الجمعة، 20 نوفمبر، 2015

قبول ملخص لبحث في مؤتمر



دكتور الفاضل                       
الموضوع: قبول ملخص بحثكم
تحية طيبة وبعد،،،
          مرة أخرى شكرا على تقديم ملخص لمؤتمر "الإعلام  الديني " والذي سيعقد بمشيئةالله في تاريخ 05-06 ماي 2015 بجامعة .... لقد ورد إلى اللجنة العلمية 180 ملخص من باحثين وأكاديميين من مختلف أنحاء العالم وبعد مراجعة  دقيقة ومتأنية لكل الملخصات تم قبول 46 منها.يسعدنا بهذه المناسبة أن نبارك لكم قبول ملخص بحثكم للعرض في جلسات المؤتمر نظرا لأهمية حضوركم  .ونظرا كذلك لقيمته العلمية.
يرجى العلم أن موعد تقديم البحث الكامل  كما هومحدد في الاعلان ، وأن القبول النهائي لعرض  بحثكم في المؤتمر مرهونا باستلام ورقتكم العلمية الكاملة قبل انتهاء الأجل المحدد لذلك.
          شاكرين لكم اهتمامكم بالمشاركة في المؤتمر، نبارك لكم مرة ثانية قبول ملخص بحثكم
ونراكم في  .... إن شاء الله.
                   وتفضلوا بقبول وافر الاحترام والتقدير،،

إهذاء من بنتي أسماء البلوشي حفظها الله

أشرقتَ بالخيرِ العميمِ كأنـه
                                                               شمسُ الضياءِ تألقتْ بسماءِ
وأفدتَ دهرًا قبلنَـا ولعلنَـــا
                                                              نحظى بعـلمٍ منكمُ ودعــاءِ
يا مازناً كالمُزن يهطل فضلكم
                                                                          غيثـًا عميماً نفعُه بصفـــاءِ
فجزاكم الله الكريمُ بخيره
                                                                           وتحيًة من ِبنتـكم أسمــاءِ    



علماء الأمة ومواجهة الاستشراق

العالم الرابع والعشرون : مازن بن صلاح مطبقاني (1)
عندما نتكلم عن الدكتور مازن مطبقاني فإننا نتكلم عن رجل أخذ على عاتقه مهمة الاهتمام بالاستشراق تعريفا ومواجهة، حيث بذل ولا يزال يبذل جهودا كبيرة في تحقيق هذا الهدف من مؤلفات وندوات ومؤتمرات علمية في البلاد الإسلامية والغربية والرجل لا يألوا جهدا في مساعدة الطلاب والباحثين في أقطار العالم الإسلامي ولقد راسلته عبر البريد الإلكتروني فأمدني بالمعلومات وأرسل لي بعض الكتب عبر البريد .
ومن أهم أعماله - إلى جانب التأليف – إنشاء موقع مركز المدينة المنورة لدراسات وبحوث الاستشراق على شبكة الإنترنت؛ هذا الموقع الذي لا غنى لأي باحث في مجال الاستشراق من الاطلاع عليه، كما عمل الدكتور مازن على إبراز دور المملكة العربية السعودية في مواجهة الاستشراق من خلال كتابه "دور المملكة العربية السعودية الرائد في الاهتمام بالاستشراق" وقد ضمنه جميع المجالات والوسائل المتبعة في هذا الأمر مما يساعد الباحث في الوقوف على وسائل وأساليب جديدة في ميدان المواجهة، كما كان له موقف واضح في الربط بين
الغزو العسكري الأمريكي ودور المستشرقين في التمهيد له وعلى رأسهم المستشرق برنارد لويس
(1) ، الذي يعد مرجعا أساسيا لرجال السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية ، حيث يعتمدون على هذا المستشرق في آراءه وتوصياته فيما يتعلق بالشرق الأوسط وقد ضمن ذلك كله كتابه " الاستشراق وصقور البيت الأبيض " والذي أمدني بنسخة منه عبر البريد الإلكتروني .
هذا وقد حبا الله U المجتمع الإسلامي بكوكبة من العلماء ، أصحاب فكر إسلامي مستنير ، حملوا لواء الدفاع عن الإسلام وإبرازه في صورته الصحيحة ، مع بيان صلاحية نظمه وفكره وسياساته لكل زمان ومكان منهم د/ يوسف القرضاوي، و د/ محمد عمارة، والمفكر الإسلامي أ / فهمي هويدي ... وغيرهم .
هذا وقد كان لبعض علماء الغرب ورجاله دور في التعريف الصحيح بالإسلام ورد شبه المتعصبين من المستشرقين ، وهؤلاء العلماء يعدون أعلاما لحركة المواجهة من أبناء الغرب وسيكونون هم موضوع المطلب التالي .



(1) مازن بن صلاح حامد مطبقاني : ولد في مدينة الكرك بالأردن في 3 جمادى الآخرة 1369 هـ - 22
    مارس 1950 م ، درس بالمملكة السعودية حتى المرحلة الثانوية ، درس بجامعة أوريجن وجامعة أريزونا
    بأمريكا ، وحصل على بكالوريوس التاريخ من كلية الآداب والعلوم بجامعة الملك بجدة ، حصل على
    الدكتوراه في "الدراسات الإسلامية عند المستشرقين " من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، عمل
    محاضرا بالمعهد العالي للدعوة الإسلامية بالمدينة المنورة ، ثم أستاذا مساعدا بقسم الاستشراق بكلية الدعوة
    ، ثم أستاذا مشاركا بنفس القسم ، ثم أستاذا مشاركا وباحثا بعمادة البحث العلمي في الرياض ، ثم أستاذا
    مشاركا بقسم الثقافة الإسلامية بكلية التربية بجامعة الملك سعود .
    من آثاره: " جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية "،  " المغرب
    العربي بين الاستعمار والاستشراق"، " العالم الرباني والزعيم السياسي عبد الحميد بن باديس "، " من
    آفاق الاستشراق الأمريكي المعاصر "، " الغرب في مواجهة الإسلام معالم ووثائق جديدة " ، " الاستشراق
    والاتجاهات الفكرية في التاريخ الإسلامي دراسة تطبيقية على كتابات برنارد لويس " ، " الغرب من الداخل
    -
دراسة للظواهر الاجتماعية " ، هذا بالإضافة إلى مؤلفات أخرى وعدد كبير من التحقيقات
    والترجمات والبحوث والمقالات العلمية والمحاضرات العامة، والمشاركة في العديد من المؤتمرات
    والندوات المتعلقة بالاستشراق ودراسة الغرب في كل من مصر والجزائر والمغرب وأمريكا ودول أوروبية
    وكان آخر هذه المؤتمرات في اليابان في شهر مايو 2005 م – الترجمة بخط يد المؤلف
    عبر البريد الإلكتروني الخاص – باختصار.
(1) برنارد لويس : مستشرق أمريكي معاصر يعرف بعلاقته القوية بالبيت الأبيض ورجال السياسة وقد كان له
    دور فكري في الغزو العسكري الأمريكي للعراق .

