الاثنين، 31 أكتوبر، 2016

من الذاكرة (المخرومة) ما أبشع الظلم


كانت الكلية بعد أن عدت إلى المدينة المنورة وأسندت الإشراف للدكتور محمد خليفة حسن أحمد وكان رجلاً طيباً ومشرفاً متميزاً علمياً وخُلُقيا. واشترطوا عليّ أن أكتب تعهداً بأن ألتزم النظام والطاعة، فما كان أمامي سوى التوقيع وكنت الوحيد الذي وقّعت مثل ذلك التعهد. وكان من طيبهم (هو حقّي) أنهم لم يحتسبوا المدة التي كُنتُ فيها منفياً إلى الرياض بقرار تعسفي (صدر القرار يوم 15 من الشهر وكان عليّ أن أكون في الرياض بعد يومين، فاضطررت للسفر إلى الرياض وبقيت أسرتي في المدينة المنورة وعانى أبنائي من ظلم القريب قبل البعيد. وفي ذات يوم كنت مسافراً إلى الرياض بسيارتي فصحبني في الطريق مهندس مصري (مهندس زراعي ولكنه تحوّل إلى مهندس طرق) فسألته حينما تسافر من يعتني بأسرتك؟ فقال نحن مجموعة من الأخوة المصريين (الإخوان) عندما يسافر أحدنا أو يغيب عن بيته لأي سبب يتكفل أحدنا بإيصال الأولاد إلى المدارس، ويتكفل آخر بمستلزمات البيت وآخر بالعلاج والمستشفى، فقال بارك الله في أخوتكم والله لإنها أفضل من بعض أخوة النسب والقرابة.
وحين طلبت تمديداً وافق القسم على التمديد مدة سنة لأنه كان التمديد الأول ولما انتقل الموضوع إلى مجلس الكلية استبد العميد وجعل السنة ثلاثة أشهر وهي أغرب مدة في الجامعات وليس هناك جهة يمكن أن تشكو لها فالجامعة هي الخصم والحكم، ولكنهم نسوا أحكم الحاكمين الذي لا يقبل الظلم. ولزيادة النكاية كتب لي وكيل الجامعة وهو صالح سعود العلي يخبرني أن هذا هو التمديد النهائي والأخير، يا الله كيف يتجرأ من درس الشريعة والفقه أن يكون وقحاً لهذه الدرجة ، فسابقت الزمن أو الساعة كما يقال مع أن المشرف سافر في إجازة إلى بلده (مصر) وذهب في رحلة علمية مع الطلاب إلى الرياض مدة أسبوعين فلم يبق من الثلاثة أشهر سوى شهران وأتممت كتابة الرسالة ولكن بقيت الطباعة أو النسخ.
حينما انتهت المهلة قال لي العميد العوفي انتهت مهلتك ولذلك عليك أن تتقدم بطلب الإذن لك بالطباعة ونكتب للرياض فقد يوافقون وقد لا يوافقوا، فقلت له ولماذا الرياض؟ ألا تستطيع أن تتخذ أنت القرار بالإذن دون استئذان الرياض، وهل من المنظقي أن أكون أمضيت ثماني سنوات وعند الطباعة قد لا توافقون؟ قال الأمر هكذا  وكأنّي غضبت من هذا التعنت، وربما رفعت صوتي غاضباً، ولكني في النهاية رضخت كما نرضخ دائماً وكما يرضخ الجميع ، فكتبت الاستجداء المطلوب (جامعات تكرس ثقافة الاستجداء والاستخذاء)، وبدأت الطباعة قبل الموافقة لأنهم إن لم يوافقوا فستكون كتاباً وإلّا ستصبح الرسالة التي أنال بها الدرجة.
بعد أن أودعت الفصل لدى ناسخ الآلة (يعمل في المعهد أو الكلية صباحاً) واسمه محمد مقلة (في التاريخ الإسلامي خطاط اسمه مقلة وشتان بين المقلتين)، رجعت له بعد أيام وكان بيته في حي السحمان في شمال المدينة المنورة وهو من الأحياء العشوائية التي أشبهها بقصور التيه لأنه إن جئت صباحاً واهتديت إلى ما تريد فلا تضمن أن تهتدي للمكان نفسه مساءً، وقبل أن أصل إليه أصاب السيارة عطب في إحدى العجلات فأكملت المشوار مشياً على أن أعود للسيارة مساءً فلم يكن لدي عجلة احتياطية.
فوجئت وهو يعيد إلي الفصل يعيد معه الفصل الثاني وما بعده معتذراً عن إتمام النسخ، فقد وصلت الخسة والدناءة ببعضهم في كلية الدعوة أن تآمروا مع الناسخ أن لا يُكمل النسخ، وربما تعهدوا له بمساعدة أو تجديد العقد ( وما أقبح المكر السيء ، وإنه ليحيق بأهله لا محالة)، فأخذت أوراقي وخرجت مهموماً حزيناً ، أين أجد ناسخاً يُكمل المشوار؟ فاهتديت إلى مكتب جديد أسسه عميد متقاعد من الجيش واسمه القرني فذهب إليه.
ونظراً لخبرتي بألاعيب النسّخ من تكثير الصفحات باختراع فقرات ليست في الأصل وتوسيع الهوامش حتى لا يبقى من الصفحة إلّا نصفها وربما لأقل، ولتكبير حجم الخط بطريقة سخيفة فقد اشترطت عليهم أن تكون الهوامش 2,5 من كل جهة وأن يكون البنط 15 وأن لا يزيد فقرة من عنده بل يلتزم بما هو مكتوب أمامه، فاتفقنا على أن الصفحة تُطبع ب 11 ريال ولكن بعد أيام اتصل بي العقيد القرني وقال نحن قررنا أن تكون الصفحة ب 15 ريال فإن قبلت وإلّا فخذ رسالتك. وعرف أنني مضطر فقبلت وقد كان عرضه مثل عرض المافياً تقبل أو يدنا على الزناد.
ومن الطريف أن القرني كان يستخدم برنامج ماكنتوش والناسخ الأول يستخدم الحاسوب الآي بي إم فخفت أن المناقشين لا يقبلون أو الكلية ترفض الرسالة لهذا السبب ولكنّ الله سلّم فلم يُدركوا الفرق في الخط بين الفصل الأول والفصول التالية.
ولم يكن التعامل مع مكتب النسخ بالسهل فصاحبه عقيد وعقليته عقلية عسكرية فكان علي أن أصبر وأتحمل حتى انتهيت من الطباعة وسلمتها في محرم 1414هجرية وكانت المناقشة في 4رمضان 1414هـ
وإلى حلقة أخرى من الذكريات


