والتوجه أفضل وتختفي التوترات ويستتب الأمن"

قنبلة القوقاز الموقوتة

         ويوم الجمعة 1 أكتوبر 1999م أنشأت الدول الإثنا عشرة الأعضاء في مجموعة الدول المستقلة مراكز لمكافحة الإرهاب من أجل التنسيق في محاربة المتمردين الإسلاميين في روسيا وفي عدة جمهوريات سوفيتية سابقة، وأعلن وزير الداخلية الروسي فلاديمير روشايلد في مؤتمر صحافي "لقد أنشأنا بنية مؤقتة ستكلف بمسائل التنظيم والتنسيق وسبل مكافحة الإرهاب على أراضي دول المجموعة المستقلة"إضافة إلى الوزير الروسي وقع الوثيقة وزراء داخلية أوكرانيا وجورجيا وأذربيجان وأرمينيا وكازاخستان، وقرغيزستان وأوزبكستان ومولدافيا وبيلاروس الذين اجمتعوا في كييف لإعداد استراتيجية مشتركة لمكافحة الإرهاب وقد جاء تشكيل هذه الوحدة بعد أن حذَّر محللون في بروسيا -في تقرير رُفع إلى الكرملين يوم الإثنين 30 أغسطس- من أن المجموعات المسلحة من التيار الإسلامي تمثل تهديدا يتزايد خطرا على استقرار منطقة القوقاز وآسيا الوسطى، كما أكدت ذلك حركات الثورة التي شهدتها وتشهدها جمهورية داغستان وقرغيزستان

       وبدأت كل من أوزبكستان وطاجكستان وكازخستان وقرغيزستان حربا مفتوحة على الإسلاميين، وتم اعتقال المئات، وحُكم على العديد منهم بالسجنواعتبر وزراء خارجية ودفاع كازخستان وأوزبكستان وطاجكستان وقرغيزستان الذين اتفقوا في بيشكيل عاصمة قرغيزستان أن هذه المجموعات المسلحة باتت تشكل "تهديدا لجميع دول المنطقة"

وقد اعترفت موسكو –إبان التمرد الذي انطلق في داغستان- أن نسبة 10% من السكان مع الدعوة الإسلامية، معتبرة أن انتشار الدعوة مرده تدهور الأوضاع الاجتماعية في المنطقة حيث تبلغ نسبة البطالة الثمانين في المائة ويحذر المسؤولون في القوقاز وآسيا الوسطى بأن الإسلاميين يسعون إلى إقامة دولة إسلامية بالقوة، وهم يدركون أن لهؤلاء امتدادا مكنهم على سبيل المثال من اغتيال مفتي داغستان المعروف بعدائه للتيار الإسلامي سعدي أبو بكرو بسيارة مفخخة عام 1998م، ويتهم الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف صراحة عناصر حزب التحرير الإسلامي بأنهم وراء الاعتداءات التي استهدفته وأوقعت 16 قتيلا في مارس الماضي في طشقند، وقد حُكم على ستة إسلاميين بالإعدام في هذه القضية فروسيا التي تخوض المعركة في القوقاز ضد الإسلاميين ليست منفردة، رغم أن أحدا لا يمكن أن ينكر أن الكثير من الدول الغربية لن تذرف الدموع إزاء تمزق الإمبراطورية الروسية، فقد ذكرت صحيفة (فريميا) الروسية يوم الخميس 19 أغسطس أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد سيساعد روسيا في محاربة الإسلاميين في شمال القوقاز، حيث أن وزير الخارجية الإسرائيلي ديفيد ليفي أكد للسفير الروسي ميخائيل بوغدانوف أن الموساد سيقدم لموسكو معلومات عن الإسلاميين في روسيا، وقد رفضت وزارة الخارجية وجهاز الاستخبارات الخارجية ردا على أسئلة لوكالة فرانس برس، التعليق على هذا النبأ، ونقلت (فريميا) عن دبلوماسيين روس تأكيدهم وجود إسلاميين أردنيين وفلسطينيين في القوقاز

وقد أكدت السلطات الروسية عدة مرات أن الإسلاميين المتمركزين في القوقاز، وخصوصا في الشيشان وداغستان يضمون في صفوفهم عددا كبيرا من المتطوعين من الدول الإسلامية وآسيا الوسطى

