الأربعاء، 30 أبريل، 2014

أبناؤنا والشجاعة الأدبية

                                      بسم الله الرحمن الرحيم
                
دعيت قبل مدة لإلقاء محاضرة في إحدى المدارس الثانوية في المدينة المنورة حول المحافظة على الهوية الإسلامية في عالم يموج بالهويات والثقافات. وانتظرت بعد حديثي الذي لم يزد كثيراً على نصف ساعة أن أسمع أسئلة الطلاب ونقاشهم وقد كدت أظن أن الطلاب لم يفهموا المحاضرة أو أن الموضوع لا يهمهم لولا أن قام طالبان أو ثلاثة فسألوا بعض الأسئلة الجيدة. ثم قام بعض المعلمين بطرح بعض الأسئلة. وهنا تساءلت لماذا لا يملك أبناؤنا الشجاعة الأدبية للسؤال والنقاش؟
وفي هذا المجال تذكرت محاضرة سابقة في ثانوية أخرى بالمدينة المنورة أن الطلاب قدموا أسئلتهم مكتوبة في رقاع صغيرة فكانت أسئلتهم كثيرة جداً ومتنوعة بعضها يتعلق بموضوع المحاضرة وكثير منها لا علاقة له بالمحاضرة. فقلت في نفسي إنهم لو طلب إليهم أن يسألوا شفهياً لما سئلت ربع هذه الأسئلة.
كيف لنا أن ننمي الشجاعة الأدبية عند طلابنا في المرحلة الثانوية أو في الجامعة؟ هل نبدأ من المرحلة الابتدائية أو نبدأ بعد ذلك أو حتى لماذا لا نبدأ تدريبهم على الشجاعة الأدبية قبل ذلك في المنـزل؟ إنني أترك مسألة الإجابة عن هذه الأسئلة للتربويين وإن كان هناك رأي بأن كل أب لا بد أن يكون تربوياً- ولكني أريد أن أرى اليوم الذي يقف فيه الطالب في المرحلة الابتدائية أو المتوسطة أو الثانوية فيناقش أستاذه في فكرة قدمها أو رأي ارتآه.
ومن التجارب التي مررت بها في أثناء دراستي في الولايات المتحدة أنني دعيت إلى إحدى المدارس الثانوية لأتحدث عن الموقف العربي في الصراع العربي الإسرائيلي وكان الفصل الدراسي قد استمع إلى حديث يهودي أو إسرائيلي أو أمريكي صهيوني عن الجانب الآخر. وبعد أن استمع الطلاب للجانبين بدءا مناظرة بين فريقين من الفصل الدراسي ، وكانت لجنة من الحكّام تستمع إلى المناظرة لتبدي رأيها في قدرة كل طرف على طرح رأيه وإقناع الخصم به.
إن الشجاعة الأدبية إذا ما تم تكوينها لدى الشباب في هذه المرحلة فإننا نسهم في تطوير البلاد وتقدمها فحين يتخرج هذا الشاب ويعمل في مجال من المجالات ويجد نفسه في اجتماع مع مديره أو أحد رؤسائه فإنه يجد الشجاعة الأدبية ليناقش رئيسه ولعله يقدم رأياً تستفيد منه المؤسسة أو الشركة أو القسم الذي يعمل فيه.
ولنا في السيرة النبوية الشريفة قدوة في تشجيع الشجاعة الأدبية فقد سأل الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه ذات يوم :"أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم تؤتي أكلها كل حين بغذن ربها ولا تحت ورقها ،" ولما لم يجب أحد أخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أنها النخلة . وبعد أن انفض المجلس قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:" يا أبتاه وقع في نفسي النخلة ، فقال عمر : ما منعك أن تقولها؟ لو قلتها كان أحب إلي من كذا وكذا ..(البخاري ومسلم)
وقد روت لنا الأحاديث الشريفة أن الرسول صلى الله عليه وسلم " كان يصحب الأطفال معه في الطريق ، ويركب معهم على الدابة دون تأفف أو ازدراء " وقد وردت أحاديث مثل قوله صلى الله عليه وسلم " يا غلام احفظ الله يحفظك ..الحديث" وغيره.
وما زلت أذكر أنني طلبت من أستاذ اللغة العربية في المرحلة الثانوية أن يكلف أحد الطلاب أن يقرأ كتاباً ويأتي في الحصة ويتحدث عن الكتاب ويناقشه الطلاب فيما قرأ. ولكن الأستاذ لم يكن متحمساً فقد كان كتاباً واحداً قرأه أحد الطلاب وهو ( هاتف من الأندلس ) لعلي الجارم.ولم تتكرر التجربة.
والشجاعة الأدبية كما يقول الدكتور سالم سحاب ( المدينة المنورة 23صفر1419) : أقفلنا أبواباً كثيرة للإبداع والتفوق تحت أعذار واهية وتوهمات خاطئة ، فاعتبرنا النقاش البناء خروجاً على الطاعة وقله أدب في حق المعلم والرئيس ، وعددنا الحرية المنضبطة معول هدم في أنظمة حياتنا، ونظرنا إلى الأفكار الجديدة نظرة شك وريبة دون أن نفندها أو ندرسها أو نضع لها الموازين القسط." ولنا في سلفنا الصالح قدوة في هذا المجال حيث كان عبد الله بن عباس وشباب الصحابة كانوا يجالسون الكبار حتى قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما( كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر .."
نعم إننا بحاجة إلى الشجاعة الأدبية التي تتمسك بالخلق والأدب ولسنا بحاجة إلى أطفال أو شباب لا يحسن توجيه سؤال أو انتقاد فكرة أو اقتراح رأي، وإن الأمة لا يمكن أن تتطور حقيقة إلاّ إذا أضحت الشجاعة الأدبية خُلُقاً عاماً ، والله الموفق.
 

دروس في التربية


                
الدرس الأول : العزيمة والإصرار

ليست هذه المقالة في البحث في طيات التراث العربي الإسلامي عن دروس في العزيمة والإصرار فتلك الدروس كثيرة جداً ومن أراد التعرف إليها فعليه بكتاب الأستاذ محمد عقيل موسى الشريف حول الهمة. وكتاب الشيخ عايض القرني ( كيلا تكون كلاًّ)،  والمحاضرة الرائعة المسجلة على شريط (كاسيت) للشيخ على القرني ( اقصد البحر ودع القنوات)، ولكنه درس عشته في الأشهر الماضية كانت بطلته فتاة لم تتجاوز الخامسة عشرة بكثير تعرضت لمرض طارئ كان عليها أن تتغيب عن الامتحان في الدور الأول ولكنها أصرت على دخول الامتحان في عدد من الدروس واستطاعت أن تجتاز الامتحان بنجاح في كل المواد عدا مادة واحدة.

وجاء موعد الدور الثاني وكانت ما تزال تعاني من الأعراض نفسها التي بدأت قبل بداية امتحان الدور الأول وبدون أن تبذل جهداً كبيراً ( هي أساساً غير قادرة على بذله) دخلت اختبار الدور الثاني واستطاعت أن تؤدي الامتحان بثبات وعزيمة عجيبة حتى استطاعت أن تجتاز الامتحان وتنتقل إلى المرحلة الدراسية التالية. لقد شاهدتها وهي تخرج من الامتحان كل يوم وهي تزداد إصراراً على أن تكمل الامتحانات وإن كانت تمر بها لحظات تصر على أن لا تواصل الدراسة وتعزي نفسها بأنها ستعيد السنة وأن غيرها كثيرات مررن بتجربة الإعادة. ثم تعود لها العزيمة وتستيقظ صباحاً لتستعد للذهاب إلى الاختبار وتؤكد إصرارها على النجاح بإذن الله. ومن الطرائف أنها في مادة الرياضيات لم تدرس سوى ساعتين فقط ومع ذلك نجحت.