الخميس، 19 نوفمبر، 2015

أساليب الاستغراب وآلياته

لا تختلف أساليب الاستغراب وآلياته عن تلك المعمول بها في دراسات المناطق أو الأقاليم أو حتى الذي تعارفنا على تسميته الاستشراق، فهذه الأساليب تنطلق من الرغبة لمعرفة الطرف الآخر عن قرب حتى كأنك واحد من أهل تلك البلاد، وأساليب دراسة الآخر هو أن تعرف لغته وجغرافيته ودينه أو أديانه وطوائفه وحياته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وأن تعرف الأرض وطبيعتها ومواردها وإمكاناتها.
أما آليات الوصول إلى تلك المعرفة فيبدأ من إنشاء أقسام لتلك الدراسات ومراكز بحوث ومعاهد وتكون الانطلاقة بمعرفة اللغة بأن يتخصص نفر من المسلمين لمعرفة اللغات الأوربية وأن يكونوا من الذين درسوا في المرحلة الجامعية أحد التخصصات المختلفة من العلوم الأدبية والاجتماعية فيكون ليدنا متخصصون في التاريخ وفي الجغرافيا وفي الأدب وفي الاقتصاد وفي الإدارة وفي الإعلام وغيرها
وينبغي أن تكون الدراسات الأوروبية والأمريكية أو الاستغراب في المرحلة العليا بحيث يكون الطالب قد أتقن فناً من الفنون فينطلق إلى تطبيقها على الدولة أو الدول التي يريد دراستها فيتخصص في تاريخ أوربا العصر الوسيط في إيطاليا أو ألمانيا أو بريطانيا، أو المجتمع في أي بلد وفي أي مرحلة
ومن الآليات في دراسة الغرب أن تكون الدراسة من شقين أحدهما نظري والآخر عملي بحيث يدرس الإعلام البريطاني فترة من الزمن ثم يكون هناك دراسة تطبيقية لبعض الوقت فمثلاً مركز الدراسات البريطانية في ألمانيا يقسم فترة الدراسة إلى قسمين يمضي مدة في الدراسة النظرية ثم ينتقل إلى العمل في بريطانيا.
لكننا لسنا ملزمين باتباع الطريقة الألمانية فهناك مناهج كثيرة يمكننا أن نأخذ بها في دراسة الغرب كأن يبتعث الطالب لدراسة علم الاجتماع في جامعة بولندية وتكون بحوثه العملية على المجتمع البولندي أو سواه من المجتمعات الأوروبية
وبالإضافة إلى الدراسة والتطبيق فمن الآليات التي ينبغي استخدامها إصدار الكتب حول دراسة الغرب والمجلات المحكمة بالإضافة إلى عقد المؤتمرات والندوات ودعوة كبار الباحثين الأوروبيين والأمريكيين المتخصصين في دراسة مجتمعاتهم من النواحي السياسية والاقتصادية والتاريخية والجغرافية وغيرها من التخصصات وذلك لإلقاء المحاضرات وربما للإشراف على الرسائل العلمية ووضع البرامج والمناهج.
كما ينبغي أن يكون للباحثين في الدراسات الغربية أو الاستغراب نصيب من المشاركة في الجمعيات والروابط العلمية المختلفة في شتى المجالات كالتربية والتعليم والمحاماة وعلم الاجتماع وجمعيات العلوم السياسية وحضور ندواتهم ومؤتمراتهم.
ومن الآليات أن نتولى نحن عقد المؤتمرات والندوات حول القضايا الأوروبية والأمريكية في شتى المجالات ودعوة الباحثين الغربيين للمشاركة في حضور هذه الندوات والمؤتمرات ونسعى لهذا الحضور بتشجيعهم على المشاركة وربما تحمل جزء من النفقات.
ولا بد أن نهتم بالمؤسسات والجمعيات الموجودة والتواصل معها والاشتراك في دورياتها ومؤتمراتها فمثلاً هناك في أوربا شبكة الدراسات الأمريكية التي تضم أكثر من عشرين مركزاً ولها مؤتمرها السنوي وجائزة الكتاب السنوي أو جوائز فنفيد من تجربتهم في هذا المجال. ولا بد أن أذكر هنا أن هناك رابطة علماء آسيا حول الدراسات الأسيوية ويشارك فيها عدد كبير من العلماء الأوروبيين وإحدى هذه الرابطات تتخذ من هولندا مقراً لها.
ولا بد أن يكون من هذه الآليات تبادل الطلاب مع الجامعات الأوروبية فكما أنهم يرغبون ويحرصون على دراستنا والتعرف إلى العالم العربي الإسلامي فنحن بحاجة إلى معرفتهم فيكون هناك منح متبادلة لطلابنا وطلابهم.
إن آليات دراسة الغرب لا تقتصر على ما قدمت فينبغي أن نفيد من ملايين المسلمين الذين يعيشون في الغرب ويحملون جنسيات تلك البلاد ويكون مسموحاً لهم لدراسة قضايا كثيرة قد لا يُسمح لطالب أجنبي أن يطرقها فنفيد منهم بل نقوم بتكليفهم بهذه الدراسات ونقدم لهم التمويل المطلوب.
ولا بد أن يكون لدينا أقسام للترجمة لترجمة أبرز ما أنتجه العلماء الغربيون عن بلادهم وفي الوقت نفسه يكون لدينا أقسام لتقديم ملخصات علمية لأبرز الدراسات التي تُنجز في جامعاتهم

        

