الاثنين، 22 فبراير 2016

من ملامح التغريب


كتب أخي الدكتور علي النملة حول مصطلح (التغريب) مشيرا الى انه مصطلح يحتاج الى مزيد من التوضيح والتحديد، وأرادت صحيفة عكاظ التي ظهر فيها مقال الدكتور النملة ان تسهم في توضيح المصطلح فسألت عددا من الكتاب وكان هذا المقال الذي لم ينشر هناك.
ليس التغريب سوى مظهر من مظاهر الغزو الفكري وقد أصدر الدكتور محمد عمارة قبل عدة سنوات كتابا بعنوان (الغزو الفكري وهم ام حقيقة) جاء في مقدمته ان الذين يقولون ان الغزو الفكري وهم هم أولئك الذين يزعمون أن الكون قد أصبح قرية كبيرة ووطنا واحدا، ونظرا للتقدم الهائل الذي حدث في مجال الاتصال مما يطلق عليه (ثورة الاتصال) جعل هؤلاء يزعمون ان العالم وطن واحد لحضارة واحدة هي (حضارة العصر) او (الحضارة العالمية) او الحضارة (الانسانية).
وقد جعل الدكتور عمارة كتابه ردا على هذه المزاعم بأن أوضح أن من سمات الحضارة الغربية العنصرية حيث يقول: (فالإنسان صاحب (الحقوق) في عرف الحضارة الغربية هو فقط الانسان الغربي الابيض).
ومن سمات الحضارة الغربية ايضا الاكراه على الدين او قهر الاخرين على ترك معتقداتهم السابقة فهذا تاريخ الغرب يشهد بذلك ومن الامثلة على هذا ما قام به شرلمان من فرض النصرانية على السكسون وذبح مئات الالوف من الاوروبيين لإكراههم على النصرانية حتى قال عمارة: "فهذه خصوصية غربية اعتمدت سبيل القهر والإكراه ه لتوحيد المعتقد والمذهب الديني".
        ومن هنا يجب ان يكون الحديث عن التغريب فمادام ان الغرب عنصري كما يشهد تاريخه الطويل، فالتغريب إنما هو محاولة صبغ الامم الاخرى بصبغة الغرب الغالب مع اليقين لدى الغرب ان الامم الاخرى لن تصل الى مستوى (الرجل الابيض) والتغريب موجه الى جميع مجالات الحياة من اجتماع وسياسة واقتصاد وثقافة وغيره.
 القديم حينما انطلقت الجيوش اليونانية لتحتل البلاد القريبة والبعيدة كان من اهم اعمال الاحتلال هو صبغ المستعمرات بالصبغة اليونانية بفرض اللغة اليونانية والثقافة اليونانية بما يسمى (التفريق).
وفي العصر الحديث انطلقت جيوش اوروبا تحتل البلاد وبأسلوب أكثر تطور وفعالية. فالجيش الفرنسي مثلا عندما احتل الجزائر وجد بلدا ينتشر فيه العلم بنسبة اعلى من نسبة التعليم في فرنسا ومع ذلك فقد زعمت فرنسا ان مشروعها كان بقصد تحضير هذه الشعوب. ولكن حالما استتبت الامور لفرنسا شرعت في محاربة التعليم الاسلامي فاستولت على الاوقاف واغلقت المدارس وهدمت كثيرا من المساجد ولم تسمح بالتعليم على نطاق واسع انما اختارت نسبة ضئيلة من الشعوب المحتلة لإدخالها في المدارس الفرنسية واطلقت فرنسا على هؤلاء (النخبة) او ( الصفوة) ومكنتهم من منابر التوجيه والسلطة والحكم ، حتى زعم مستشرق مشهور ان الحكام الغربيين اذا كانوا قد احدثوا ثقبا صغيرا في الحاجز بين الهوية الاسلامية والهوية الغربية الا ان المسؤولية الكبرى تقع على كاهل الحكام المتغربين ولكن المستشرق لا يحدثنا عن الذي أدى بهؤلاء الحكام الى هذه الحال ومن الذي مكن لهم.
وكان من أبرز منافذ التغريب الذي يمكن وصفه بانه فقدان الهوية العربية الاسلامية لصالح الغرب البعثات الدراسية وقد كان اولى البعثات الدراسية الى فرنسا وبخاصة بعد الثورة الفرنسية التي انتصرت فيها اللادينية وحطمت كثيرا من نفوذ الدين في النفوس. ولم يكن الابتعاث للتحصيل العلمي فقط فقد خطط الغرب ليكون وسيلة لمسخ شخصيات من استطاعوا من المبتعثين. وقد اثبتت الوثائق حرص الفرنسيين على ابهار المبتعثين والسيطرة على عقولهم واشباعها بما زعموا انه عظمة فرنسا. وحتى لما كانت البعثات للدراسات العلمية والعسكرية حرص الفرنسيون على ان يقرأ المبتعثون الادب الفرنسي ويتشبعوا بالفكر الغربي.
وعلى الرغم من مرور أكثر من قرن على بداية الابتعاث فانه لم يتوقف بل انه ازادا تدفقا في فترات من هذا القرن حتى أصبح الطلاب المسلمون يعدون بمئات الالوف في اوروبا وامريكا يخضع عدد كبير منهم للتغريب القسري حيث يذهبون الى الغرب وهم كالعجينة فيشكلهم اساتذتهم كما يشاؤون.
ولم يتوقف التغريب عند هذا الحد فقد دخل التغريب مجالات عديدة كالتربية والتعليم والحياة الاجتماعية وبخاصة الصلات الاجتماعية والبناء الاجتماعي ومسألة المرأة وهي من أخطر آثار التغريب ومن المجالات التي سيطر فيها التغريب النظم السياسية والحكم حتى ان مستشرقا سخر من برلمانات بعض الدول العربية حيث قال انها صدرت الى العالم العربي معلبة ولكن ليس معها ارشادات الاستعمال فكانت برلمانات ورقية. لقد نجح التغريب في تقسيم الامة الواحدة الى عشرات الاحزاب المتناحرة. لقد اخذنا كثيرا من المظاهر ولم نتعلم الجوهر ولعل هذا هو هدف التغريب كالغراب ال ذي اراد تقليد مشية الحمامة فنسي مشيته ولم يتعلم مشية الحمامة.
المقال (140) صحيفة "المدينة المنورة" العدد11424 في 2 صفر الخير 1415هـ الموافق

11 يوليو 1994م

الطلاق عند المسلمين أكثر رحمة

                                      القرية الكونية
                             
قبل سنوات زار الشيخ أحمد ديدات (رحمه الله ) المدينة المنورة فذهبت إليه في فندقه المتواضع لأدعوه لإلقاء محاضرة في قسم الاستشراق بكلية الدعوة فاعتذر بأن تلك الرحلة كانت خاصة بأهله وقد وعدهم بأنه لن يقبل أي دعوة.فكان إصراري أني أريد أن أتشرف بأني قابلت أحمد ديدات فاستجاب لطلبي وبدأ الحديث بقوله: "أنت في قسم الاستشراق فلعلكم جعلتم همكم أن تدافعوا عن الإسلام بالرد على افتراءات المستشرقين بالطريقة التي تسمى "الدفاع التبريري"،  ولكن الطريقة الصحيحة أن نخرج إليهم ونناقشهم في أوضاعهم وأن الإسلام هو الحل.." وكان مما ذكره أن قال قل للمستشرقين كم عدد المساجين في نيويورك _ على سبيل المثال- ، كم عدد الشاذين جنسياً؟ كم عدد حالات الطلاق؟ كم عدد الرجال الشاذين والنساء الشاذات؟ كم عدد الجرائم التي ترتكب في مدينة نيويورك؟ إن الإسلام هو الحل .
تذكرت هذا الحوار وأنا أقرأ مقالة في شبكة الإنترنت بعنوان (الصورة المشوهة للمرأة في الإسلام) بقلم ناصيرة بنت أليسون (أسلمت حديثاً)  ونشرت في صحيفة الهدى. ولئن كانت الكاتبة تتناول وضع المرأة في الإسلام عموماً ولكن أكثر ما أعجبني حديثها عن الطلاق في الإسلام وأنه أكثر رحمة من الطلاق عند الغربيين الذين يزعمون أنهم يحترمون المرأة ويعطونها حقوقها. وحتى لا أفسد على القارئ متعة القراءة فإنني أقدم فيما يأتي مقتطفات مما كتبته في هذا المجال.
تقول الكاتبة الكريمة: "كنت أقرأ مقالة حول المرأة في الإسلام وكان الكاتب يقول بأن الرجل يستطيع في أي وقت أن يطلق زوجه بأن يقول لها أنت طالق أنت طالق أنت طالق. وهنا يشعر القارئ الذي لا يعرف الإسلام أن المرأة تصبح طالقاً في خمس ثوان وتساءلت حينها هل قال الكاتب ما قاله بسبب جهله البحت أو إنها كانت محاولة من المحاولات للتقليل من شأن الإسلام؟ وأنا أكثر قناعة بأن السبب الأقرب إلى الحقيقة هو الثاني منهما.
إن حقيقة الأمر أن الطلاق في  الإسلام أكثر إنسانية وعدلاً  من أي نظام آخر لعدة أسباب منها أن الإسلام يعطى الإسلام فرصاً كثيرة قبل الوصول إلى قرار الطلاق، فإذا ما قرر الرجل والمرأة أنهما لا يستطيعان العيش معاً فالرجل في معظم الحالات ينطق بكلمة الطلاق وفي هذه النقطة تبدأ مرحلة العدّة (الانتظار ليصبح الطلاق نهائياً) وتستمر العدة ثلاث حيضات  للتأكد من أن المرأة حامل أو لا. وتعطي هذه الفترة المرأة والرجل للتفكير وهل هذا ما يريدان حقاً؟ وليس ثمة محامين بينهما في هذه المرحلة لزيادة إشعال المشكلات كما يفعل المحامون عادة حيث يتكسبون من هذه القضايا.
وفي حالة وقوع الطلاق بانتهاء العدة والمرأة حامل فإنها العدة تستمر حتى نهاية الحمل وفي أثناء العدة سواء كانت المرأة حاملاً أو لا فإن الرجل ملزم لتوفير الغذاء والسكن والملابس للمرأة كما كان الأمر قبل أن يتلفظ بالطلاق، وهو ما نص عليه القرآن بعدم إخراجهن من بيوتهن. وإذا أصر الطرفان على الاستمرار في الطلاق حتى نهاية المدة والمرأة حامل فإن المرأة إذا وضعت وأرادت أن ترضع طفلها فإن الرجل ملزم بنفقات الأم والطفل طيلة فترة الرضاعة التي تستمر سنتين.
ومن العجيب أنه في مجتمع يزعم أن "مجتمع متقدم" مثل المجتمع الأمريكي هناك حالات طلاق فرض على النساء فيها أن يدفعن تعويضاً للزوج السابق. وهل هذا الأمر وما نعرفه من أمور أخرى عن الطلاق في النظام الأمريكي تجعل من الممكن مقارنته بالنظام الإسلامي."
          وتناولت الكاتبة أن الزواج في الإسلام يقتضي أن يدفع الرجل مهراً للمرأة فلو ادخرت المرأة هذا المال أو استثمرته فإنه يبقى عندها في حالة الطلاق، كما تناولت مسألة الحجاب وقضايا أخرى من جهود بعض الغربيين في تشويه صورة المرأة في الإسلام.