الأحد، 30 أكتوبر، 2016

القراءة الخاطئة لتاريخنا

بسم الله الرحمن الرحيم
                                     
عرضت إحدى القنوات الفضائية مسرحية هزلية للفنان المشهور دريد لحّام (غوّار) وقد جاء في بعض حواراتها أن ذكر أحد الممثلين التاريخ الإسلامي فجاء الرد على لسان الشخصية التي يمثلها دريد لحام بأن تاريخنا أسود مليء بالقتل والتعذيب. فقلت إن هذه مسرحية هزلية لا تستحق التعليق عليها، وأضفت ومن يأخذ بكلام الممثلين؟
 ومرت شهور فإذ بكاتبة تكتب في مجلة أسبوعية مشهورة تكتب عمّا سمته فضائع التاريخ العربي الإسلامي. فلم تختر من التاريخ الإسلامي سوى بعض صور الاضطهاد الفكري والاستبداد والظلم. وكتبت مقالتين في هذا الموضوع خصت الحجاج بن يوسف الثقفي بجزء كبير مما كتبت.
ودار حديث بيني وبين قريب لي عن التاريخ الإسلامي فقال لماذا كل هذا الفخر بالتاريخ الإسلامي فتاريخنا مليء بالأشياء المحزنة من قتل وتعذيب ومصادرة للرأي وتكميم للأفواه وهذا الإمام الفلاني وذاك الإمام وغيرهما تعرضوا لأنواع من التعذيب والعنت.
وبعد أن انتهت الكاتبة من سلسلة مقالاتها حول التاريخ الإسلامي إذ بها تبحث في تاريخ السود أو الشعراء السود البشرة فتكتب عن معاناتهم وما تعرضوا له من تمييز ضدهم. وكأنها تريد أن تقول إن ديننا برغم أنه ضد هذه العنصرية لكن واقع الأمة الإسلامية لم يخل من هذه الصور. ولكن لماذا لم تختر من تاريخنا الإسلامي إلاّ بعض الصور الشاذة للتمييز ضد السود؟
فتعجبت لماذا يكون التفكير في التاريخ الإسلامي بهذه الصورة العجيبة أي اختيار البقع السوداء في هذا التاريخ وتسليط الأضواء عليها وكأنه ليس في التاريخ الإسلامي إلاّ هذه البقع السوداء. وأقول ابتداءً ليس المقصود من هذه المقالة الدفاع عن تاريخنا الإسلامي ولكن ألم يجد هؤلاء في تاريخنا سوى هذه البقع السوداء المظلمة؟ ألم يجد هؤلاء في تاريخنا قادة عظام وأبطال يحق لهذه الأمة أن تفتخر بهم وأن تسعى إلى الاقتداء بهم.
لا شك أن في واقعنا المعاصر من السلبيات ما يمكن أن يشغلنا عن صرف الوقت في الحديث عن الماضي؟ وهل الحديث عن الماضي هروباً من الحديث عن الواقع؟ ولكن حتى لو كان هذا صحيحاً فالأولى أن ننظر إلى تاريخنا بمنظار منصف حتى لو كرهنا بعض الوقائع التي حدثت في هذا التاريخ ففيه أيضاً ما يجعلنا نفخر بين الأمم بهذا التاريخ.
ومن طبيعة الباحث في التاريخ أن ينظر إلى الصورة الكلية الشاملة بالإضافة إلى النظر إلى الجزئيات. فهذه الأمة التي أصبحت العالم الأول ستة قرون لم يشاركها في الأولية أحد (كما كان يقول الشيخ الغزالي رحمه الله) ثم استمرت عالماً أولاً أربعة قرون أخرى شاركتها أمم أخرى. كيف تسنى لها أن تصل إلى هذا الوضع؟
وللإجابة عن هذا السؤال أقول إن الإنسان المسلم الذي بنى تلك الحضارة العظيمة التي لا تزال آثارها شاهدة على عظمة هذا الإنسان قد حقق أولاً كرامته الإنسانية التي جاء الإسلام لتحقيقها. ولولا تلك الكرامة لما استطاع أن يبدع ويبتكر. وهذا يذكرني بمقالة للدكتورة عزيزة المانع حول الكرامة بأن الذي يفتقد الكرامة لا يمكن أن يفعل شيئاً ذا بال. أما الأمر الثاني الذي يأتي مع الكرامة فإن المسلمين قد حققوا قدراً  كبيراً من الحرية الفكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية ساعدتهم على الإبداع والعمل المنظم.
أما الأمر الثالث فإن هذه الأمة كانت أمة علم بحق وقد كان للعلم والعلماء مكانة سامقة فقد قرّبهم الخلفاء والأمراء والولاة وتسابق الحكّام في دعم العلم والعلماء وكتب التاريخ شاهدة على ذلك. فمن أهم شروط الإبداع في العلم أن تحفظ كرامة الإنسان ثم أن يعيش حياة مطمئنة هانئة. ثم أن يجد التشجيع والمكافأة، وأخبار المكافآت والجوائز في التاريخ الإسلامي لا تتسع لها الكتب. أما نحن في عصرنا الحاضر فإن ما ينفق على البحث العلمي والكتاب والتأليف في العالم العربي الإسلامي لا يساوي ما ننفقه على أنواع من الملاهي كالغناء والرياضة وغيرها. بل إن ما تنفقه شركات السيارات في إعلاناتها أو ما تنفقه حتى شركات المنظفات والورق الصحي (ومنه حفائظ الأطفال) يمكن أن ينفق على عدة جامعات.
إن تاريخنا مضيء - والله مضيء - مهما كانت لحظات العتمة فيه. ولو لم يكن مضيئاً حقاً لما كنّا سادة الدنيا وملكناها بحق ويرحم الله الشاعر
ملكنا فكان العدل منّا سجية           ولمّا ملكتم سال بالدم أبطح
فهل يرعوي الذين يشوهون تاريخنا الإسلامي؟
وأخيراً أحب أن أذكر أبيات من الشعر سمعتها من والدي رحمه الله من قصيدة للشريف الرضى (تفخر أمريكا وروسيا بأنها تملك طعام العالم) ونسوا أننا كنّا فعلاً نملك ما نُطعم العالم أو نجيعه وهذه الأبيات
مَلَكْنَا مَقْطَعَ الرّزْقِ                   
                   فَأفقَرنَا، وَأغْنَيْنَا
وحزنا طاعة الدهر                   
                   فأغضبنا وأرضينا
مَتَى لمْ يُطِعِ الجُودُ                   
                   سَخَوْنا، أوْ تَسَاخَينَا