الأربعاء، 18 نوفمبر، 2015

لنقد الثاني للمستشرقين المتحدثين بالانجليزية في تناولهم للإسلام والعرب




ا




تأليف
الدكتور عبد اللطيف طيباوي

المركز الإسلامي الثقافي – لندن
1399/ 1979

ترجمة
مازن صلاح مطبقاني


إني لا أقدم اعتذاراً عن كتابة هذا البحث النقدي الثاني، فهو مثل الأول جاء استجابة لتحد متواصل. وأتوسل إلى أولئك الذين يكرهون النقد الموجه لما أعده منحازاً أو عدائياً في أعمالهم بأن لا يعتقدوا بأنني أكتب بروح الثأر، ذلك أن النقاش سيوضح بأن هدفي الوحيد سيكون إعادة تأسيس الحقيقة التي أحب أكثر من أي زميل أو صديق من بين الذين انتقدتهم. هذا التوضيح قديم قدم الزمان ولكن مصداقيته ليست محل سؤال.
فإذا ما قدمت احتجاجك لزميل أو صديق سراً ثم أهمل رجاءك ومضى في نشر ما تعتقد أنه نظرة هجومية أو استفزازية ضد الإسلام والعرب، فإن عدم نشر تجاوبك لتصحيح آرائه يعد جنباً فكرياً أو أخلاقياً. بل إن واجبك أن تتمسك بالمثل الأبدية التي تعدها أغلى من صداقة أي إنسان.
قبل سنة عشر عاماً تقريباً قامت I مجلتان علميتان([1]) وفي وقت واحد تقريباً بنشر دراستي "المستشرقون المتحدثون بالانجليزية: نقد لفهمهم للإسلام وللقومية العربية". وتحت العنوان نفسه نشر النقد في كتاب من قبل المركز الإسلامي الثقافي بلندن([2]). وكان البرفسون الراحل آي. جي. آدبرى أول من أدرك أهمية الموضوع فدعاني لإلقاء محاضرات في مركز الشرق الأوسط في جامعة كمبردج. ونتيجة لهذه المحاضرات ونشر ذلك النقد وصلتني ملاحظات ونقد من عدة أشخاص. ولكني احتفظت بالتعديلات الضرورية لهذه الدراسة مما كان متوقعاً في النقد. ولم أتوقع حينئذ أن واجبات أخرى ستؤدي إلى هذا التأخير.
وفي هذه الأثناء مضيت في جمع المادة العلمية والنقاش مع الدارسين المهتمين مما انعكس على نواحيه المختلفة، كما كنت أدرس ما ينشر من العرب والإسلام. لقد ترجم ذلك النقد إلى لغات أخرى من بينها الألمانية والفارسية. وأود أن أذكر أن ثلاثة مساهمات يائسة في موضوعه قد ظهرت منذ نشر دراستي: كان الأول نقديا عالي المستوى ويحمل وجهة نظر أخرى"([3]) أما الثاني فقد كان دفاعيا جداً وغير نقدي، وكان قصيراً حيث جاء نصفه مرجعيا([4]). أما الثالث فتحليل مثقف للمعنى الواسع للاستشراق واقتصر في صفحاته الأخيرة على تقويم قاس لاثنين من الكتاب الأحباء أحدهما مستشرق محترف والآخر مستشرق زائف([5]).
بالطبع الاستشراق مؤسسة دولية بناها دارسون من جنسيات مختلفة. وتركيزنا على الاستشراق الانجليزي هو لسهولة المعالجة ومواصلة للدراسة السابقة. من التكرار أن أعيد هنا وجهة نظري التي تكونت سنة 1963: "إن التحليل الآتي والذي كان ثمرة دراسة وانعكاس طويلين حريصين ليس معداً بأي روح من الجدال أو الناظرة. ويجب أن لا يفهم خطأً بأنه اعتذار لأية مجموعة دينية أو قومية. وببساطة فتلك الدراسة قد قدّمت كمشاركة حارة لتقديم فهم أفضل لمشكلة قديمة، ويعتقد الكاتب أن كل الأهواء القديمة التي اندثرت إلى حد كبير منذ بداية هذا القرن ما تزال قوية وتنشر على مستوى واسع من قبل بعض المتخصصين في العربية والإسلام في الغرب. وزيادة على ذلك فالكاتب يخشى أن التعصب الديني قد دعِّم مؤخراً بتعصب "قومي" جديد. فهناك دليل على أن الشعور بالكراهية للإسلام منذ مدة طويلة قد امتد الآن ليشمل العرب أو بصورة أدق للقومية العربية. هذا الشعور يمكن أن يتطور وفقاً لنموذج العصور الوسطى إلى درجة قد تكون كارثة للدراسات الاستشراقية والعلاقات الإنسانية كذلك. إن الاهتمام الصادق بهذين الأمرين هو الدافع إلى هذا النفاس".
سأبدأ بإعادة تلخيص النقاط البارزة في الدراسة السابقة مبحثاً مبحثاً كمقدمة لهذه الدراسة: إن المبحث الأول عبارة عن إشارة موجزة للمساوئ السابقة للدراسات العربية والإسلامية وامتداد جذورها في الكراهية المرة والعداوة العمياء المتمثلة في النقد اللاذع والتمثيل الخاطئ للعقيدة وللرسول ولمعتنقي هذه العقيدة. إن الاتصالات الطويلة واللصيقة أثناء الحروب الصليبية لم تغفل كثيراً لتغيير هذا الموقف، ولم تلطفها المنظورات التاريخية التي حدثت في الغرب كفكرة دعوة "الكفار" بدلاً من مقاتلتهم وتنمية الدراسات العربية في الجامعات، وترجمة العلوم اليونانية من اللغة العربية وبداية الاتصالات الدبلوماسية والتجارية مع البلاد الإسلامية.
وإجمالاً فإن التمثيل المزيف والحاقد استمر بكامل قوته بصورة أو بأخرى حتى وقت قريب نسبياً، فالاستعمار التوسعي الأوروبي لإضافة أراض إسلامية واسعة بدلاً من تهدئة التعقب عمد إلى غثارته. حيث إن بناة الامبراطورية فتحوا المجال للتبشير المسيحي، والإثنان رأيا في كسوف القوة السياسية للإسلام مقدمة لانهياره الرومي. فقد اعتقد عدد من الأكاديميين وأبرزهم مارجليوت في جامعة بألاه الانهيار أمر وشيك الوقوع. ولكن كان هناك ظاهرة توازن في تحقيق ونشر النصوص العربية والإسلامية والتي حذرت الأجيال القادمة من المستشرقين وكذلك الدارسين المسلمين.
وفي المبحث الثاني وصف التدريب الذي تلقاه المستشرقون الانجليز من نصارى ويهود بأنه انجيلي ولاهوتي أو لغوي إلى حد كبير. وقليل من هؤلاء أولا أحد منهم حصل على التدريب المناسب في التاريخ أو المنهج العلمي في البحث والكتابة التاريخية. فعدد طبيب منهم درسوا الإسلام نتيجة للإقامة بالمصادقة أو أصبحت بعثات التنصير أو الخدمة العسكرية في البيئة الإسلامية. ومع ذلك فإن معظمهم ليس مقيداً بهذه الحدود ويفصل بعيداً من موضوعات تخصه لينغمس في كتابة التاريخ الإسلامي ويقدم أحكاماً استفزازية (هجومية) حول الإسلام، ونبيه وكتابه المقدس. وكثير من الكتابات على هذا المنوال إنما هي تخرصات وتخمين أوحت بها الأفكار السبعة حول كيف يجب أن يكون الإسلام، وبعث فيها الحياة الاستنتاج المبني على نظرية التوازن الخادعة.
إن التاريخ الإسلامي الذي كتب بهذه الطريقة أهمل كلياً نظرة المسلمين لمحمد بصفته رسول من الله، وإلى القرآن الكريم الذي يحتوي الوحي الإلهي ونتيجة لذلك رسمت صورة مختلفة للشريعة الإسلامية وللمجتمع والثقافة الإسلامية متعارضة بصورة حادة مع الصورة الإسلامية الصحيحة كما يعرفها المسلمون. وفي كل هذا التحريف فإن جهداً قليلاً قد بذل على الأقل لذكر النظرة الإسلامية بالكامل جنباً إلى جنب مع كل جانب من "الاختراع" إنه لمن المدهش غفلة وإهمال المستشرقين لنتائج تحريفهم واختراعهم. إنهم لا يدركون بأنهم لا يشجعون التعاون الأكاديمي أو حتى العلاقات الإنسانية العادية.
لقد عولجت دراسة الأديان المقارنة التي قام بها بعض المستشرقين الانجليز في المبحث الثالث. وخلافاً للأهداف التخريبية للجدل العنيف في العصور الوسطى فإن التنصير المسيحي كان له هدفاً إيجابياً وهو تحويل المسلمين إلى النصرانية وذلك بمقارنة النصرانية بالإسلام ولصالح النصرانية. وهذه الطريقة ما تزال معنا ولكنها ما عدا في أحوال مستثناة تصر على طموحاتها التنصيرية الواضحة. إن دراسات الأديان المقارنة تنطلق من الجدال. لقد مؤنت اليهودية بالنصرانية، ولكن بدلاً من تطوير التفاهم والتعاطف فإن المقارنة هددت بإيجاد عداوة أكثر وبغض شديد.
إن عمل أولئك اليهود والنصارى الذين زعموا أن الإسلام وليد اليهودية أو النصرانية أو كلاهما في حقل الاستشراق قاد إلى كثير من النتائج نفسها لنفس الأسباب تقريبا – النقص في عدم التحيز في أولئك الذين قاموا بهذا العمل، وهو أنه أدى إلى نتائج غير صادقة وهو الأمر الذي يعرفه الجميع. وأنها كانت أساساً صرحا لخلافات عقدية أو سياسية أو أنها كانت انعكاس لهذه الخلافات في مهر كاذب أمر من السهل إثباته. إن شروط المقارنة قد قررت بشكل اعتباطي من قبل أحد الأطراف في شكل صورة غير مقبولة لدى الطرف المعني الآخر ولكن مشارك. وهكذا يكون الجهد جافا وعبثاً لا جدوى منه. وبالتأكيد فإن الشخص الذي يشعر بالعداوة نحو أو عدم الاحترام لنظام ماء ديني أو سواه، فهذا النظام يجب أن ينظر إليه أو حتى يجب عليه أن ينظر إلى نفسه بصدق إنه غير مناسب لمقارنته بدينه.