          ولمن أراد مزيداً من المعلومات والمقالات في هذا الجانب فيمكنه الرجوع إلى موقع " عصر الدعوة الإسلامية  The Reign of Islamic Da`wah  وعنوان الموقع هو www.troid.org

القراءة الخاطئة لتاريخنا

بسم الله الرحمن الرحيم
                                             
عرضت إحدى القنوات الفضائية مسرحية هزلية للفنان المشهور دريد لحّام (غوّار) وقد جاء في بعض حواراتها أن ذكر أحد الممثلين التاريخ الإسلامي فجاء الرد على لسان الشخصية التي يمثلها دريد لحام بأن تاريخنا أسود مليء بالقتل والتعذيب. فقلت إن هذه مسرحية هزلية لا تستحق التعليق عليها، وأضفت ومن يأخذ بكلام الممثلين؟
 ومرت شهور فإذ بكاتبة تكتب في مجلة أسبوعية مشهورة تكتب عمّا سمته فضائع التاريخ العربي الإسلامي. فلم تختر من التاريخ الإسلامي سوى بعض صور الاضطهاد الفكري والاستبداد والظلم. وكتبت مقالتين في هذا الموضوع خصت الحجاج بن يوسف الثقفي بجزء كبير مما كتبت.
ودار حديث بيني وبين قريب لي عن التاريخ الإسلامي فقال لماذا كل هذا الفخر بالتاريخ الإسلامي فتاريخنا مليء بالأشياء المحزنة من قتل وتعذيب ومصادرة للرأي وتكميم للأفواه وهذا الإمام الفلاني وذاك الإمام وغيرهما تعرضوا لأنواع من التعذيب والعنت.
وبعد أن انتهت الكاتبة من سلسلة مقالاتها حول التاريخ الإسلامي إذ بها تبحث في تاريخ السود أو الشعراء السود البشرة فتكتب عن معاناتهم وما تعرضوا له من تمييز ضدهم. وكأنها تريد أن تقول إن ديننا برغم أنه ضد هذه العنصرية لكن واقع الأمة الإسلامية لم يخل من هذه الصور. ولكن لماذا لم تختر من تاريخنا الإسلامي إلاّ بعض الصور الشاذة للتمييز ضد السود؟
فتعجبت لماذا يكون التفكير في التاريخ الإسلامي بهذه الصورة العجيبة أي اختيار البقع السوداء في هذا التاريخ وتسليط الأضواء عليها وكأنه ليس في التاريخ الإسلامي إلاّ هذه البقع السوداء. وأقول ابتداءً ليس المقصود من هذه المقالة الدفاع عن تاريخنا الإسلامي ولكن ألم يجد هؤلاء في تاريخنا سوى هذه البقع السوداء المظلمة؟ ألم يجد هؤلاء في تاريخنا قادة عظام وأبطال يحق لهذه الأمة أن تفتخر بهم وأن تسعى إلى الاقتداء بهم.
لا شك أن في واقعنا المعاصر من السلبيات ما يمكن أن يشغلنا عن صرف الوقت في الحديث عن الماضي؟ وهل الحديث عن الماضي هروباً من الحديث عن الواقع؟ ولكن حتى لو كان هذا صحيحاً فالأولى أن ننظر إلى تاريخنا بمنظار منصف حتى لو كرهنا بعض الوقائع التي حدثت في هذا التاريخ ففيه أيضاً ما يجعلنا نفخر بين الأمم بهذا التاريخ.
ومن طبيعة الباحث في التاريخ أن ينظر إلى الصورة الكلية الشاملة بالإضافة إلى النظر إلى الجزئيات. فهذه الأمة التي أصبحت العالم الأول ستة قرون لم يشاركها في الأولية أحد (كما كان يقول الشيخ الغزالي رحمه الله) ثم استمرت عالماً أولاً أربعة قرون أخرى شاركتها أمم أخرى. كيف تسنى لها أن تصل إلى هذا الوضع؟
وللإجابة عن هذا السؤال أقول إن الإنسان المسلم الذي بنى تلك الحضارة العظيمة التي لا تزال آثارها شاهدة على عظمة هذا الإنسان قد حقق أولاً كرامته الإنسانية التي جاء الإسلام لتحقيقها. ولولا تلك الكرامة لما استطاع أن يبدع ويبتكر. وهذا يذكرني بمقالة للدكتورة عزيزة المانع حول الكرامة بأن الذي يفتقد الكرامة لا يمكن أن يفعل شيئاً ذا بال. أما الأمر الثاني الذي يأتي مع الكرامة فإن المسلمين قد حققوا قدراً  كبيراً من الحرية الفكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية ساعدتهم على الإبداع والعمل المنظم.
أما الأمر الثالث فإن هذه الأمة كانت أمة علم بحق وقد كان للعلم والعلماء مكانة سامقة فقد قرّبهم الخلفاء والأمراء والولاة وتسابق الحكّام في دعم العلم والعلماء وكتب التاريخ شاهدة على ذلك. فمن أهم شروط الإبداع في العلم أن تحفظ كرامة الإنسان ثم أن يعيش حياة مطمئنة هانئة. ثم أن يجد التشجيع والمكافأة، وأخبار المكافآت والجوائز في التاريخ الإسلامي لا تتسع لها الكتب. أما نحن في عصرنا الحاضر فإن ما ينفق على البحث العلمي والكتاب والتأليف في العالم العربي الإسلامي لا يساوي ما ننفقه على أنواع من الملاهي كالغناء والرياضة وغيرها. بل إن ما تنفقه شركات السيارات في إعلاناتها أو ما تنفقه حتى شركات المنظفات والورق الصحي (ومنه حفائظ الأطفال) يمكن أن ينفق على عدة جامعات.
إن تاريخنا مضيء - والله مضيء - مهما كانت لحظات العتمة فيه. ولو لم يكن مضيئاً حقاً لما كنّا سادة الدنيا وملكناها بحق ويرحم الله الشاعر
ملكنا فكان العدل منّا سجية                 ولمّا ملكتم سال بالدم أبطح
فهل يرعوي الذين يشوهون تاريخنا الإسلامي؟


"فقه الاعتزاز بالإسلام: الدرس الثاني في الابتعاث"



         كنت قد كتبت لكم الدرس الأول وكان موضوعه أن الشاب أو الفتاة حين تجد نفسها في مجتمع مختلف لا بد من التساؤل عن الهوية. وأرى أن من تمام الحديث عن الهوية أن أنقل لكم المقالة التي نشرتها في صحيفة المدينة المنورة (العدد 8908، في 27 ربيع الأول 1412هـ) وفيما يأتي ما جاء في المقال:
     الذين تهيأت لهم الفرصة ليعيشوا في الغرب النصراني أو الغرب الملحد واحتكوا بالأوروبيين والأمريكيين عن قرب فقدوا شيئاً ثميناً أو كادوا إلاّ من عصمه الله وحماه، ألا وهو الحاجز النفسي بين المسلم والكافر. ولا يعني الحاجز النفسي الكراهية والبغضاء للناس أو أعيان الأفراد بل الكراهية والبغض لما هم فيه من ضلال وانحراف وتيه وشرك وضياع.
هذا الكلام مجمل جداً لتفصيل واسع، فقبل ثلاثة عقود (أربعة الآن) من الزمان كانت بلادنا مقبلة على نهضة تعليمية كبيرة ولم تكن جامعاتنا تقدم جميع التخصصات في المرحلة الجامعية ناهيك عن الدراسات العليا، فكانت البعثات الدراسية إلى الغرب على أشدها: فوزارة المعارف كانت تبتعث الطلاب، وكذلك وزارة الدفاع ووزارة الإعلام وغيرها من الوزارات والمصالح الحكومية.
      وكان معظم المبتعثين من طلاب المرحلة الجامعية الذين لا يتجاوز متوسط أعمارهم العشرين سنة. وهذا يعني أشياء كثيرة فهؤلاء المبتعثون كانوا يعرفون من الإسلام الكثير؛ كانوا يعرفون الفروض والواجبات والسنن والمستحبات، وكانوا يعرفون الصلاة والصيام والزكاة والحج. ومع ذلك فقد كانوا في حاجة إلى أمر آخر وهو فقه الاعتزاز بالإسلام –إن صحت التسمية.
      فما هذا الفقه؟ يقول الشيخ الدكتور طه جابر العلواني في تقديمه لكتاب محمد صالح الورداني (النهي عن الاستعانة والاستنصار بالمشركين والكفار في أمور المسلمين): "أما المسلمون فهم مدركون أنهم "الأمة الوسط" الشهيدة على الناس، التي تمتاز عن غيرها بشخصيتها الإسلامية المستقلة، الممتازة عن سواها في الفكر والاعتقاد والسلوك والنظام وسائر شؤون الحياة" ويورد العلواني بعد ذلك عدة آيات كريمات توضح كيف ربّى القرآن الكريم هذه الأمة على الاعتزاز ومن ذلك قوله تعالى (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)(آل عمران 139)، وقوله تعالى (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)(المنافقون 8)
       وهذه الأمة المعتزة بإيمانها ودينها هي الأمة الوسط المنوط بها مسؤولية الشهادة على الأمم جميعها، وهذه المسؤولية تتطلب صفات خاصة ذكرها العلواني بقوله: "فواجب (الشهادة على الناس) لا تقوم به إلاّ الأمة الوسط الخيرة المتميزة بشخصيتها الإسلامية المستقلة الممتنعة عن الذوبان في غيرها، أو فقدان شيء من معالم شخصيتها لتكون مثلاً يحتذى ونموذجاً به يقتدى وأسوة للأمم تتأسى بها وتترسم خطاها"

 