التغريب مشروع كبير بدأ قبل التويجري والقصيبي


مبدع هو الشيخ إبراهيم السكران دائماً في مطولاته التي تشبه المعلقات بروعتها وجمالها ودقة وصفها وحلاوة عباراتها. وكتاباته هي البلسم الشافي وفي الوقت نفسه ينكأ جروحاً لم تندمل وما كان لها أن تندمل وفي الأمة مرجفون وطابور خامس وربما سادس وسابع. قدم الشيخ إبراهيم تحليلاً جميلاً لحملة التغريب الشرسة التي جعل بطلاها التويجري والقصيبي موضحاً الأساليب التي انتهجاها في توجيه البلاد نحو التغريب والعلمنة. وكان صادقاً مصيباً فكما يقال وما يوم حليمة بسر.
ولكن ربما غاب عن الشيخ إبراهيم أن التغريب أقدم من الرجلين بكثير بل ربما سبق ولادتهما أو جاء بعد ذلك بقليل. وسأبدأ بالمراحل الأولى من عهد الملك عبد العزيز رحمه الله حيث استعان بمستشارين في كافة المجالات من البلاد العربية المجاورة ممن سبقنا في مشوار التغريب أو ما يزعم أنه التحديث والنهضة. وكان بعض هؤلاء المستشارين ممن درس في أوروبا وأمريكا، ولا ننسى أن الغربيين لم يكونوا بعيدين عن جلالته فهاهي وثائق أرامكو تؤكد الزيارات المتكررة لشخصيات أمريكية للملك لاقتراح برامج تعليمية مختلفة. وكان بعض هذه الشخصيات إما قسسا أو رجال تعليم أمريكان وإنجليز.
وبدأت الخطوات الأولى في التحاق عدد من أبناء المملكة بالمدارس الأجنبية في الدول المجاورة ومنها كلية فيكتوريا بالإسكندرية بمصر والتي كان هدفها كما يقول موقع ويكيبيديا "رفع مستوى التعليم الإمبريالي وتحريره من تأثيرات المدرسة المختلفة مثل المدارس العامة والمدارس الدينية وغيرها من أنظمة التعليم، وكذلك التحرر من تأثير المدارس اليسوعية الموجودة في كل مكان والتي كانت تزعج وزارة الخارجية البريطانية. وكان من بين المنتسبين للكلية البارزين بعض الشخصيات الدولية من الأقلية اليهودية في مصر. وقد درس في هذه المدرسة من أبناء المملكة المشهورين الذين أشارت لهم الموسوعة: عدنان خاشقجي (كان والده طبيب الملك عبد العزيز) وكمال أدهم وغسان شاكر. وقد لاحظت أنه درس في الكلية من أبناء المملكة من كافة المناطق من نجد الإخوان محمد الفوزان (من كبار موظفي الخطوط السعودية) وأخوه خالد (وزارة الإعلام –جدة) ودرس فيها من أبناء المغلوث من المنطقة الشرقية ومن أبناء مكة ومن المدينة المنورة. ولهؤلاء رابطة قوية فمازالوا يجتمعون على الرغم من أن بعضهم تجاوز الستين من العمر (بعض توفي) كما ذكر لي الشيخ أحمد الحمدان.
وبالإضافة إلى فيكتوريا فهناك الكلية الدولية في بيروت التي انطلقت من إزمير ثم انتقلت إلى بيروت وقد درس فيها العديد من الشخصيات البارزة في المملكة العربية السعودية وبعضهم قد وصل إلى منصب الوزارة مثل الوزير الحالي على النعيمي. وقد كانت الصلة قوية بين أرامكو وهذه الكلية أو المدرسة الثانوية. وثمة ملاحظة ربما تكون ثانوية أن بعض من التحق بهذه الكلية لا بد أن يكون لذلك تأثير في أولاده وبناته من الناحية الدراسية أو حتى الزواج والعلاقات الاجتماعية.
ومع الدراسة الثانوية في هذه المدارس فقد انطلقت البعثات في وقت لم يزد عدد خريجي الثانوية العامة على ألف خريج كما كان الحال عام1388هـ (1968م) وكانت هذه البعثات إلى مصر وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وقد أسهمت أرامكو في دعم هذه البعثات وتمويلها حتى إنه في عام 1387وما قبلها كانت البعثات تقدم للناجحين في الثانوية العامة ممن لم تتجاوز نسبة نجاحهم السبعين في المائة (صحيح كانت الدرجات عزيزة في تلك الأيام) ومع ذلك فقد سافر كما يقولون (من هبّ ودب)
والبعثات وما أدراك ما البعثات مصدر تغريب خطير، فاذكر أن مدرسة اللغة في لوس أنجلوس (ولا بد أن الأمر كذلك في المدن الأخرى) كلفت منصّراً أن يستقبلني في المطار ويرتب أمور السكن ومعاملاتي مع البنك (أول مرة في حياتي أدخل بنكاً) بل إن أحد هؤلاء المنصّرين عرض علي السكنى في بيته (مكثت عنده شهرين فقط وخرجت من عنده بعد خلاف على قضية فلسطين وأكد لي أنه لا يعترف برسولنا صلى الله عليه وسلم ولا يعترف بالإسلام)  أما ما يحدث في أثناء الدراسة والحياة في أمريكا من التغريب ، فقد بلغ أحد الطلاب المبتعثين في تلك الأيام أن أخته خطبت فكان يقول لزملائه الأمريكان إن والده قد باع أخته، وكان معظم الطلاب أو الغالبية العظمى تخدعهم مظاهر الحياة في أمريكا أو أوروبا كما فعلت برفعت رفاعة الطهطاوي قبل مائتي سنة حيث امتدح الرقص وخروج النساء. وكأن الطهطاوي لم يقرأ أسامة بن منقذ في كتابه (الاعتبار) الذي تحدث فيه عن انعدام الغيرة لدي رجال الغرب على نسائهم. وقد سرت هذه المصيبة إلى بعض العرب ومنهم السعوديين الذين تزوجوا بالأمريكيات، فكانت زوجة أحدهم تجلس أمام زملائه وهي مرتدية البنطلون القصير جداً فلا يحس بأي حرج. وكان هذا الفاقد لغيرته قد أصابته لوثة الطعن في القرآن ووصفه بأنه مثل  الشعر الجاهلي والعياذ بالله.