       يقول محلل اقتصادي في باريس أن الاقتصاد الروسي المريض لا يمكنه أن يموِّل حرب الشيشان التي تكلف يوميا ما يزيد على خمسة ملايين دولار، وبما أنه من الواضح أن قيادة الكرملين ليست في عجلة من أمرها لحسم الحرب، كما أنه في غيبة إلى تأثير سلبي ظاهر لتكلفة الحرب المرتفعة على الوضع المالي الهش في روسيا، لا بد من الإقرار بأن هناك مصادر تمويل أخرى

     منذ يوم الجمعة 8 أكتوبر 1999م يواجه صندوق النقد الدولي اتهامات جديدة، وهي أن أمواله تُستخدم في تمويل حرب موسكو في القوقاز، خاصة بعدما قامت لجنة المصالحة الروسية المكلفة بتنقيح مشروع موازنة العام المقبل برفع المبلغ المخصص للدفاع والأمن الوطنيين بأكثر من مليار دولار عن التوقعات الأولية، في وقت يتعين فيه على روسيا أن تسدد لصندوق النقد الدولي 369 مليون دولار في أكتوبر 1999م و800 مليون في ديسمبر المقبل وتتحدث الأخبار الواردة من العواصم الغربية عن أن وزير المالية الروسي ميخائيل كاسيانوف حصل مؤخرا وسرا على وعد تلقي أكثر من مليار دولار من الهيئات الدائنة الدولية، فقد وعدت اليابان ودائنون دوليون آخرون بـ 350 مليونا، ويُفترض أن يمنح صندوق النقد الدولي موسكو القسم الثاني من قرضه البالغ 640 مليون دولار وفي الإجمال، ما زال على صندوق النقد أن يقرض روسيا حوالي 4 مليارات دولار قبل نهاية العام 2000 مشترطا بعض النتائج الاقتصادية، وهناك ثلاثة مليارات أخرى من البنك الدولي واليابان مشروطة بمساعدة من صندوق النقد. وليست هذه هي المرة الأولى التي يُتهم فيها صندوق النقد الدولي بتمويل الحروب الروسية، فقد اعتبرت يافوليتا ستشيرينا الخبيرة الاقتصادية في شركة احركاي رنيسالست للسمسرة أن حرب الشيشان الأولى التي أوقعت بين ديسمبر 1994م إلى أغسطس 1996م حوالي 800 ألف قتيل "مُولت بفضل صندوق النقد الدولي، وترواحت تقديرات كلفة الحرب في تلك الفترة ما بين 6 و 8 مليارات دولار وقال فيكتور بوريسوك المحلل في المعهد الاقتصادي العالمي والعلاقات الدولية  "لا أعتقد أن العمليات الحالية أقل كلفة من الحرب السابقة"

الحروب

يعترف خبير في معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن أن الجزء الأكبر من الحروب التي يخوضها الغرب بشكل مباشر أو غير مباشر الآن موجهة ضد خصوم محسوبين على المعسكر الإسلامي. ويضيف أن الحرب المستمرة في جنوب السودان لا تستهدف سوى تقسيمه وإقامة دولة مسيحية وثنية في جنوبه تكون حاجزا أمام المد الإسلامي الذي يخيف الغرب نحو وسط أفريقيا، كما أن النجاح في فصل تيمور الشرقية عن أندونيسيا يشكل خطوة أولى لإضعاف أكبر بلد إسلامي من حيث تعداد السكان، وكذلك لتشجيع الحركات الإنفصالية الأخرى، خاصة وأن القوى الغربية الرئيسية ترقب بتحفظ تحول بين الثلاثة آلاف جزيرة إلى قوة اقتصادية وعسكرية هامة في جنوب آسيا

نفس الخبير يشير إلى التحالف الغريب بين العديد من القوى الغربية وتلك المحسوبة على الشرق ضد حركات وقوى تحسب في المعسكر الإسلامي

فموسكو ونيودلهي وواشنطن وباريس ولندن وغيرها تساند خصوم حركة طالبان في أفغانستان وتتدخل بكثافة ماديا كلما أوشكت قوات طالبان على سحق آخر جيوب المقاومة المعارضة في شمالها، وقبل أشهر سمحت موسكو بإقامة جسر جوي عبر أراضيها لنقل عتاد عسكري من قواعد غربية في أوربا ومن الولايات المتحدة نفسها إلى شمال أفغانستان، والآن توضع قواعد مواجهة أكثر شمولية