لقد عشت التجربة ورأيت عدداً من الطلاب يدخلون الدور الثاني وقد تخلفوا في خمس أو ست مواد،  ولكنهم خلال شهرين من الزمان يستطيعون أن يهضموا المادة التي لم يستطيعوا استيعابها خلال سنة دراسية كاملة وينجحون فيها . إنها العزيمة والإصرار حتى إن إحدى المعلمات قالت رأيت من دخل الدور الثاني في كل المواد واستطاعت أن تنجح بينما فشلت بعض الطالبات أن ينجحن في مادة واحدة واضطررن إلى إعادة السنة.

الدرس الثاني : الرحمة والرأفة

                هذه الطالبة دخلت امتحان إحدى المواد ولم تجب بكلمة مما أفقدها الأمل في مواصلة الامتحان لولا أن قيض الله لها من إدارة الامتحانات برئاسة تعليم البنات بالمدينة المنورة من تفهموا الوضع وعلموا أن في النظام سعة إن كانت لم تكتب شيئاً. وجاء دور مراجعة التوجيه النسوي لتوجيهها إلى مدرسة مازال الامتحان فيها قائماً، فكانت المصيبة في أن إحدى الموجهات رأت في الطالبة خصماً لدوداً وعدواً مبيناً فكان أن رفضت أن تسمح لها بالاختبار في مدرسة غير المدرسة التي وجهت إليها أول مرة .

وبالرغم من أن هذه الموجهة رأت الطالبة وشاهدت إصرارها على الاختبار وأنها صادقة مائة في المائة أنها لم تكتب شيئاً في ورقة الإجابة. وكانت هذه الموجهة تتحجج بقضية العدل بين الطالبات . فكأنها قد تصورت أنه سمح لها بإعادة الاختبار في المادة إنما تم محاباة للطالبة وهو شك في غير محله وسوء ظن برؤسائها وزملائها وتجاوز لمكانتها الوظيفية فلم تراع أن من هو أعلى منها رأى أن في الأمر سعة.

إن التعليم أساسه الرحمة ولذلك جاء في الذكر الحكيم وصف النبي صلى الله عليه وسلم )وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين( وقوله تعالى )فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك( وقد حث الرسول e على الرحمة حتى جاء في الحديث الشريف (لله أرحم بعبده من الأم بطفلها) ولو خلت العملية التعليمية من الرحمة فقدت أهم أسسها. فيا أيها المعلمون والمعلمات والموجهون والموجهات ابدأوا بالرحمة فإن لم تكونوا رحماء بينكم كما وصف الله المؤمنين فابحثوا عن عمل آخر فلا يليق بالمعلم إلاّ أن يكون رحيماً. والله الموفق.

تربية البنات والأولاد


                                                 بسم الله الرحمن الرحيم

               

        تفضلت إحدى شركات توزيع الصحف بوضع عدد من  مجلة شهرية في صندوقي كنوع من الدعاية لـهذه المجلة، ولمّا كانت القراءة جزء من حياة الكاتب الصحفي فقد أخذت المجلة  وقرأت فيها ما شجعني عـلى عدم الاشتراك، وليس ذلك فحسب بل كتبت رسالة إلى مدير عام المجـلة أقـول له فيها إنكم قسّمتم المجلة ثلاثة أقسام : قسم للجريمة ، وثان لأهل الفن ( قديماً كان يطلقون عليهم أهل المغنى) ونجـوم(!!) الرياضة، والثالث للشعر الشعبي أو النبطي أو العامي. وقـلت له إنني أنطق اسم مجلتكم بطريقة تقديم بعض الحروف تأخير أخرى لتصبح (0000).

         وكنت أقف عند بقالة أشتري إحدى الصحف المحلية فوجدت طالباً يدرس العلوم الشرعية يشتري صحيفة تنشر كلّ أسبوع ملحقاً للجريمة . فسألته لماذا يشتريها؟ فقال : يا أستاذي هذه الصحيفة فيها ما يقرأ. وأعتقد أن ذلك اليوم كان يوم (ملحق الجريمة) ولتلك الصحيفة ملحق للفن وآخر للرياضة ورابع للدين.

          وقد جمعني مجلس ببعض الزملاء وتحدثنا فيما ينشر من مشكلات أخلاقية، وجرائم في بعـض الصحف والمجلات وإقبال كثير من الشباب على هذا النوع من القراءة حتى أن إحدى الكاتبات التي كانت ترد على  رسائل القراء ومشكلاتهم ومشكلاتهن العاطفية نشرت كتاباً يضم هذه المشكلات وربما نشرت الحلول. وتساءلنا ما جدوى نشر مثل هذه القصص التي تنشر فساد الزوجة وخيانتها أو العكس أو انحراف البنات مع السائقين ؟ وهل ينطبق على نشـرها الله تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلـمون}(النور 19)واتفقنا أن نشجع كل من لا يحب أن يرى هذه الأمور في صحافتنا أن يكتب إلى رؤساء تحرير هذه الصحف للإقلاع عن نشر مثل  هذا النوع الذي يخدش الحياء ويؤذي المؤمنين سماعه

وحتى يكون الأمر عملياً فإنني أذكر باختصار شديد القصة التي أثارت غيظ وحنق وغيرة من قرأهـا. والقصة روتها طالبة جامعية بأسلوب أدبي جيد تتحدث عن نفسها وأختها الصغرى والعـلاقة التي نشأت بين السائق الذي كان يوصلهما إلى الجامعة وبين أختها الصغرى .فقد كان هذا السائق شيطاناً حيث  أغرى الصغرى منهما فراودها عن نفسها حتى استجابت… واستأجر شقة منذ ثلاثة أشهر يلتقيان فيها،وتتساءل الفتاة ماذا تفعل؟ هل تستر عليهما أو تخبر والدها؟

وقبل أشهر قرأت أيضاً قصة الرجل الذي استضاف أخاه في بيته وكان صاحب البيت كبـيراً في السن والأخ الضيف في سن الشباب ، وكان الشاب يعمل بنظام النوبة مما يعني أن يكون في المنزل في غياب أخيه الأكبر. وهنا وقع ما حذّر منه الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الشيطان كان ثالثهما. وحصل المحذور الثاني   في قوله عليه الصلاة والسلام : (الحمو الموت) وتروي المرأة القصة وهي خائفة من غضب زوجها أو من أن يحدث له مكـروه لو عرف. وكأني قلت في نفسي وقتها فليمت ذلك الزوج المغفل في سبيل أن تحافظ على شرفها وعرضها . أما أن يحدث مكروه لزوجها فذلك قدر الله عز وجل.

وفي  تلك الجلسة ذكر أحد الحضور قصة ماعز عندما جاء يعترف على نفسه بالزنا وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يشيح بوجهه لا يريد أن يراه ، فاستنبط العلماء من هذا كراهية النظر إلى المذنبين . وذكر ثان قصة جريج ودعاء أمه عليه بأن يريه الله وجوه المومسات . وتوقف العلماء عند دعاء الأم بأنها لم تدع عليه بأن يختلط بهن أو أن يعاشرهن، ولكنها كانت على درجة من العلم بأن رؤية المومس ذنب في حد ذاته أو مصيبة. فما بالنا نستهون الحديث عن الفساد؟

أعرف يقيناً أن السكوت عن هذه المشكلات أو عدم عرضها في العلن لن يلغي وجودها ، ولـكني على يقين أن الحديث عنها يعطي ضعاف النفوس الجرأة على التحدث عن هذه المشكلة أو تلك في العلـن متخذاً من نشر هذه القصص في الصحف دليلاً على أن الأمر مسموح به. وكم سألني أحد تلاميذي : ألا تقرأ صفحـة كذا في الصحيفة الفلانية في يوم كذا؟ قلت  أمر بها مر الكرام فإنني أتضايق حينما  أشعـر بأن هناك حرمات تنتهك وأعراض تلوث وأخلاق تدنس وذنوب ترتكب فلماذا أزعج نفسي بقراءتها؟ وأصر عليّ بأن أكتب عن المشكلات الاجتماعية فها أنا أستجيب له، وأسأل الله لي وله الإخلاص في القول والعمل.

