الأحد، 30 سبتمبر، 2012

أين من يهدى إليه كتاب؟


                                     بسم الله الرحمن الرحيم


              

        طالما راودتني فكرة الكتابة في هذا الموضوع ولكني خشيت أن أكون متأثراً بتجربتي الشخصية مع هذا الموضوع حتى قرأت مقالة للدكتور عبد الملك مرتاض في صحيفة الرياض( 4محرم 1419) بعنوان (الجوائز الأدبية هل جُعِلت لأحفاد الأدباء فقط؟) فقد ذكر الدكتور مرتاض أن الجاحظ أهدى كتابه "الحيوان" وكتابه "البيان والتبيين" وكتابه " الزرع والنخل" إلى ثلاثة من الوجهاء والأثرياء في زمنه فأعطاه كل واحد منهم مبلغاً من المال، قال الجاحظ أنه" اشترى ضيعة في البصرة لا تحتاج إلى تجديد ولا إلى تسميد."
        ويعلق مرتاض بأن هذه المبالغ التي حصل عليها الجاحظ لو حولناها إلى لغة هذا العصر لكان ما حصل عليه يساوي مبلغاً كبيراً بالعملة الصعبة. ويخلص الدكتور مرتاض بالدعوة إلى إعادة النظر في الجوائز التي تقدم إلى الأدباء والمفكرين والعلماء فلا ننتظر إن يبلغوا من العمر عتياً حتى نكرمهم بمال لا يستطيعون إنفاقه وإنما يكون لأبنائهم وأحفادهم.
        وأعود إلى موضوع التكريم والجوائز فأقول إن الإسلام هو دين التكريم والجوائز والوفاء فهذه آيات الذكر الحكيم تتلى منذ اكثر من ألف وأربعمائة عام وستتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وفيها تكريم للأنبياء والصالحين والمؤمنين . فقد ذكرت من الأنبياء إبراهيم عليه السلام ونوح ويونس وإسماعيل ويوسف وموسى وكان أبرزهم ذكراً نبينا صلى الله عليه وعلى إخوانه الأنبياء جميعاً . ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في قوله تعالى في وصف أخلاق الرسول صلى الله {وإنك لعلى خلق عظيم}.
        وقد خلدت كتب السنة الصحيحة مناقب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين فهل في الدنيا أوسمة أرقى وأعظم من هذه الأوسمة. ومن الوفاء العظيم ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنه حتى غارت من ذلك السيدة عائشة رضي الله عنها. وقد كان وفاء الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار من الأمثلة الرائعة على الوفاء ويكفي أن تقرأ ما دار من حوار بينه وبين الأنصار بعد غزوة حنين وما أشيع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرر البقاء في مكة فجمع الأنصار رضوان الله عليهم وكان حديثاً بشرهم فيه بأنه اختار العيش بينهم وإن كان الناس قد عادوا الدرهم والدينار فإنهم يعودون ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا لهم ( الله ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار)
        وقد أدركت الأمة الإسلامية أهمية العلم والعلماء وحرصت على إكرامهم فهذا مجلس شورى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يضم من برز علمياً حتى لو كان شاباً حديث العمر. وقد أوقف أثرياء هذه الأمة على مدى تاريخها الطويل الأوقاف الواسعة على العلم والعلماء عملاً بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث ، وذكر منها (وعلم ينتفع به) . وهل يمكن أن ينتقل العمل في العصر الحاضر بأكثر من نشر الكتاب وتشجيع المؤلفين حتى مع انتشار وسائل الاتصال والمعلومات.
        فإذا كان الجاحظ قد حصل على خمسة عشر ألف دينار من ثلاثة أشخاص مقابل ثلاثة كتب فإن الباحث في هذه الأيام يهدي عشرات الكتب ولا يحصل على ريال واحد بل لا يحصل أحياناً على كلمة شكر كأنما كلمة الشكر كثيرة على المؤلف. وقد كنت أتحدث إلى أحد الإخوة المؤلفين حول عدم إشعاري بتسلم ما أرسلت من هدية فقال كأنك لا تعيش الواقع إن بعض المسؤولين الذين أهديت إليهم كتبك يعتقدون أنك إن سلّمت على أحدهم يظن أن لك حاجة إليه فيعرض عنك. لا تتوقع منهم شيئاً.

         

السبت، 29 سبتمبر، 2012

حصاد الفساد والدكتاتورية وحكم الفرد


 

في محاضرة ألقاها الأسبوع الماضي بالقاهرة كشف الدكتور أحمد جويلي الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية أن الفجوة الغذائية في العالم العربي بلغت 15 مليار دولار سنوياً، وأن حجم البطالة يتراوح بين 50 و60مليون نسمة وأن نسبة 60% من تعداد هذه البطالة هم من الشباب، الأمر الذي يمثل قنبلة خطيرة لأنها تتزايد بنسبة 3% كل عام.

هذه البيانات المهمة التي جاءت على لسان مسؤول عربي تجسد الوضع المتردي الذي وصل إليه العالم العربي فيما يتعلق بعصب الحياة وهو الغذاء ومجالات العمل، فالأمم التي تعاني من أزمة في غذائها مهددة بالسقوط والتسليم لكل عوامل الابتزاز والإغراء الاستعماري. والأمة التي تصيبها البطالة، خاصة في أعز ما تملك وهم الشباب، أمة مهددة بالانتحار على مذبح المشكلات الاجتماعية والجرائم اللاأخلاقية والعنف والسرقات.

وإذا كان العالم العربي قد أصيب بالداءين معاً.. أزمة الغذاء وأزمة البطالة.. فلا نبالغ إذا كررنا القول إن الوضع خطير والمستقبل سيكون أكثر خطورة إذا لم يتم تدارك الموقف بحلول جذرية وجدية.

لكن أول مقومات العلاج تكمن دائماً في التعرف على مسببات الأزمة لمحاولة تلافيها.. ومن يتأمل في جذور أزمة الغذاء والبطالة التي تعصف بالعالم يجدها تتمثل فيما يلي:

أولاً: غياب الرؤية العربية الاستراتيجية التي تضع حلولاً عملية لمعالجة الأزمات بصفة عامة. ولاشك أن إقامة السوق العربية المشتركة كان يمثل أحد تلك الحلول التي لو تمت لتحركت عجلة الاقتصاد ولأسهمت بنصيب كبير في حل أزمة الغذاء والبطالة، ولكن الدول العربية وفقاً لما قال الدكتور جويلي: "لم تحقق أي نجاح في هذا الصدد منذ تأسيس الجامعة العربية عام 1945".

وبهذه المناسبة يجدر بنا أن نشير إلى غياب الرؤية العربية الجامعة في التعامل مع معظم القضايا العربية المصيرية، فليس هناك رؤية عربية للتعامل مثلاً مع مشكلة الصراع على المياه في المنطقة أو الصراع العربي الصهيوني أو الأمن القومي العربي.. أو غيرها من القضايا .. لقد غاب الفكر الجماعي وغابت الرؤية الموحدة فتبعثرت الأفكار والجهود وعجزت الحلول الفردية عن التصدي للقضايا الكبرى.
          ثانياً: غياب الحريات وتفشي ظاهرة الكبت وسيطرة الحزب الواحد والحاكم الفرد على مقاليد السلطة في العديد من البلدان العربية عبر الأنظمة الثورية العسكرية، أفرز حالة من الجدب الفكري والسلبية الشعبية في التعامل مع القضايا التي تواجه المجتمع، بعد أن انفرد بالحكم طبقة من الدكتاتوريين الذين أمموا كل شيء في البلاد لحسابهم.

ومن ناحية أخرى فإن أنظمة الحكم هذه ورطت بلادها وشعوبها في نزاعات وحروب ومغامرات عسكرية خارج الحدود لا لشيء إلا لإرضاء نزواتها الشيطانية، كما ورطت البلاد في معاهدات سلمية فاشلة مع العدو الصهيوني.. الأمر الذي تسبب في نزح خزانات البلاد وإهلاك أبنائها وضرب اقتصاداتها في مقتل، فسقطت في مستنقع الفقر والجوع والبطالة.. وإن المثال الأوضح أمامنا اليوم هو ما حل بالعراق على أيدي نظام البعث البائد وما جرى لمصر في ظل نظام عبد الناصر ومن بعده وما جرى ويجري في ليبيا وسورية.. وغيرها.