بيد أنه حتى في عصرنا فإن هناك الذين ينشرون تأكيداتهم فإن الإسلام غير كامل أدائه صورة محرمة من المسيحية وأن محمداً باعتباره مؤلفاً للقرآن قد "نقل" من الأناجيل وكذلك "انتحل" الأفكار والممارسات التلمودية. إن أقل ضرر يغفله هذا الزعم هو تغريب الأجيال الجديد من الباحثين المسلمين عن نظرائهم في حقل الاستشراق.
يناقش المبحث الرابع مسألة "الإصلاح" في الإسلام. فبعد فشل الجدل العنيف وما تلاها واستراتيجية المنصرين في إظهار زيف ونواقض الإسلام فإن أسلوباً جديداً تم تبنيه وهو نشر فكرة الدعوة إلى "الإصلاح". إنه من المهم أن الذين شاركوا مع سابقيهم في الهجوم كانوا من المستشرقين اليهود والكاثوليك قد انسحبوا من هذا المجال وتركوه كلياً للبردتستانت.
إن اعتناقهم لفكرة الإصلاح يمكن فهمها، وهذه القناعة مرتبطة بهدف خفي قليلاً وهو تغيير وجهة نظر المسلمين وتقريبهم ما أمكن نحو المسيحية.
وتم قبول كثير من القول الفارغ حول هذا الموضوع، وكثير منه ينم عن سوء فهم كبير للصفات الأساسية للإسلام بصورة مدهشة. فالإسلام بجانب كونه حضارة وثقافة فله جانبان جوهريان: العقيدة الوحي بها من الله ولذلك لا يمكن أن تكون خاضعة للاختراع بواسطة البشر، والشريعة المشتقة من القرآن والسنة النبوية التي نفلت عن طريق البشر وكذلك فهي تخضع للتغيير. ليس هناك سلطة إسلامية قادرة أبداً على التفكير في إحداث أي تغيير في العقيدة، ولكن التغيير في الشريعة قد كان كبيراً خلال العصور وليس فقط في الأزمان الحديثة.
إن اضطراب المنادين بالإصلاح من غير المسلمين كبير حتى إنهم من جهة يصرون بأن الإسلام (لا يبينون بأي وجه) جامد جداً ولا يمكن إصلاحه، ومن جهة أخرى يقولون بأن الإصلاح الحديث في الشريعة يشوهها. من المؤكد أن الغرباء عن أي نظام ديني لا يستطيعون أن يستغنوا عن قواعد الآداب الأولية في مناقشة أعمال سلطاته الشرعية ويتوقعون في نفس الوقت نفسه أن ينصت إليهم باحترام. وهناك سبب تاريخي آخر يجعل هذا التوقعات ميئوس منها وهو إن فكرة الغربيين في إصلاح الإسلام قد قدمت في أعقاب سيطرة الغرب السياسية على كثير من الأراضي الإسلامية. ويبدد أن رؤوس التاريخ الحديث يبدو تشير إلى أن أية حركة للإصلاح لا تستطيع النجاح ما لم تنبع من المبادرة المحلية وتكون مبادئها مقبولة لدى السلطات المثقفة المحافظة.
وفي المبحث الخامس نوقشت وجهتي نظر مختلفتين ووضحتا، فالإصلاح يعني للمسلمين إما إعادة الإسلام إلى جوهره النقي أو تطهير ممارسات المسلمين من الزيادات غير المشروعة. وهكذا فإن المسلمين وليس دينهم هو موضوع الإصلاح في المعنى الغربي للمصطلح. إن سوء فهمه في الإطار الإسلامي قد أوحد اضطراباً كبيراً في أعمال المستشرقين الذين حاولوا تقويم المفكرين المسلمين المعاصرين ومن ضمنهم أولئك الذين تعلموا في الغرب.
فالذين يستجيبون منهم للتحدي الثقافي الغربي كما يتوقع منهم أساتذتهم الغربيين أو يفعلوا يوصفون بأنهم "الأحرار" Libewls . وأما أولئك الذين يكتشفون من جديد وجهتهم الفكرية والروحية من خلال تعاليمهم الأصلية بعد فترة من الافتتان والتلقين الغربي يوسمون بأنهم "رجعيون" وكلا الطابعان يلصقان إلى حد كبير بناء على دليل ذاتي وسطحي.
هناك نوعان من الأساتذة الغربيين المنهمكين في هذا التمرين: المستشرق التقليدي والجيل الجديد من أساتذة السياسة المقبلين على الدراسات الاستشراقية. وكلاهما يجب عليه أن يقبل نصيبه من المسؤولية في تغريب طلابهم المسلمين والعرب المؤقت من تراثهم الوطني وكذلك عودتهم الحتمية له بعد فترة من الصراع الفكري والروحي. وخلافاً للجيل من الطلاب الذين أرسلوا إلى الغرب وكانوا مضطلعين في العلوم الإسلامية فإن الطلاب المسلمين من الأجيال الحاضرة يذهبون إلى المعاهد الغربية في أفضل أحوالهم يملكون مقدرة في هذه العلوم. ولا عجب إذا كان هؤلاء الطلاب على خلاف سابقيهم يعقونه ضحايا أعزاء المستشرقين المهملين أو إغراء أساتذة السياسة المجردين من الضمير.
كم من المستشرقين وبخاصة من صغار مساعديهم في حقل السياسة يدركون التمايز بين مسؤوليتهم الأخلاقية والأكاديمية التي يضطلعون بها بوعي أو بدون وعي خلال تدريسهم أو إشرافهم والتي تنظم طلابهم العرب أو المسلمين من أفكار ومثل ثقافتهم وقومهم ؟ وبصفة خاصة كيف يستطيع مستشرق أو استاذ سياسة أيد العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956م يضطلع بتقديم توجيه فكري لطالب مصري أو فلسطيني في هذه القضايا ؟ إن الأمانة تقتضي أن يمتنع عن تحمل مثل هذه المسؤولية، ولكنه في الواقع لا يغفل ذلك. وهكذا لطخت سمعة الاستشراق في الحاضر في العالم العربي والإسلامي.
وتستمر القصة في المبحث السادس بالتركيز على معالجة الدارسين الغربيين للقومية العربية لقد لوحظ أن المتخصصين في الدراسات العربية من بين هؤلاء لا يحبون العرب إلى حد كبير بنفس الطريقة التي لا يحب فيها المتخصصون في الدراسات الفارسية أو التركية الفرس أو الأتراك. قد يكون هذا من تراث الحقد القديم للإسلام تندد بمعالجة متميزة، فإن من المؤكد أن الطالب الذي لا يكون حيادياً عقلياً أو عاطفياً نحو موضوعه فإنه يخاطر في أن لا يكون عادلاً. إن موقفه تجاه موضوعه يجب أن يكون مشابهاً لنا من محكمة العدالة أمام الخصوم. وأمرناه أن الأمر أبعد من ذلك كثيراً في الدراسات العربية والإسلامية المعاصرة.
إن التعصب القديم ضد الإسلام يقدَّم الآن كعداوة للقومية العربية. ولكن الخطوة في الحقيقة بأن مثل هذه العواطف يضمرها أناس يتقلدون مراكز أكاديمية وينشرون تعصبهم ويدرسونه لطلاب يضمون من بينهم طلاباً عرباً ومسلمين. والنتيجة هي استمراء العداء الغربي للإسلام تحت طابع آخر: تماماً مثلما كان ظهور الدراسات الإسلامية مقترناً بكراهية دينية فإن الدراسات الحالية للقومية العربية يفسدها التعصب السياسي. هذه المرحلة الجديدة تتفاقم خطورتها بسبب الخلاف العربي الصهيوني والذي يظهر مدى قلة التعاطف مع العرب والتأييد الذي يلقاه الصهاينة في الدوائر الأكاديمية الغربية.
يتضح هذا التباين في نوعية النقد الغربية حيث تمثل إسرائيل الديموقراطية بشكل ثابت (بالرغم من اضطهاد العرب ورفض حقوقهم السياسية). والقومية العربية تنتقد بصورة بارزة على نفس المنوال الذي انتقد فيه الإسلام من قبل. فأي شيء يعمله العربي في تطوره القومي يرفض غالباً على أنه اعتذاري تبريري ومعاني في التعصب للوطن أو إنه يتم تشويهه من قبل الكتاب الغربيين الذين ليسوا أحراراً هم أنفسهم من هذه العيوب البشرية. ويختفي من وراء هذا الانتقاد الفلسفة نفسها التي نادت بإصلاح الإسلام. والقومية العربية أيضاً يجب أن تتلاءم مع النماذج الغربية. وكلما كان فشلها أكثر من ذلك تعاظم انزعاج الغربيين منها.
لم أر اعترافاً غربياً مخلصاً بأن الفلسفة السياسية الغربية المبنية على الليبرالية قد كذبت من قبل السلوك الغربي اللامتحرر Illibened في العالم العربي سواء أثناء أو بعد عهد الاستعمار. لقد هز ذلك السلوك أنه قواعد أخلاقية التي كانت تمارسها الديموقراطية الغربية في العالم العربي من أسسها. ومثال حي والذي يحتل أسوأ مرتبة في ممارسات القوى الاستعمارية هو التأييد الأمريكي المستمر بالسلاح والمال والدبلوماسية لإسرائيل في تعديلها المتكرر على القانون الدولي بخصوص حقوق الفلسطينيين والعرب.
لقد أكثر المبحثان الخاتمان للدراسة، ضمن أشياء أخرى ما يطلق عليه المثقفون العرب "الصليبية" الحديثة ضد الإسلام وامتدادها للقومية العربية بعد تراجع وانحسار النفوذ الغربي الكلي عن العالم الإسلامي والعالم العربي. وليس من الصعب منهم الصليبية الحديثة. ليس من السهل استئصال الخصومة العميقة الجذور من الفكر الغربي وبخاصة أنه لم تبذل أية جهود داعية لاستئصالها. فهناك براهين وافرة على أن الروح الكراهية القديمة ما زالت تبعث الحياة في كثير من الأعمال التي. تتم باسم العمل الأكاديمي، وهذا أيضا ظاهر في تقديم القضايا المعاصرة في وسائل الإعلام الغربية.