العولمة للصغار

                                      بسم الله الرحمن الرحيم
                        
          كنت في تبوك قبل أيام فسئلت عن العولمة فقلت هذا مصطلح جديد والكتابات عنه كثيرة، ولست من الذين تستهويهم هذه المصطلحات وكأني أتهم نفسي بأنني (دقة قديمة)، ولكن هل المصطلح صعب فهمه أو غامض عسير على الفهم؟
          ليست العولمة أكثر من أن تكون محاولة القوى الكبرى (ويقال أمريكا وحدها الكبرى الآن، والله أكبر) أن تصوغ العالم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً في قالب واحد. فلا بد من الأخذ بالديموقراطية ليكون لك مكان في المجتمع العالمي (Global Society) وعليك أن تتأثر بإنتاج هوليود السينمائي الذي يروج للنموذج الغربي في الحياة الاجتماعية وفي الثقافة- وإن كانت هوليود تسيء إلى الغرب أيضاً-، وفي الاقتصاد أنت مطالب أن تأخذ باقتصاد السوق أو العرض والطلب، وأن تأخذ بالخصخصة أو التخصيص لتستطيع أن تكون عالمياً أو عولمياً.
          ولم يكتف المروجون للعولمة بعقد الندوات والمؤتمرات ونشر المقالات والكتب حول هذا المصطلح الجديد بل إنهم قاموا بإعداد أفلام كرتونية للأطفال لإقناعهم بالعولمة. وقد عرضت إحدى القنوات الفضائية العربية يوم الجمعة-قبل أسابيع - فيلماً كرتونياً يتناول الملابس وتسريحات الشعر. فالتسريحات الأوروبية هي التسريحات العالمية وتناولت تطور هذا الفن في أوروبا حيث كان الحلاق يمتهن الطب أيضاً وتحدثت عن أنواع الحلاقة. وكان الحديث يتضمن ذكر القرن التاسع عشر والثامن عشر والقرن العشرين.
          ففي موضوع الشعر لم يكن الأوروبيون أول من اهتم بالشعر وشكله وتسريحاته. وليس المقصود في هذا المقال البحث في هذه القضية ولكن أقول إننا نحن المسلمين كان لنا اهتمام بالشعر وجماله فقد ورد في الأثر (من كان له شعر فليكرمه أو ليرجله) وقد جاء في السيرة أن رجلاً دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وشعره ثائر فأمر أصحابه أن يوجهوه إلى إصلاح حاله وأن لا يأتيه الواحد بهذا الشكل كأنه شيطان. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يهتم بشعره حتى إنه في ليالي رمضان حين يكون معتكفاً يخرج رأسه من المسجد فتقوم السيدة عائشة رضي الله عنها بتسريحه، أو بترجيله.
          وقد روي عن ابن عباس أن امرأة شكت إليه إهمال زوجها نفسه فقال له إنني أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين هي لي. وقد جاء في السنة المطهرة النهي عن أنواع من الحلاقة. وقد عرّف الحلاّق في لغتنا الجميلة بالمزيّن. حتى إن شاعراً وصف المزين بقوله (أنا ابن من دانت الرقاب له يقصد المزيّن)
          فقبل العولمة أو القصة أو التسريحة العالمية ابتلينا بالتسريحة الفرنسية أو قصة البيتلز أو الخنافس أو غير ذلك من القصّات.
          أما الجانب الآخر من الفيلم الكرتوني فهو الحديث عن الملابس وكان الانتقاد موجهاً لبعض الأشخاص الذين قدموا من جنوب شرق أسيا إما من اليابان أو تايلاند- وعاشوا فترة في الغرب وتعلموا ارتداء الملابس الغربية. وفي مناسبة ما تقوم مجموعة من هؤلاء باستبدال الملابس الغربية بملابسهم التقليدية ويقولون ها نحن ارتدينا الملابس العالمية وهي أكثر راحة وأسهل في الحركة. والسؤال من الذي جعل الملابس الأوروبية هي الملابس العالمية. إن البنطلون والمعطف وربطة العنق إنما هي ملابس أوروبية وليست عالمية.
          عندما كانت الأمة الإسلامية هي العالم الأول اشتكى بعض القسس ورجال الدين النصارى بأن شبابهم أصبحوا يرتدون الملابس الإسلامية ويتحدثون اللغة العربية ويحفظون الشعر العربي بل ينظمونه أيضاً ولا يفقهون كلمة من اللغة اللاتينية قبل ظهور اللغات الأوروبية الحديثة- وقد سعى رجال الدين هناك لتحصين شبابهم بحملة كبيرة وظالمة ضد الإسلام والمسلمين.
           فيا أيتها القناة الفضائية التي قدمت الفيلم الكرتوني- الذي لن يكون الوحيد- إننا نعلم أبناءنا في هذه البلاد والحمد لله أن يفخروا بتراثهم وأن هذا التراث يهتم بالمظهر اهتمامه بالجوهر. فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فرض على صاحب المهنة أن يكون له ثوب لأداء الصلاة الجماعة فيه، وأن المؤمن يجب أن يكون كالشامة بين الناس نظافة وطيباً. فنحن قد عرفنا العطور قبل أن تغرق أسواقنا العطور الفرنسية والغربية عموماً وأصبحت تدفع على الدعايات لهذه العطور ما يفوق قيمتها الحقيقية أضعافاً عديدة. فالعطر الذي لا يكلف حقيقة أكثر من عشرة ريالات يباع بأكثر من مائة ريال. وقد ورد عن الحبيب صلى الله عليه وسلم (حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة.)
          إذا كانت هذه هي العولمة فهي أمر جد خطير إن كانت موجهة للكبار. أما إن كانت موجهة للصغار فهي أشد خطراً. فهام قد التفتوا للتأثير فيهم ذلك أن الصغار أكثر تأثراً بما يشاهدون فإن أذهانهم تختزن كثيراً من الصور التي يشاهدونها ثم يتأثرون بمحتواها فيما بعد حتى إذا كبروا وقلنا لهم إن العولمة هذه إنما هي وضع العالم في قالب واحد هو القالب الغربي لم يصدقونا وصدقوا ما تأثروا به في طفولتهم.
          ولذلك فمقابل العولمة هو الاهتمام بالتركيز على الهوية العربية الإسلامية. وقد أسماها الدكتور طه جابر العلواني بأنها الحاجز النفسي بين الهويات المختلفة. فإن النصارى لديهم في تراثهم وتقاليدهم ما يحثهم على التمسك بهويتهم. وأما اليهود فهم أشد اهتماماً بهذا الأمر فإنهم هم الناس في نظرهم والعالم كله جوييم. فهل يتمسك المسلمون بإسلامهم وبأن الله عز وجل قد اختصهم بالرسالة الخاتمة وأن عليهم مسؤولية نشر الهداية والسلام في العالم (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس) فمن واجب من يقوم بالشهادة أن يكون له هوية خاصة به وأن لا يذوب في الأمم الأخرى مهما كانت الإغراءات. والله الموفق.


الثلاثاء، 16 فبراير 2016

سكة حديد الحجاز... هل تعود؟


كلما مررت بميدان العنبرية بالمدينة المنورة ورأيت اطلال سكة الحديد ازدحمت الأفكار والخواطر في ذهني وشعرت بعظمة الإسلام وقوة المسلمين حينما تجتمع كلمتهم كما حدث في انشاء هذا المشروع، وأحييت الأمل في نفسي في عودة الحياة في هذه الاطلال.
لا شك أن حكومة المملكة بذلت جهودا كبيرة في مجال المواصلات؛ فربطت مدن هذه البلاد الشاسعة بعضها ببعض بشبكة من الطرق يضاهى بعضها أرقي الطرق العالمية، وانشأت المطارات في عدد كبير من المدن. وما تزال وزارة المواصلات تعمل دائبة على   استكمال العمل وتوسعة هذه الشبكات وتطوير خدمات المواصلات.
ولكن مهما كانت مزايا الطرق البرية، ومهما قدمت الخطوط الجوية من خدمات يظل لشبكة السكك الحديدية مزاياها الفريدة وبخاصة سكة حديد الحجاز التي توقفت في المدينة المنورة وكان من المنطقي أن تمتد الى مكة المكرمة.
والمملكة بحمد الله تعرف السكك الحديدية حيث تسير القطارات بين المنطقة الشرقية والمنطقة الوسطى من بلادنا الحبيبة فتقدم لهذين الجزأين من بلادنا خدمات عظيمة في مجال النقل سواء الركاب أم الشحن.
وان بلادا كثيرة تتوفر فيها شبكات برية واسعة وراقية ومواصلات جوية متقدمة لم تستغن عن السكك الحديدية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية واليابان. والحقيقة أن السكك الحديدية لا تقتصر على الدول المتقدمة: فدول العالم الثالث أو الدول النامية تهتم أيضا بالسكك الحديدية التي انشئت في عهد الاستعمار لخدمة اغراضه بنقل جيوشه وعتاده ونقل جيوشه وعتاده ونقل المواد الخام التي استولى عليها حين ذاك وكانت اشبه بغنيمة الحرب.
ولما انتهى الاحتلال ظلت السكك الحديدية تقدم خدمات جليلة لشعوب تلك البلاد ومن الأمثلة على ذلك ما يوجد في باكستان والهند وفي دول شمال افريقيا وغيرها.
وفي الوقت الذي تتنافس فيه مصانع السيارات على تطوير انتاجها لتكون السيارة أكثر أمانا مع الاهتمام بالجوانب الاقتصادية والبيئية وغيرها تفعل شركات صناعة الطائرات الشيء نفسه. ولم تتخلف صناعة القطارات عن المنافسة فقد قرأت قبل أيام عن التنافس الشديد بين أوروبا تتزعمها فرنسا وبين اليابان على انتاج قطارات سريعة جدا. ففي الوقت الذي تخطط فرنسا لإنتاج قطار تبلغ سرعته 220 ميلا في الساعة يدرك المخططون ان اليابان قد تحقق المفاجأة بإنتاج قطار أسرع من القطار الفرنسي فأين نحن من هذا كله؟
أما سكة حديد الحجاز فقد كتبت حولها احدى قارئات مجلة اليمامة منذ عدة أسابيع (سنوات) تقترح اعادتها ويروى الأستاذ أحمد محمد جمال أن عددا من المواطنين كذلك كتبوا في الصحافة المحلية في أوائل شهر صفر 1412 يطالبون بالشيء نفسه. ومن أبرز المبررات التي أوردها الكاتبون وذكرها الأستاذ جمال في مقاله أن سكة حديد الحجاز وسيلة لنقل حجاج تركيا وسوريا والأردن وجاراتها حتى دول المغرب العربي وكذلك لنقل السلع والبضائع وبخاصة الخضار والفواكه وغيرها. وقال حفظه الله في آخر مقالته التي ظهرت في صحيفة (أخبار العالم الاسلامي): "ولا أدرى ما الأسباب التي عوقت (فكرة) اعادة سكة حديد الحجاز الى العمل؟ ولعل وزارة المواصلات تجيبنا على هذا السؤال...ثم تمضي في عزيمتها الأولى لتحقيق هذا الأمل الكبير الذي فيه خير كثير لشعوب الدول التي تمر بها".
وبالإضافة الى ما سبق فإن سكة الحديد ستكون فرصة عظيمة لاستثمار اقتصادي بشري هائل، فكم من الشباب سينضم الى هذا القطاع الحيوي. فنكون بذلك قدمنا آلاف الفرص الوظيفية. أما من الناحية الاقتصادية فيمكن لأصحاب شركات النقل الذين تبقى حافلاتهم معطلة عشرة أشهر كل سنة أن يسهموا بقيمتها وزيادة في هذا المشروع ولا شك أن مكاسبهم ستتضاعف دنيويا وأخرويّاً بما يقدمونه لهذه البلاد من خدمة عظيمة.
واختم هذه المقالة بعبارات للأستاذ محمد حسين زيدان-رحمه الله-من كتابه (ذكريات عهود ثلاثة): " ووصل القطار يجري على سكته الحديدية الى المدينة المنورة فإذا هو بعد يحدث التطور ... كثرة المهاجرين ... تنويع الاكل المجلوب من الشام كالبرتقال والبطيخ اليافاوي والدقيق (الفرخة) وحنطة جولان وأنواع اليامش ... كأنما المدينة أصبحت سوقا لخيرات الشام " فهل تعود سكة حديد الحجاز"؟