          وعودة إلى هذه الصحف فإنني أدعو العلماء والمشايخ الفضلاء ليقدموا لنا الموقف الشرعي من التوسع في نشر المشكلات الاجتماعية والأخلاقية التي تتضمن الحديث عن جرائم في حق أعراض المسلمـين. فالأخلاق الأخلاق من أسس هذا الدين وإنني أحب دائماً أن أستشهد بقول جعفر بن أبي طالب رضي الله عنـه حينما سأله النجاشي عن الإسلام فقال له :" كنّا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفـواحش ونقطع الأرحام ونسـيء الجوار ويأكل القوي منّا الضعيف ، فكنّا على ذلـك حتى بعث الله إلينا رسولاً منّا نعـرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحـده….وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمـانة وصـلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحـارم والدماء ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيـم وقذف المحصنات …" فما أعظم هذه الأخلاق وما أبعدها عن الفواحش. ولنذكر قوله تعالى { إن الله يـأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} . وللحديث صلة بإذنه تعالى.

وقفه: نزعم أننا نغار على اللغة العربية ولكن بعض شركات الإعلان تصر على محاربتها وإليكم هذه الكلمات: إليقانت ( إنجليزية بمعنى أنيق رقيق ، وسبليت يونيت ( وحدة منفصلة)، وكافيه( مقهى)  ،فأرجو أن تكف هذه الشركات عن استخدام هذه العبارات وهل يحتاج الأمر إلى توضيح أكثر؟ 

                       

تناولت في الأسطر السابقة ما يطلق عليه في الصحف زوايا المشكلات الاجتماعية أو ما تطـور في بـعض الصحف إلى صفحات الجريمة وما تجذبه من قراء ومدى تأثير عرض هذه المشكلات على الحياة الاجتماعية والأخلاق الاجتماعية. وفي هذا المقال أقدم بعض المشكلات الاجتماعية التي أرجو أن تحظى من المتخصصين في علم الاجتماع ولهم دراية بالعلوم الشرعية ليقولوا رأيهم فيها.

مهنة الأب هل يختارها الأبناء؟

أعرف أن كثيراً من القراء قد يفهم من هذا العنوان أنني أقصد أن يسير الأبناء على خطى آبائهم فيختارون المهنة التي كان يعمل بها الآباء،  فيتوارث الأبناء عن الآباء المهنة التي يعملون بها. ولكني قصدت في هـذا العنوان شيئاً آخر تماماً .وهو أن يعترض الأبناء على مهنة أبيهم لأسباب كثيرة ومن أهمها أن هذه المهنة لا تدر دخلاً كافياً يناسب تطلعاتهم المادية في هذا الزمن الذي ازدادت فيه حمّى الاستهلاك حتى ظهر هناك ما يعرف بالاستهلاكية.

فمتى يحق للأبناء أن يطلبوا من آبائهم أن يغيروا مهنهم أو متى يحق لهم أن يطلبوا منهم البحث عـن  عمل إضافي لزيادة الدخل؟ فمن المعروف أن الزوجات أحياناً يكن السبب في خراب البيوت حين  لا تكـف عن تقديم طلبات الشراء والزوج المسكين لا يجد وسيلة إلاّ الخضوع لهذه الطلبات. وذلك لضعف في شخصية الرجل أمام إلحاح أو (إصرار) الزوجة أو أمام توسلاتها بشتى الوسائل المشروع منها وغير المشروع، أو هروباً من الإزعاج المستمر.

وإن كان بعض المساجين المعسرين قد دخل السجن لعدم لقدرة على سداد ما عليهم من ديـون. فلا شك أن بعض هؤلاء دخلوا ميدان التجارة فقدر الله عز وجل عليه الخسارة لأسباب كثيرة منها قلة  الخبرة، ونقص المعرفة بأساليب البيع والشراء، أو قسوة المنافسة في السوق أو غـير ذلك من الأسباب ولكن ثمة أسباب أخرى للإفلاس منها إصرار الزوجة والأبناء على أن يعيشوا فوق المستوى الذي يؤمنه دخل الزوج فيضطر للاستدانة من هنا وهناك فيقع ضحية الديون وتراكمها حتى لا يستطيع لها سداداً.

وقد تحدثت كتب التراث كثيراً عن الأدباء أو رجال الفكر الذين عاشوا في ضائقة مالية أو عـاشوا الكفاف أو دونه ، ولكنّي لم اطلع كيف عاشوا داخل أسرهم ، هل وجدوا معاناة مع أهلهم مع الزوجـة والأبناء ، هل وجدوا من الأبناء مع كان يطلب منهم أن يترك مهنة الفكر والأدب ليبحـث عن وسيلة أخرى للعـيش؟ هل طالبوهم مثلاً أن يبحثوا عن عمل إضافي؟ أو إن هؤلاء الأدباء والمفكرين كانوا يعيشون في سلام  فكان أبناؤهم وزوجاتهم متعاطفين معهم فلم يكونوا يزيدون  الطين بلّة أو إن الزوجة والأبناء كانوا يدركون أهمية العمل الذي يقوم به الأب، ولم يكونوا مصيبة فوق المصيبة.

الزوجات العاملات والبنات العاملات:

مع أن عمل المرأة أمر لم يعترض عليه الإسلام إن كانت المرأة تؤدي واجبها الأول وهو رعاية الأسرة الرعاية الصحيحة ولم يؤد إلى تمرد المرأة بسبب استقلالها الاقتصادي أو المنّ على الزوج والأبنـاء، وكـان هذا العمل بعيداً عن الاختلاط بالرجال ويحافظ على صيانة المرأة. لكننا نواجه قضية أخرى  لعلها أخطر من عمل الزوجة فعمل البنت أصبح مصدر دخل لبعض الآباء الذين يصرون على استمرار البنات في العمل ليملأوا  جيوبهم كل شهر برواتب البنات فيكونون سبباً في عضل البنـات أي تأخير زواجهن لهذا السبب. فهل تتدخـل جمعيات الخدمات الاجتماعية أو تخصيص  جهة في المحاكم الشرعية تلجأ إليها هؤلاء البنات لتزويجهن بدلاً من الوصول إلى سن متقدمة دون زواج( أو العنوسة).