([1]) The Muslim world, vol L II /3 – 4 (1963). pp 145 – 204, 298 – 313, The Islamic quarterly, Vol. viiil 3 – 4 (1964) pp. 33 – 45, 37 – 88.
([2])                                 Luzac & co. Ltd. for the Islamic Cultural Center (London 1364/964
([3]) انظر أيضاً تعليقات
Anour Abdel – Malek, L'Orientalisme en Crise" Diogenes, vol. xl, v (1964) pp 130 – 40
كلود كاهن في نفس المجلة عام 1965 مجلد Xlix صفحات 135 – 38 ومقال Francisco abrieli (volipp 128 - 36
([4])         C. E. Bosworth Orientalism and Oreintalts in Diann Grim wood – Vones and others (eds) Aral
Islamic Bibliography (London 1977) pp 146 – 56)
([5]

الاثنين، 16 نوفمبر، 2015

محاضرة هاري سنايدر التدريب لماذا؟ Harry R. Snyder في حفل تأسيس جمعية نساء الظهران الأمريكيات 24 فبراير 1955م

ترجمة مازن مطبقاني
        حمل النبي {صلى الله عليه وسلم} مشعل التعليم قبل ألف ومائتي سنة، وعلى الرغم من أنه كان أمّياً إلاّ أنه حث أتباعه على "طلب العلم"؛ فالتعليم يمكّن صاحبه من التمييز بين الصحيح والخطأ، إنه ينير الطريق إلى الجنة، إنه الصديق في صحراء الحياة، والرفيق في الوحدة والصاحب عندما لا يكون لك صديق، إنه الدليل إلى السعادة، إنه يمكننا من مواجهة المصائب، إنه المفخرة بين الأصدقاء وسلاح ضد الأعداء. كم يجب علينا أن نكون ممتنين لكلمات محمد {صلى الله عليه وسلم} شكراً للعرب على حكمة اليونان والرومان وعلومهم وثقافات الشرق الأوسط القديمة فهم الذين حافظوا عليها ونقلوها إلينا. يطلق على الشرق الأوسط بحق أنه "محضن" الحضارات، فالعمران والأحساءب وعلم الفلك، وأول عجلة والحروف الأبجدية والري  ومعمل للصلب كما أن الأديان التوحيدية كلها منبعها الشرق الأوسط، فقد كانت اللغة العربية قبل عصر النهضة بكثير هي لغة التعليم الكلاسيكية. وحتى وقت متأخر في عام 1148عندما اصطحب ملك فرنسا لويس السابع الملكة إلينور في الحملة الصليبية الثانية حاولت أن تقنع زوجها أن يتركها لتعيش في أنطاكية بسوريا بدلاً من العودة إلى فرنسا؛ لأن الثقافة والناس في  أنطاكية كانوا أكثر تحضراً من أهل باريس. ولكن بعد العام 1500بدأت الحضارة العربية في التراجع والانحدار والآن إن من مصلحتنا نحن الأمريكيين أحدث الشعوب المستفيدة من حكمة الشرق أن نساعد العرب في نهضتهم.
لقد أثار الشرق الأوسط طموحات الجنود والسياسيين والتجار منذ بداية التاريخ، وربما ليس هناك موقعاً أكثر إستراتيجية في العالم يؤلف جسراً يربط القارات الثلاث أوروبا وأفريقيا وآسيا، وفوق هذه الأرض الجسر عبرت القوافل المثقلة بالبضائع من البهارات والحرير من الشرق الأقصى متجهة إلى أوروبا ، وكذلك الجيوش المنتصرة من كل الأمم. وقد صرح الكاتب المتخصص في الشؤون العسكرية ليدل هارت Liddle Hart أن وادي زرعين في فلسطين قد تخضب بدماء البشر إلى حد لم يشهده أي جزء آخر من العالم. ومع ذلك فقد مثّل هذا الوادي طريقاً قديماً لجيوش مصر وآشوريا وبابل في صراعاتهم المستمرة للسيطرة على العالم. من منكن لم يزر نهر الكلب على الطريق بين بيروت وطرابلس، يجب أن تفعلن ذلك في المرة القادمة حين تزرن لبنان، وهناك سترون نقوشاً على الصخور تدل على الجيوش العظمية التي مرت به، وسوف ترون حتى الآن نقوشاً تمثل الأدلة على الجيوش العظيمة التي مرت به: وسوف تقرؤون بعض القصص بعض الحملات التي قادها قادة مشهورين سواء في التاريخ القديم أو الحديث : رمسيس ونبوخذنصر وسارجون وأشوربانيبال وهي أسماء مألوفة لنا في قصص الإنجيل. وبجانب هذه الأسماء هناك أسماء من التاريخ الأحدث مثل نابليون الثالث وأللنبي وبعض جنرالات الحرب العالمية الثانية والتي ستنقش أسماؤهم بجوار الأسماء الأخرى.
         وفي العام 1725 عندما مات الملك الروسي بيتر العظيم ترك توجيها للشعب الروسي في وصيته يقول فيه: "تقدموا إلى بعد نقطة ممكنة نحو القسطنطينية والهند، فمن يملك تلك المناطق فسيكون السيد الحقيقي للعالم" ومنذ ذلك الحين لم تتغير السياسة الخارجية الروسية.
        وهكذا أصبح العالم الغربي مهتماً فعلاً بالشرق الأوسط في نهاية القرن الثامن عشر عندما أدرك نابليون صحة إستراتيجية بيتر العظيم فقام بالإبحار  إلى مصر عام 1798م بجيش جرار وأسطول بحري للسيطرة على الشرق الأوسط كخطوة أولى للسيطرة على العالم. إن أهمية غزو نابليون لمصر لا ترجع فقط لأنها أول غزو لجيوش غربية  للشرق الأوسط منذ الحروب الصليبية قبل خمسمائة سنة، ولكن أيضاً لأن غزو نابليون لم يكن بالجيوش فقط ولكنه كان بالعلماء والمعلمين كذلك. فقد صحب نابليون معه مئات من العلماء. وقد تمزقت حملة نابليون عندما هزم على يد الجيش المسلم في معركة عكا، وقد كتب نابليون رسالة إلى وزير الحربية بوريين Bourienne صائحاً:" ذرة رمل حطمت حُلُمي ، لو سقطت عكا لهزمت العالم" ، لقد سحب نابليون جيوشه إلى أوروبا ولكنه ترك خلفه العلماء والمعلمين الذين استطاعوا في النهاية في كسب الدول التي قاومت جيوشه، فاليوم ثقافة مصر ودول عديدة أضحت فرنسية نتيجة جهود علماء نابليون.
        لقد أثارت حملة نابليون في الشرق الأوسط اهتمام القوى الأوربية الأخرى، ولقد كانت بريطانيا العظمى أكثر نجاحاً حيث أسست مناطق نفوذ عسكري في أنحاء الشرق الأوسط، وحاولت ذلك إيطاليا وألمانيا بسبب الغيْرة من بريطانيا العظمى ولكنها فشت في تحقيق مناطق نفوذ لها.
        ولم تصبح حكومتنا (الولايات المتحدة الأمريكية) مهتمة في ذلك الحين بذلك الجزء من العالم حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، ومع ذلك فقبل ذلك بكثير شارك الأمريكيون أفراداً في القرنين التاسع عشر والعشرين في الحملات تجاه آسيا. فأول أمريكي قدم للعيش في الشرق الأوسط كان عام 1819م أي بعد وقت قصير من الفرنسيين والبريطانيين.
        ففي 10 فبراير 1822م أسست أول مطبعة أمريكية في جزيرة مالطا، ومن المشوق أن نلاحظ أنها كانت ثاني مطبعة حديثة في منطقة البحر المتوسط حيث كانت المطبعة الأولى هي التي حملها جنود نابليون إلى مصر وأطلقوها قبل ربع قرن، ولكن النهضة الحديثة في الشرق الأوسط بدأت حقيقة بالمطبعة الأمريكية.