وكان التغريب في البعثات في مجال التربية بخاصة حيث إن التربية كما يقولون هي شخصية الأمة. وجعلت دراسة التربية (يحتاج الأمر إلى شيء من التحقيق) من أسهل أنواع الدراسة فردد الطلاب المبتعثون طرفة أنك إن تخصصت في التربية فالشهادة مضمونة (Education: Congratulation) وقد كثرت البعثات في هذا المجال حتى إنه ثمة إحصائيات تقول إن عدد حملة الدكتوراه في التربية يفوقون كل التخصصات الأخرى. كما عقدت المؤتمرات المدعومة من مؤسسة فورد وكارنيجي وروكفلر في مجال التربية ودعي لها كبار المسؤولين من وزارات المعارف والتربية والتعليم العرب لعجم قنواتهم وتدجينهم وتكريس من يستطيعون منهم.
وجاءنا التغريب من طريقين آخرين أحدهما جيش المعلمين والمعلمات من الدول المجاورة فقد كان المعلمون والمعلمات مثقلين بحمل التغريب فنقلوه إلينا مع الدروس وفيما بين الدروس وفيما بعد الدروس. أذكر أستاذاً سورياً كان يدرسنا الترجمة واللغة الإنجليزية يعطينا دروساً إضافية يمضي بعض الوقت فيها ليحدثنا عن القومية (لم نكن نفقه كثيراً مما يقول) وأما الطريق الآخر فقد كانت المناهج التي استوردناها دون تدقيق أو تمحيص؛ فدرسنا الربا على أنه حلال زلال كما في كتاب الرياضيات للأول إعدادي عام 1382هـ حيث كانت بعض التمارين حول حساب الربح البسيط والربح المركب. أما في علم النفس وعلم الاجتماع فأستاذنا فرويد ودوركايم ومعهما داروين كان لهما الريادة في العلوم الاجتماعية وعلم النفس. وفي اللغة الإنجليزية كان على الطلاب دراسة كتاب (الإنسان ضد الطبيعة)Man Against Nature ومنها قصة بناء سد الكاريبي. وفي كتب اللغة الإنجليزية: السيدة فلانة قابعة في البيت ولا تعمل فهي تعيسة، وفلانة تعمل خارج البيت فهي سعيدة. وقصة المناهج والكتب يعرفها من عرف القس دنلوب الذي تولى منصب وزارة المعارف في مصر وأفسد التعليم أيما إفساد، فكرومر قال للمنصرين :" أنتم تزعجون المصريين وتثيرونهم ضدكم، ولكن سأخدمكم بقسيس يكون وزيراً للمعارف"، فكان دنلوب .
وجاءنا التغريب من الإذاعة وخطب جمال عبد الناصر التي كان الناس يتهافتون لسماعها لقدرته الكاريزمية على دغدغة مشاعر الجماهير المحبطة، فكان يخطب بالساعات حتى استطاع أن يهيمن على عقول كثير من الناس. وعلى الرغم من أن الله قيض الملك فيصل رحمه الله لمحاربة تيارات القومية والعلمانية والتغريب بجنود من أمثال أحمد محمد باشميل وغيره فإن التغريب استمر. ومع عبد الناصر الذي كان خدر الجماهير كانت تأتينا المجلات المصرية مختوم على غلافها (وصلت بالطائرة) وكانت تباع على بعد أمتار من المسجد النبوي الشريف في شارع العينية. ومن هذه المجلات "حوّاء"  و"الأسرة " الكويتية. وكانت المجلات اللبنانية تصل بالسر إلى عدد لا بأس منه غير التي تستطيع أن تهرب من الرقابة ومن هذه المجلات :الشبكة والموعد. وكان الإعلام يقوم بطمس بعض الأسطر أو الصور ويمزق بعض الصفحات ولكن ما كان يصلنا كان فيه من التغريب ما فيه. ولعل من أوسع أبواب التغريب كانت مجلة العربي الرصينة شكلاً وإخراجاً وبخاصة استطلاعات سليم زبال وأوسكار متري بالإضافة إلى الكلمات الافتتاحية لأحمد زكي ثم أحمد بهاء الدين ثم محمد الرميحي. فقد كانت هذه المجلة تهدف من اليوم الأول إلى إخراج المرأة وإلى الاختلاط وغير ذلك.وكان التغريب يصل عن طريق الكتب منها ما يمر بسهولة من الرقباء المساكين ومنها ما يمنع، وقد ابتدعت بعض المجلات التي تعرض الأفلام المصورة أن تخفف جرعة الصور من المجلات المصدّرة للسعودية أما الكلام عن العلاقات الغرامية الحرام فلا مانع منه.
ثم جاءنا التغريب في عهد التلفزيون الأبيض والأسود أو الأسود والأسود، وربما يذكر البعض برنامج سامي عودة (فيما أذكر) من كل بحر قطرة، وغيره من البرامج ، ألم يكن فيها تغريب. وفي تلك المرحلة كانت الأفلام تأتي من هوليود فتعرض في بيوت سرية، وما هي بالسرية حتى إن رئيس الجامعة الأمريكية بايارد يقول كان الشباب السعودي أو العربي يحاول تقليد أبطال هوليود على الرغم من أن الأمريكي اعترف بسوء تلك الأفلام.
وقبل عصر الفضائيات ظهرت الصحف العربية المهاجرة، فكانت كارثة أية كارثة فإحداها تسلمها رئيس تحرير محترف عرف كيف يأتينا بالتغريب ونحن لا نشعر، بل كان له في تلك الصحيفة صفحة دينية رائعة، ومع ذلك فإن التغريب يسري كالماء الذي يصفونه بأنه وإن كان راكداً فإنه يسير عميقا. والصحافة المهاجرة شجعت صحافتنا المحلية على الاستمرار في مجال التغريب. ولأنقلكم إلى التسعينيات من القرن الماضي حيث كان لكل صحيفة قسماً خاصاً بالمرأة وكان الغالب على تلك الصفحات السعي لنشر التغريب وإخراج المرأة والاختلاط. وأذكر من تحقيقات إحدى هذه الصحف عن الزواج المبكر ومخاطره، وما أشبه الليلة بالبارحة.
وأختم هذه المقالة بالإشارة إلى أربعة كتب رائعة لعلي إن شاء الله أقتبس لكم بعضاً مما جاء فيها وهي:
1-                  الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية لأبي الحسن الندوي وبخاصة في طبعاته  الأولى والثانية.
2-                  كيف ينظر المسلمون إلى الحجاز وجزيرة العرب: مشاعر وأحاسيس ودراسات وملاحظات. لأبي الحسن الندوي، كانت طبعته الثانية في دار الاعتصام بالقاهرة عام 1399هـ/1979م
3-                  الإسلام والحضارة الغربية، محمد محمد حسين
4-                  حصوننا مهددة من داخلها لمحمد محمد حسين وبخاصة الطبعة الأولى التي تناول فيها الحديث عن أرامكو، ولكن هذا الجزء حذف في الطبعات التالية.