رأسين في الحلال:

           مثلان شائعان ومتناقضان أحدهما يشجع المساعدة في الزواج والثاني يحذر من ذلك فالأول يقول ( يا بخـت الذي يوفق بين رأسين في الحلال) والثاني يقول ( السير في جنازة أولى من السير زواج: أي المساعدة في البـحث عن زوجة) فأيهما أولى بالاتباع ؟ كان الشيخ سعيد الغامدي في جدة قد أعلن منذ مدة أنه يساعد الراغبين والراغبات في الزواج. ولكن أين عناوين هؤلاء الناس أمثـال الشيخ سعيد الغامدي ؟ هل وجدوا أزواجاً لكل الراغبين ولكل الراغبات ولم يعد لدينا مشكلة في هذا المجال؟ أعتقد أن هذه القضية لم تنته بعد فما زال العدد الكبير من النساء في حاجة إلى أزواج وكثير من الرجال في حاجة إلى زوجات. فحبذا لو استمر الإعلان عن هذا المكتب أو المكـاتب المشابهة فمن الذي يحتفـظ بعدد من صحيفة مر عليها عدة سنوات. ولماذا لا نستخدم وسيلة الكتابة بأن يقدم راغب الزواج ما يحتاجه في الزواج وأسباب ذلك وأن يقوم المكتب بدراسة الطلبات وعرضها على ما لديه من الطلبات المقابلة حتى يتم التوفيق بين الراغبين في الزواج. ولا بأس أن يحصل المكتب أو المكاتب على رسوم تقوم بمصروفات هذه المكاتب.

الزواج سكن ومودة ورحمة:

هكذا أراد الله سبحانه وتعالى الزواج في قوله تعالى{ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون }(الروم 21)ولكن ما يحدث في الواقـع أحياناً يجعل الزواج شيئاً آخر غير ما أراده الله عز وجل فقد تبدأ العلاقة بين الرجل وأهل المرأة بشيء من الخداع حول المرأة ثم تكون الطلبات التي لا حد لها فكأنهم يختبرون حقيقة رغبة الشاب في الاقـتران بابنتهم . وأحياناً تحدث المشكلات ليلة الزواج وكأن الأمر معركة بين أهل العريس والعروس وليس تكوين أسرة جديدة ومصاهرة تقرب بين الناس.

وقفة:   أحمد الله عز وجل على توفيقه بتناول هذا الموضوع ، وهذا يؤكد لي أنه مازال هناك الكثير منّا  من يغار على محارم الله أن تنتهك. وأشكر من أثنى على المقالة وأقول إن تجاوبكم مع ما يكتب في هذه الصحيفة أمر يثلج الصدر ويشجع الكتاب على تناول القضايا الاجتماعية.

 

دروس في التربية الأسرية


                                  بسم الله الرحمن الرحيم

 

عادت ابنتي التي تدرس في المرحلة الثانوية من مدرستها وهي تحمل خبراً جميلاً وهو أنه سيضاف إلى المنهج الدراسي مادة جديدة في العام القادم وهي (التربية الأسرية) أو (الحياة الزوجية) ففرحت كثيراً بهذا الأمر ذلك أنني منذ مدة والفكرة تراودني أن أطرحها بتوسع. وقد كتبت عدة مقالات في هذا المجال لكنني وجدت أن الأستاذ عبد الله الجعيثن يكتب مقالات جميلة في جريدة الرياض حول قضايا الحياة الزوجية والمرأة والأسرة وغير ذلك من الموضوعات الاجتماعية. فتأكد لي أهمية هذا الموضوع وبخاصة أن الأستاذ الجعيثن يغوص في التراث العربي الإسلامي ويكتشف كنوزاً من المعرفة تقدم من المعالجات لهذه القضايا تفوق في كثير من الأحيان ما توصل إليه علماء الاجتماع وعلماء النفس في العصر الحاضر.

لماذا التربية الأسرية؟ أو لماذا مادة جديدة باسم الحياة الزوجية؟ إن النفس البشرية عميقة وتحتاج إلى جهود كبرى لفهمها وقد أدرك الغرب أنه تقدم كثيراً في مجال المادة والتقنية وصناعة الآلات والأجهزة ولكنه فشل في إدراك كنه هذه النفس البشرية التي حار الفلاسفة على مر العصور على فهمها وإدراكها. والحياة الزوجية ارتباط بين فردين وأسرتين في أسمى رباط بشري سماه الله عز وجل باسم (الميثاق الغليظ) وورد ذكره في السنة النبوية الشريفة ب (كلمة الله). ألا يستحق هذا الميثاق الغليظ أن يفرد له منهج دراسي يوضح أبعاده وأهدافه وحقائقه وكيفية المحافظة عليه؟

إن اضطراب الحياة المعاصرة وتشعباتها وتوترها وقلقها أديا إلى كوارث في هذه الحياة أولها انتشار الطلاق، وهدم البيوت، وتشريد الأطفال وتكوين أجيال من الشباب والفتيات الذين لم يعيشوا حياة أسرية مستقرة؛ فتوجه منهم من توجه إلى الجريمة بأنواعها والمخدرات وضياع الوقت. كما أن التأخر في الزواج أدى إلى زيادة عدد الفتيات في بيوت الآباء حتى سن متأخرة مما سبب مشكلات كثيرة منها البحث عن وظيفة للفتاة كما نبحث عن وظيفة للشباب أو البحث عن كرسي في الجامعة للفتيات أسوة بالشباب. وكذلك وجود الفراغ في حياة الفتاة لا تعرف كيف تملؤه.

ومن المبررات للتأكيد على الحياة الأسرية أو الزوجية أن هذه المؤسسة من أكثر المؤسسات الاجتماعية التي تعرضت لحرب شرسة في الغرب حتى إن هذه المؤسسة إن لم تكن قد انهارت فهي في طريقها إلى الانهيار، وقد استبدلوا بها في الغرب ما أسموه الحياة الزوجية بدون زواج أو ما ترجمته إحدى القنوات الفضائية العربية ( الـمُفسِدة) ( المساكنة) وقد خصصت حلقة من حلقات أحد البرامج الجماهيرية لهذا الأمر وكأننا قاب قوسين من وقوع هذا الأمر في بلادنا. وهو لا شك قد انتشر في أوساط المتغربين. كما قدمت صحيفة من الصحف استطلاعاً موسعاً عن زواج الطلاب والطالبات في الجامعات تحت مظلة الزواج المدني. بل إن إحدى الدول العربية قررت أن تجعل الزواج المدني دستورياً رغم معارضة أهل الأديان في ذلك البلد، ولكن لا أدري ما فعل الله بهم هل أُقر القانون أم ما زال مشروعاً؟

ومن المبررات لدراسة الحياة الأسرية ما قرأته قبل مدة عن صورة من الحياة الزوجية السلبية التي كتب عنها الأستاذ عبد الله الجعيثن وهي الحالة التي تتولى فيها المرأة مكانة الرجل في البيت مع وجوده حيث تكون المرأة مسترجلة أو تكون قاهرة حاكمة مستبدة طاغية. لاشك أن مثل هذا الوضع ناتج عن تخلي الرجل عن دوره في قيادة الأسرة. وهي بلا شك حالة شاذة لكنها موجودة. ولعل من أسبابها تأكيد نموذج من التربية على أن تغلب المرأة الرجل أو تسيطر عليه أو تجعله كخاتم في إصبعها. أو هي نتيجة للمثل الشعبي الذي يقول من (من يذبح البس ليلة العرس). ولا شك أن مثل هذا الوضع يحتاج إلى علاج سريع من خلال محاضرات تلقى في محافل النساء أو دورات تدريبية قبل الزواج أو بعده. وإن الرجل قد يحاول استعادة مكانته في الأسرة فلا يكون الحل سوى الطلاق وما يتبعه من نتائج في تشريد الأطفال وهدم البيوت.

 لقد أظهر الأستاذ الجعيثن سعة اطلاعه على قضايا الحياة الزوجية ففي مقالته المعنونة (علاج الملل من الحياة الزوجية)(الرياض 20ذوالقعدة 1419) ذكر أن الملل في الحياة الزوجية أو منها أو من شريك الحياة " شيء مؤلم ومحبط ومُغْشي بالكآبة إن لم نقل إنه هو السائد، من أندر النادر ألاّ يمر زوجان بحالة من الملل السام.. ومن شبه المستحيل أن تمضي الحياة الزوجية في توهجها وتجددها وأشواقها وبهجتها..