        قام كل من دانيال تمبل Daniel Temple وإلي سميت Eli Smith ممثلين لمجلس البعثات التنصيرية الخارجية بتأسيس المطبعة وتشغيلها، وفي خلال ثنتي عشرة سنة استطاعا نشر ثلاثمائة وخمسين ألف كتاب ومطوية، ولكنها لم يكونا راغبين في البقاء في مالطا فعيونهما كانت متجهة إلى دول الشرق الأوسط نفسها والتي توفر انطلاقاً أكبر لما يقومان بنشره. وفي 6 مايو 1834م نجحا أخيراً في الحصول على الإذن من السلطان العثماني لنقل المطبعة إلى بيروت.
        وكان إيلي سميث نفسه عالماً كلاسيكياً ولم يكن متمكناً فقط في اللغة العبرية واللاتينية واليونانية، ولكنه كان يعرف جيداً لغات حديثة هي الإيطالية والفرنسية والألمانية والتركية. وعندما انتقل إلى بيروت أتقن العربية  كذلك. وهنا شرع في تصميم حروف عربية قام بترتيبها في مدينة لايبزج Leipzig  وكان هذا النوع من الحروف الذي أصبح يطلق عليه الحروف الأمريكية العربية تطوراً عظيماً في النوع العربي حتى إن استخدامه اتخذ أساساً للطباعة في كل أنحاء العالم الإسلامي، ومازال هو النوع الأكثر استعمالاً حتى الآن.
        وفي عام 1848م كُلّف هو ومساعده اللبناني بطرس البستاني بترجمة الإنجيل من الإنجليزية إلى العربية. وقد كانت الترجمة مهمة كبير فهي ليست فقط ترجمة المفردات من لغة إلى أخرى ولكن كانت أيضاً التعبير عن المفاهيم للنص الأصلي بمصطلحات الشرق الأوسط. فالترجمة تعد دائماً من أصعب الأنواع الأدبية، وقد ثبتت صحة هذا في ترجمة الإنجيل. لقد صارع الدكتور سميت مدة تسع سنوات في هذا العمل في ترجمة العهد القديم قبل أن يموت عام 1857م عن عمر يناهز الخامسة والسبعين.
        وهنا تولى الدكتور كونيليون فان ألن فان دايكConilius Van Allen Van Dyke مهمة الترجمة غير المكتملة، والدكتور طبيب شاب جاء إلى بيروت عام 1840م وقد ولد في مدينة كندرهوك Kinderhook بولاية نيويورك. وعندما وصل انغمس في اللغات وأثبت عبقرية حيث استطاع خلال سبع عشرة سنة أن يتقن العربية والسريانية والعبرية واليونانية والفرنسية والإيطالية والألمانية {هل يستطيع الذين يريدون دراسة الاستشراق أن يفعلوا مثله؟}. لقد أصبح متمكناً من اللغة العربية حتى إن العرب أنفسهم كانوا ينظرون إليه بصفته خبيراً في لغتهم. لقد كان  من المنطقي وبلا نقاش أن يتولى المهمة من الدكتور سميث لإكمال ترجمة الإنجيل على الرغم من أنه لم يكن متخصصاً في اللاهوت. لقد تفرغ بعناية واهتمام كلياً، ولم يكمل ترجمة العهد الجديد فقط بل قام بمراجعة ترجمة الدكتور سميث للعهد القديم.
        وفي عام 1864م (قبل تسعين سنة) طبع الإنجيل باللغة العربية في المطبعة الأمريكية في بيروت باستخدام الحروف العربية الأمريكية التي صممها دكتور سميث، وقد طبع منه حتى الآن خمساً وثلاثين طبعة (حتى عام 1955م) وقد وزع أكثر من مليون نسخة مما جعله أكثر الكتب مبيعاً في الشرق الأوسط. لقد قدم الشرق الأوسط الإنجيل للعالم، ولكن كان الأمريكيون هم الذين أعادوه إلى الشرق الأوسط في لغة يستطيع الناس فهمها. (ولإعطاء القصة لمسة إنسانية أحضرت معي الشيسة التي كان يدخنها دكتور فان دايك حين يحتاج إلى راحة واسترخاء خلال السبع سنوات التي عملها في الترجمة)
        وهكذا وبمنتصف القرن التاسع عشر نجح العلماء الأمريكيون مثل علماء نابليون فيما فشلت فيه الجيوش، وقد أصبح العلماء الفرنسيون والأمريكيون ذوي وجود راسخ في الشرق الأوسط. وحتى هذا اليوم يمارس هؤلاء العلماء تأثيراً في حياة شعوب الشرق الأوسط وفكرهم أعظم مما استطاع جيش نابليون وأسطوله أن يفعلاه.
        وكان الحدث الثاني الأكثر أهمية في الاقتحام الأمريكي للشرق الأوسط هو تأسيس الكلية البروتستانتية السورية في بيروت في ديسمبر 1866م. لقد قرر الدكتور دانيال بلس Daniel Bliss أن شعب الشرق الأوسط بحاجة إلى تعليم عال منظم فانطلق لتأسيس معهد أصبح مشهوراً في العالم بالجامعة الأمريكية في بيروت، وحملت هذا الاسم عام 1920م. وقد عبّر دكتور بلس عن هذا الأمر بقوله:" هذه الكلية لكل الأوضاع والطبقات دون النظر إلى اللون أو الجنس أو العرق أو الدين. يستطيع أي إنسان (رجل) لونه أبيض أو أسود أو أصفر، نصراني أو يهودي أو محمدي {مسلم} أو لا يؤمن بأي دين أن يدخل الجامعة ويستمتع بكل مزايا هذا المعهد مدة ثلاث أو أربع أو ثماني سنوات، ويخرج منها يؤمن بإله واحد أو آلهة متعددة أو لا يؤمن بأي إله. ولكن سيكون من المستحيل لأي شخص أن يستمر معنا مدة طويلة دون أن يعرف أن ما نؤمن به هو الحق وأسباب ذلك الإيمان"، والجامعة الأمريكية في بيروت حققت الاعتراف بأنها واحدة من الجامعات المتميزة في الشرق الأوسط. لقد حققت تأثيراً على التطور الفكري والسياسي والاجتماعي في الشرق الأوسط أكثر من أي مؤسسة منفردة ، وقد كانت الناقل الرئيس للثقافة الأمريكية إلى العالم القديم. كما كانت كذلك المحضن للحركات القومية العربية فهنا ألّف خمسة من الشباب العرب من الأساتذة والتلاميذ جمعية سرية والتي بذرت بذور التمرد والعصيان التي كانت نتائجها تدمير  قيود الحكم التركي.
        وفي سنة 1920 وهي السنة التي تحولت فهيا الكلية السورية البروتستانتية إلى الجامعة الأمريكية في بيروت وقعت الحادثة الثالثة المهمة وهي التي  كان مصيرها أن تدخل الولايات المتحدة في شؤون الشرق الأوسط لسنوات عديدة وربما للأبد. فقد قرر الرئيس هاردنج Harding أنه نتيجة لإسهامنا في الحرب العالمة الأولى أن الولايات المتحدة الأمريكية تستحق جزءاً من احتياطات النفط المكتشف حديثاً والتي كانت أساساً تحت سيطرة بريطانيا العظمى وفرنسا. وبعد مفاوضات طويلة منحت بريطانيا العظمى حقوقاً لبعض شركات النفط الأمريكية للمشاركة في شركة النفط العراقية المؤسسة حديثاً. ولم تكن النشاطات البترولية الأمريكية كبيرة لعدة سنوات. ومع ذلك فإن الامتياز الذي أعطاه الملك عبد العزيز لأرامكو عام 1933م كان علامة على مرحلة نشاط محموم بارز. وقد انشغلت الصناعة الأمريكية بقوة في السنوات التالية. لقد اكتشف البترول في المملكة العربية السعودية عام 1938م ولكن لم ينتج بكميات معتبرة حتى عام 1944م وبالتحديد بعد مائة وخمسة وعشرين سنة من وصول أول أمريكي للإقامة في الشرق الأوسط. والآن سيأتون بأعداد كبيرة. وبعد عام 1944 تناسب  عدد السكان الأمريكان في السعودية مع الزيادة الحادة في إنتاج النفط حتى أصبحت الأحساء وطناً لأكبر مجتمع أمريكي خارج الولايات المتحدة الأمريكية.