المدينة المنورة ع (8893) في13/3/1412ه صفحة الرأي المقال الأول                

الأحد، 14 فبراير 2016

الجزء الثاني من دراسة الترجمات الروسية للقرآن الكريم

أما ملاحظاتنا حول ما قرأناه في ترجمة \"بوروخوفا\" فيمكن أن نجمله فيما يلي
1 ـ هناك أجزاء من الآيات لم تترجم. من ذلك
نهاية الآية 186 من سورة آل عمران: \"... وإن تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ\".
نهاية الآية 12 من سورة النساء: \"... غَيْرَ مُضَارٍّ وصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ \".
في وسط الآية 54 من سورة التوبة وردت: \" يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ\" لم تترجم إلى النص الروسي.
        في الآية 60 من سورة التوبة عطلت المترجمة حداً من حدود توزيع الصدقات وذلك من خلال استغراقها في التصرف بالنص على النحو التالي
   تقول الآية: \" إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ والْمَسَاكِينِ والْعَامِلِينَ عَلَيْهَا والْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وفِي الرِّقَابِ والْغَارِمِينَ وفِي سَبِيلِ اللَّهِ وابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ\".
الترجمة: فالصدقات – فقط للفقراء لأولئك الذين هم في حاجة للمشرفين على تحصيلها لأولئك الذين قلوبهم ميالة(للإسلام) لافتكاك (الأسرى والعبيد) من العبودية لرفع الديون (لأولئك الذين أفلسوا ونالهم الفقر المدقع) لأولئك الذين توجهوا في طريق بعيد هي ذي – فريضة من الله، الله عالم بكل شيء حكيم (بلا حدود) ... (أما: \" وفِي سَبِيلِ اللَّهِ\" فلم تترجم).
     ويترجم كراتشكوفسكي الآية بدقّة 
    نهاية الآية 54 من سورة يونس: وقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ ... لم تترجم.
نهاية الآية 101 من سورة التوبة: \" ثُمَّ يُرَدُّونَ إلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ\"، لم تترجم.
تجد الإشارة إلى أن ما جرى إغفاله ترجمته من هذه الآيات قد ورد كاملاً في ترجمتي سابلوكوف وكراتشكوفسكي.
2
ـ يلاحظ القارئ أن المترجمة \"كيّفت\" ترجمة بعض الآيات على هواها، ونقول لوت أعناق الآيات في اتجاه معين، من ذلك 
- الآية 43 ، المائدة: \" وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ\".
الترجمة: وكيف ينصبّونك حَكًماً بينما لديهم التوراة – حكمُ الله.
الآية 127: الأعراف: \"... قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ ونَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وإنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ\".
الترجمة: وفرعون أجابـ (هم)\"سنقتل جميع الصبيان عندهم ولا نتركهم في الأحياء وعند ذلك نقهرهم\"
     ثم تقدم المترجمة \"بوروخوفا\" تفسيراً للترجمة من سفر الخروج، الإصحاح الأول: 15ــ 22.
\"
وكلّم ملك مصر قابلتي العبرانيات وقال: حينما تولدان العبرانيات وتنظرانهن على الكراسي إن كان ابنا فاقتلاه وإن كان بنتا فنحّياها، ولكن القابلتين خافتا الله ولم تفعلا ، بل استحيتا الأولاد\". \"ونما الشعب وكثر جدا، ثم أمر فرعون جميع شعبه قائلا كل ابن يولد تطرحونه في النهر، لكن كل بنت تستحيونها\". 
3ـ في بعض الآيات يتخذ التحريف في الترجمة صيغة إخماد حرارة النص القرآني وتفريغه من روحه:
      ففي الآيات الأربع (190 ، 191 ، 192 ، 193) من سورة البقرة يرتفع صوت الحق منادياً بالنهوض لنصرة الحق والعدل ويهيب بمن تعرّضوا للعدوان والظلم أن ينتصروا لأنفسهم، ويتوافق ذلك كله مع الدعوة إلى التزام حدود الاستقامة والعدل: \"لا تعتدوا\" ، \"والفتنة أشد من القتل\" ، \"فإنْ انْتًهًوْا فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيْمٌ\" ، \"فَلاْ عُدْوَاْنَ إلاّ عَلَىْ الظَّاْلمِيْن\".
تقول الآيات : \" وقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ\" (190) واقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ والْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ ولا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ (191) فَإنِ انتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ غَفَُورٌ رَّحِيمٌ (192) وقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193)\". 
    هذا النداء الإلهي يتحول لدى المترجمة إلى ما يشبه نصيحة اعتيادية تقدم لطفل صغير، يحوّل فيها ضمير الجمع إلى المفرد ويغيّب فعل الأمر (قاتِل) ومشتقاته في أكثر من موضع ويستعاض عن ذلك بكلمة نضطر إلى ترجمتها بالنضال والمناضلة، تقول المترجمة: الآية (190) قاتل في سبيل الله فقط ضدّ من يناضل ضدك، ولا تتَعدَ الحدّ المسموح به، \"إن الله لا يحب المعتدين\" (التعبير مأخوذ حرفياً عن كراتشكوفسكي).
   الآية (191) حطم الأعداء في المكان الذين تثقفهم فيه وأخرجهم من حيث أخرجت فالظلم والفتنة أشد من الموت، ولكن لا تناضل عند جدران المسجد الحرام إلى أن يمسّك عدوّك، ولكن إذا بادأك النضال في ذلك المكان فاقتله – هكذا يجب أن يكون جزاء الكافرين.
الآية (192) ولكن إذا أوقف العدو مناضلتك فربُّنا غفورٌ رحيم.
193
ــ وناضلوا ضدهم حتى تلك اللحظة، حتى لا يعود هناك فتنة ولا ظلم ويسود العدل والإيمان بالله حتى إذا كف عدوكم عن مناضلتكم ضعوا أسلحتكم، وطاردوا أولئك الذين يواصلون إثارة الشغب
    ما الذي تريد أن تقوله المترجمة؟ ولماذا تتغير لهجة الخطاب لديها ويعود الأسلوب القرآني إلى حدته وصرامته وتتغير الصورة في الآية 246 من السورة نفسها : \" أَلَمْ تَرَ إلَى المَلأِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا ومَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ تَوَلَّوْا إلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بَالظَّالِمِينَ\".
لماذا تعود صيغة الجمع إلى الضمير من جديد وتعود كلمة القتال إلى طبيعتها وترتفع حرارة الجملة إلى الدرجة المألوفة فتصبح الترجمة هكذا؟
    ألم تر أنت جماعة الأعيان العريقة من بني إسرائيل ممن كانوا من بعد موسى إذ قالوا لنبي كان بينهم \"أعطنا مَلكاً لكي نقاتل في سبيل الله وهو قال: هل عسيتم عندما يُكتب عليكم القتال ألا تقاتلوا؟ فأجابوا: وما لنا لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبعدنا عن أبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا فريقاً منهم إن الله يميّز جيداً الظالمين\".
لِمَ تترجم \"بوروخوفا\" القطعتان المتشابهتان بأسلوبين مختلفين، أم هي \"سياسة المكيالين\" نحو المعنى القرآني الواحد؟ 
       والأمر نفسه ينسحب على ما تصر المترجمة على تسميته بالتفسير. وعلى الرغم من وضوح مضمون الآيات الأربع المذكورة واستغنائها عن إجهاد الذهن لتدبر معانيها فإن المترجمة تجتهد لها تفسيراً لا تلحقه بالآيات نفسها بل بالآية 62 من سورة: \"الأحزاب\" التي تقول: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً\"، وقد أرفق بالتعليق التالي:
\"
الحديث يدور هنا، كما في السطرين الأخيرين من الآية 26 عن الحد الإلهي نحو البشر الذين أنزل إليهم الكتاب. القائد العسكري للنبي محمد ، سعد بن معاذ ، سلك نحو أعداء الإسلام مسلكاً يتطابق تماماً مع الحد الإلهي الذي صيغ في الكتاب السابق (الكتاب المقدس: العهد القديم 20 ، 10ــ 18 ) كما في القرآن (السورة 2 ، الآيات 190ــ 193) الكتاب المقدس ، العهد القديم 20 ، 10ــ18(يقول ، وقد اقتطعت المترجمة \"بوروخوفا\" جزءاً من النص لم تورده لكننا أوردناه كاملاً 10ــ 18 ، كما سبق وأوردنا الآيات القرآنية كاملةً) 
فأين هي وجوه التطابق بين النص القرآني الوارد في الآيات الأربع (190ــ 193) من سورة البقرة وبين النص الذي تقدمه المترجمة في \"التفسير\"؟
1ـ تبدو المترجمة \"بوروخوفا\" في \"تفسيرها\" عالماً موسوعياً يطرح آراءه في الفقه والتفسير والتاريخ والفلسفة واللغات القديمة وسوى ذلك. لكن القارئ يلاحظ أنها لا تورد الحقيقة كاملة في بعض المواقف. ففي مطلع مقدمتها – بالروسية – تحدثنا عن جمع القرآن في عهد عثمان ـ رضي الله عنه ـ وعن إرسال النسخ المعتمدة إلى جهات الكون الأربع : إلى الشرق (بابل ــ إيران وفارس) ، إلى الغرب (مصر ووادي النيل) إلى الشمال (بلاد الشام ــ سوريا ــ لبنان ــ الأردن) إلى الجنوب (اليمن وأفريقيا المجاورة لسواحله) فأين غيبت فلسطين عن بلاد الشام؟