من ملامح التغريب


كتب أخي الدكتور علي النملة حول مصطلح (التغريب) مشيرا الى انه مصطلح يحتاج الى مزيد من التوضيح والتحديد، وأرادت صحيفة عكاظ التي ظهر فيها مقال الدكتور النملة ان تسهم في توضيح المصطلح فسألت عددا من الكتاب وكان هذا المقال الذي لم ينشر هناك.
ليس التغريب سوى مظهر من مظاهر الغزو الفكري وقد أصدر الدكتور محمد عمارة قبل عدة سنوات كتابا بعنوان (الغزو الفكري وهم ام حقيقة) جاء في مقدمته ان الذين يقولون ان الغزو الفكري وهم هم أولئك الذين يزعمون أن الكون قد أصبح قرية كبيرة ووطنا واحدا، ونظرا للتقدم الهائل الذي حدث في مجال الاتصال مما يطلق عليه (ثورة الاتصال) جعل هؤلاء يزعمون ان العالم وطن واحد لحضارة واحدة هي (حضارة العصر) او (الحضارة العالمية) او الحضارة (الانسانية).
وقد جعل الدكتور عمارة كتابه ردا على هذه المزاعم بأن أوضح أن من سمات الحضارة الغربية العنصرية حيث يقول: (فالإنسان صاحب (الحقوق) في عرف الحضارة الغربية هو فقط الانسان الغربي الابيض).
ومن سمات الحضارة الغربية ايضا الاكراه على الدين او قهر الاخرين على ترك معتقداتهم السابقة فهذا تاريخ الغرب يشهد بذلك ومن الامثلة على هذا ما قام به شرلمان من فرض النصرانية على السكسون وذبح مئات الالوف من الاوروبيين لإكراههم على النصرانية حتى قال عمارة: "فهذه خصوصية غربية اعتمدت سبيل القهر والإكراه ه لتوحيد المعتقد والمذهب الديني".
        ومن هنا يجب ان يكون الحديث عن التغريب فمادام ان الغرب عنصري كما يشهد تاريخه الطويل، فالتغريب إنما هو محاولة صبغ الامم الاخرى بصبغة الغرب الغالب مع اليقين لدى الغرب ان الامم الاخرى لن تصل الى مستوى (الرجل الابيض) والتغريب موجه الى جميع مجالات الحياة من اجتماع وسياسة واقتصاد وثقافة وغيره.
 القديم حينما انطلقت الجيوش اليونانية لتحتل البلاد القريبة والبعيدة كان من اهم اعمال الاحتلال هو صبغ المستعمرات بالصبغة اليونانية بفرض اللغة اليونانية والثقافة اليونانية بما يسمى (التفريق).
وفي العصر الحديث انطلقت جيوش اوروبا تحتل البلاد وبأسلوب أكثر تطور وفعالية. فالجيش الفرنسي مثلا عندما احتل الجزائر وجد بلدا ينتشر فيه العلم بنسبة اعلى من نسبة التعليم في فرنسا ومع ذلك فقد زعمت فرنسا ان مشروعها كان بقصد تحضير هذه الشعوب. ولكن حالما استتبت الامور لفرنسا شرعت في محاربة التعليم الاسلامي فاستولت على الاوقاف واغلقت المدارس وهدمت كثيرا من المساجد ولم تسمح بالتعليم على نطاق واسع انما اختارت نسبة ضئيلة من الشعوب المحتلة لإدخالها في المدارس الفرنسية واطلقت فرنسا على هؤلاء (النخبة) او ( الصفوة) ومكنتهم من منابر التوجيه والسلطة والحكم ، حتى زعم مستشرق مشهور ان الحكام الغربيين اذا كانوا قد احدثوا ثقبا صغيرا في الحاجز بين الهوية الاسلامية والهوية الغربية الا ان المسؤولية الكبرى تقع على كاهل الحكام المتغربين ولكن المستشرق لا يحدثنا عن الذي أدى بهؤلاء الحكام الى هذه الحال ومن الذي مكن لهم.
وكان من أبرز منافذ التغريب الذي يمكن وصفه بانه فقدان الهوية العربية الاسلامية لصالح الغرب البعثات الدراسية وقد كان اولى البعثات الدراسية الى فرنسا وبخاصة بعد الثورة الفرنسية التي انتصرت فيها اللادينية وحطمت كثيرا من نفوذ الدين في النفوس. ولم يكن الابتعاث للتحصيل العلمي فقط فقد خطط الغرب ليكون وسيلة لمسخ شخصيات من استطاعوا من المبتعثين. وقد اثبتت الوثائق حرص الفرنسيين على ابهار المبتعثين والسيطرة على عقولهم واشباعها بما زعموا انه عظمة فرنسا. وحتى لما كانت البعثات للدراسات العلمية والعسكرية حرص الفرنسيون على ان يقرأ المبتعثون الادب الفرنسي ويتشبعوا بالفكر الغربي.
وعلى الرغم من مرور أكثر من قرن على بداية الابتعاث فانه لم يتوقف بل انه ازادا تدفقا في فترات من هذا القرن حتى أصبح الطلاب المسلمون يعدون بمئات الالوف في اوروبا وامريكا يخضع عدد كبير منهم للتغريب القسري حيث يذهبون الى الغرب وهم كالعجينة فيشكلهم اساتذتهم كما يشاؤون.
ولم يتوقف التغريب عند هذا الحد فقد دخل التغريب مجالات عديدة كالتربية والتعليم والحياة الاجتماعية وبخاصة الصلات الاجتماعية والبناء الاجتماعي ومسألة المرأة وهي من أخطر آثار التغريب ومن المجالات التي سيطر فيها التغريب النظم السياسية والحكم حتى ان مستشرقا سخر من برلمانات بعض الدول العربية حيث قال انها صدرت الى العالم العربي معلبة ولكن ليس معها ارشادات الاستعمال فكانت برلمانات ورقية. لقد نجح التغريب في تقسيم الامة الواحدة الى عشرات الاحزاب المتناحرة. لقد اخذنا كثيرا من المظاهر ولم نتعلم الجوهر ولعل هذا هو هدف التغريب كالغراب ال ذي اراد تقليد مشية الحمامة فنسي مشيته ولم يتعلم مشية الحمامة.
المقال (140) صحيفة "المدينة المنورة" العدد11424 في 2 صفر الخير 1415هـ الموافق