         إن الشراكة التي نشأت بين السعودية والولايات المتحدة الأمريكية في تطوير مصادر البلاد البترولية قادت إلى تأسيس برنامج واسع للتدريب عام 1949م لإعداد السعوديين لاستخدامهم في كل أنواع الوظائف في كل المستويات والتي يمكن أن يكونوا مؤهلين لها. وهذا البرنامج كان مبنيا على أفضل أساليب التدريب فعالية التي طورت في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها وفي المؤسسات الصناعية خارج البلاد. ومع ذلك فقد وجدنا أن تعديلات مهمة يجب أن نحدثها في آليات التدريب لمواجهه الظروف غير الطبيعية في السعودية. فمثلاً كانت نسبة الأمية في السعودية تصل إلى وقت قريب إلى 85% ، فهم أميون في لغتهم وكذلك في اللغة الإنجليزية. فكيف نقدم تدريباً صناعياً لأشخاص استعدادهم ضعيف لتقبله. بالطبع لا نستطيع. فقبل التعيين في عمل دوام كامل أو في وقت متزامن مع العمل فإن الموظف  الجديد يحب أن يعطى ثلاث دورات (3 R's) لتمكينه من استيعاب تدريب متخصص في المهارات أو حتى يتعلم بسرعة من تجربة العمل اليومي. ولذلك وجدنا أن علينا أن نقدم تدريباً في أثناء العمل،  وكذلك من خلال دراسة ليلية اختيارية في التعليم العام. وعادة يتلقى الشباب التعليم في مواطنهم قبل أن يصبحوا عمالاً صناعيين. ولكن  احتياجات أرامكو والسكك الحديدية  والمؤسسات الأخرى في منطقة الأحساء لليد العاملة كانت كبيرة جداً تزيد كثيراً عن المتوفر.
        وعندما يكون بالإمكان توظيف سعوديين ممن تلقوا تعليماً في المدارس بين ست سنوات إلى إحدى عشرة سنة فإن مشكلة التدريب الصناعي ستكون بسيطة. ولكن التعقيدات ذات الطبيعة التعليمية والسياسية تظهر لحظة يوجه البرامج التعليمية لوظائف أرامكو. فالجميع يوافقون على أن التعليم العام يجب أن لا يكون مظهراً دائماً لتدريب أرامكو وإنما في الوقت الحالي لا يوجد بديل حيث إن هناك أعداد محدودة من المدارس الابتدائية في شرق المملكة العربية السعودية. ومن أجل مساعدة وزارة المعارف في مقاطعة الأحساء بمهمته الصعبة التي تحتاج إلى تصميم وعزيمة،  فإن الشركة قد شرعت في برنامج بناء المدارس والتي سأقدمها لكم الآن.
        هناك  أوجه كثيرة جداً لبرنامج التدريب التي يمكن أن أناقشها هنا ولكني أود أن أقترح أن نؤجل مناقشة التفاصيل حتى نهاية حديثي هذا. ومع ذلك فكل واحدة منكم ستحصل قبل أن تغادر على كتيب بعنوان "تدريب الموظفين السعوديين" ويحتوي القصة الكاملة لتاريخ أرامكو في مجال التدريب وسياساتها وإجراءاتها، وواضع الكتيب هو روي ليبكيكر Libkicher مدير التدريب الذي أعدّ الكتاب السنوي لعام 1954 المنشور بالاشتراك بين جامعة لندن وجامعة كولومبيا بنيويورك.
        ومع ذلك فأرغب في أن أوضح بعض النقاط من إنجازاتنا في رفع مستوى القوى العاملة السعودية والذي يعكس فعالية التدريب. دعونا ننظر إلى وضع القوى العاملة في نهاية 1949م والآن بعد خمس سنوات في نهاية عام 1954م. لقد وجد 301 من العمال السعوديين شبه المهرة على قوائم الرواتب والآن في نهاية عام 1954 وصل العدد إلى 1843، والأكثر روعة أنه في نهاية عام 1949 كان السعوديون في كل المهن والعمل المكتبي والمناصب الإشرافية (في الدرجة 6 فما فوق) عددهم 84وبنهاية عام 1954 أصبح هذا العدد 1131، فمن أين أتوا؟ لم يكن من الممكن توظيفهم في سوق العمل المفتوحة. ودعونا ننظر فيما حصل للسعوديين في الميادين المتقدمة من التدريب. فخلال السنوات الثلاث الأخيرة أرسل 49 شاباً سعودياً في منح دراسية لمهمات تدريبية في كلية حلب والجامعة الأمريكية في بيروت وفي مستشفى كنيدي  التذكاري في طرابلس. وباستثناءات قليلة كان هؤلاء الشباب أميين تقريباً عندما التحقوا بالعمل في أرامكو قبل ثمان إلى عشر سنوات. فالخلفية التعليمية الوحيدة التي حصل عليها معظمهم هو ما يعادل أربع سنوات من الدراسة الابتدائية في اللغة العربية والإنجليزية والحساب التي يقدمها برامج تدريب أرامكو. وبهذا الاستعداد الضعيف جداً استطاع أحد عشر من التسعة والأربعين الحصول على دبلوما في التمريض من مستشفي كنيدي وهناك ستة على وشك التخرج من حلب ومن الجامعة الأمريكية في بيروت، وسبعة من المجموعة  في السنة الثانية من الجامعة وخمسة منهم في السنة الثالثة. ونتوقع أن نحصل على 29 خريجاً من التسعة والأربعين الذين أرسلوا إلى معاهد التعليم العالي. وأين تجد في العالم إنجازاً يضارع هذا الإنجاز. وهذه الأرقام إنما هي تنسب للجهود التدريبية المخلصة لأزواجكن وللقدرات الاستثنائية للسعوديين الموهوبين ليتعلموا بسرعة ويتلاءموا بسرعة مع الظروف الجديدة.
        وتعد سنة 1954 و1955 من السنوات المميزة بسبب النشاطات المكثفة لأرامكو في بناء المدارس. لقد تم تحديث مدرسة الفرصة  Opportunity School في رأس تنورة وتمت توسعتها وهناك مبنى جديد للمدرسة على وشك الانتهاء في كل من أبقيق والظهران. كما تمت إعادة تصميم مبنى التدريب الصناعي في الظهران وتوسعته. ولكن برنامج البناء الذي بلا شك سيؤثر في شعب المملكة العربية السعودية وحكومتها هو مشروع المدارس الابتدائية الذي يتم حالياً. فأرامكو تبني الآن وتجهز وتقدم الصيانة لعشر مدارس ابتدائية لتضم ألفين وأربعمائة طالب كإسهام تعليمي من الشركة لسكان مقاطعة الأحساء. وقد تم بناء مدارس لثلاثمائة تلميذ في كل مدرسة في  كل من الدمام والخبر والهفوف. ويتم بناء مدارس لمائتي تلميذ في كل من المبرز و سيهات والرحيمة. وثمة مبنى مدرسي ثان في الدمام وواحد في الثقبة سيبدآن حوالي الأول من مايو، وهناك مدرستان إضافيتان سيتم بناءهما في مواقع يتم تحديدها فيما بعد. ويجب أن أوضح أن وزارة المعارف في حكومة المملكة العربية  السعودية سوف تقوم بتعيين المدرسين وتضع المناهج وتشغل هذه المدارس بصفته جزءاً من نظامها المدرسي العادي. إن أرامكو تبني وتدفع للتشغيل ولكن هذا هو كل شيئ. آمل أن تزرن واحدة من هذه المدارس، سيكون انطباعكن جيداً بالتأكيد.