ثم نقرأ بعد ذلك المقتطف الذي أثار استنفار مفتي روسيا حسبما جاء في مقال \"الاتحاد\" السالف الذكر ، فوجّه رسالة إلى الأزهر الشريف يطلب فيها تأكيداً أو نفياً لما أشاعته \"بوروخوفا\" من أن الأزهر قد اعتمد ترجمتها. جاء في المقتطف: \"قطع العالم الأوروبي خلال قرن ونصف طريقاً طويلاً من النظرة إلى محمد على أنه معلم كذّاب يوحى إليه من قِبل الشيطان عبر محاولات دحض مذهبه بوصفه مذهباً ثنوياً توليفياً من اليهودية والمسيحية، وحتى حرم الإسلام من الاعتراف به كدين مكافئ للمسيحية واليهودية\".
وهذا الموقف من محمد صلى الله عليه وسلم يتردد بصور مختلفة في الترجمة. من ذلك تسمية النبي الكريم بـ محمّد ويعلم الدارسون إن هذا التشويه لاسم الرسول كان متعمّداً في البيئات الأوروبية، ولهذا السبب لم يعتمد \"كراتشكوفسكي\" إلا في استشهاداته بالمصادر الأوروبية وتطبيقاً للصرامة العلمية، لكنّه عاد إلى التسمية القرآنية الصحيحة محمَّد; في كل ما عدا ذلك، وهذا أمر لم يكن خافياً على \"بوروخوفا\" التي تعتمد ترجمة كراتشكوفسكي
      ومثلما تصر المترجمة على استبعاد كلمة مسلم ــ بلفظها ــ عن إبراهيم وبنيه، كما سنرى بعد قليل، فإنها تبذُل ما في وسعها حتى تقيم الحاجز الممكن بين إبراهيم ومحمد ولو أدى بها الأمر إلى تحريف الترجمة. فالآية 68 من سورة آل عمران تقول \" إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذَا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا\" وقد ترجم سابلوكوف وكراتشكوفسكي على أساس أن الواو السابقة لـ \"هذا النبي\" واو عطف، أما \"بوروخوفا\" فترجمتها بهذه الصورة:
وبين الناس جميعاً الأدنى إلى إبراهيم هم، طبعاً، الذين اتبعوه كمثل هذا: النبيّ والذين آمنوا معه بالله.
وفي الآية 92 المائدة نقرأ: \" وأَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ\"، ويترجم سابلوكوف وكراتشكوفسكي \"أطيعوا مرتين\" بينما تكتفي \"بوروخوفا\" بالقول
الترجمة: وهكذا فأطيعوا الله ورسوله
والثابت مع ترجمة بوروجوفا أنها عند نقلها ترجمة كراتشكوفسكي تحرص كل الحرص على استبدال مفرداته بما يمكن من مترادفات، ويصل بها الأمر أحياناً إلى تحريف المعنى. ص 15
\"...
وإن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْرَاضُهُمْ...\" وتنهي الآية بـ \" فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجَاهِلِينَ\". وكراتشكوفسكي يترجم الآية بدقته الأكاديمية المعهودة بينما نقرأ في ترجمة \"بوروخوفا\":
وإن كان كبر عليك احتقارهم
   فلا تكونن (يا محمد) من الجاهلين 
   في الآية من سورة الأنعام نقرأ: \"... فإن كذبوك\" ونقرأ في الترجمة – التفسير: فإن كذبوك (يا محمد)
         ومن المواقف الغريبة شرح المترجمة أو \"تفسيرها\" لقصة زيد بن حارثة والتي وردت في سورة الأحزاب: \" وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشَى النَّاسَ واللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وطَراً...\" إلى آخر الآية
     وقد أسهب المفسرون في شرح هذه الآية ومن أطرف ما نقرأه في هذا الصدد ما قاله العالم الأندلسي الإمام عبد الرحمن السهيلي ت 581 في كتابه \" التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام\" إذ ذكر زيداً الذي شرّفه الله \"بخصيصة لم يكن يخص بها أحداً من أصحاب النبي وهي أنه سماه في القرآن ... فكيف بمن صار اسمه قرآنا يتلى مخلداً لا يبيد يتلوه أهل الدنيا إذا قرأوا القرآن وأهل الجنة كذلك أبداً ، أما عبد الله يوسف علي ، وقد اطلعت على بوروخوفا اطلاعا واسعاً على ترجمته وأخذت عنها الكثير من \"تفسيرها\" دون الإشارة إلى مصدره ، فإنه يشرح قصة زينب وزيد بن حارثة بكثير من التفصيل وبروح إسلامية حميمية ويفرد هوامش مطولة لمفهوم \"التبني\" ورفضه ، وطلاق زينب ثم زواجها من الرسول الكريم ، كما يحدث عن عبد الرحمن السهيلي \"التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام\" تحقيق عبد الله النقراط ، منشورات كلية الدعوة الإسلامية ، طرابلس 1992 ص 259. عن أزواج النبي المطهرات، وبينهن زينب بنت جحش، ويضع الأمور في سياقها الواقعي الإنساني الصحيح، ونكتفي بإيراد الهامشين التاليين من الترجمة:
ــ كل الحقائق التعليمية مردّها إلى الله، عندما يكون الزوج غير سعيد يسمح الإسلام ويتوقع للعقد أن يفسخ بشرط أن تصان جميع المصالح المتعلقة بذلك. ولم تكن ثمة على ما يبدو قضية هامة ليعار إلى أخذه بعين الاعتبار فقد توجب احترام زينب ولقد حققت أغلى رغبة على قلبها في كونها رفعت لتصبح أم المؤمنين مع كل شرف ذلك الموقع ومسؤوليته\".
3706 – \"
نأتي الآية إلى موضوع منزلة الأزواج المطهّرات واللواتي هن أزواج الرسول الكريم ، لم يكن مركزهن شبيها بمركز النساء العاديات أو الزوجات العاديات إذ كان عليهن واجبات ومسؤوليات خاصة. الزيجة الوحيدة للرسول في شبابه كانت زيجته الأولى من السيدة خديجة...
الاعتباران اللذان حكما زيجاته التالية كانا: 1ــ الشفقة والرحمة، كما كانت الحال عندما أراد أن يعيل الأرامل المعذبات اللواتي لم يكن بالإمكان إعالتهن بأي طريقة أخرى في تلك المرحلة الاجتماعية 2ــ مساعدته في واجبات القيادة مع النساء اللواتي توجب إرشادهن والاحتفاظ بحقن في الأسرة الإسلامية الكبيرة، حيث كان للنساء والرجال حقوق اجتماعية مقاربة. فالسيدة عائشة، ابنة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، كانت ذكية ومتعلمة. وفي الحديث هي مرجع هام فيما يتعلق بحياة النبي، السيدة زينب ابنة خزيمة كرست حياتها للفقراء بشكل خاص وكانت تلقب بـ \"أم الفقراء\"، زينب الثانية، ابنه حجش، عملت أيضاً من أجل الفقراء الذين كانت تعيلهم من عملها اليدوي فقد كانت ماهرة في شغل الجلد. لكن كل الأزواج، رغم منزلتهن الرفيعة، توجب عليهن العمل والمساعدة بوصفهن أمهات الأمة. ولم تكن حياتهن حياة دعة وكسل مثل حياة جواري السلاطين إما لمتعتهن الشخصية أو لمتعة أزاوجهن. يقال لهن في السياق أن ليس لهن مكان في الأسرة المقدسة إذا أردن الحياة الدنيا وزخرفها فقط. فإذا كانت الحالة على هذا النحو كان بالإمكان تسريحهن سراحاً جميلاً...
أما بوروخوفا، التي قرأت يوسف علي حسبما تذكر في مقدمتها، والتي نستثير منها أمورا أقل  ص 18 شأنا من هذا الموضوع هوامش تتجاوز الصفحة أحياناً فإن قضية زيد وزينب لا تستغرق منها سوى أقصوصة صغيرة تتجرد القصة فيها من أي عبرة وتتحول حكاية أقرب إلى المغامرات التي تنزّه الرسول الكريم عن مثلها. التعليق 1829 يقول:
(
هنا نص روسي) ص 18
\"الحديث هنا يدور عن ابن الرسول بالتبني ــ زيد بن حارث (!) من نسل الحميريين، وقد أسره العرب وبيع لمحمد قبل نبوته بفترة طويلة حيث تم تلقيه بحنان كأحد الأبناء ، الأمر الذي أقسم عليه محمد بصورة احتفالية عند حجر الكعبة الأسود. وعندما أدرك زيد سن الزواج زوّجه محمد بابنة عمه الحسناء زينب بعد أن دفع لها عن زيد مهراً سخياً وتم الزواج في مكة قبل ثماني سنوات من الهجرة ثم تبين أنه (زواج) تاعس جداً. فزينب المنتمية للفئة العليا من الارستقراطية المكية كانت تنظر بعين الاحتقار إلى زوجها العبد السابق الذي اشتراه ابن عمها، وفضلاً عن ذلك لم تكن يروق لها أيضاً مظهرية زوجا العاطلة عن الوسامة. وعلى الفور أبدى زيد رغبته في الطلاق وقد أهانه مسلكها المزدري. فطلب منه النبي أن يتريث (السطر الثالث من الأبيات) لكيلا يثير الأقاويل بعد مثل هذا الزواج الذي سنين عديدة. إلا أن الزيجات تتم على الأرض ومما يناقض رحمة الله تعريض الناس لعذابات اتحاد لم يتم، (اتحاد) كان منتظراً منه أن يحمل الرضا والسعادة. العاطفة القوية التي ظهرت لدى زينب وعاطفته نحوها حددت مصير الزواج التعس لزيد. سبحان مقلب القلوب بإراداته! – بهذه الكلمات عبّر النبي صراحة عما لقي في زواجه من زينب\". 
4ــ من أهم الثوابت \"التي تلتزم بها هذه الترجمة ، التي بشّرتنا مقدمتها بأنها \"أول ترجمة كتبت بأقلام مسلمة وقلوب مؤمنة بقدسية الإسلام وعظمته\" – الإصرار \"المنهجي\" على عدم ترجمة الإسلام بالإسلام ولا المسلم بالمسلم ولا المسلمين بالمسلمين ، اللهم إلا في حالات \"محرجة\" يصعب معها استبدال هذه الكلمة بتعبير آخر ، ومع ذلك تجتهد لها المترجمة ، في ص 19 هذه الحالة ، مخرجاً. وبهذه \"الثوابت\" تخرج ترجمة بوروخوفا عن أجمل الترجمات التي اطلعنا عليها في مكتبة جامعة آل البيت كترجمة عبد الله يوسف علي والترجمة الأمريكية لايرفنغ وترجمة رشيد كسّاب والترجمة التركية والألبانية والفرنسية (الطبعة 3 الصادرة في بيروت) والأردية والصادرة، الهاوسا... ص 19 