ثالثاً: لقد تكونت في العديد من البلاد العربية في الآونة الأخيرة طبقة من الطفيليين من المفسدين ولصوص المال والمتاجرين بأقوات الشعب وأمواله. وقد عقدت تلك الطبقة حلفاً مع المتنفذين في السلطة، وحدث تحت مظلة هذا الحلف تخريب لخزائن الشعوب تحت أسماء ومبررات خادعة، فلم يعد هناك مجال لسد الفجوة الغذائية ولا مجال لإقامة مشروعات تستوعب ملايين العاطلين عن العمل، ووضعت البلاد أمام أخطر القنابل الموقوتة من الجوع والبطالة وهي كفيلة إن انفجرت بالعصف بالمجتمعات والإتيان عليها.

ومن هنا تظل الأزمة قائمة.. أزمة الغذاء والبطالة .. في العالم العربي طالما بقيت مسبباتها.. ولن تجد طريقها إلى الحل الجذري الناجع إلا بزوال حكم الفرد وانتهاء الحكم الدكتاتوري واسترداد الشعوب حريتها وإفساح الطريق أمامها للمشاركة في صنع القرار ببلادها، وانتقال الحكومات العربية من حالة الفكر الأحادي إلى التفكير المشترك البنّاء الذي ينطلق من عقيدة الإسلام وقيمه لمواجهة القضايا والأزمات الكبرى.

وقبل ذلك وبعده فإن العودة الصادقة إلى الله سبحانه وتعالى وتطبيق شرعه والنزول على أحكامه، لا شك أنها كفيلة بتحقيق الأمن والرخاء والقوة والمنعة. وصدق الله العظيم إذ يقول: ولو أن أهل القرى" آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون (96) (الأعراف) وصدق الله: فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا  يرسل السماء عليكم مدرارا  ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا 12 (نوح).

 

ما ذا يكسب العالم إذا عرف الإسلام


 

قبل أيام عاد منتدى الشبكة الليبرالية السعودية إلى الظهور ولا بد أن هذا بموافقة الجهات التي تملك المنع والسماح، ودلفت إليها حيث إني من أعضائها منذ كنت في بريطانيا العام الماضي. وكتبت مضيفاً لموضوع (ما ذا يكسب العالم إذا عرف الإسلام) فكتب أحدهم أي إسلام تتحدث عنه، وهل هو الإسلام الوهابي أو الإسلام كذا وكذا. فرددت في بضعة أسطر ولكنه عاد فكتب لي إنه يريد مزيداً من الإيضاح وأن تكون المقالة الليلة، وقد كنت كتبت هذا الموضوع للمجلة العربية ولم يتحمل رئيس التحرير مسؤولية نشرها فحذفت وليتهم لم يستكتبوني ثم يرفضوا ما كتبت. المهم إليكم المقالة التي لم تنشر

لا أدري هل يضحك الإنسان أو يبكي أو يتعجب عندما يسمع أو يقرأ عن التقسيمات الجديدة للإسلام. إن من أول التقسيمات التي تعرفت إليها لهذا الدين أن ثمة إسلامين: إسلام العامة، وإسلام الخاصة. أو الإسلام الشعبي والإسلام الخاص بالعلماء والفقهاء. ثم تكررت هذه التقسيمات عند الحديث عن الإسلام السلفي والإسلام الصوفي، والإسلام الجماهيري والإسلام المتطرف. وفي عام 1996م كنت أحضر مؤتمراً في ليدن بهولندا وكانت نسبة من الحضور من جنوب شرق آسيا فكان يدور في أروقة المؤتمر بصوت خافت وأحياناً صريح عن وجود إسلام جنوب شرق أسيوي أو لنقل إسلام إندونيسي وإسلام ماليزي وإسلام هندي. وبعض هؤلاء يصرح إلى متى نبقى تابعين للعرب في تفسيرهم للإسلام وفهمهم له؟ فهؤلاء الذين يدفعون إخواننا في جنوب شرق آسيا لابتداع إسلامً خاص بهم ليس لهم هدف إلاّّ تمزيق وحدة الأمة الإسلامية. فيمكن أن يمنّ الله عز وجل على عالم في إندونيسيا فيفهم ويجتهد مما يمكن أن يفيد العرب والمسلمين عموماً فلا غرابة في ذلك ولا عجب. وهل كان البخاري أو مسلم أو الترمذي أو النسائي وغيرهم كثير –رحمهم الله جميعاً- إلاّ من بلاد إسلامية غير عربية ولم يقلل هذا أبداً من شأن العرب. فهل كانوا سيبدعون إن لم يعرفوا العربية كأبنائها. بل ما أجمل كلمات الشيخ أبي الحسن الندوي حينما كان عضو المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية (وكان للجامعة مجلساً أعلى من أنحاء العالم الإسلامي، ثم قررنا أن المجلس الأعلى يجب أن يرأسه وزير التعليم العالي، فصار رئيس المجلس الأعلى لسبع جامعات وهو الآن رئيس المجلس الأعلى لعشرين جامعة- ما أصعب مهمته) وتحدث إلى العلماء في ذلك المجلس مذكراً بأنه من الهند ولكن الإسلام وعلمه به هو الذي أعطاه مكان الصدارة في ذلك المجلس

وازدادت التقسيمات حتى أصبحت إقليمية فهذا إسلام سعودي، وذلك مصري وآخر مغربي وآخر تونسي. بل تعدد الإسلام وتجزأ أكثر ففي البلد الواحد يمكن أن يكون هناك أكثر من إسلام في نظر البعض ففي المملكة يمكن أن يتحدث البعض عن إسلام حجازي وإسلام نجدي بل ربما يقسمون الإسلام حسب المدن حيث تشتهر مدينة ما بتشدد أهلها بينما المدينة المجاورة لهم أكثر تفتحاً أو انفتاحاً. (عنيزة وبريدة مثلاً، مع أنه في إحداهما من ترك التشدد إلى عكسه تماماً

فما الذي أدى إلى كل هذه التقسيمات؟ هل هي من صنع الآخرين مستشرقين أو علمانيين أو متغربين أو ليبراليين أو حتى من المتدينين الملتزمين؟ أعتقد أن أسباب بروز هذه الظاهرة يعود إلى أسباب عديدة.

إن طريقة التزام بلد ما بالدين أو تطبيقه ترجع إلى الثقافة الدينية السائدة والخلفيات الاجتماعية والفقهية وإلى الطبيعة النفسية والاجتماعية والتركيبة السكانية لكل بلد. وقد عرف المسلمون مثل هذه الاختلافات منذ كانت الكوفة والبصرة ومنذ قال الشافعي رحمه الله أفتينا بالعراق بكذا ونفتي الآن في مصر بكذا. وهناك قاعدة فقهية معروفة أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان. ولم يقل أحد من قبل إن هذا إسلام كوفي وذاك إسلام بصري. ولم يقل إسلام عراقي وإسلام مصري. ولن تتوقف الاختلافات مهما حاولنا أن نبحث لها عن جذور أو أسباب أو حاولنا إلغاءها.
أما الحديث عن إسلام سعودي فأمر برز منذ سنوات حيث حاول البعض مستخدماً وسائل الإعلام أن يؤكد أن الدولة السعودية التي قامت منذ تأسيسها بمحاربة كثير من البدع التي انتشرت في العالم الإسلامي في المساجد وفي الحياة العامة من أنواع البناء على القبور وغير ذلك، كما أن استمرار الحجاب في المملكة بقناعة إيمانية من البعض وبالتأثير الاجتماعي من البعض الآخر. وعرفنا في المملكة أيضاً أن تدريس الدين لا بد أن يكون من خلال مناهج مكثفة لم تعرفها معظم البلاد الإسلامية فنحن ندرس الدين الإسلامي من خلال مواد كالتوحيد والفقه والتفسير والحديث. وأضاف البعض إلى هذا التميز بعض العادات والتقاليد من إقامة حواجز بين المرأة والرجل بطريقة ملفتة للانتباه لم تعرفها المجتمعات الأخرى ولا حتى مجتمع المملكة قبل سبعين سنة أو أقل خفنا من الاختلاط فوقعنا في تهميش دور المرأة أو إلغائه إلى حد كبير. بل بيننا حواجز عالية بين الرجال والنساء وقدمنا في كثير من الأحياء سوء الظن على حسن الظن. ولمّا عدنا إلى إعطاء المرأة دوراً في المجتمع وفي الحياة لم نتوصل بعد إلى الطريقة الصحيحة، فإما عزلة تامة أو اختلاط مبتذل.