11 يوليو 1994م

السبت، 29 أكتوبر، 2016

ماذا لو كان لنا تقويم محايد للجامعات؟



دعيت قبل مدة من قبل المجلس الثقافي البريطاني في الرياض لحضور محاضرة عن تقويم الجامعات السعودية بالتعاون مع جهات بريطانية، وكان مما ذكره المحاضر أن وزارة التعليم العالي قد أنشأت هيئة أو إدارة لتقويم الجامعات وأن رئيسها الأعلى (انظروا غرامنا بالألقاب الرنّانة) هو وزير التعليم العالي (ولم ينس المحاضر أن يقول معالي ..) فسألته في نهاية المحاضرة كيف يكون وزير التعليم العالي هو رئيس الهيئة، فيكون هو المقوِّم والمقوَّم؟ إن تقويم الجامعات في كل دول العالم تقوم به جهات غير حكومية ومستقلة وخاصة. إن هذا بداية الفشل.
        وفي هذه الرحلة (برنامج الزائر الدولي للقادة حول التعليم العام والتعليم الديني) التقينا بشخصيات أمريكية تحدثت عن تقويم التعليم العالي واعتماد الجامعات في أمريكا، وكان اللقاء الأول في جامعة لويفيل بولاية كنتكي والثاني في مدينة بوسطن حيث التقينا بثلاث سيدات في مكتب خاص لتقويم الجامعات الأمريكية.
          وهذه الهيئة مستقلة وغير حكومية وغير ربحية وتحصل على التمويل من التبرعات ومما تدفعه الجامعات من رسوم للحصول على الاعتماد، ولا تظنوا أنهم إن دفعوا الرسوم كان التقويم في صالحهم،لا فإن هذه الجهة ترسل عدداً من الأشخاص من رؤساء جامعات وعمداء وأساتذة لهم باع في التعليم العالي وبعد الحصول على تدريب معين في عملية التعليم يقومون بالاطلاع على أوضاع تلك الجامعات ثم يقومون بزيارة ميدانية مدتها أربعة أيام لا يتقاضون فيها فلساً أحمر ولا أصفر غير تكاليف السفر والإقامة فيقابلون الأساتذة والطلاب والمسؤولين في تلك الجامعة ويطلعون على مجريات الأمور ويكتبون تقريرهم بعد نهاية الرحلة.
         والمطلوب من الجامعات أن تقوم بكتابة تقرير من مائة صفحة عن أوضاعها كل خمس سنوات، أما اللجنة يكون عملها كل عشر سنوات ولكنهم قد يحتاجون أحياناً للمتابعة أو السفر خلال العشر سنوات إذا جد جديد في تلك السنوات العشر أو بعد أن يطلعوا على تقرير الجامعة الذي تقوم نفسها فيه وهو تقرير الجودة كما يسمى.
          وأمريكا قد قسمت إلى عدة مقاطعات تتولى تقويم الجامعات في تلك المقاطعة كما تقوم بعض هذه المكاتب الإقليمية تقويم الجامعات الأمريكية في الخارج للحصول على الاعتماد الأكاديمي. وهناك ورش عمل مستمرة للاطلاع والتدريب على آخر المستجدات في عملية التقويم
      وفي أحد اللقاءات قلت لهم هل سمعتم أن الأستاذ يكون موجوداً أثناء تقويم الطلاب لهم، فتقول الأستاذة للطلاب لا شك أنكم ستكتبون عني كلاماً جيداً، ألست أستاذة جيدة، وربما أغرتهم بالعلامات أو غير ذلك، فقالوا إن مثل هذا الأمر لا يحدث في جامعاتنا، وهذه خيانة للأمانة من قبل الأستاذ.
          وهناك تفاصيل كثيرة في مسألة الاعتماد الأكاديمي سأذكرها إن شاء الله في تقرير أكتبه بعد أن يستقر بي المقام في الرياض أو المغرب أو بريطانيا إن شاء الله.
وأعود إلى جامعاتنا فهل يمكن أن تنشا في المملكة مؤسسة غير ربحية ومستقلة تقوم بتقويم جامعاتنا تطلع على كل صغيرة وكبيرة في الجامعات من تعاميم مدراء الجامعات إلى المناهج (الملفقة) لأنه لا يوجد لدينا كتاب جامعي للمواد المختلفة وتطلع على ما يقدمه الأساتذة من معرفة أو على اختبارات الطلاب أو غير ذلك، هل يمكن أن تطلع تلك اللجنة على ما يحصل عليه مدير الجامعة وكبار أعوانه من ميزانية الجامعة تخسف بالبحث العلمي لأن سفرات مدير الجامعة تستهلك ثلاثة أرباع ميزانية البحث العلمي؟
         وقريباً من هذه المؤسسة استمعت إلى تقرير في الإذاعة الأمريكية العامة Npr أن الكونجرس الأمريكي (مجلس ممثلي الشعب الأمريكي) لديه لجنة لمراقبة الجامعات الحكومية التي تنفق عليها الولايات والحكومة الفيدرالية فتبحث في نفقات الجامعات ورواتب الأساتذة والرسوم التي يدفعها الطلاب وتقدم نقدها للجامعات وأعتقد أن على الجامعات أن تأخذ به.