       وقبل أن نستعرض هذه المواضع من ترجمة بوروخوفا نشير إلى ما قد صاحبتها \"حجّة\" للخروج عن الترجمة المعهودة لكلمة مسلم بـ \"مسلم\" فهي تترجم الآية 128 من سورة البقرة :\" رَبَّنَا واجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ\" بـ \"ربنا اجعلنا طائعين لك وأخ؟؟؟؟ ص 19 لمشيئتك\" وتتبعها بالهامش رقم 60 حيث تقول \" مسلم – الأصل – طائع لله ، مكرس ذاته لله ، خاضع لمشيئته ، ومن الملائم بهذه المناسبة إيراد كلمات الرسول محمد \"كل إنسان يولد مسلماً (مسلماًــ خاضعا لله) وأبواه فقط يهوّدانه أو ينصّرانه أو يجعلانه مشركاً\" وإلى محرَّف في أكثر من موضع ونصه في صحيح البخار هكذا:
(نص من صحيح البخاري) ص 19
وفي صحيح مسلم هكذا: (نص من صحيح مسلم) ص 20
وما دامت المترجمة تعرف الحديث وتحسن الاستشهاد به وتوظيفه فإنها تعرف تتمة هذا الحديث
الذي ورد أيضاً في الصحيحين: (نص من الصحيح ص 20)
أما ترجماتها لما يتعلق بمفردات الإسلام والمسلمين فترد على هذه الصورة الآية 131 ــ البقرة : \" إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ...\"
الترجمة : وتذكّروا : عندما قال له الرب 
\"أخلص لي!\"
وهو قال \" أخلص لرب العالمين!\" 
133ــ البقرة : \" ...ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ\"
الترجمة : ولا نخضع إلا له
136ــ البقرة :\"... لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ\"
الترجمة : لا نفرق بينهم ، وله وحده نحن نخضع
52ــ آل عمران: \"... واشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ\"
الترجمة: وكن شاهداً لنا بأنا لا نخضع إلا له
64 – آل عمران: \"... فَإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ\". 
الترجمة: فإن تولوا فقل
\"كونوا إذن شهوداً على أننا جميعا قد خضعنا له\".
67ــ آل عمران: \" مَا كَانَ إبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً ولا نَصْرَانِيّاً ولَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً ومَا كَانَ مِنَ
المُشْرِكِينَ\"
الترجمة: فما كان إبراهيم يهودياً ولا نصيراً للمسيح
بل كان مخلصاً لله، خاضعاً لمشيئته
وما فكر بعبادة آلهة سواه
102ــ آل عمران: \" يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُم مُّسْلِمُونَ\"
الترجمة : أنتم يا من يؤمنون! يخافون غضب اللهانحنوا أمامه كما ينبغي عليكم ولا تموتن إلا خاضعين لإرادته
1- المائدة \"... اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً...\"
(
هنا نص روسي ص 21)
لاحظ بأي دقة يترجمها كراتشكوفسكي 
ترجمة بوروجوفا
أكملت لكم اليوم
(ميثاق) دين (الإسلام) 
وبمشيئته مني عنيت لكم الإسلام (كهذا: الخضوع لإرادتي)
111ــ المائدة: \"... واشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ"الترجمة: وأمرت بأن أكون من عداد من باعوا أنفسهم له
84ــ يونس: \"... إن كُنتُم مُّسْلِمِينَ\"الترجمة: إن كنتم بكل الروح قد خضعتم له
5ــ من هذه الثوابت أيضا تعطيل أو تحريف ترجمة فعل \"الكون\" الذي يعد أمراً عقائدياً ، فأمره، سبحانه وتعالى بين الكاف والنون. وفعل الكون موجود في اللغة الروسية وله تصريفه في صيغة الأمر وهو ما اعتمده كراتشكوفسكي بكل الروح العلمية والصدق الأكاديمي، أما بوروخوفا فتلتمس أي \"معنى\" آخر للفعل: لتستعيض بذلك الفعل عن \"فعل الكون\".
117
ــ البقرة: \"... وإذَا قَضَى أَمْراً فَإنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ\"
الترجمة: إذا قضى أمراً (هــــــــنا نص روسي 22)
ينطق: ــ \"كن! \" فيظهر
47ــ آل عمران: \"... إذَا قَضَى أَمْراً فَإنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ\"
الترجمة: إذا قضى أمراً 
ينطق: ــ \"كن! \" فيظهر
73ــ الأنعام: \"... ويَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ...\"الترجمة: يوم ينطق: اظهر
فسيظهر (هــــــــنا نص روسي 22)
60 – البقرة: \"... فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ\". 
الترجمة: قلنا لهم: انقلبوا قردة خاسئين ومنبوذين (من طرف البشر)
6
ــ من هذه الثوابت، أيضاً – إعادة ترتيب كلمة السماوات والأرض في الآيات القرآنية على النسق الأقرب إلى ذوق المترجمة. ونخشى أن يكون ذلك ضرباً من نمط آخر من أنماط تطويع النص القرآني، فليس من قبيل الصدفة أن يتردد هذه الترتيب الجديد في كافة مواقعه من الآيات تقريباً.
12
ــ آل عمران: \"... ولِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ...\"
الترجمة: الله وحده مليك كل ما على الأرض وفي السماء
131ــ النساء: \".... ولِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ ولَقَدْ وصَّيْنَا الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وإيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وإن تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ...\"
الترجمة: ولله وحده كل ما على الأرض وفي السماء 
وإن تكفروا ففي سلطة الله كل ما في الأرض وفي السماء
132ــ النساء: \"... ولِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ...\"
الترجمة: لله كل ما على الأرض وفي السماء
17ــ المائدة: \"... ولِلَّهِ مُلْكُ السَّمَواتِ والأَرْضِ...\"
الترجمة: في سلطة الله الأرض والسماء
18ــ المائدة: \"... ولِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ...\"
الترجمة: يملك هو السماء والأرض
40ــ المائدة: \" أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ...\"
الترجمة: أم لا تعلم أن لله ؟؟؟؟ ص 23 
السيطرة على الأرض \"السماء\"يعاقب من يشاء ويغفر لمن يشاء23
97ــ المائدة: \"... يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ...\"
الترجمة: يعلم ما على الأرض وما في السماء (يجري)
3ــ الأنعام: \" قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ...\"
الترجمة: قل: لمن كل ما على الأرض وفي السماء
54ــ الأعراف: \"... خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ...\"
الترجمة: خلق السماء والأرض
66ــ يونس: \" أَلا إنَّ لِلَّهِ مَن فِي السَّمَوَاتِ ومَن فِي الأَرْضِ...\"
الترجمة: ألا إن الله يملك كل من على الأرض وفي السماء
68ــ يونس: \"... مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ...\"
الترجمة: كل ما على الأرض وفي السموات (فالسماء في الروسية تجمع) 
وفي هذا النسق الجديد الذي يفرض على مفردات القرآن الكريم تقحم مفردات أخرى.
48
ــ آل عمران: \"... والتَّوْرَاةَ والإنجِيلَ\"
الترجمة: الإنجيل والقانون (التوراة). والمترجمة تصر على تسجيل القانون بديلاً أو مجاورا لكلمة التوراة. وقد وردت الكلمة بهذه الصيغة لدى سابلوكوف قبل ذلك.
69
ــ المائدة: \"... والصَّابِئُونَ والنَّصَارَى...\" 
الترجمة: والنصارى والصابئون
84ــ المائدة: \" لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا...\"
الترجمة: وستجد أن من بين جميع الناس الأشد عداوة للذين آمنوا (بالله) المشركين واليهود
91ــ المائدة: \"... فِي الخَمْرِ والْمَيْسِرِ\"
الترجمة: في الميسر والخمر
110ــ المائدة: \"... والتَّوْرَاةَ والإنجِيلَ...\"
الترجمة: الإنجيل والقانون (التوراة) 
255ــ البقرة: \"... لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ...\". 
الترجمة: لا يميل به نوم ولا سنة وحده يملك الأرض والسماء.
7ــ في ترجمة السور العشر التي اخترناها للدراسة كثير من الأخطاء التي أساءت إلى فهم النص القرآني على الوجه الصحيح ، من ذلك
61ــ البقرة: \"... فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وقِثَّائِهَا وفُومِهَا وعَدَسِهَا وبَصَلِهَا...\" (وترد هذه المفردات في ترجمة كراتشكوفسكي بنفس الترتيب مع إضافة الضمير \"ها\" إلى الاسم
الترجمة: ادع لنا ربك لكي يخرج لنا الخضار مما ينبت فوق الأرض والخيار والبصل والعدس والفوم 
149 – البقرة: \"... ومَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ\"
الترجمة: ولن يبقى الله غافلاً عن تصرفاتك وأعمالك
163ــ البقرة: \" وإلَهُكُمْ إلَهٌ واحِدٌ لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ\"
الترجمة: إلهكم واحد ولا إله إلا الله رحمن رحيم هو
217ــ البقرة: \"... والْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ...\"
الترجمة: فالظلم والفوضى أسوأ من الموت
249ــ البقرة: \"... كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ...\"
(
سابلوكوف وكراتشكوفسكي يحافظان على نظام الآية ويترجمان كلمة \"فئة\" مرتين)
الترجمة: كم من المرات فئة صغيرة
بإذن الله غلبت الأعداد الكبيرة ص 26
251ــ البقرة: \"... ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ...\"
الترجمة: آية، لو لم تكن مدافعة ببعض القبائل البشرية فوق الآخرين لفاضت الأرض بالمصيبة
256ــ البقرة: \" لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ويُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ\"
الترجمة: لم يسمح هو بالإكراه في الدين
واضح كيف يختلف الرشد عن الغي، من رفض السر وتوجه نحو الله فقد ضمن لنفسه قاعدة متينة لا تصدع فيها الله يسمع كل شيء، عليم
19ــ آل عمران: \" إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلامُ ومَا اخْتَلَفَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ومَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ\"
الترجمة: وإن الإسلام دين الله
وما اختلفوا من اتبعوا الكتاب المقدس أما الاختلاف فولد عندما جاءت المعرفة والحسد
ومن لا يؤمن بآيات الله فالله لن يتباطأ في استدعائه سريعاً للمساءلة
75ــ آل عمران: \" ومِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مَنْ إن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنْهُم مَّنْ إن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ويَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وهُمْ يَعْلَمُونَ\". 
الترجمة: ويوجد بين أهل الكتاب من 
تأمنونهم بقنطار من القطع الذهبية 
فتستردونهم منهم بسهولة
ولكن يوجد من إن لا تأمنونهم إلا على قطعة واحدة فلا تستعيدونها إلا بجهد شديد وهم يعلنون أمامكم ليس علينا أي داع لنكون أوفياء أمام وجه الجهلة وهنا أيضاً وبصورة واعية ينسبون الكذب لله.\"
87ــ آل عمران : \" ... والنَّاسِ أَجْمَعِينَ\"
الترجمة : ... والناس المؤمنين
110ــ آل عمران : \" كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ
لمُنكَرِ...\"
الترجمة : وستكونون الأفضل بين الشعوب التي ظهرت بين الأجناس وجميع العصور فأنتم بكل روحكم آمنتم بالله وأمرتم بالمعروف وحرمتم الشر
134ــ آل عمران : \" الَذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ والْكَاظِمِينَ الغَيْظَ والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ...\"
الترجمة : من ينفقون في السراء والضراء ، 
ومن كاظمي غيظهم يعفون عن الناس 
ملاحظة (كاظمي غيظهم تصبح حالاً)
وهذه الترجمة تذكر بترجمة الآية
14ــ النساء: \" وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ...\"
الترجمة: ولكن من يعص الله ونبيّه متعديّا حدوده... 
137ــ آل عمران: \" قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ...\"
الترجمة: ما أكثر الأحداث المثيرة للموعظة
التي عاشها الوجود والأرض من قبلكم