ولم تكن كثافة المناهج الدينية دائماً هي الطريقة المثلى لتطبيق الإسلام والعيش بموجبه، فبعضنا عرف الإسلام معرفة كبيرة ولكن من الناحية الآلية الميكانيكية فقط؛ عرفنا فروض الوضوء وسننه، وأركان الصلاة وواجباتها وسننها وعرفنا السنن والواجبات والمستحبات، ولكننا غفلنا عن الروح الحقيقي للدين الإسلامي. فجاءت سلوكيات البعض منّا خالية من الروح الإسلامي فكان الغش في المدارس وفي المصانع وفي الورش وفي التجارة وغيرها. وتشهد المحاكم المكتظة بالقضايا بهذا الخلل.

وكانت روح الاستعلاء لدى بعضنا مضرة بالمملكة من حيث لا يدرون. فكانوا إذا انتقلوا إلى بلد من البلاد يبدأون بنقد تطبيقات الإسلام والتركيز على ما يرونه بدعة- وقد يكون رأيهم صحيحاً- لكن ما تأثير تلك البدعة في صلب الاعتقاد بالإسلام؟ ما تأثير تلك البدعة في التعامل؟ هل هذه البدع التي يهول بعضنا أثرها وخطرها أقل خطراً من الظلم والاستبداد والغش وسرقة الأموال العامة والخاصة؟ لا أقول هذا تقليلاً من شأن البدع أو ثناء عليها معاذ الله. ولكن هل ما يفعله بعض الدعاة المسلمين من هذا البلد إذا خرجوا إلى البلاد الإسلامية من الإسراع إلى تبديعهم الناس بل أحياناً تكفيرهم ناسين قول الله عز وجل (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) وناسين قول المصطفى صلى الله عليه وسلم (ما كان الرفق في شيء إلاّ زانه وما نزع من شيء إلاّ شانه) وأنه صلى الله عليه وسلم ما خٌيّر بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما.
ومسألة أخرى عن خصوصيتنا وصفاء عقيدتنا وهو أمر طيب ولكن ما آثاره في البناء والحضارة؟ لماذا تحفر شوارعنا مئات المرات؟ لماذا نعاني أزمات متوالية مع السكن؟ لماذا لا يستطيع الإنسان المتوسط الدخل أن يجد قطعة أرض داخل مدننا الكبرى ولا حتى الصغرى؟ كيف علاقاتنا بجيراننا؟ كيف هي صلتنا للرحم؟ أين هي الآداب الإسلامية في الطريق حتى إن قيادة السيارة –وأجزم- من الأمور التي ترفع الضغط أكثر من ألف فنجان من القهوة. ولماذا تنتشر الواسطة بطريقة لا يستطيع أن يصل صاحب حق في كثير من الأمور أن يصل إلى حقه بدون واسطة؟ أين المبدعون في الفيزياء والكيمياء والرياضيات والهندسة والطب، بل أين المبدعون في العلوم الشرعية؟ نحن بحاجة إلى مراجعة صدق التزامنا بالإسلام في قضايا كثيرة.

التعاون الأمني والدفاعي بين أمريكا والعالم العربي


 

       خصص المؤتمر السنوي الثامن عشر للمجلس القومي للعلاقات الأمريكية العربية الذي عقد يومي 15 و16 أكتوبر 2009م (19 و20 ذي القعدة 1429هـ) جلسة للحديث عن التعاون الأمني بين أمريكا والعالم العربي. وتحدث فيه أمريكان وعرب. فالأمريكي تحدث طويلاً عن مسؤوليات أمريكا الأمنية ومصلحتها في الأمر فهي تبيعنا السلاح وهذا يجعل المصانع الأمريكية تشتغل ويدر عليها دخلاً كبيراً. وقد كتبت وسائل الإعلام أنه عندما احتلت العراق الكويت وكان ثمة تهديد أمريكي للمملكة وفقاً للتقارير الأمريكية التي كذبوها هم فيما بعد (12 سبتمبر مقال جيمس إيكنز James Akins السفير الأمريكي السابق في صحيفة لوس أنجلوس تايمز) كان من ضرورات حماية أمننا في المملكة أن نشتري صورايخ الباتريوت للرد على صواريخ العراق فكانت تكلفة كل صاروخ عشرات أو مئات الملايين، وبدأت المصانع الأمريكية تعمل بأعلى طاقتها لتوفر لنا بفلوسنا تلك الصواريخ ومنها صورايخ صنعت لإسرائيل وما أظنها إلاّ على حسابنا (قال لي مسؤول بريطاني نبيعكم السلاح ونجدد سلاح قواتنا بالفائض من قيمة أسلحتكم، قد يكون صادقاً فالخبر يحتمل الأمرين) وامتدح أكثر من عسكري أمريكي استضافة قطر للقاعدة الأمريكية وضيافة قطر وترحاب قطر بهم. وذكر الأمريكان في حديثهم عن الأمن أمن الخليج بصفة خاصة وأنهم يعدونه من الأمن الأمريكي، والسبب الأكبر هو أن يتدفق النفط بلا عوائق (وفي وثيقة ربما أخطأت السفارة الأمريكية في توزيعها يضيفون وبأسعار معقولة) فمن الذي يقرر الأسعار المعقولة نحن أو هم، صاحب السلعة أو المشتري المحتاج؟) وأضاف المتحدث الأمريكي لا تقتصر العلاقة الأمنية بيننا وبين العرب على بيع السلاح وإنما نقدم خدمات إستراتيجية تتطلب بعث مدربين من قبلنا للقيام بمهام التدريب كما أن عدداً من ضباطهم يأتون إلينا لنقوم بتدريبهم في بلادنا، وعندما يأتون إلى أمريكيا نرشح لكل ضابط ضابطاً أمريكيا مشرفاً عليه يسمى الكفيل أو الراعي (ٍSponsor)وهذا بلا شك يقدم لنا بأثمان ربما تكون باهظة. كما أنه فرصة لأمركة العقول فنحن كما يزعمون في معركة العقول والأفهام لا بد للأمريكيين أن يكسبوا العقول والأفهام وهم كاسبوها كاسبوها بلا شك. وقديما كتب المستشرق الأمريكي الجنسية البريطاني الأصل اليهودي الملة الإسرائيلي الصهيوني النزعة أن الجيش التركي في عهد الدولة العثمانية احتاج إلى تدريب الجنود الأتراك فأرسلت فرنسا عدداً من الضباط والمدربين لتدريب الجيش التركي وهنا يسخر منّا ومن الدولة العثمانية برنارد لويس فيقول: انظر إلى الأتراك الذين كانوا يحتقرون الكفار يجلسون اليوم ليتعلموا منهم أشرف المهن (حسب زعمه، وإلاّ فأشرف المهن هو التعليم) ويضيف لويس إن المدربين الفرنسيين لم يأتوا معهم بكتب العسكرية وحدها بل جاؤوا معهم بكتب موليير وفولتير وغيرهما، أي جاؤوا معهم بالإلحاد والكفر. وعندما ابتعث المغرب بعض طلابه للدراسة في فرنسا وانتهت مدة التدريب فطلب مشرف البعثة الفرنسي من الحكومة المغربية أن تأذن لهؤلاء الطلبة بالبقاء بعض الوقت في فرنسا ليتشبعوا بعظمة الحضارة الفرنسية. وهذا تحدثه عندنا قنوات الإم بي سي (Mbc) العظيمة بما تبثه من أفلام أمريكية ولكن كما قيل ليس المعاينة كالسمع.

        وفي الحديث عن أمن منطقة الخليج العربي كرر الأمريكيون إننا نعرف أن تلك المنطقة غير قادرة على حماية نفسها فلا بد أن تكون هذه من مسؤولياتنا. وقد كان هذا الموضوع قد أثير في أكثر من مؤتمر حضرتها وأعددت تقارير عنها وهي الاهتمام الشديد والعناية بأمن المنطقة حتى إنني سمعت لأول مرة ما يسمى الأمن الناعم والأمن الخشن أو الأمن الصلب، وفهمت أن الأمن الناعم هو التدريب وبيع المعدات الخاصة بالتجسس والمراقبة وغير ذلك وابحثوا عن المفردة إن شئتم أو المصطلح.