                                      بسم الله الرحمن الرحيم
                   التعليم العالمي: ندوات ومؤتمرات              
استضاف الأستاذ حمد القاضي في برنامجه التلفزيوني الدكتور عبد العزيز السبيل من جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وكان مما تحدث عنه الدكتور السبيل الندوات والمؤتمرات وأشار إلى الصعوبات الحالية التي تواجه أستاذ الجامعي السعودي في حضور المؤتمرات حيث إنه ثمة إجراءات تستغرق بعض الوقت مما يفوت على الأستاذ الجامعي حضور بعض هذه الندوات والمؤتمرات .
وكان الدكتور عبد العزيز السبيل قد كتب عدة حلقات في ملحق الأربعاء بصحيفة ” المدينة المنورة “ عن ضرورة قيام القطاع الخاص بدعم التعليم العالي وبخاصة في مجال البحث العلمي من إجراء البحوث والدراسات وحضور الندوات والمؤتمرات أو طباعة الكتب أو القيام برحلات علمية.
وما زال هذا الموضوع يشغلني حتى أخذت أبحث فيمن كتب عنه فإذ بمجلة عالم الفكر الكويتية قد خصت التعليم العالي في الوطن العربي بالحديث في أحد محوري العدد الذي صدر في  (يوليو/سبتمبر- أكتوبر /ديسمبر 1995م) وكتب الدكتور عدنان مصطفى تمهيداً لهذا المحور قال فيه عن أهمية التعليم العالي:" إذا كان العلم قلب الإنسانية فالجامعة تشكل نبض هذا القلب، ويبقى هذا النبض قائماً ما دمت المثل الأكاديمية والعربية الإسلامية منها خاصة تنظم حياة الحرم الجامعي وتزكي توقه لأفاق متطورة مطردة الانفتاح والاتساع نحو اعتماد متبادل بين البحث والتطوير العملي من جهة وتطبيق المعرفة الأصيلة حول مسائل بقاء ونماء المجتمع والطبيعة من حوله من جهة أخرى.")ص11) ولعل من أجمل ما كتب الدكتور عدنان قوله على أن المطلوب من الجامعات بعض الأمور منها:" استنهاض همة أعضاء هيئة التدريس ومن يعاونهم في البحث والتطوير لتفعيل دورهم في برامج التدريب والتعليم وذلك بشكل مواكب لمتابعتهم جهودهم البحثية والتطويرية، وليس ثمة ريب في أن تعليم المواضيع العلمية من قبل أساتذة لا يجرون أبحاثاً في المجالات التي يعلموا بها لا يقود إلى تكوني إجيال شابة دربة ذات خيال وفضول علميين متقدمين..." (ص12)
وقد لفت انتباهي عنوان البحث الأول في هذا المحور وهو ( مسألة الجامعات العربية: منظور القبور الحية) والشاهد في هذا العنوان قوله :" وإن حبا الله بعض أعضاء هيئة التدريس في حرم جامعي عربي ما بتمسك عازم بروحه البحثية العلمية، تبوء مجاهدته في تطوير معرفته بخيبات أمل عند رفوف مكتبات خالية من الدوريات المتتابعة، ولدى مخابر بدائية التجهيز، وتتعاظم مع عراقيل إدارية تحول بينه وبين المشاركة في الملتقيات العلمية داخل الوطن العربي أو خارجه، ومع انقضاء الزمن في هذا المقام، تتلاشى المقدرة البحثية" (ص22-23)
أما عن غياب الدوريات العلمية فحدث ولا حرج وحضور المؤتمرات يخضع في الجامعات العربية لمعايير كثيرة وإجراءات تصل أحياناً إلى أن يحتاج الإذن لإلقاء محاضرة إلى خمسة عشر خطاباً بين المسؤولين في الجامعة و الجهة الداعية. وتصل أحياناً الموافقة على حضور ندوة أو دورة علمية لا تتكلف فيها الجامعة شيئاً من الناحية المالية قبل أيام من انعقاد الدورة أو المؤتمر فلا يمكن للأستاذ حينئذ أن يعد بحثاً أو أن يستعد للحضور.
وقد كتب الأستاذ الدكتور محمد الطيب الساسي قبل أيام في جريدة " المدينة المنورة" عن الجامعات الألمانية وكليات العلوم الإنسانية وبخاصة مجال الدراسات الاستشراقية وما ينفق على هذه الكليات وأنها هي الأساس في الجامعات الغربية رغم أن المردود المادي المرجو من هذه الكليات لا يوازي الإنفاق عليها ولكن تلك الدول تعرف ما للفكر والفلسفة من أهمية في حياة الأمم والشعوب. فالعلماء هم الذين يقودون مسيرة الأمم.
وللأستاذ الدكتور محمد خضر عريف أكثر من مقالة تناولت البحث العلمي في مجال الدراسات الأدبية والإنسانية وقدم بعض الأدلة والبراهين على اهتمام الجامعات الغربية برصد مبالغ ضخمة للبحث في العلوم الإنسانية. والمقالات كثيرة حول الإنفاق على البحث العلمي في العالم العربي.
فما الحل إذن حتى يحتل التعليم العالي مكانته التي يستحقها في العالم العربي الإسلامي؟ لا شك أن مقالة واحدة أو مؤتمراً أو عدة مؤتمرات يمكن أن تحل هذه الإشكالية ولكنها خطوات في طريق الحل.
بعد أيام من كتابة الأسطر السابقة عن التعليم العالي والبحث العلمي وجدت أن الدكتور عبد الوهاب القحطاني قد كتب مقالة في جريدة الاقتصادية(21يونيو2000م) ذات عنوان معبّر هو  (الاستثمار المفقود في البحث والتطوير) ينتقد ضعف اهتمام القطاع الخاص بالبحث العلمي وقلة ما ينفقه هذا القطاع في هذا المجال. وقدم الكاتب الكريم بعض الأرقام والإحصائيات عن الإنفاق على البحث العلمي في العديد من الدول فجاءت الدول العربية والإسلامية من أقل الدول إنفاقاً في هذا المجال.
وكان مما قاله الدكتور عبد الوهاب :" والتفكير الصحيح للشركات السعودية يجب أن يشمل الاستثمار في البحث والتطوير لكونه أساسياً لمساعدتها في اختراق منتجات الأسواق الأجنبية التي تشتد فيها المنافسة..." ولئن كان هذا الحديث عن الإنفاق في البحوث العلمية الخاصة بالصناعة فإن من الحقائق المعروفة أن أكبر الشركات الصناعية في الغرب تدعم البحوث في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية. ومن الطريف أن شركة فوكس واجن للسيارات أسهمت في تمويل وضع معجم ألماني عربي.
وكتب الأستاذ فهد عامر الأحمدي في زاويته بهذه الجريدة يوم 13 ربيع الأول 1421 حول المنح الجامعية التي قدمها بيل جيتس (مؤسس شركة مايكروسوفت) وقال في نهاية مقالته " وفي المقابل قارن ذلك بما يحصل لدينا: الدولة وحدها تتحمل أعباء التعليم وجامعتنا ضاقت بالمتقدمين وشبابنا أغلقت في وجوههم أبواب العمل والدراسة ..كل هذا يحصل ولم نسمع بثري فكّر ببناء جامعة أو كلية متواضعة (حتى بغرض الربح)" وختم مقالته بقوله:" متى نسمع ببيل جيتس عربي الملامح؟ ومتى يستثمرون بغرض الربح؟" وما زلت أذكر من لوحة الإعلانات في جامعة برنستون عام 1408هـ   (1988م) إعلانات عن منح مقدمة من بعض شركات الاتصالات للدراسات العليا.
وما دامت وزارة الشؤون الإسلامية تواصل اهتمامها بتفعيل الوقف ولعلمي بأن كثيراً من الأوقاف تخص طلبة العلم، فليس طالب العلم المحتاج هو الذي لا يجد اللقمة واللقمتين ولكنه الذي لا يستطيع شراء جهاز حاسوب أو الاشتراك في الإنترنت أو حضور المؤتمرات والندوات، أو الاشتراك في الدوريات العلمية أو شراء الكتب. أليس من أبواب الصدقة على صاحب المهنة أن يعطى ثمن  أدواته؟
يقول الدكتور السبيل في مقالته في ملحق الأربعاء( 13جمادى الأولى 1417) :" يمثل البحث العلمي العمود الفقري لأي مؤسسة أكاديمية وترتبط بذلك بشكل مباشر المحاضرات والندوات والمؤتمرات، وتلك نشاطات تقوم بتنظيمها المؤسسة من جانب، وتحث منسوبيها على المشاركة في هذه الأنشطة حين تقوم مؤسسات أخرى بتنظيمها في الداخل والخارج" ثم تناول الدكتور السبيل بعض المشكلات التي تواجه حضور المؤتمرات والندوات العلمية وذكر منها أن الدعم المالي قد يتاح "لأشخاص دون آخرين في المؤسسة الواحدة. أما كيف فذلك أمر لا يفسره إلاّ الراسخون في العلم."
ومن المشكلات أيضاً أن بند المؤتمرات والندوات يكاد يكون خالياً من أول العام فلا يمكن للأستاذ أن يحصل على الانتداب المقرر له وفقاً للنظام إلاّ بعد عدة أعوام في بعض الجامعات. ويتساءل المرء كيف انتهى البند والسنة المالية لم تبدأ بعد؟ والذي يحضر مؤتمراً عالمياً يمثل كليته وجامعته والتعليم العالي والمملكة العربية السعودية فهو قد أدى عملاً كبيراً وقد حصل على ثقة المسؤولين في هذه الهيئات وغيرها وإن هذه الثقة وهذا العمل حتى يستمران فلا بد من بعض الإنفاق حتى يتمكن الأستاذ من حضور ندوات ومؤتمرات أخرى.وقد عرفت أستاذاً –وهناك غيره كثير-  وصل مرتبة الأستاذية ولم يحضر مؤتمراً واحداً قط في حياته العلمية خارج المملكة لأنه غير مستعد للإنفاق من جيبه الخاص في هذا السبيل. وهذا يذكرني بباحث من دولة صغيرة جداً جاء إلى مؤتمر وقد أعطي التذكرة ومبلغاً معيناً للإنفاق طيلة أيام المؤتمر.
ومن المشكلات أن يدعى الأستاذ الجامعي ليكون أستاذاّ زائراً في إحدى أرقى الجامعات في العالم أو في مركز بحوث مرموق فلا يجد حتى رداً بالرفض أو بالقبول وإن كان بالرفض فما المبرر لجامعة أن ترفض لأستاذ أن يعمل في جامعة راقية ليفيد ويفيد.
فهل نعطي البحث العلمي والمؤتمرات والندوات حقها من الاهتمام؟