175ــ آل عمران: \" إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وخَافُونِ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ\"
الترجمة : والشيطان وحده يستميلكم لتخافوا الأقربين  لا تخافوهم ، وخافون فقط إذا كنتم قد خضعتم وتؤمنون
31ــ النساء : \" إن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ونُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً\"
الترجمة : ولكن إذا تجنبتم الخطايا التي وضع عليها حظر شديد نحرركم من كل ما هو سيء 
وندخلكم بوابات (عدن) الكريمة.
34ــ النساء : \"... واهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ...\"
(كراتشكوفسكي يترجم الآية بدقته الأكاديمية الصادقة)
أما ترجمة بوروخوفا فهي
واعزلوهن في المضاجع (وهي مأخوذة حرفياً من سابلوكوف) (وإذا كان هذا لا ينفع)
فبإمكانكم أن تضربوهن (ضرباً خفيفاًً)
162ــ النساء : \" لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ والْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ...\"
الترجمة : ولكن بالنسبة لأولئك الذين يؤمنون بك ولأولئك الذين يؤمنون بما أنزل إليك.
(
ملاحظة : هذا الخطأ الفادح في الترجمة مأخوذ حرفياً من سابلوكوف).
57
ــ المائدة : \" يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً ولَعِباً مِّنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ والْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ...\".
الترجمة: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا أصدقاءكم أولئك الذين ينظرون إلى عقيدتكم نظرة؟؟؟؟ ص 29 وسخرية ولا أولئك الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ولا الكفار 
(والخطأ في هذه الترجمة أيضاً مأخوذ عن سابلوكوف).
65ــ الأنعام: \"... انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ\"
الترجمة: انظر كيف نفسر لهم الآيات بطرق مختلفة ثم هم بعد ذلك؟؟؟؟؟ ص 29
43ــ الأعراف : \" ونَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَذِي هَدَانَا لِهَذَا ومَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ...\"
الترجمة : سنزيح الغل من قلوبهم
وستملأ الأنهار عند أقدامهم
وسيقولون : الحمد لله الذي أخرجنا إلى هذا (النعيم)
ما كنا لنخرج إلى هذا المكان بأنفسنا لولا أن أخرجنا الله إليه
128 – الأعراف : \"... إنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ والْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ\".
الترجمة : فالأرض كلها في سلطة الله وهو يورثها أولئك من خدمه
لمن ؟؟؟؟؟ ص 29 بمشيئته.
وتترجم \"والعاقبة للمتقين\" بـأما نهاية (درب الحياة) فلصالح أولئك الذين (خائفين من غضب الله بطواعيةٍ) يلتزمون التقوى وترد لدى كراتشكوفسكي : فالأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين
173ــ الأعراف : \"... أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المُبْطِلُونَ\"
الترجمة : إذن أحقاً تهلكنا بما (أخطأ) دون تفكير أسلافنا
17ــ الأنفال : (وتترجمها الغنائم الحربية) ، \"... ومَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمَى...\".
الترجمة : عندما أنت رميتَ (حفنة التراب) ما أنت رميتَ ولكن رمى الله
39ــ الأنفال : \" وقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإنِ انتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ\"
ترجمة كراتشكوفسكي : وقاتلوهم إلى أن لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا ... فالله يرى ما يعملون
الترجمة : خوضوا النضال معهم إلى تلك اللحظة حينما لا يعود هناك فوضى ولا ظلم وتسود العدالة والإيمان بالله ولكن إذا أمسكوا أنفسهم... (يغفر لهم الله). فهو يرى ما يعملون.
55 – الأنفال : \" إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ\"
الترجمة (1) فالأسوأ بين جميع المخلوقات الأرضية في يد الله اليمنى أولئك الذين يكفرون بهدي الله وفي حقيقته لا يؤمنون
58ــ الأنفال : \" وإمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخَائِنِينَ\"
ترجمة كراتشكوفسكي : وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ العهد منهم على أساس العدل ، إن الله لا يحب الخائنين
الترجمة : وإما تخافن من قوم غدراً فانبذ كل التزاماتك (حسب الاتفاق معهم(
لكي تكون منهم على أرضية متساوية إن الله لا يحب الخائنين (ترجمة كراتشكوفسكي نفسها).
28ــ التوبة : \" ...إنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ...\"
الترجمة : إنما المشركون أنجاس.
108ــ البقرة : \" أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ...\"
الترجمة : أم ستقومون بسؤال رسولكم
عمَّ كنتم قد سألتم موسى من قبل
148ــ البقرة : \" ولِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا...\"
الترجمة : كل نفس في هذه الحياة لها وجهتها الخاصة التي حددها لها الله وهي (في صلاتها) تتجه نحوها.
    وتسخو الترجمة في تقديم أمثال هذه النصوص لمن يطلب المزيد. والمحزن في الأمر كله أن الأخطاء والزيادات الواردة في الترجمة تأتي عمداً. فالمترجمة لا تصوغ نصاً جديداً عن لغة أجنبية ولا تكابد صياغة نص أجنبي باللغة الأم بل هي تتصرف بتراجم جاهزة وتسلك طريقاً مهدتها تجارب علماء أجلاء أفنوا سنوات طويلة من أعمارهم في دراسة العربية والكتابة بها والترجمة منها وإليها، وكان لديهم الروح الأكاديمية ومن صدق الضمير ما يعصمهم عن الخطأ والزلل (إلا في الحالات غير المتعمدة) وترجمة كراتشكوفسكي أفضل مثال على ذلك. فالرجل ترجم معاني القرآن الكريم بروح العالم الرصينة المدققة وقدم ترجمة يندر أن تجد ما يبزّها؟؟؟؟ ص 31في الدقة والنزاهة بين ترجمات معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية وقدم من الحواشي ما يزيد كثيراً عما قدمت بوروخوفا وما نعت نفسه بـ \"المؤلف\" ولا أحسبه فكر في ذلك. إن ترجمته – حسبما قال الدكتور أحمد الخميس في مثاله \"تشكل في أعماقها تعاملاً مع تقاليد الإسلام ليست بروح الحواشي المزيفة ولكن بروح الانتماء الحقيقي للاطلاع المعرفي\".
والسيدة بوروخوفا تتعامل مع ترجمة كراتشكوفسكي وتبني على أساسها ولا تعترف بذلك بل وتحرص أشد الحرص على أن تبدو \"مختلفة\" عن ترجمة كراتشكوفسكي وتسلك إلى هذه الغاية طريقتين
1)    الاعتماد على المترادفات، فاللغة الروسية تحمل لاسم الجلالة اسمين:؟؟؟؟؟ ص 32، وتقبل باستخدام اسم \"الله\"؟؟؟؟ ولذلك فحيثما استخدم كراتشكوفسكي واحداً من هذه الأسماء أو صفة مشتقة منه استبدلت بوروخوفا ذلك الاسم أو الصفة بآخر ، وإذا استخدم الملأ ؟؟؟؟؟ استخدمت؟؟؟؟؟ وإذا استخدم؟؟؟؟؟؟؟؟ (ساحر عليم) استخدمت؟؟؟؟؟ واستبدلت؟؟؟؟؟ بـ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وهكذا
2)    2) إذا كان كراتشكوفسكي قد تعامل بصرامة العالم وصدق احترامه للنص القرآني وأخرجه مطابقاً للنص العربي في الأساس قد بينت الشروح التي تعين القارئ على الفهم الكلي للمعنى وهو ما اعتمده – للأسف – عبد الله يوسف علي وإن جاء اعتماده مشفوعاً بحسن النيّة وأصالة المعرفة. أما بوروخوفا قد ضلت؟؟؟؟ ص 31 على ترجمة كراتشكوفسكي من هذا المدخل وأساءت اعتماد منهج يوسف علي؟؟؟؟؟ ص 31 إساءة فتوسعت في الشروح والإضافات إلى ترجمة كراتشكوفسكي حتى ضيعت النص والقارئ والمعنى معاً.
3)    ونختم قراءتنا لنصوص السور العشر بثلاثة نماذج تُظهر منهج الترجمة لدى بوروخوفا. فأما التعرف على طريقة عبد الله يوسف على فنجده في الآية 164 من سورة البقرة : \" إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ واخْتِلافِ الَليْلِ والنَّهَارِ والْفُلْكِ الَتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ ومَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ والسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ\".
ترد الترجمة لدى عبد لله يوسف في الصفحة 64 بهذه الصورة: فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ واخْتِلافِ الَليْلِ والنَّهَارِ والْفُلْكِ الَتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ ومَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ والسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
والترجمة الإنجليزية كالآتي:
4)    Behold! In the creation of the heavens and the earth; In the alternation 
5)    Of the Night and the Day; In the sailing of the ships through the ocean 
6)    For the profit of mankind; 
7)    In the rain which God 
8)    Sends down from the skies, 
9)    And the life which He gives 
10)                     Therewith
To an earth that is dead; 
11)                     In the beasts of all kinds
12)                     That He scatters 
13)                     Through the earth;
14)                     In the change of the winds, 
15)                     And the clouds which they
16)                     Trail like their slaves 
17)                     Between the sky and the earth;ــ
18)                     (Here) indeed are Signs 
19)                     For a people that are wise\"
20)                     ترد لدى بوروخوفا بهذه الصورة
21)                     إن في خلق الأرض والسماء
22)                     واستبدال ظلام الليل بضياء النهار
23)                     في الأفلاك التي تشق البحر لاحتياجات البشر 
24)                     في الماء الذي ينزله الله من السموات
25)                     وبه يعيد الحياة إلى الأرض
26)                     عندما تكون قد انقبضت في الموت
27)                     وفي كل دابة بثهاالله في الأرض 
28)                     في حركة وتبدل الرياح
29)                     التي السحب بين السماء والأرض 
30)                     تطاردها كخدمها
31)                     حقاً ، هناك تكن آيات لأولئك الذين يعقلون
32)                     الطريقة الثانية : الالتزام بطريقة كراتشكوفسكي ، مع استبدال بعض مفرداته بمرادفاتها وتحريف مواقع المفردات والحرص على عدم الإشارة إلى المصدر.
الآية : 114: المائدة 
33)                     \" قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وآخِرِنَا وآيَةً مِّنكَ وارْزُقْنَا وأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ\"
34)                     (يؤسفنا أن نضطر لتسطير ترجمة كراتشكوفسكي)
35)                     ترجمة كراتشكوفسكي : قال عيسى بن مريم
36)                     ترجمة بوروخوفا : ونطق عيسى بن مريم
37)                     ك : اللهم ربنا 
38)                     ب : يا الله ، ربنا 
39)                     ك : أنزل علينا مائدة من السماء
40)                     ب: أنزل علينا مائدة من السموات
41)                     ك : تكون لنا عيداً
42)                     ب : وتصبح هي عيداً
43)                     وتمثل آيةً منك
44)                     ك : لأولنا وآخرنا
45)                     ب : للجميع من أولنا حتى آخرنا
46)                     ك : وارزقنا
47)                     ب : وارزقنا بالمطلوب
48)                     ك : وأنت خير الرازقين
49)                     ب : وأنت خير الرازقين 