وأحب أن أتساءل لأن الذي يشتغل بالعلم والمعرفة أو طلب العلم أن يكون متسائلاً أبداً. لماذا لا يمكن لدول الخليج العربي أن تكون قادرة على حماية نفسها؟ لماذا يبقى عدد السكان فيها محدوداً أي يصبح المواطنون في كل دولة من دول الخليج أقلية في بلادهم عدا المملكة على الرغم من ضخامة عدد غير السعوديين؟ هل يمكن أن نرجع إلى ما كتبه الدكتور فهد عبد الله النفيسي عام 1397هـ (1978م، حول سياسة التجنيس في الكويت. من المعروف أن للدول حول العالم سياسات تجنيس معينة من أولها أن من يولد على أرضا يحق له الجنسية. فكم عدد السعوديين على سبيل المثال الذين يحملون الجنسية الأمريكية ففي أول مرة يراجع السفارة الأمريكية من ولد في أمريكا يقولون له لا نعطيك تأشيرة بل تأخذ جواز سفر أمريكي شئت أم أبيت. وفي بعض البلاد من أقام على أرضها ولم يغادرها مدة من الزمن (خمس سنوات) وكان يعمل في خدمة البلاد فهو يستحق الجنسية.

    أقول لو زادت أعداد مواطني دول الخليج بلا استثناء وأعطوا الفرصة ليخدموا البلاد في الجيش ألا يمكن أن يكون قد أصبح لدينا جيش كبير عرمرم كما يقال. ولو بدأنا كما قال دومنيك شوفالييه بتقوية أنفسها وتسليحها وصناعة السلاح حتى نواجه قوة أعدائنا. لقد كانت عبارة المستشرق الفرنسي في مؤتمر في جامعة فيلادلفيا بعمان الأردن "إنكم أيها العرب إن لم تمتلكوا القوة فإن عدوكم يزداد قوة وتزدادون ضعفاً" وأضفت ولذلك علينا أن ننسحب من جميع اتفاقيات منع انتشار أسلحة الدمار الشامل التي أسميها اتفاقيات الذل، وأضاف أحد الحضور كيف تنامون وكيف يغمض لكم جفن وترقأ لكم عين وعدوكم يمتلك مئات الرؤوس النووية" فحتى لو كانت أمريكا مستعدة أن تعطينا الغطاء النووي كما يزعمون هل يغني هذا عنّا لو أرادت إيران عندما تمتلك القنبلة النووية قريباً أو إسرائيل التي تملكها منذ سنوات طويلة لو أرادتا أن تضربا أراضينا لا سمح الله ولا قدر. وأضيف إن الدكتور عايض القرني كتب من أروع مقالاته مقالة بعنوان (صح النوم يا عرب) أكد فيها على هذه المعاني وضرورة أن تمتلك أمتنا السلاح والتدريب والقدرة وقال بسخرية وفروا الأموال التي تنفقونها على مؤتمرات القمة والموائد والحراسات والبروتوكولات على صناعة سلاح حقيقية وتقوية جيوشكم لكان أولى.

         وأخيراً أكتب لكم أيها الجيل الجديد الذي يتحمل المسؤولية الحقيقية لانتشال هذه الأمة مما هي فيه والله يوفقكم ويرعاكم.


 

احضر هذين اليومين الأربعاء والخميس السادس والعشرين والسابع والعشرين المؤتمر السنوى الثامن عشر للمجلس القومي الأمريكي للعلاقات الأمريكية العربية الذي تأسس قبل أكثر من ثلاثين سنة وله برامج طريفة يساعد بها الأمريكيين على فهم العالم العربي ومنها برنامج مالوني وبرنامج نموذج الجامعة العربية والمؤتمر السنوي ونشاطات أخرى.
كان من المقرر أن تعقد جلسة للسفراء فظننت أن الأمر سيكون حديثاً دبلوماسيا عادياً، فقررت ان أخرج أتناول فنجاناً من القهوة يساعد على إبقائي مستيقظاً، وعدت ولم تكن الجلسة قد انتهت بل إنها خرجت عن وقتها، وبالتالي لحقت جزءاً منها. وكان الحديث لأحد السفراء الأمريكيين السابقين في السعودية، فتحدثت عن الرئيس باراك أوبوما فقال إنه أبدع في الكلام، أما الأفعال فلم نر كثيراً حتى الآن، ثم قال ولكن الملك عبد الله بن عبد العزيز رجل أفعال وليس مجرد أقوال. فانتظرت أن يضرب لنا أمثلة معينة من سياسة المملكة الخارجية أو قرارات داخلية مثل قراراته بفتح عدد كبير من الجامعات. ولكن فوجئت بأنه يضرب المثال بما حدث عند افتتاح الجامعة أن وجه السؤال للشيخ الشثري حول قضية الاختلاط وإنه قد يكون في هذه الجامعة الجديدة فتحدث الشيخ بما يمليه عليه ضميره ومسؤوليته العلمية فالعلماء هم الموقعون عن رب العالمين، فقال الأمريكي إن الملك كان رجل أعمال فطرد الشيخ الذي انتقد الجامعة. وقاله بلهجة التشفي والشماتة العجيبة والسخرية المرة ، طرده كما طرد أحد الرؤساء الأمريكيين موظفاً أو مسؤولاً.

        إن إعفاء الشيخ دون أن يقال أن الإعفاء جاء بناء على طلبه يفهم ضمنا أو صراحة أنه طرد. فهل فهم الأمريكي للأمر صحيح؟ كدت أقول للأمريكي مالك ولشؤوننا الداخلية، ولكني علمت أن كلامي قد لا يفيد كثيراً فقد عرفت هؤلاء الخواجات منذ زمن طويل ويرون أنهم يملكون الحقيقة والفهم والحكم على البشرية كلها. فسكت. ولكن لعلي أجد فرصة أن أوضح الأمر. إن من حق الملك إقالة أي موظف لأي سبب يراه بحكم أنه ولي الأمر ولكن ليس من حق الأمريكي أن يشمت بالشيخ ويسخر منه فثانية من وقت الشيخ تسوى عمر الأمريكي مضروباً في مليون. إن ما يملك الشيخ من علم شرعي شهد له به القاصي والداني ناهيك عن أخلاقيات الشيخ التي يشتكي المجتمع الأمريكي غيابها منه حتى إنه يحاكمون أو يوشكون أن يحاكموا أحد رجال الكونجرس أومجلس النواب على فساده الأخلاقي وكأن الأمر يتكرر كل عدة سنوات. ألا يستحى الأمريكي أن يخوض في قضية لا يفهمها ولكن كما قلت هم يفهمون كل شيء.وهنا سكت مازن عن الكلام المباح.

الكتاب والناشرون


          
مقالة قديمة ولكن لن تنتهي الأزمة بين الناشرين والكتّاب فإما ناشر تاجر (جشع) أو مؤسسة لا تقدّر الكتاب حق قدره