وقّدم الجعيثن بعض الحلول التي من الممكن أن تقضي على الملل ومن ذلك مثلاً (الحرمان) حيث يقول فيه:" السعادة في حاجة لبعض الحرمان والإحساس بالتجدد في حاجة لبعض الحرمان .. ولذلك فإن الرجل يجب أن يكون له بعض النشاط خارج المنزل بحيث يتحقق بعض الشوق لعودته إلى البيت أو أن يسافر أو أن تأخذ الزوجة إجازة لزيارة أهلها مثلاً بعض الوقت.

فمن الحلول التي يراها الأستاذ الجعيثن مناسبة لمحاربة الملل والسأم ما أسماه (المخدع المنفصل) وقد تحدث عنه في كتابه (قالوا في المرأة) واستشهد بدعوة ابن الجوزي إلى اعتماد المخدع المنفصل بين الرجل والمرأة. وقد سبق ابن الجوزي علماء النفس وعلماء الاجتماع بمئات السنين. ومن الحلول أيضاً الخلوة بالنفس حيث يكون للرجل والمرأة أوقاتاً يختلي الواحد منهما بنفسه لبعض الوقت، ويضيف في هذا الأمر أن الغربيين أكثر احتراماً منّا للخلوة بالنفس دون إزعاج أو تدخل من أعز الناس. وأذكر في هذا المجال مقالة للشيخ محمد العزالي رحمه الله يدعو فيها المرأة أن تساعد زوجها على أن يكون له نشاط في خدمة مجتمعه خارج المنـزل، فإن الرجل يجب أن لا ينكفئ على نفسه وتستأثر به زوجته وأولاده ولذلك جاء في الأثر ( الزوجة والأولاد مجبنة مجهلة مكسلة مبخلة ..).

     ومن الحلول أيضاً (الاهتمام لا الإهمال)  ويختم بالحديث عن (تجديد الحياة) ويصف بعض النماذج من صور تجديد الحياة. ومن ذلك قوله " الحياة حركة ..ومن لا يتحرك يموت والماء الراكد يأسن وجراثيم الملل ليس أشهى عندها من بيت جامد خامد خامل لا تغيير فيه ولا تجديديومه كأمسه وغده كيومه"

المهم أن ما أود الخلوص إليه هو أن الاهتمام بالحياة الزوجية أو الحياة الأسرية أمر مهم جداً بحيث تستحق أن يفرد لها منهج دراسي لتناول جوانبها المختلفة. ومن هذه الجوانب مثلاً علاقة الرجل بأهله أو بأمه بصفة خاصة بعد الزواج فإن الزوجات في كثير من الأحيان لا يقدرن ضرورة استمرار صلة الرجل بأمه وضرورة حرصه على رضاها. ولا أدري لماذا تنسى كثير من النساء أن بعض الرجال نتيجة حب الزوجة أو الخضوع لها يصلون إلى درجة الوقوع في حالة العقوق، وهي مسألة خطيرة لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم قد حذر من خضوع الرجل لزوجه وإغضاب أمه.

ولتتذكر المرأة أنها سيتقدم بها قطار العمر وتحتاج إلى أن ترى أبناءها قريباً منها يبرونها ويحسنون صحبتها، وما أعظم فضل الأم الذي جعل المصطفى الكريم صلى الله عليه وسلم يؤكد على أن يكون البر للأم ثلاث مرات ثم المرة الرابعة للأب، وأن الإنسان مهما فعل ليكافئ أمه فإنه لن يستطيع حتى جاء إن الرجل لو حج بأمه على ظهره فسعى بها وطاف فإن ذلك لا يعادل زفرة من زفرات النفاس. فما باله لو أضاف إلى هذه الآلام الأيام الطوال التي قضتها في السهر على راحة الابن وصحته.

فهل يتحقق في القريب العاجل بإذن الله إضافة هذه المادة حفاظاً على مؤسسة الأسرة في بلادنا وحماية لها من الهجوم المنظم عليها؟  

 

 

 

 

الأحد، 27 أبريل، 2014

الغزو الثقافي والمثقفون ومشعل السديري


                                    بسم الله الرحمن الرحيم

             

             قيل في الأمثال العربية "وفي الليل يحمد السُرى" ، وقيل أيضاً " عند الصباح يحمد القوم السُرى" وأقول كذلك وفي القناة الأولى من تلفزيوننا  يحمد النقاش حول هذا الموضوع الذي ما زال يشغل بال المسلمين منذ عدة عقود من الزمن، ويبدو أن بعضنا مازال يتساءل : هل ثمة غزو ثقافي؟ ويزعم أن العالم  أصبح قرية كونية كبيرة والأفكار والثقافة مطروحان أمام الجميع فمن شاء فليأخذ وليتأثر ولن يستطيع أحد أن يمتنع عن التأثر بالعالم من حوله مهما حاول.

      لقد كانت ندوة مباركة تلك التي قدمها التلفزيون في برنامجه ( وجهاً لوجه) الذي يبثه على الهواء مباشرة ، وقد أهمّني كثيراً أن أتابع وقائع البرنامج لتخصصي في مجال الدراسات الإسلامية عند المستشرقين وأنتسب إلى القسم الوحيد في العالم الإسلامي الذي يجعل هذه الدراسات مجالاً للدراسة المنهجية ويمنح فيها درجات الماجستير والدكتوراه.

      نعم تابعت بدقة ما دار في البرنامج وإنني في البداية أكرر شكري للتلفزيون تقديمه مثل هذه البرامج المتميزة في موضوعاتها وطرحها وقد كان اختيار المتحدثين في البرنامج موفقاً حيث عرضوا وجهات النظر المختلفة حول هذه القضية وإن كانت ندوة واحدة لا تكفي مما وجب معه هذا التعليق .

      أبدأ بالقول بأن الغزو الفكري ليس وهماً وهذا ما توصل إليه الدكتور محمد عمارة في كتاب خصصه لهذه القضية بعنوان ( الغزو الفكري :وهم أم حقيقة؟) بل هو حقيقة وقد رجع في كتابه هذا إلى الجذور التاريخية لأوروبا - وما أمريكا إلاّ امتداد لها- حينما شنت أوربا النصرانية الحروب ضد سكان شمال أوروبا - الهمج البرابرة في نظرهم- لإدخالهم في النصرانية . وقد سبقهم اليونانيون في نشر ثقافتهم في البلاد التي احتلوها بدعوى ما سموه الأغرقة ومنها أخذت فرنسا ما سمته فيما بعد "الفرنسة" .

    ويمضي الدكتور عمارة مع الأوروبيين في تاريخهم إلى الحروب الدينية التي اشتعلت في أوروبا عدة قرون بسبب ما سمي عندهم " الإصلاح الديني" حيث لم تتحمل البابوية ظهور مفكرين ينافسونها في تفسير الديانة النصرانية أو ينتقدون فسادها. وكان من نتيجة هذه الحروب الدينية أن انقسمت أوروبا إلى كاثوليكية وبروتستانتية حتى إن الملك البريطاني جعل نفسه رأساً للكنيسة الانجليكانية .

   هذا فيما بين الأوروبيين أنفسهم وهو أمر يحتاج إلى مساحة أطول لتفصيله ولكن ما يهمنا هنا هو  كيف خرجت أوروبا إلى العالم بنظرتها العرقية الاستعلائية تزعم فيما تزعم أنها صاحبة رسالة تفوق "الرجل الأبيض" وأنها مسئولة عن تحضير البشرية. ويعجب المرء حين يرى أن احتلال الدول الأخرى وضعت له نظريات فلسفية واقتصادية وسياسية وجعل الاستعمار أنواعاً متعددة فهذا استعمار اقتصادي وذاك سياسي وثالث ثقافي وديني.