ملاحظة : لم ينحرف كراتشكوفسكي عن النص القرآني بحرف واحد
فنستعرض الآية التالية
التوبة : \" التَّائِبُونَ العَابِدُونَ الحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ
ِالْمَعْرُوفِ والنَّاهُونَ عَنِ المُنكَرِ والْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ\"
وقد نجح المترجم كل النجاح في استخدام صيغة جمع اسم الفاعل في الترجمة وفي تطويع لغته للنص القرآني
أما بوروخوفا فترجمت الآية كما يلي
مَن تائباً يتوجه (إليه) مَن يخدم ، يحمد (قداسته) (في العالم) يسوح (في سبيله)
(بخشوع) يحني رأسه وينبسط ساجداً (في الصلاة) و (باسم) يدعو إلى المعروف
وينهى عن المنكر و (في الطهارة) يصون حدوده (أولئك سيستبشرون) بشّر أولئك المؤمنين (ثوابٌ عظيم بانتظارهم). 
وأخيراً فأياً كان رأينا أو موقعنا من ترجمة السيدة فاليريا بوروخوفا لمعاني القرآن الكريم ومهما كان فيها من تجاوز أو خطأ أو ركوب لمركب المغامرة فإن هذه الترجمة تجسد الواقع الحالي بالنسبة لترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللغة الروسية، وقد نجح أصحابها في أن ينشروها بين القراء وأن يحققوا لها الرواج المطلوب بأساليب لا نعتقد بأي حال بأن \"جودة الترجمة\" سبب لها. فهناك التعطش الكبير إلى معرفة كتاب الله في أصله وترجمة معانيه، وهناك استثمار لعواطف الناس ولاسم مدينة دمشق وهناك فراغ أو تفريغ لسوق الكتاب من أية ترجمة أخرى وهناك تقنية الإخراج المتأنقة. ولعل أخطر ما في هذه الترجمة أنها أوهمت القارئين بأنهم صاروا – من خلالها – يعرفون القرآن الكريم على وجهه الصحيح، كما أنها غطت على جهود قرون طويلة من عمل المدرسة الاستشراقية الروسية وحجبت حتى جهود علماء كبار مثل كراتشكوفسكي بل وصادرت الأمل بإصدار ترجمة جديدة وجادة لمعاني كتاب الله في المستقبل القريب ، بينما فتحت الباب واسعاً أمام المغامرين ، فما الذي يضمن ألا يظهر في الأيام القريبة المقبلة طماع يكون مزوداً بقليل (أو بصفر من المعرفة والمهارة الأدبية وبكثير من الطموح للمال والشهرة ثم يطلع علينا بترجمة جديدة ، في عصر صار فيه كل شيء ممكناً وغاب أي شكل من أشكال الأكاديمية الجادة
****
    إننا نرى أن الترجمة المطلوبة لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة الروسية، الترجمة السليمة الموفقة، الجامعة المانعة، التي تتضافر على إعدادها وإنجازها جهود ودراسات أهل العلم على اختلاف مهاراتهم واختصاصاتهم – لم تقصد بعد. وربما كان تعدد تجارب الترجمات دليلاً على أهمية الترجمة الروسية وضرورة توفرها مثلما هو دليل على الإخفاق أيضاً في تقديم هذه الترجمة \"المرجعية\" الموثوقة المعتمدة التي يمكن الاطمئنان إليها. وسيبقى ميدان الدراسات القرآنية في روسيا والعالم الإسلامي الناطق بالروسية نهباً للمغامرين وميداناً لتجريب المهارات إلى أن تصدر الترجمة الجادة التي أشرنا إليها ولا زلنا نؤمن بأنها يجب أن نتحقق وأن تساهم في النهوض بها أكثر من مؤسسة علمية وعالمية، وأن تتضافر كل الجهود لإعدادها، وأن يكون العرب أكبر إسهام في إنجازها وإخراجها بالصورة الصحيحة. وترى أن هذه الترجمة تكتسب صيغة مشروع كبير يمكن له أن يتحقق إذا ما وضعنا في الحسبان الأمور التالية
- أن تتضافر لإنجاح هذا العمل جهود العلماء المتخصصين في الدراسات الإسلامية وفي الدراسات اللغوية. ويمكن لهذا أن يتحقق م خلال هيئة علمية رصينة مؤتمنة يعهد إليها بنوع من المرجعية ويوكل إليها انجاز هذا العمل المشرّف على أن يستوفي أعضاؤها عدداً من الشروط الأساسية – الإتقان العلمي الأكاديمي للغتين العربية والروسية والمعرفة الحقيقية بالدراسات القرآنية والتفسير والفقه الإسلامي ، وأن تنطلق الهيئة من أسس واضحة في الترجمة كرفض الترجمة الشعرية والالتزام بمعايير دقيقة للتدخل في النص القرآني من أجل شرحه وزيادة إيضاحه ، وتقديم ما يلزم من شروح يعتمد في ضبطها على أهل العلم في هذا الموضوع ، ويكون من المهام الأساسية لهذه الهيئة ، إذا ما طلع عليها في المستقبل بترجمة جديدة :: لمعاني كتاب الله – أن تطبق عليه أول أساليب التعامل مع العمل العلمية في المعاهد الأكاديمية المعاصرة ، فيكون من واجبها ، حتى وقبل أن تقرأ الترجمة ، أن تتثبت من المستوى العلمي لصاحبها ، من قدراته الحقيقية ، من الدراسات والأبحاث التي قام بها في الماضي ومن مستوى معرفته باللغتين – العربية والمترجم إليها ، وبذلك تتبين الحقيقة العلمية وتضع الأمور في نصابها وتحكم لمثل هذا الشخص أو عليه بمشروعية أو لا مشروعية الخطوة التي أقدم عليها عندما انبرى ليزاحم العلماء المتخصصين مجالسهم وليتطاول بقامته إلى مستوى من وقفوا أعمارهم بطولها على الدراسة والبحث والتأليف ... ثم الترجمة حتى استحقوا أن يحملوا عن جدارة لقب \"مترجمي معاني القرآن الكريم\".
- الترجمة الجديدة لمعاني كتاب الله ينبغي أن تضع في الاعتبار جميع التجارب الماضية ، فمن الظلم للحقيقة ومن الإجحاف بحق العلم وبحق التاريخ علينا وبحق أنفسنا أيضاً أن نهمل ما قام به الآخرون في هذا المضمار خلال قرون طويلة وأن نغفل جهود من سبقونا وكرسوا لترجمة القرآن معارفهم وجهودهم وسنوات طويلة من عمرهم وقديماً قال أجدادنا \"نهاية المتقدم بداية المتأخر\" فلا بد إذن من جمع ما تم إنجازه حتى الآن واستحضار النسخ السابقة للترجمات إما في أصولها أو باستنساخها على الميكروفيلم. وفي حال توفر هذه المصادر (وتوفّرها ليس بالأمر الصعب) يمكن الانتقال إلى المرحلة التالية وهي الاطلاع على ما أنجزه العلماء السابقون وقراءاته قراءة نقدية مستفيضة وإقرار ما يتفق مع الحقيقة وما يؤدي المعنى العربي بدقة من خلال الصياغة الأدبية السليمة، أما النقاط التي لم يوفق المترجمون في تقديمها أو التي وقع الخلاف أو جرى الخطأ في فهمها فيمكن دراستها من خلال التساؤلات النقدية أيضاً. لمَ حدث هذا الخطأ، أبسبب السهو أم الجهل باللغة أم نتيجة التحامل أو التشويه المتعمد. ولا بأس في هذه الحالة من مقارنة الترجمة الروسية بالترجمات الأخرى المعتمدة باللغات الأجنبية – كالإنجليزية والفرنسية والألمانية – للتوصل إلى معرفة الكيفية التي حل بها ذلك الإشكال. ولا بد في مثل هذه الحالة، وفي أحوال كثيرة مغايرة من الاستعانة بجهود المتخصصين في التاريخ واللغة وفي التفسير بشكل خاص وذلك من أجل الوصول إلى الترجمة الصحيحة التي يفترض أن تتجاوز سابقاتها في الدقة وحسن الصياغة وفي الرؤية الإسلامية الصحيحة للأمور
      ونحن على ثقة من أن اللغة الروسية الوثيقة التي شهدت على أصالتها وجدارتها أعمال كبار الشعراء والكتاب والمترجمين الروس خليقة بأداء ترجمة معاني القرآن الكريم بأسلوب بليغ لم تستطع أن تؤديه بعد أي من الترجمتين المتميّزتين اللتين اطلعنا عليهما (ترجمتي سابلوكوف وكراتشكوفسكي) واللتين ابتعدتا بأسلوبهما عن جلال الأسلوب القرآن وبلاغته المميّزة ، ويكفي أن نقارن هاتين الترجمتين بترجمات \"الالياذة\" و \"الادويسية لهوميروس و \"اينيادة\" فرجيل أو \"فاوست\" عنونة ؟؟؟؟؟ ص 38 أو ترجمة \"الانجيل\" إلى اللغة الروسية لنخلص إلى القول بأن المترجمين – على براعتهما – لم يبذلا، أو لم يريدا، أو لم يستطيعا أن يبذلا ما هو مطلوب من جهد ومهارة للخروج بترجمة معاني القرآن الكريم إلى المستوى الذي تستطيع أن تحقق بلاغة اللغة الروسية
ــ عوَّدنا من تصدوا لترجمة معاني القرآن الكريم على أنهم \"توّجوا حياتهم العلمية بمثل هذه الترجمة ولم يبدأها بها. أي أنهم ما أقدموا على التصدي لهذا الموضوع إلا بعد أن خاضوا إليه بحاراً \"من القراءات والبحوث والتعمق في المعارف\". ولم يكن ذلك فقط احتراماً لكتاب الله وتنزيهاً له عن تحريف معانيه، بل ولمعرفتهم أيضاً بأن الترجمة لن تطاوعهم إلا إذا استعدوا لها بعدتا وأدواتها. ففي سنة 1924، إبان عكوف كراتشكوفسكي على ترجمة معاني القرآن الكريم كتب المعجم العلمي بدمشق يقول: \"أما مؤلفاتي التي بدأت بكتابتها وطبعها من سنة 1940 فجلها، إن لم أقل كلها، في آداب العرب من بحث وترجمة وشرح وانتقاد وكتاب ومقال ومحاضرة وملاحظة، وعدها يربو على المائتين. وقد طبع فهرستها سنة 1921\"( ). ومع طول هذه التجربة وتبحر صاحبها في اللغتين العربية والروسية وعدد كبير من اللغات الشرقية فقد \"أنفق كراتشكوفسكي على ترجمة القرآن تسع سنوات فأكمل مسودة الترجمة في خريف العام 1930، لكنها كانت المرحلة الأولى فقط من العمل، وواصل في السنوات التالية هذا العمل مراجعاً قدراً جمّا من الأدبيات العربية والأوروبية عن القرآن، فهو يستشهد فيما جمعه من مواد للشرح بزهاء 400 مصدر. وعاد كراتشكوفسكي في ترجمته وقد تسلح بكل ذخيرة أساليب علم اللغة العصري، إلى أسلوب اللغتين العرب الأوائل وقرّاء وشارحي القرآن ... ولأجل فهم تركيب الكلام وشوارد وتصاريف اللغة في القرآن عمد كراتشكوفسكي إلى نصوص الشعر العربي القديم ، وبخاصة إلى نتاجات الشعراء العرب في وسط الجزيرة وشرقها ممن عاصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم بيد أن رحيله المبكر لم يسمح له بإتمام هذا العمل الكبير\". 
هذا كله يدفعنا إلى التوكيد على أن هذا العمل يجب أن يسند إلى أهل من ذوي الاختصاص ومن المؤهلين حقاً ليقولوا كلمتهم في ميدان العربية والروسية كمالا ينبغي ألاّ تكون الترجمة ميداناً للمجازفة والتجارب والتدرب على الترجمة من خلال الخطأ والصواب وأن يبتعد بها عن كل ضروب الطامعين والمغامرين ومن يتوهمون أن معرفة اللغة عند مستوى الواصل الكلامي تسمح لهم باقتحام هذا الميدان الفكري البعيد الغور. كما نرى أن يستعان في الترجمة بآراء أهل العلم في جميع القضايا التي تتعلق بتفسير معاني القرآن وذلك من أجل تهيئة الفهم الصحيح لأسباب نزول آيات كتاب الله وتوفر الشرح الحقيقي لحقيقة الإسلام وهو ما تشير إليه النقطة التالية.
4
ــ ينبغي أن تكون ترجمة معاني القرآن الكريم مناسبة للتعريف – ولو في خطوط عريضة بالدين الإسلامي الذي يمكن أن يكون فرصة النجاة للإنسان في عالم يضطرب بالأفكار وتتنافر فيه مملكة الباطل حتى ليحار الإنسان في أي اتجاه يسير. وهكذا ومن خلال المقدمة والشروح والهوامش وتوضيح أسباب نزول الآيات يمكن أن ينبه القارئ الروسي إلى طبيعة المراحل المبكرة من التاريخ الإسلامي وإلى معنى استقاء العبر من حياة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وأن القرآن الكريم كان ولا يزال هدى ورحمة للعالمين وأنه المصدر التشريعي لدين يدعو إلى تكريم الإنسان وتحقيق إنسانيته على الأرض وينادي بالخير والمساواة بين البشر مهما اختلفت الألوان والمشارب والعروق ويدعو إلى إعمال العقل والتأمل في حقيقة هذا الكون ويرى العلم فريضة وحب الوطن من الإيمان. دين كرّم الإنسان رجلاً وامرأة ونهاه عن أن يحني رأسه لغير الله، ودعاه إلى الطهارة الجسدية ؟؟؟ ص 40 والروحية ونصحه بمجاهدة النفس ودعا البشر إلى أن يتعاونوا على البر والتقوى وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر وحضهم على جميع مفردات الفضيلة وعلمهم حب العمل ونهاهم عن كل مفردات الشر وما يمكن أن ينتقص من الكرامة الإنسانية.
وقد تبدو هذه الأمور بديهية بالنسبة لنا كمسلمين لكنها جديدة إلى قاموس عصرنا المضطرب وهي أكثر جدة لمن حيل بينهم وبين الإطلاع على القرآن خلال سنين طويلة.
فلنبدأ الخطوة الأولى نحو الترجمة السليمة لمعاني القرآن الكريم ولنستعد لها بكل ما يتطلبه جلال العمل من جدية واهتمام وصدق في العزيمة

وليسدد الله خطانا إلى ما فيه الخير والصواب