زار أحد الأصدقاء المعرض الدولي للكتاب في دمشق قبل عدة أشهر وهناك التقى بأحد الناشرين الذي كان يبحث عن كتب في أحد المجالات فسأله: هل تحول الناشر إلى كاتب أو باحث؟ فأجاب الناشر لا إنني أبحث عن هذه الكتب لأقدمها إلى أحد الأساتذة ليكتب لي في أحد المجالات الحيوية. وهنا قلت مرحى مرحى للناشرين فقد بدأ بعضهم وهذا واحد  منهم يدرك رسالته التي لا تقتصر على انتظار المؤلف حتى يقدم كتابه فيقوم بطبعه وتوزيعه، بل هو مشارك في تأليف الكتاب بما يجمع من مادة علمية.
ولكن ما مهمة الناشرين الحقيقية؟ هل هم تجار كتب أو هم أصحاب مبادئ وأفكار وقيم معينة يريدون نشرها فيبحثون عن المؤلفين الذين يتفقون معهم في التوجه والأهداف فينشرون كتبهم. وإذا ما قام الناشر بهذه المهمة فهل انتهت مهمته عند النشر والتوزيع؟
لا شك أن نسبة من الناشرين ما هم إلاّ تجاراً لا يهمهم إلاّ أن يكسبوا وبأي طريقة. ويريدون أن يضمنوا حقوقهم قبل حقوق أي إنسان. هم ( البعض) تجار ويرون أنهم بالمال الذي لديهم أعلى درجة من المؤلفين، وأن المؤلفين في حاجة إليهم و هم ليسوا بحاجة إلى المؤلفين. ولكن هل هذه المعادلة صحيحة؟ لا شك أن المال مهم وفي غياب الدعم المؤسساتي لطبع الكتاب ونشره فإن الناشر التاجر يصبح هو الأساس. وفي غياب الوعي والرسالة والهدف يصير الناشر التاجر المتحكم في المؤلفين ويخضع المؤلفون لهيمنة الناشرين واستبدادهم وابتزازهم.
ولذلك فإن عملية النشر يجب أن يعاد النظر فيها بما يتلاءم مع المعطيات الحضارية لهذه الأمة التي كانت أول كلمة نزلت من كتابها المقدس هي كلمة {اقرأ}. ومن أبرز الأشياء التي ينبغي الاعتناء بها القراءة ونشر الكتاب. وقد وعدت مكتبة الملك عبد العزيز أن تعقد ندوة حول مشكلات الكتاب السعودي والنشر وما زلنا ننتظر أن يتحقق هذا الوعد.
وحتى يحين موعد الندوة أو الندوات لمسألة الكتاب أتساءل بغصة أو بحرقة لماذا لا يحرص الناشرون على الإعلان عن الكتاب كما يعلن أصحاب البضائع أو المنتوجات الأخرى عن بضائعهم و منتجاتهم؟  أليس  من الغريب أن يتم الإعلان عن الحفائظ والمسامير وأي شيء آخر ولا تجد إعلاناً واحداً عن كتاب؟ ويطيب لي أحياناً أن أفتش في صحفنا عن إعلان واحد عن كتاب فلا أجد. أين نشرات عرض الكتب؟ ألم يستطع الناشرون خلال تاريخ اتحادهم الطويل أن يتوصلوا إلى إصدار نشرة لعرض الكتب ؟ إنهم لن يصنعوا شيئاً جديداً تماماً فما عليهم إلاّ الاطلاع على نشرة لندن للكتب أو نشرة نيويورك أو أي نشرة مماثلة؟
ولقد أعجبني أسلوب أحد المؤلفين للإعلان عن كتابه أن أعد نشرة صغيرة تتضمن أبرز النقاط التي يحتويها الكتاب ووقفت زوجة المؤلف وبعض أصدقائه أمام إحدى المكتبات في مدينة سانتا مونيكا يقدمونها لزوار المكتبة. وكان الكتاب حول علم الاتصال وعنوان النشرة :" ثمانية عشر قاعدة للاتصال. وفي النشرة عرض لهذه القواعد.ووسائل الإعلان كثيرة جداً . وقد قامت شاعرة سورية بالإعلان عن ديوان لها في إحدى لوحات إعلانات الطرق في دمشق. فقلت مرحى مرحى آن الأوان أن يعلن عن الكتاب حتى لو كان في إعلانات الطرق.ومن وسائل الإعلان عن الكتاب تقديم قراءة نقدية له فإذا كانت المؤتمرات الصحفية تعقد للإعلان عن عطر جديد أو سيارة جديدة أو تلفاز أو غير ذلك ، وتعقد المؤتمرات الصحفية عقب المباريات أليس من حق الكتاب أن يعقد له مؤتمر صحفي وحفلة توقيع؟ إن بعض القنوات الفضائية رغم سوء كثير مما تعرض إلاّ أنها تهتم أحياناً بالمؤلفين والكتاب فتعطيهم الفرصة لتقديم إنتاجهم. 
أما عن نشر الكتاب ودور المؤسسات الجامعية والثقافية في نشره فالأمر يحتاج إلى جهود كبيرة ولكن حتى يحين ذلك الوقت فإنني أتساءل لماذا لا تقتني المكتبات العامة ومكتبات المدارس الثانوية ومكتبات الكليات المختلفة الكتاب. هل يصح أن نظل نطبع الكتاب في حدود الثلاثة آلاف نسخة فقط وتظل هذه الآلاف الثلاثة حبيسة المستودعات؟ إن بعض الكتب تصلح لاطلاع طلاب المدارس الثانوية فلو حصلت كل مدرسة على نسختين لكان هذا يحتاج إلى ما يزيد على خمسة آلاف نسخة، فكيف لو أضفنا إلى ذلك مكتبات الكليات والجامعات. فهذا في بلد واحد فما بالك لو استطعنا أن ننجح في التبادل الثقافي الذي نسمع بالدعوة له منذ زمن بعيد.
وعودة إلى الناشر الهمام الذي يساعد المؤلف على إعداد كتابه بجمع المادة العلمية ولكن هل تقتصر حاجة المؤلف إلى المراجع وحدها ، ألا يحتاج أحياناً إلى سفر ومراسلات وأعمال سكرتارية وتفرغ؟ لقد كنت أعد محاضرة حول النشاطات الاستشراقية فوجدت أن معظم الكتب الاستشراقية أعدت بمنح من المؤسسات العلمية والخيرية الغربية. وحتى الشركات التجارية الكبرى أو الشركات المتعددة الجنسيات تقوم بدعم الكتب. وأعرف عن حالة طلب فيها المؤلف من مؤسسة مالية كبرى قرضاً لا يتجاوز الأربعين ألفاً لطباعة عدد من الكتب رغم أنه عميل لدى هذه المؤسسة منذ أكثر من عشرين سنة وقد أودع عندهم ما يزيد على المليون واستفادوا من ماله ولكنهم رفضوا بحجة أنه ليس من أعمالهم دعم النشر. فما كان منه إلاّ أن كتب لهم غاضباً : أنتم تعرفون في المال أما في العلم والثقافة فكان ينبغي أن تستشيروا من يفهم في ذلك.
إننا بحاجة لدعم النشر ووضع العلاقة بين الناشر والمؤلف في نصابها الصحيح . فهذا ناشر يأخذ حق النشر إلى الأبد ويضطر المؤلف على التوقيع لأنه إن لم يوقع فلن يجد لكتابه ناشراً وسيظل حبيس الأدراج. كما لا بد من رقابة صارمة على المطابع بان لا يطبع من الكتاب عشرة آلاف ويقال للمؤلف طبعنا ثلاثة آلاف مثلاً وغير ذلك من فنون التلاعب بالحقوق... أليس المؤلف والكاتب ثروة لبلاده ينبغي استثمارها الاستثمار الصحيح؟!
لقد عقد الناشرون العرب ندوة قبل أسابيع وتناولوا مشكلات الكتاب والنشر والتوزيع ، ومع أنني أحترم بعض الناشرين لصدقهم وأمانتهم ، ولكن لقد قيل يندر أن تجد ناشراً معوزاً أو فقيراً كما تجد كتاباً محتاجين فهل يتفق الكتاب على أن يكون لهم دور أو شراكة حقيقية في عملية النشر ومن يعلق الجرس؟

لماذا تحتاج لندن إلى الإسلام؟ أو هل مستقبل لندن إسلامي؟


 

 تقديم: ربما وربما وضعت هذه المقالة من قبل في هذه المدوّنة، ولكن لعل قِدم تاريخها لم يمكن البعض من الاطلاع عليها، وكنت أبحث عن مقالة (ما ذا يكسب العالم لو عرف الإسلام ولكن في هذه بعض الفائدة إن شاء الله.