    وحين بدأت هجمة " الرجل الأبيض " على الشعوب الأخرى كانت العملية مدروسة دراسة دقيقة ومنظمة بحيث لم تترك مجالاً للصدف أن يكون لها دور فالغرب يعرف ما يريد من الشعوب الأخرى ويعرف الشعوب الأخرى معرفة دقيقة.بل إن الغرب -كما يقول الدكتور أبو بكر باقادر يعرفنا ويعرف تفاصيل التفاصيل عنّا- ولو رحنا نحصي ما أخرجته المطابع الأوروبية من دراسات -وما تخرجه الآن- عن الشعوب الأخرى لكان ذلك يفوق حتى الدراسات التي تنتجها الشعوب عن نفسها. وأكتفي بنموذج واحد عن دول الخليج العربية وهو دليل لويمر المؤلف من أربع عشرة مجلدة مقسماً إلى قسمين التاريخي والجغرافي . ولا يكاد يترك صغيرة ولا كبيرة في منطقة الخليج إلاّ أشبعها بحثاً ودراسة. 

    ثم كيف وظف هذه المعرفة للغزو الثقافي فأيضا المساحة لا تكفي للتفصيل فيها ولكنّي سأذكر نماذج من هذا الغزو فعندما هجم نابليون في حملته المشهورة وأحضر معه مئات من العلماء والباحثين والفنانين كان يعرف أن العالم الإسلامي مقبل على نهضة مباركة وقد ذكر الأستاذ محمود شاكر مقومات تلك النهضة التي أجهضها نابليون . وعندما اضطر للمغادرة وترك نائباً له أرسل إلى هذا النائب يأمره أن يختار خمسمائة شخصية من شيوخ القبائل والأعيان والأشراف ويرسلهم إلى فرنسا ليعيشوا فيها بعض الوقت ويشبعوا بحضارتها وعندما يعودون إلى بلادهم يكونون أنصاراً لفرنسا.

    ولمّا لم يتحقق هذا لخليفة نابليون جاء محمد علي إلى حكم مصر  والقناصل الأوربيون لا يتركونه يتصرف دون أن يكون لهم كلمة في كل تصرف وبخاصة القنصل الفرنسي الذي أشار عليه أن يبدأ البعثات إلى فرنسا وبدلاً من خمسمائة من الشيوخ وكبار السن حصلت فرنسا على المئات من أنبغ أبناء مصر وأذكاهم ليعيشوا في فرنسا سنوات يعود منهم من يعود بغير الفكر و الرأي الذي ذهب به . حتى رفاعة رافع الطهطاوي إمام البعثة يعود ليمتدح الرقص وغير ذلك من عادات الفرنسيين حتى إنه يطلق على الرقص ( الشلبنة) واستمرت البعثات حتى كان طه حسين الذي دعا إلى الارتماء في أحضان الغرب ورفض كل هوية عربية إسلامية فمصر جزء من أوروبا - ولا أدري كيف أصبح عميداً للأدب العربي-

   ومن أخبار هذه البعثات أن البعثة المغربية حينما أتمت مدة الدراسة أرسل  المشرف على البعثة يطلب تمديد مدة بقاء الطلاب في فرنسا حتى " يتشبعوا بعظمة فرنسا" . أما البعثة التركية فهي وأن كانت لدراسة العلوم الهندسية والفنون الحربية فإن المدربين الفرنسيين الذين تولوا تدريس الضباط الأتراك في فرنسا أو الـذين جاؤوا إلى تركيا حرصوا على توجيه أنظار الطلاب إلى قراءة الأدب الفرنسي بقراءة كتابات فولتيير وموليير وغيرهما.

    ويذكر الأستاذ محمد الصبّاغ أن الابتعاث إلى فرنسا لم يكن مجرد مصادفة فإن فرنسا هي أولى الدول الأوربية التي تخلصت من نفوذ الكنيسة وتحررت من سيطرة البابوات كما أن الحياة الاجتماعية فيها كانت اكثر تحرراً من غيرها من البلاد الأوروبية وهذا ادعى إلى تأثر المبتعثين المسلمين. وأضيف لماذا كانت فرنسا هي التي احتضنت الحركات القومية العربية التي تمردت على الدولة العثمانية؟ هل كان هذا حباً للعرب؟

.    أتعجب كثيراً من الذين يزعمون أن الغزو الثقافي أمر وهمي، هل يعيشون في كوكب آخر أو هل غاب عن أذهانهم أن العالم يتسع لعشرات الهويات والمذاهب والشخصيات وأن الحضارة الغربية مهما كانت قوتها ونفوذها لن تستطيع أن تمحي تلك الهويات والشخصيات؟ هل غاب عنهم ما حاولت الدول الاستعمارية أن تفعله بالشعوب العربية المسلمة التي وقعت تحت نير الاحتلال؟ 

      من السهل أن أحيل القارىء الكريم  إلى عشرات الكتب التي تناولت هذه القضية مثل  كتاب الدكتور محمد محمد حسين -رحمه الله تعالى-(حصوننا مهددة من داخلها ،أو في وكر الهدامين )، أو كتابه (الإسلام والحضارة الغربية ) ، أو كتابة ( الاتجاهات الوطنية في الأدب العربي الحديث) ، أو كتاب الشيخ محمود شاكر ( رسالة في الطريق إلى ثقافتنا ) أو كتابه ( أسمار وأباطيل) وغيرها من الكتب ولكنني أود أن أنقل صوراً من واقعنا المعاصر  الذي نعيشه للغزو الفكري الذي ابتلينا به بعد أن رحل المستعمر الأبيض وحلّ محله المستعمِر الأسمر.

        ونبدأ بالجانب العقدي فقد تأثر العالم الإسلامي عقدياً بالغزو الثقافي حيث انتشرت في العالم الإسلامي الطرق الصوفية وابتعد المسلمون عن التمسك بالعقيدة الإسلامية من حيث حقيقة الإيمان بالله عز وجل وأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت. وأتساءل دائماً لماذا تفوق المسلمون الأوائل؟ ولا أجد إجابة أصدق من القول بأن المسألة تتعلق بالعلاقة بين الفرد وربه سبحانه وتعالى. فمتى استقامت العقيدة علم المسلم أن الرزق والحياة والموت بيد الله سبحانه وتعالى. وكم توقفـت عند وصف أحد العرب الذين كانوا في الجيش الروماني في أثناء فتوح الشام حيث قال : جئت من عند قوم رهبان بالليل فرسان بالنهار، الموت أحب إليهم من الحياة. وهذا مصداق لقوله صلى الله عليه وسلم (توشك أن تداعى عليكم الأمم كتداعي الأكلة إلى قصعتها) قالوا او من قلة نحن يومئذ قال : (لا أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل).

     ألم تتأثر العقيدة الإسلامية بالغزو الثقافي الذي جعل العلاقة بين المسلمين وغيرهم مسألة مصالح وصراع اقتصادي وليس مسألة إيمان أو كفر. وقد تناول مؤلف كتاب (واقعنا المعاصر) مسألة الزعامات الوطنية التي خلت من التوجه الإسلامي وكانت ترى الصراع مع قوى الاحتلال الأجنبي مسألة وطن وتراب ومصالح.