حصار دولي جديد

      قرر مجلس الأمن الدولي يوم الجمعة 15 أكتوبر 1999م فرض حظر جوي وعقوبات مالية على حركة طالبان، إذا لم تسلم قبل 14 نوفمبر 1999م أسامة بن لادن المتهم بتزعم شبكة مسلحة دولية، وحظي القرار رقم 1967 الذي قدمته الولايات المتحدة على إجماع أعضاء المجلس الخمسة عشر ويطالب القرار حركة طالبان بتسليم أسامة بن لادن بدون تأخير "إلى بلد مستعد لمحاكمته" وتتهم الولايات المتحدة الثري السعودي الأصل بتدبير الاعتداءين اللذين استهدفا سفارتيها في نيروبي ودار السلام في أغسطس 1998م حيث قُتل 224 شخصا وأُصيب مئات بجروح

    ويحظر القرار على أي طائرة تابعة لطالبان أو تستخدم باسمها الإقلاع أو الهبوط في أرض أي من الدول الأعضاء ويستهدف الحظر عمليا شركة الخطوط الجوية الأفغانية "آريانا" التي تنظم رحلات دولية إلى دبي فقط، ويلحظ القرار استثناءات رحلات الحجاج إلى مكة، ولكنه يفرض تجميد الحسابات المصرفية والممتكلات الآخرى التي تملكها الحركة الحاكمة في كابول منذ 1996م. إذا كانت أولويات روسيا في حربها ضد العدو الجديد في منطقة القوقاز والجمهوريات الإسلامية السابقة في الاتحاد السوفيتي، فإن أولويات أمريكا توجد في الشرق الأوسط، وخاصة في السودان والعراق وفي يوم الجمعة 22 أكتوبر 1999م أكدت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت في نيروبي أن الولايات المتحدة تدعم بشكل حصري جهود الدول الأعضاء في الهيئات الحكومية للتنمية ومكافحة التصحر (إيغاد) لتحقيق السلام في السودان

وتضم (إيغاد) التي تقوم بوساطة بين الصومال والسودان كلا من جيبوتي وأرتيريا وأثيوبيا وكينيا وأوغندا والسودان ونظريا الصومال التي لا تتمتع بحكومة مركزية منذ عام 1991م

     ويرأس الرئيس الكيني دانيل أراب موي مجموعة فرعية تضم أربع دول تسعى إلى إيجاد حل سلمي للحرب في السودان، وتضم هذه المجموعة أوغندا وأرتيريا وأثيوبيا والبلدان الأخيران يتواجهان في حرب،وقالت أولبرايت –التي التقت مع جون قرنق زعيم الجيش الشعبي لتحرير السودان الذي يقاتل لفصل جنوب السودان- : "نظن أن العملية التي تقوم بها (إيغاد) هي الوسيلة الفضلى للتقدم، ونحن لا ندعم أي جهود أخرى يقترحها البعض مثل مصر وليبيا". وجاءت تصريحات وجولة أولبرايت في وقت خصصت فيه أموال جديدة لدعم قرنق عسكريا في محاولة لوقف تقدم الخرطوم في جهودها لإضعاف التمرد ولقطع الطريق على تسوية عربية تحفظ وحدة السودان، وفي الوقت الذي كانت فيه وزيرة الخارجية الأمريكية تضع في أفريقيا أسس تنفيذ المخططات الأمريكية، كان وزير الدفاع الأمريكي وليام كوهين يضع قواعد تنفيذ مشاريع مماثلة في الشرق العربي، فيوم الإثنين 18 أكتوبر، وفي المنامة أكد أن الولايات المتحدة ستستمر في تشجيعها لتغيير النظام في العراق، وصرح كوهين أنه يأمل في أن تتوصل المعارضة لصدام حسين داخل البلاد إلى تغيير النظام يوما ما، واعتبر أن الاضطرابات الأخيرة التي يُشار إليها على وجه منتظم في جنوب العراق وغيرها من الإشارات، تحمل إلى الاعتقاد بأن صدام حسين "لم يعد يتحكم بيد من حديد ببعض الأمور كما كانت الحال في السابق" وأضاف كوهين أن المعارضين "يشعرون بالإحباط لما يتطلب ذلك من الوقت، ولكنهم يدركون أنه ينبغي عليهم أن يواصلوا جهودهم، وإلا فسيخرج صدام حسين من قلعته ويهدد المنطقة من جديد" ودافع كوهين عن سياسة الاحتواء الأمريكية، وقال : "أعتقد بأن جميع المنطقة تدرك بأن صدام لا يستطيع أن يخرج من داخل العلبة الموجود فيها" إن معالم معارك ومواجهات المستقبل قد بدأت تتضح