فوجئت وأنا أقف أمام رفوف المجلات والصحف في أحد المتاجر اللندنية بمجلة إنجليزية هي تايم آوت  Time Outبعنوان ضخم باللغة العربية (هل مستقبل لندن إسلامي؟)- وبخط جميل- وتاريخ العدد هو6-12يونيه 2007 وهذه مجلة سيارة تعني بالفنون عموماً، وكان العنوان الداخلي للمجلة: (لماذا تحتاج لندن إلى الإسلام؟)، وكاتب المقال هو مايكال هودجز Michael Hodges ، بدأ الكاتب حديثه  بطريقة مسرحية حيث وصف حالة تطبيق القصاص في إحدى ساحات لندن، حيث تصل سيارة السجن وفيها المحكوم عليه أو عليهم بالقصاص، ثم يتم إعداد الساحة لتنفيذ الحكم، ويقف الجمهور لمشاهدة القصاص فمنهم الحزين ومنهم المسرور، ويتم القصاص ويصيح الجمهور الله أكبر،  ثم يعقّب بالقول ليست المسألة بهذه البساطة أو الصورة الدراماتيكية، إنها الصورة التي يرسمها كابوس اليمين المتطرف حيث تهبط عقيدة جديدة وتفرض على مدينة ليبرالية فهؤلاء يرون أن النساء سيكن مواطنات من الدرجة الثانية، والعلاقات بين المثليين تعد جريمة ويطبق قانون الشريعة، ولكن الحقيقة بعيدة جداً عن هذه الصورة المظلمة.

ويضيف الكاتب بأنه ليس هذا هو كل شيء عن الإسلام كما ينظر إليه البعض فعلاقة بريطانيا بالإسلام قديمة فقد كانت في زمن ماض أكبر عاصمة للمسلمين حينما كانت شبه القارة الهندية وبلداناً أخرى في جنوب شرق آسيا تحت حكم التاج البريطاني. واليوم يقطن لندن عدد كبير من المسلمين يصل حسب إحصائيات عام 2001م حوالي 697,083 (310,477رجلاً و 296,606امرأة) ويعيش معظم المسلمين في الجزء الشرقي من لندن، ويقدر المجلس الإسلامي أنه بحلول عام 2012 سيكون عدد المسلمين في مناطق من لندن مائتين وخمسين ألف نسمة. وهناك مشروع لبناء أضخم مسجد في بريطانيا يتسع لأربعين ألف مصل ويصل حجمه إلى حجم ملعب الملاعب الأولمبية التي ستشهد الألعاب الأولمبية عام 2012م. أما في بريطانيا كلها فقد صرح رئيس الوزراء المستقيل توني بلير في كلمته في مؤتمر جامعة كمبريدج حول تدريس الإسلام بأن عدد المسلمين في بريطانيا يبلغ مليوني نسمة.

ولكن بدلاً من الخوف من التغيرات التي سيحدثها هذا الوجود الإسلامي أو الوقوع في النظرة العصبية ضد المسلمين بأنهم جميعاً إرهابيون علينا أن ننظر إلى ما قدمه هذا الدين والفوائد المتوقعة في مجالات مختلفة وهي كالآتي:

- الصحة العامة: وتحدث فيها عن الصلاة، وكيف تساعد الإنسان على تحقيق صحة بدنية من خلال حركة الجسم والمفاصل، كما أن الصلاة تتطلب الوضوء وفي ذلك نظافة للبدن وتخليص الإنجليز من بعض الأمراض الجلدية. ومما يرتبط بالصحة العامة تحريم الكحول وهي من أكبر المصائب التي تواجه المجتمع البريطاني لأن عدد من يموت بسبب الكحول يصل إلى 17,6 لكل مائة ألف وفي مناطق أخرى يصل هذا الرقم إلى 31.6 لكل مائة ألف. وقد بلغت أعداد الوفيات بسبب الكحول 22ألف وفاة، أما ما تنفقه الحكومة على الجرائم المتعلقة بتعاطي الكحول فقد بلغت سبعة بلايين وثلاثمائة ألف جنيه سنوياً.

- البيئة ينظر الإسلام إلى الإنسان على أنه خليفة الله في الأرض، ولذا فهو مؤتمن على أن يحسن للبيئة، وإن أول من اعتنى بالبيئة الرسول صلى الله عليه وسلم حين اتخذ الحمى لترك الحياة الفطرية تعيش دون مضايقات، بل وذكر أن الخطباء في المساجد يؤكدون على احترام البيئة وعدم الإساءة إليها.

- التعليم، فعلى الرغم من أن الطلاب المسلمين في المدارس البريطانية ليسوا على المستوى المطلوب، لكن لا يلام الإسلام على ذلك، وإنما ظروف الطلاب الاجتماعية هي التي جعلتهم يتأخرون وإلاّ فإن هناك قيماً لدى المسلمين تنادي بالانضباط واحترام الذات، ولو تحسنت الظروف الاجتماعية للمسلمين لأبدع أبناؤهم في المدارس.

- الطعام: يأمر الإسلام أتباعه بتناول الطعام الحلال، وبالتالي سوف يتخلص الإنجليز من الطعام الزبالة الذي يتناولونه الآن. كما أن بعض أنواع الطبخ لدى مسلمي جنوب شرق آسيا يقدم طعاماً متوازناً.

- العلاقات بين الأديان: ينادي الإسلام بالحوار بين الأديان، والإسلام دين يدعو إلى التسامح، وقد أطلق على اليهود والنصارى أهل الكتاب وعاشوا في الدولة الإسلامية بسلام، كما أن المسلمين الأقلية الكبرى في الهند عندما كانت تحكم البلاد عاش الهندوس والسيخ بحرية وأمان.

- الفنون: لقد أبدع المسلمون على مدى التاريخ في مجال الفنون، فما زالت آثارهم المعمارية وإبداعاتهم في الصناعات اليدوية مثل السجاد وغيره دليلاً على تشجيع الإسلام للفنون.

- العدالة الاجتماعية: من أبرز ما يمكن أن يحقق العدالة الزكاة التي تبلغ 2.5%، فلو جمعت الزكاة من العاملين في لندن والذين يبلغون حوالي خمسة ملايين، فإن هذا سيوفر أكثر من ثلاثة بلايين جنيه سنوياً.

- العلاقة بين الأجناس: من المعروف عن الإسلام أن الجميع يتساوون فيه، فلا فرق بين أبيض وأسود ولا أحمر وأصفر الكل إخوة.

وقد استضاف المحرر عدداً من المسلمين تحدثوا عن نظرتهم إلى مدينة لندن وعن مستقبل الإسلام فيها فتنوعت الإجابات، وذلك لأن العينة التي اختارها عشوائية فهي تضم أشخاصاً من أصول إسلامية ولكنهم لا يمارس بعضهم الإسلام في حياته كما ينبغي أو يرى أن تلك مسألة شخصية، كما قابل عدداً من البريطانيين الذين تحولوا إلى الإسلام. وقابل بعض الأئمة والعاملين في مجال الدعوة حيث أوضح أحدهم كيف يقضي يومه من صلاة الفجر حتى صلاة العشاء، وما يقوم به من أعمال طوال النهار. كما قدم بعض المواقع في الإنترنت التي أنشأها المسلمون الجدد للإجابة عن تساؤلات هؤلاء عن دينهم الجديد وكذلك تقديم المعلومات لغير المسلمين

وهذه الجوانب التي تناولتها في المقالة السابقة هي: الصحة العامة، والبيئة، والتعليم والعلاقات بين الأديان، والفنون والعدالة الاجتماعية والعلاقات بين الأجناس.

وقد قدمت المجلة مقابلات صحفية مع عدد من المسلمين أجراها كل من راشيل هاليبورتون Rachel Halliburton وربكا تيلور Rebecca Taylor وقام بالتصوير فيل فيسك Phil Fisk وكانت المقابلات مع سياسي وصحفية ورياضية وموسيقي، وبعضهم من المسلمين المهاجرين إلى بريطانيا أو ولد لأبوين مسلمين مهاجرين أو من المسلمين الجدد. وفيما يأتي الأسئلة التي وجهت إليهم:

-       هل مستقبل لندن إسلامي.؟

-       هل ترغب أن ترى مستقبل لندن إسلامي؟

-       ماذا يمكن أن تستفيده لندن من الإسلام؟

-       هل نستطيع أن نكون متأكدين أن النساء المسلمات اللاتي يعشن في لندن لديهن حرية الاختيار؟

-       ما أهم الأشياء الخاطئة عن الإسلام؟

-       هل أنت أو أنتِ متفائل أن علاقات المسلمين مع الشرطة يمكن أن تتطور؟

-       هل تعتقد أن لندن الحديثة متوافقة مع الإسلام؟

-       ما الملابس المناسبة للمرأة حينما تمارس الرياضة؟

           وقد تنوعت الإجابات عن هذه الأسئلة ولكن الملفت للنظر أن الأشخاص الذين    وجهت إليهم الأسئلة كانوا من الأشخاص العاديين أو البعيدين عن دراسة الإسلام الدراسة العلمية المتعمقة، وليس هذا طعناً في فهمهم للإسلام أو في انتقاداً لإجاباتهم وإجاباتهن. ولكن الحقيقة أن بعض هذه الإجابات لم تحمل نظرة عميقة لما يمكن أن يقدمه الإسلام للندن أو للعالم أجمع. وقد كانت الفرصة متاحة لهؤلاء ليتحدثوا عن الإسلام حديثاً واسعاً فمثل هذه الفرصة ينبغي الإفادة منها. وقد كانت المقالة التي سبقت المقابلات أوضح غير أنها أيضاً يمكن أن تكون أكثر وعياً وفهماً لحقيقة الإسلام وما يمكن أن يقدمه.  وكأن البعض كان أيضاً يتخوف على منصبه ووظيفته لو صرّح بكلام أقوى في هذه المسائل.