      وظهر الغزو الثقافي في مجال الأدب فكم ظهرت من دعوة في العالم الإسلامي تنادي بتبني المذاهب الأدبية الغربية في الكتابة وفي النقد حتى غفلنا أن لنا تاريخاً عظيماً ولغة من أعظم اللغات في العالم . ومن العجيب أن اللغة العربية التي كتبت وقيلت منذ أكثر من ألف وخمسمئة سنة يمكننا أن نفهمها في العصر الحاضر بينما لا يمكن للناطقين باللغة الإنجليزية مثلاً أن يفهموا ما كتبه  شكسبير أو ملتون. بل إن عند الإنجليز ما يطلقون عليه اللغة الإنجليزية المتوسطة ومنها التي كتـب بها تشوسر " حكايات كونتنبري " . نعم قد يصعب على بعض العرب فهم بعض المفردات العربية في الشعر الجاهلي أو في المقامات أو في بعض ما كتبه الجاحظ وهذا ليس لأن اللغة تغيرت ولكن لأن قدراتنا اللغوية ضعفت كما أننا لم نعلّم أبناءنا استخدام المعاجم. ومن الغريب أن الأوروبيين يعلمون أبناءهم استخدام معاجم اللغة من المرحلة المتوسطة وربما الابتدائية.

       ومن يريد أن يعرف ما حدث في ذائقتنا الأدبية فعليه الرجوع إلى كتاب الشيخ محمود شاكر (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) . وقد أُفسِدت الذائقة أكثر فأكثر عندما شاع ما يطلقون عليه الحداثة وما أسميه أحيانا الكلمات المقطّعة .

      ومن الغزو الثقافي اللغوي أننا في معظم جامعاتنا العربية الإسلامية ما زلنا ندرّس العلوم والطب باللغات الأوروبية ن فهل عجزنا أو عجزت اللغة العربية أن تكتب بها هذه العلوم. وها هو الدكتور زهير السباعي يكتب تجربته في تعليم الطب باللغة العربية فيذكر إحصائيات دقيقة أن المصطلحات الطيبة في الكتب التي تدرس الطب لا تتجاوز ثلاثة بالمائة من المادة العلمية. وقد أدركت هذا وأنا أساعد  ابني في مادة تجهيز المختبرات في كلية التقنية الطبية . فمن العبارات التي وردت باللغة الإنجليزية أن حجرة المختبر يجب أن تكون جدرانها مطلية بلون كذا، وأن تكون سعتها كذا وغير ذلك من المعلومات التي يمكن بكل سهولة قولها باللغة العربية . وكذلك الحال في مواد أخرى.

        ثم ألم يكن غزواً ثقافياً ذلك الذي أدى إلى انتشار المذاهب الشيوعية والاشتراكية في الحكم في العديد من البلاد العربية الإسلامية ، وحتى طغى الفكر الاشتراكي المادي على كثير من المثقفين في عالمـنا الإسلامي. وانتشر التأميم في بعض البلاد الإسلامية وتضخم القطاع العام حتى أصبح معظم الشعب في بعض البلاد يعمل في هذا القطاع وكأن هذا القطاع أنشىء ليس للإنتاج وإنما لتقديم رواتب للبطالة المقنعة. ومن طرائف هذا القطاع أن المكتب الواحد يحتله أكثر من موظف. بل  أصبح شائعاً أن يأتي الناس صباحاً للتوقيع ثم يعودون ظهراً للتوقيع بالانصراف.

       ولعل من الأمثلة على تأثير التفكير المادي ما صرح به الأستاذ مشعل السديري في البرنامج بأنه ليس هناك غزو ثقافي وأن كل ما في الأمر مصالح لدولة في دولة أخرى. فتعجبت مما سمعت وأتمنى أن أكون مخطئاّ فيما سمعت. فكيف نغفل عن هذا التاريخ والواقع الذي أمامنا ثم نصر على حتميات المصالح وقد سقطت الحتميات في البلد الذي نشأت فيه.

      والغزو الثقافي واضح في إغراق أسواق العالم بالإنتاج التلفزيوني بأرخص الأسعار وبخاصة في مجال أفلام الكرتون الموجهة للأطفال وذلك حتى لا يقوم المسلمون والأمم الأخرى بإنتاج ما يناسبها ولتستمر الهيمنة الثقافية الغريبة فهم أيضاً يشجعون السينما المحلية التي تعد في غالبها امتداداً للغزو الثقافي الغربي.

هذه فرنسا العداء للإسلام (رؤية من الداخل)(*)


 

العنصرية في فرنسا تجاوزت كراهية العربي لتصبح كراهية الدين ..الإسلامي برمته , هذا ما كشفته كارولين فونين صحفية بمجلة 'باري ماتش' التي ارتدت الحجاب 21 يوما في مغامرة صحفية ونقلت تعليقات المجتمع التي بدأت 'بأهلا كارولين بن لادن' وفي أحد المطاعم سمعت تعليق 'هناك علاج لحشرات الرأس بدلا من المخنقة'.

إضافة لتعليقات قبيحة وان البعض صرخ في وجهها وكأنها تحمل مدفع كلاشينكوف .. وحكت أنها التقت بإحدى المسلمات وقالت لها إنها ارتدت الحجاب .. فقالت لها المسلمة لن تجدي عملا وستواجهين تعصبا في كل مكان بدءا من أماكن العمل حتى الأحزاب السياسية التي ترفض اشتراك المحجبات بها .. وقالت كارولين في مغامرتها انه كان يتم تفتيشي بدقة كما لو كنت خطرا علي الأمن وأنها لا تسمع إلا الشتائم والمعاكسات السخيفة.

والتعصب الفرنسي تجاه كل ما هو إسلامي كشفه أيضا فانسان جاير باحث فرنسي بمعهد الأبحاث والدراسات حول العالم العربي في كتاب عنوانه: 'موجة كراهية الإسلام علي الطريقة الفرنسية' وذكر فيه أن الإسلام هو الدين الثاني بعد الكاثوليكية وان كراهية الإسلام تنبع من خلاف تاريخي وإدراك عام بان الإسلام دين يسعى لكي يصبح فرنسيا .. وان العقلية الفرنسية تصر علي اعتبار المهاجرين حتى أبناء الجيل الثاني الذين ولدوا وتربوا في فرنسا ليسوا مواطنين فرنسيين ويعتبرونهم مسلمين من أصول عربية.

ويرصد الباحث الفرنسي 15 حادث اعتداء علي المساجد تراوحت بين إلقاء ألوان علي جدار المسجد إلي إشعال حرائق وإلقاء مواد حارقة وإرسال طرود مفخخة.ورصد الباحث أيضا قرارات محلية في بعض المدن منها قرار عمدة مدينة 'اومون' في الشمال بمنع المسلمين من إقامة احتفالات الزواج يوم السبت علي أساس أن هذا يوم كريم مخصص للفرنسيين الكاثوليك المؤمنين.

وفي مدينة 'ايفري' عارض العمدة قرار صاحب سوبر ماركت بعدم بيع الكحوليات ولحم الخنزير. ويضيف الباحث انه منذ أحداث سبتمبر زادت الإجراءات الأمنية حول المسلمين الذين يمارسون شعائرهم.

وحول المنظمات الإسلامية أصبح استدعاء المسئولين عن الاتحادات الإسلامية وأئمة المساجد أمام مراكز الاستخبارات مسألة دورية .. وهكذا أصبح الإسلام بالنسبة للمجتمع الفرنسي العدو الأول الذي يهدد الجمهورية.

ورصد جاير في كتابه عدة أفعال منها هدم صالة للصلاة .. ووصف المحجبات بالمريضات والأئمة بالأميين في بعض الكتابات.