        هذه قصة قرن ونصف من الغزو السلمي أو التغلغل الأمريكي في الشرق الأوسط. وستدركن بالتأكيد أن تاريخ الشرق الأوسط الحديث قد صبغ بالنشاطات التوسعية الأمريكية. وسواء اعترفنا أو لم نعترف بحقيقة الفلسفة السياسية والاقتصادية الأمريكية فإن الديناميكية العملية الأمريكية والمؤسسات الأمريكية قد أثرت في تاريخ الشرق الأوسط خلال القرن الماضي. إن النقاط الأربعة عشر وبخاصة مبدأ "تقرير المصير" أصبح جزءاً من الفلسفة السياسية لشعوب الشرق الأوسط من ضمن الأشد تأييداً للرئيس ويلسون في الولايات المتحدة الأمريكية. ومازال نيلسون يمثل المثال الأمريكي لآلاف عديدة من الشرق أوسطيين.
        وبخصوص الاقتصاديات والتجارة والصناعة فإن الأساليب الأمريكية والمنتجات قد تغلغلت بعمق في حياة الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الثانية وقد غيرت أنماط الثقافة الأساسية وربما للأبد واحدة من أقدم الحضارات في العالم. وهذا صحيح بصفة خاصة في المملكة العربية السعودية بسبب عمليات أرامكو في العشرين سنة الماضية. ولا يمكن إدارة عقارب الساعة إلى الخلف مطلقاً. لقد اختار السعوديون. وبغض النظر فيما إذا كان الاختيار جيداً أو سيئا بالنسبة لثقافتهم المحلية فإنهم يتبعون نجمنا بإيمان واضح بأن هناك حياة أفضل في المستقبل.
        ومن أجل إنجاز العمل بأفضل وجه نجد أننا في السعودية مضطرين للقيام بمهمات ليست عادة مما تقوم بها المؤسسات التجارية في الولايات المتحدة الأمريكية.  ولكما زادت مزايا الموظفين وكلما قدمنا خدمات مجتمعية أكثر وأصبحت جزءاً أساسا من نشاطات أرامكو (التعليم كما هو فيما نتحدث عنه) حتى أصبحنا نعمل كأننا "دولة رعوية" لقد كانت الشركة مدركة دائماً للأخطاء لتوسيع نطاق المزايا والخدمات مع الاهتمام بالدراسات البترولية. ففي ميدان التعليم والتدريب نحن مهتمون حتى إننا سنصبح غارقين في التفكير في مسألة فلسفة التعليم والمناهج والإدارة المدرسية حينما ندخل في مجال التعليم العام. وبالتالي علينا بالتأكيد أن نسأل أنفسنا السؤال الآتي: "التدريب لماذا؟"
        يقول إي. إل. دو جولير E. L. De Golyer مدير معهد البترول وهو رجل معروف لكثير منكن: "إن شركات البترول تقوم بواجبات هو العمل المعتاد من الدولة. ومن مصلحة الدولة والشركة أن تقصر الشركة عملها على العمل المناسب من إنتاج الزيت ونقله وتكريره  وتسويقه. ولكن في عملية ريادية فإن على الشركة أن تدخل في نشاطات إضافية من أجل أن تعتني بموظفيها ولكن حتى  تستقر الأوضاع وعندها تقوم الدولة بمهماتها التي تقوم بها حاليا الشركات وتستطيع الشركات أن تتقاعد من القيام بهذه الأعمال.
       أخذت الظروف في الاستقرار في مجال التعليم والتدريب  والتي كان التركيز الأساسي فيها على التدريب المكثف على مهارات العمل. لقد احتجنا مهنيين سعوديين وقمنا بتطويرهم. أعتقد أننا بالفعل في نهاية مرحلة في السعودية. وحيث نبدأ برنامجاً تدريبياً جديداً- ربما يستمر خمس سنوات- يجب علينا بالطبع أن نعرف إلى أين نتجه. يجب أن نوسع تدريبنا لوظائف أرامكو لا أن ندرب من أجل المواطنة. أريد أن الفت انتباهكم إلى تقارير ثلاثة مهمة وتصريحات سوف تؤثر في قراراتنا. أولها اللقاء الصحفي مع سمو الأمير فهد وزير المعارف كما نشر في صحيفة مكة " البلاد السعودية" يوم 18 أغسطس 1954، والثاني تقرير لممثل الحكومة السعودية لمؤتمر "التعليم الإلزامي والمجاني في الدول العربية الذي عقد في الفترة من 29 ديسمبر 1954 حتى 11يناير 1955م" ، والثالث المقالة المعنونة "عصر جيد من التعليم العام في المملكة العربية السعودية" في الصحيفة اليومية ديلي ستار البيروتية في 18 فبراير  1955م. وكل هذه الثلاث تغطي النقاط نفسها وهي:
1-             أن ميزانية الحكومة السعودية للتعليم زادت عن الضعف لهذا العام لتبلغ ثمانية وأربعين مليون مقارنة بعشرين مليون في العام الماضي. وخصص تقريباً نصفها للتعليم الابتدائي حيث سيبنى مائتين وتسع وستين مدرسة.
2-             ستبني مدرستان صناعيتان.
3-             ستبنى معاهد إعداد المعلمين في عدة مناطق
4-             التربية البدنية والتعليم الصحي (مع وحدات صحية متنقلة تتكون من سيارة إسعاف وطبيب وممرض) ستخصص لكل المدارس.
        ولا يعني هذا كله بالضرورة أن مشكلاتنا قد حُلّت، وأن السعوديين أنفسهم يفهمون أهدافنا ويجيبون سؤالنا: "التدريب لماذا؟" ولكن هذا يعني أنه بسبب الثورة الاجتماعية الكبرى التي توشك أن تحدث في السعودية أن التزامات أرامكو وعملها سوف يتغير. فخلال المرحلة الانتقالية فإن أولئك الذين لديهم مسؤوليات تتعلق بالعلاقات الحكومية والعلاقات الصناعية والنشاطات التدريبية يحتاجون إلى مساعدة منكن أيتها النسوة لمساعدتنا للقيام بتقويم ذكي للثقافة الأمريكية والسعودية. لا أحد يملك الحكمة أو لديه المعلومات الكافية ليغامر وحده في دراسة التراكم وبخاصة عندما يجب أن نعمل مع ثقافات متشعبة في بعض الأوقات مثل الثقافات الشرق أوسطية والثقافات الغربية. وها هنا نشاط يمكن لمجموعة النساء أن تقوم به بصفته جزءاً من برنامج دراسة منتظم. إنني أطلب منكن النظر في تكوين مجموعات دراسية في موضوعات مثل الدين الإسلامي، وعلم الإنسان التطبيقي، والتربية المقارنة، والتثقيف، وصحة المجتمع ...إلخ. إن بعضاً من أزواجكن يقومون بمثل هذه الدراسات الآن ولكن ليس هناك حتى الآن عملاً بحثياً كافياً في هذه الميادين . إنكن أيتها النسوة ستقدمن إسهاما معتبراً لعمل أزواجكن وفي الوقت نفسه ستضيفون نكهة حقيقية للحياة بدراسة الثقافة السعودية عندما تنغمسن في المشروع. لديكن الآن معملاً يدخل السرور على قلب أي عالم اجتماع أو متخصص في علم الإنسان.
لقد قال برنارد شو Bernard Shaw  في كتاب موجه للنساء الأمريكيات ختمه بهذه الكلمات: "المرأة الأساسية ستكون هي التي تأخذ من وطنها أكثر مما تعطيه، والشخص العادي سيكون هو الشخص الذي يعوض ما يأخذ، والسيدة هلي التي ستترك الأمة مدينة لها، والعالم عالماً أفضل مما وجدته."