        وقد تنوعت ردود الأفعال، وإن كانت معظمها من النوع الذي يرى أن الإسلام ليس بديلاً حقيقياً لحل أزمة المادية والاستهلاكية  كما أن أكثر من كاتب في صحيفة التايمز اللندنية يوم 8يونيه 2007م كتب عن الموضوع حيث كتب مك هيوم  Mick Hume يسخر من دعوة الصحيفة إلى التفكير فيما يمكن أن يقدمه الإسلام بالقول ساخراً: "يريد المحرر أن تتحول كل الحانات إلى أماكن لبيع نمارس الرياضة بالغسل خمس مرات في اليوم، وإعادة التدوير وأن نركز على تعليم أطفالنا وأن نعطي الفقراء وأن نحترم المساواة العرقية والدينية"


ثم يقارن الحياة في المدن الإسلامية التي لا يتوفر فيها الخمر ولا المخدرات ولا الحمل لدى المراهقات وإعادة تدوير المخلفات في الأنهار بحياة أهل لندن الطويلة والأكثر صحة والأكثر ثراء  لمحاكاة المعايير في المدن الإسلامية. ويذكر في مكان آخر من مقالته كيف وصف بعض العلماء المسلمين بريطانيا بالفساد والانحلال. وباختصار إنه يطلق على هذا النوع من الكتابة (انفجار قذر للخوف من الإسلام)

وكتبت كريستينا باترسون Christina Patterson في صحيفة التايمز اللندنية أيضاً وفي يوم (15يونيه 2007م) تتعجب من الحديث عن دين جاء قبل عصر "التنوير" والدين الذي لم يحقق العدالة الاجتماعية في دولة عربية كبرى ذكرتها، وانتقدت ما كتبه المحرر حول ما يمكن أن يقدمه الإسلام للندن وأهلها بأسلوب ساخر جداً"

أما رسائل القراء التي وردت في موقع المجلة فقليل جداً منها المؤيد لما قدمته المجلة وأنها مناسبة لعرض الإسلام دون تعصب أو تحيز بينما تحدث مسلم يقول عن نفسه إنه شاذ وهرب من البلاد الإسلامية التي تحرم الشذوذ فكيف ستأتون بالإسلام إلى لندن، وآخر جاء من دولة إسلامية لينعم كما زعم بالعلمانية والحرية ليعود إلى الإسلام. وقال أحد القراء عليكم أن تتكلموا عن المسيح عليه السلام ودينه وليس عن الإسلام. وسخر آخرون.

        وعلى الرغم من إعجابي  أن تثار قضية مثل هذه القضية في مجلة سيارة وأن يتناول الكاتب بالمجالات التي يمكن أن تفيد منها لندن لو أصبحت إسلامية أو ما يمكن أن يقدمه الإسلام للندن فإن الموضوع كان يمكن أن يقدم بأسلوب أعمق، يبدأ من الحديث عما يقدمه الإسلام من عقائد بسيطة وغير معقدة لعلاقة الإنسان بخالقه وبالكون، وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان ورسالة الإسلام إلى البشرية. كان بودي لو تحدث عن الحرية الحقيقية التي يقدمها الإسلام إلى البشرية تلك الحرية التي جعلت بلال بن رباح رضي الله عنه يستعذب كل أنواع العذاب في سبيل الإسلام لأنه تذوق الحرية الحقيقية. والحرية التي قال عنها رسول الجيش الإسلامي ربعي بن عامر رضي الله عنه: "إن الله جاء بنا وابتعثنا لنخرج من يشاء من عبادة العباد إلى عبادة الواحد الأحد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة"

كما أحب أن أوضح بعض الأمور التي ينبغي أن ينبري لها العلماء المسلمون في بريطانيا لتوضيحها إما في هذه المجلة أو في وسائل الإعلام الأخرى. بل لماذا لا تكون هذه فكرة لعقد مؤتمر عالمي بعنوان (لماذا العالم بحاجة إلى الإسلام؟) ويمكن أن نبني على بعض النقاط التي أوردها الكاتب في مقالته.

        ومع ذلك أحب أن أوضح بعض الأمور التي لم يوفيها الكاتب حقها من  التوضيح ومنها الصحة العامة؛ فقد ذكر فيها الكاتب مسألة الصلاة والوضوء وتحريم الخمور. فالصلاة ليست مسألة رياضة بدنية تعطى المفاصل والعضلات مرونة وصحة، ولكن لها جوانب أخرى مهمة؛ فأولها أنها الصلة بين العبد وربه، فالإنسان الذي يتصل بخالقه خمس مرات في اليوم يستعلى على أوساخ الدنيا وأوضارها، وتسمو نفسه عن الدنايا. فيكون قوياً بالله عز وجل وقد يكون في الصلاة علاج للأمراض النفسية المستعصية وملايين الجنيهات التي تنفق على المهدئات والمسكنات. والصلاة تمنع الجريمة ألم يقل الحق سبحانه وتعالى (ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)(العنكبوت آية 42)

        والصلاة حين تؤدى في جماعة فإنها تربط المسلمين بالمسجد ويتكرر لقاؤهم خمس مرات في اليوم وقد توصل أحد الباحثين إلى نظرية إعلامية طريفة فيما يمكن أن تقدمه هذه اللقاءات من تقوية العلاقات الاجتماعية، فهاهي بريطانيا تشكو اليوم من مشكلة التعايش بين الناس حتى أعدت بعض المجلات تحليلاً لعلاقات الجيران. فلو كان الجيران يلتقون في مسجد أو غير ذلك من اللقاءات لما احتاجوا إلى الشكوى المرة من سوء التصرفات الاجتماعية، حتى إن امرأة تجاوزت الثمانين شكى منها الجيران إلى المحكمة، فقال لها القاضي كنت أود أن يكون حكمي عليك أكثر قسوة لولا اعتبارات السن. وكأنه يقول لها : ألا تستحي من سنّك؟

        وذكر الكاتب تحريم الخمر وأجاد في الاستشهاد بما تنفقه بريطانيا على الجريمة التي تتسبب فيها الخمور، ولكنه لم يقل كم من الأموال ينفق على الخمور؟ ولم يقل كذلك كم من البيوت يهدم بسبب الخمور. أذكر أن برنامجاً تحدث عن الإدمان على الخمور استضاف فتاة عانت من أبوين مدمنين، فعاشت حياة مضطربة إن لم نقل تعيسة فكان مما قالت "إنني ألوم المجتمع الذي سمح لوالدي أن يدمنا على الخمور" وكان هذا الحديث في قناة هيئة التلفزيون البريطانية (القناة الأولى في صيف العام الماضي)

       والإسلام يحرم الخبائث عموماً ومنها لحم الخنزير، ويحرم كل ما هو ضار بالإنسان، بل إن الإسلام يدعو إلى الاقتصاد في الطعام حيث أصبح العالم بعضه يشكو من السمنة في الوقت الذي لا يجد الفقير كسرة خبر في أماكن أخرى، ولو عرف الأغنياء حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي جعلته إحدى كليات الطب شعاراً لها (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه) لما أسرف في الأكل ولما احتاج إلى علاج لمحاربة السمنة أو الأمراض العضال التي تأتي من الأكل الزبالة كما يطلق عليه الغربيون.