وطرد وزير العدل الفرنسي دومنيل بيرفان عضوة في هيئة المحلفين في محكمة قرب باريس لارتدائها الحجاب وقال: إن الحجاب يتضمن جزئيا معني الانحياز .. وانه لا يريد وجود علامة علي الالتزام الديني بالمحاكم.

وأضاف إلي ما سبق ما نشرته بعض الصحف الفرنسية ضد الإسلام والمسلمين ووصل الأمر إلى تخصيص ملف داخل مجلة الاكسبريس بعنوان 'أموال الإسلام في فرنسا' وحمل الملف دعوة لتطويق الإسلام بالرقابة علي مصادر تمويل المساجد والجمعيات الخيرية رغم انه بموجب القانون الفرنسي لا يتم تمويل هذه المساجد من ميزانية فرنسا وتعتمد في تمويلها علي الدول الأصلية للمسلمين هناك.

أما الكاتب الفرنسي ميشيل هو لبيك فقد أثار مشاعر الغضب لدي المسلمين عندما قال لمجلة 'لير'إن الإسلام دين غباء وانه يصاب بالانهيار عند سماع القرآن'.

ولكن رغم هذا الحصار والهجوم علي الإسلام إلا أن هناك إقبالا من الفرنسيين علي اعتناق الإسلام .. قدرتهم مجلة 'لوفيجارو' ب50 ألف فرنسي .. وإقبالا شديدا علي شراء نسخ من المصحف الشريف والكتب الدينية التي تتناول الإسلام.

 



·                                                                                                              www.arabtimes.com
·                                                                                                               

أهكذا يكون رد الجميل يا فرنسا؟؟!



 
 

            يقولون  لماذا تستعدون الغرب على الإسلام ، ما هذه الكتابات التي لا هم لها إلاّ الحديث عن عداء الغرب للإسلام والمسلمين ؟ ونسأل هؤلاء هل يقرأون الصحف الغربية ؟هل يتابعون قضايا المسلمين في العالم الغربي ؟ فإذا كانوا لا يقرأون الصحف الغربية ولا يعرفون كيف يعامل المسلمون في العالم الغربي فها هي مقالة الأستاذ فهمي هويدي في مجلة المجلة (العدد 791في 9-15/4/1995) تتناول موضوع الإسلام والمسلمين في فرنسا ،وقد أوضع فيها مدى العنت والمشقة والحقد التي يواجهه المسلمون في هذا البلد الأوروبي المتحضر  المتقدم.

   وفيما يأتي إيجاز لبعض ما ذكره الأستاذ فهمي هويدي:

المسكين عمر: قتلت امرأة فرنسية ووجدت الشرطة  على جدار حديقة بيتها اسم عمر مكتوباً بالدم فعدت هذا دليلاً على ارتكابه للجريمة ، ولم تجد دليلاً سوى ذلك.وضرب القضاء الفرنسي عرض الحائط بكل معايير الحق والعدل وحقوق الإنسان فأدان عمر.ولكنه لم يدنه إلاّ لأنه مسلم .وليس عمر وحده المظلوم في سجون الغرب فقد سبقه سيد نصير وسرحان بشارة سرحان ..ومع ذلك فكم في شوارع الغرب من قتلة أطلق سراحهم لأنهم غير مسلمين وغير عرب... ولأن العدل ليس للجميع عند القوم فسيرون مزيداً من القتل والجريمة.

الحجاب والمدارس الإسلامية:

    وتلك قضية عجيبة حجاب امرأة أو اثنتين أو ثلاثة أو ثلاثة آلاف يهدد مجتمع فرنسا .ألا يهدد حجاب الراهبات النصرانيات فرنسا أيضا؟ ما ذا لو استيقظت فرنسا يوماً فوجدت أن كل المسلمات في فرنسا قد تحجبن وبخاصة اللاتي يتمتعن بالحصانة الدبلوماسية ،فهل ستطردهن جميعاً؟ماذا لو امتنعت كل البعثات الدبلوماسية عن المشاركة في المظاهر غير الإسلامية التي تشهدها فرنسا؟هل سيطرد الفرنسيون كل هؤلاء؟

    أما المدارس فكيف تسمح فرنسا لنفسها أن تأخذ من المسلمين المقيمين فيها إقامة شرعية الضرائب ثم لا تسمح لهم بإقامة مدارس خاصة لأبنائهم في حين أنها تسمح بفتح مدارس لأبناء اليهود والكاثوليك؟ فأي عدل هذا ؟ وأي مساواة هذه؟

   إن فرنسا التي تقف هذا الموقف تنسى أو تتناسى أو تتجاهل أنها احتلت الجزائر حوالي مئة وثلاثين سنة ، واحتلت تونس نيفا وسبعين سنة ،والمغرب قريبا من خمسين سنة، بالإضافة إلى احتلالها كثير من البلاد المسلمة في أفريقيا .فكم فرنسي أقام في هذه البلاد؟كم عدد الملايين الفرنسيين أو الأوروبيين الذين أقاموا في هذه البلاد نعموا بخيراتها ،وعلموا أبناءهم في هذه البلاد وبأموال المسلمين ،حتى إذا عمل الفرنسي في وظيفة مماثلة لوظيفة يعمل فيها ابن البلد المحتل نال الفرنسي مكافئة التغرب التي تصل إلى خمسة وعشرين في المئة.

   ولما احتاجت فرنسا إلى اليد العاملة المسلمة ، وإلى المقاتلين المسلمين فكم مليون مسلم خدموا في فرنسا يشغلون مصانعها ويديرون أعمالها ،وكم مليون مسلم حمل السلاح للدفاع عن حدود فرنسا (وشرف فرنسا)؟

   ولمّا حصلت البلاد الإسلامية على الاستقلال كم من الملايين أنفقها المسلمون لشراء البضائع الفرنسية التي أخذت خاماتها من البلاد الإسلامية؟ هل يخلو بلد مسلم من الأسلحة الفرنسية أو السيارات الفرنسية أو الملابس الفرنسية أو العطور الفرنسية. ومتى خلت شوارع مدن فرنسا وبخاصة شاطئها اللازوردي من السائحين العرب المسلمين الذين ينفقون بسخاء؟

    أ هكذا يكون رد الجميل يا فرنسا؟ أبناء المسلمين فتحت لهم فرنسا عشرات المدارس مثل (الليسيه والجوزويت ،وغيرهما) ليتعلموا بالفرنسية ويرطنوا بالفرنسية وينسوا لغة آبائهم وأجدادهم ، وقبل ذلك لغة قرآنهم ودينهم، وردد هؤلاء التلاميذ مع أساتذتهم:( بلادي هي بلاد الغال ، والغال أجدادي) وعرفوا عن الثورة الفرنسية اكثر مما عرفوا عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم . ودرّست بعض جامعاتنا باللغة الفرنسية، وافتتحت قبل سنوات جامعة سنجور لتكون الدراسة فيها بالفرنسية. أ هكذا يكون رد الجميل يا فرنسا؟

   ورغم  أن نداء الأستاذ فهمي هويدي (لماذا يقف العالم الإسلامي متفرجاً وساكتاً على ما يحدث للمسلمين في فرنسا) يحتاج إلى من يستجيب له وبسرعة، لكننا نرى أيضا مع التحقيق والمقابلات التي أجرتها " المسلمون"( العدد 532في 14/11/1415) أن الإسلام سيثبت جذوره في فرنسا أكثر فأكثر تصديقاً لموعود الله عز وجل الذي جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لن يبقى بيت حجر ولا مذر إلاّ وفيه شيء من لا إله إلاّ الله. فسيبقى الإسلام في فرنسا بإذن الله ويزداد عدد المسلمين وسينالون حقوقهم رضي من رضي كره من كره. {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.