        وقال الكاتب عن العلاقات بين الأديان أن الإسلام أطلق على اليهود والنصارى "أهل الكتاب" وعاشوا في الدولة الإسلامية. ولعل أول تسامح عرفته البشرية كان في الصحيفة التي كتبها الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود في المدينة التي تبدأ بعبارة "وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود على ....." وفيها أن يتمتعوا بحرية الديانة والحرية الشخصية في الممتلكات والأنفس. وكذلك كانت العهدة العمرية بعد فتح بيت المقدس. ومن أبرز الشواهد أمر الله سبحانه وتعالى (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن)

        إن كل فقرة مما أورده الكاتب تحتاج إلى تفصيل واسع ولكني أكتفي بالقول إنها لفرصة مواتية أن يعرض الإسلام من خلال هذا المنبر ومن غيره من المنابر فكم يحتاج المسلمون إلى بذل الجهد لإبلاغ كلام الله عز وجل، كما عليهم في الوقت نفسه أن يعودوا إلى ربهم وإلى دينهم فيطبقوا الإسلام في واقعهم في المجالات العقدية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ليكونوا قدوة للعالمين.  

ومسألة حاجة العالم إلى الإسلام ليست وليدة اليوم فقبل سنوات التقيت الشيخ أحمد ديدات رحمه الله في المدينة وبعد حديث عن قسم الاستشراق وتوقعه أننا ندافع عن الإسلام بأسلوب "الدفاع التبريري"، سألته وما العمل فقال:"ينبغي أن نخاطب الغرب قائلين لهم:"انظروا إلى أوضاعكم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إنكم تعيشون في ضنك مستمر وأزمات متواصلة. هذه حضارتكم قد حطّمت الأسرة؛ فالطلاق لديكم في ارتفاع مستمر، والزواج لم يعد زواجاً حقيقياً فقد ارتفعت نسبة الرجال الذين يعيشون مع نساء دون زواج. ويعاني أطفالكم من العيش بلا آباء، وسجونكم مليئة بالقتلة والمجرمين والمدمنين ومروجي المخدرات، وتعاني مجتمعاتكم من الشذوذ والإدمان على المخدرات والخمور. فما ذا أنتم فاعلون لحل هذه المصائب؟ إن عليكم أن تعرفوا أن الحل لكل هذه الأزمات موجود في الإسلام."

  وفي مناسبة أخرى تحدث السفير الأمريكي المعيّن وايتش فاولر في حفل الاستقبال الذي أقامته القنصلية العامة الأمريكية في جدة للترحيب بمستشارها الجديد للشؤون الإعلامية والثقافية لورا بيرج حيث تحدث عن ولاية جورجيا التي ينحدر منها وتأثير الإسلام فيها. فقد قال السفير بأنه ما إن يتكون مجتمع مسلم في أي منطقة من الولاية حتى تتبدل الأوضاع الاجتماعية فتزداد الروابط الاجتماعية قوة، وتقل نسبة الجريمة، وتنخفض معدلات الإدمان بل تكاد تتلاشى، وباختصار يشهد المجتمع الأمريكي صورة نموذجية في العلاقة الأسرية واحترام الكبير. وقد علّق الدكتور عبد القادر طاش رحمه الله في زاويته في صحيفة المدينة بالقول: "وأعتقد أن مغزى كلمات السفير لا يقتصر على مجرد الإفصاح عن تقديره للإسلام وقيمه السامي، بل إن هناك مغزى آخر مهماً جداً وهو الإشارة إلى حاجة الناس إلى القيم التي يحويها الدين الإسلامي. وهذا يدل على أن الإسلام لا يزال قادراً على أن يقدم للبشرية في العصر الذي نعيش فيه عطاءً زاخراً بالمبادئ والقيم والقواعد الاجتماعية التي هم في أمس الحاجة إليها لعلاج مشكلاتهم المتفاقمة."

وإذا كان واقع الأمة الإسلامية ليس الأنموذج الكامل الذي ينبغي أن يحتذى لكن المسلمين أفراداً وجماعات يقدمون أمثلة رائعة ونماذج مدهشة لتطبيق الإسلام ومن هذه الأمثلة أن أول مؤتمر لاتحاد مسلمي أمريكا الشمالية حضره ثلاثة آلاف وعقد في أحد الفنادق مما دعا مدير الفندق ليستدعي عدداً من رجال الأمن ليراقبوا المسلمين وبعد ثلاثة أيام صرح المدير قائلاً: "لا أدري أهؤلاء ملائكة أم بشر، فقد مرت ثلاثة أيام لم تهرق قطرة خمر واحدة ولم تحدث أي مشاجرة ولا معاكسة وهؤلاء الناس يتحركون للصلاة خمس مرات في اليوم. ليتني لم أستدع الشرطة" .

وفي عام 1413هـ (1993م) أتيحت لي الفرصة أن أطلع على الصحف البريطانية وبخاصة صحيفة التايمز فقرأت مقالة أو مقالات عن إقبال النساء البريطانيات على الإسلام وما وجدنه في الإسلام من راحة نفسية وعقيدة عظيمة، كما أوردت الصحف في ذلك الحين تقارير عن مقاومة المسلمين في مدينة بيرمنجهام بصفة خاصة لبائعات الهوى وبائعي المخدرات وكيف كانوا يقومون بحراسة مناطق سكناهم من هاتين الفئتين ومن المجرمين عموماً مما جعل الحكومة البريطانية تتصل بالمسلمين لتفيد من تجربتهم وخبرتهم لمحاربة الجريمة في أماكن أخرى. بل علمت أن بعض أفراد الشرطة البريطانيين دخلوا الإسلام حينما أرسل بعضهم للتجسس على المسلمين فرأوا حياة نظيفة وصدقاً في التعامل وبعض قيام الليل.

ومن الجوانب الإيجابية لإعلامهم أن مجلة الاقتصادي (الإكونومست) أعدت تقريراً عن الاقتصاد الإسلامي أشادت بما يوفره من فرص حقيقية للاستثمار وما فيه من حرص على قيم العدل والتنمية الحقيقية.

وقبل عدة سنوات وافقت الحكومة البريطانية على إنشاء بنك إسلامي في لندن، ويقوم بجميع المعاملات فيه وفقاً للشريعة الإسلامية. بل من المعروف أن جميع البنوك خصصت قسماً للتعاملات الشرعية وتستشير عدداً من العلماء في هذا المجال.

هذه الأمور تحدث في العالم وبعض أبناء الأمة الذين يتسمون بأسمائنا ويتحدثون بلساننا ينكرون ويصرون في النكير ويرفعون أصواتهم في كل منتدى متعرضين على الإسلام، حتى إن أحدهم وهو عضو في مجلس الشورى وكان أستاذاً للتاريخ في جامعة الملك سعود بأن هؤلاء الإسلاميين يريدون أن يجعلوا الإسلام يتدخل في كل أمر حتى إنهم في جامعة الإمام جعلوا قسماً للاقتصاد الإسلامي، لم يعجبهم الاقتصاد في العالم فيردون أن يجعلوا الاقتصاد إسلامي. وهو وغيره يقولون ما هو أخطر من هذا حتى إن بعضهم نادى بإغلاق مدارس تحفيظ القرآن ولو لم يخش على رأسه لطالب بإيقاف تعلم الدين كلياً. بل إن قناة العربية استضافت أحدهم كان يعيش في داخل الجزيرة العربية ليتحدث عن غرامه وهيامه وعشقه للغرب تاريخاً، وفلسفة ،وتراثاً، وحضارة وواقعاً، حتى إذا قيل له إن لدى القوم انحرافات أخلاقية أو انحلال جنسي وجد من المبررات السخيفة ما لا حاجة إلى إعادته. وهذا المغرم العاشق للغرب لا يرى أن الأمة الإسلامية قدمت شيئاً للحضارة البشرية.

ولذلك فإنني أدعو وبسرعة إلى تفاعل الطبقة المثقفة البريطانية لتقديم إجابات عن الأسئلة وكذلك توضيح النقاط التي لم يتمكن الكاتب من إيرادها مع تقديرنا لجهده الكبير في إثارة موضوع بهذه الحساسية. وأجدها فرصة للدعوة إلى عقد مؤتمر دولي أو أكثر لتناول هذه القضايا.