يوم بلا تلفاز

         بسم الله الرحمن الرحيم

                         

يعد عالم الاجتماع والفيلسوف الأمريكي إيرك فرام من أبزر العلماء الغربيين الذين انتقدوا المجتمعات الغربية في العصر الحاضر. ومن بين أبرز كتبه ( المجتمع العاقل) Sane Society وقد تناول في هذا الكتاب تفكك الروابط الاجتماعية في المجتمعات الغربية. وتناول تأثير التلفزيون على التفكير وعلى السلوك. وقد قام بتجربة مع عدد من طلابه وهي أن يمتنعوا اختيارياً عن مشاهدة التلفزيون لعدد من الساعات. وكانت نتائج هذه التجربة عجيبة حيث ذكر البعض منهم أنهم وجدوا صعوبة كبيرة في تمضية الوقت الذي حُدّد للتجربة، بينما قال البعض الآخر أنهم أصيبوا بالملل والضجر . في حين أن الفريق الثالث وجد متعة في الامتناع عن التلفزيون وشغلوا وقتهم في القراءة وفي غير ذلك من الأعمال الاجتماعية المفيدة التي حُرموا منها بسبب الإدمان على التلفزيون.
وقد كتب الدكتور عبد القادر طاش ذات مرة عن مثل هذا الموضوع كما كتب عنه الأستاذ مشعل السديري وتساءل الكاتبان كيف تكون حياتنا بدون هذا الجهاز؟ هل يمكننا الاستغناء عنه؟ وهذا يعني أن هذا الموضوع يستحق الاهتمام والبحث فيه. فهل لدينا بحوث في اللغة العربية حول هذه القضايا؟
إنه سؤال خطير وقد قامت الدول التي اخترعت هذا الجهاز بعمل دراسات وإحصائيات لعدد الساعات التي يمضيها المواطن العادي من مختلف الأعمار أمام هذا الجهاز فكانت النتائج عجيبة . ومن هذه النتائج أن التلفزيون أخذ الكثير من الوقت الذي كان الناس يمضونه في القراءة، كما أثر تأثيراً مباشراً على العلاقات الاجتماعية المباشرة في الأسرة الواحدة ، كما أثر أيضاً على العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع. ففي الأسرة الصغيرة كم شاهدت منظر اجتماع الأسرة وتسمّرهم  (كالمسامير) أمام الشاشة الصغيرة وفي أثناء المسلسل يُمْنَعُ الكلامُ والحوار. ويعجبني أحياناً أن أضايق بعض هؤلاء المدمنين بإثارة أي موضوع فأسمع الصرخات من هنا وهناك نريد أن نشاهد المسلسل أو الفيلم. وهنا أصيح فيهم إن هذا التلفاز سيكون سبباً في تقطيع أواصر المحبة بين أفراد الأسرة ويباعد بينهم.
أما تأثر العلاقات الاجتماعية خارج نطاق الأسرة الصغيرة فقد كان هذا الموضوع محور محاضرة أو بحث رئيس جمعية العلوم السياسية الأمريكية في مؤتمرها السنوي الذي عقد قبل سنتين حيث ذكر أن الجيل الذي نشأ منذ بداية البث التلفزيوني قد فقد كثيراً من الحوافز والدوافع للعمل الاجتماعي والمشاركة في الأعمال الخيرية ، وكأنه يقول إن هذا الجيل فقد كثيراً من صفات الشهامة والنخوة. حيث أصبح هذا الجيل مدمناً على مشاهدة التلفزيون ولا يهمه أن يشارك في القضايا الاجتماعية.
ولعل من أخطر المجالات التي أثر فيها التلفزيون هو التأثير الفكري الثقافي حيث أصبح التلفزيون هو العامل الأساسي في توجيه أفكار الشعوب. فتعرض القضايا وتعرض الحلول ومن أخطر الأمور أن يتبنى المشاهد الرأي الذي يعرضه التلفزيون بأساليبه المختلفة حتى يعتقد أو يُخيّل له أن هذا الرأي رأيه. ويقول الرئيس علي عزت بيجوفيتش أن علم نفس الجماهير قد تطور تطوراً كبيراً حتى إن علماء الغرب وفلاسفته وحكماءه باتوا يخشون من دكتاتورية التلفزيون أكثر من خوفهم من الحكومات المستبدة.

ومهما كانت السلبيات لإدمان مشاهدة التلفزيون فإن بعض الأمريكيين وبخاصة من جيل التلفزيون أي جيل الخمسينيات- قد تمردوا على التلفزيون وقد تعرفت إلى بعضهم في أثناء دراستي في الولايات المتحدة في أواخر الستينيات الميلادية وأوائل السبعينيات. وإن كان عددهم قليل جداً حينذاك لكنني أعتقد أن عددهم قد ازداد. ومع ذلك فلا بد من البحث عن وسيلة للحد من إغراء التلفزيون والكسل الجسمي والفكري الذي يتسبب فيه هذا الجهاز. والله الموفق.

الأربعاء، 26 أكتوبر، 2016

عبد المؤمن نعمان والمواهب المدنية

                                بسم الله الرحمن الرحيم
                                   
للكلمة فرسانها الذين أبدعوا في هذا المجال فهم  أبناء بجدتها علماً وأدباً وإخلاصاً . والكلمة هذه هي التي جاء بها الأنبياء والرسل عن ربهم سبحانه وتعالى ، حتى كانت كلمة الرسول صلى الله عليه وسلم لعمه ( يا عمّاه قل كلمة أشفع لك بها عند الله ) وكانت الكلمة لا إله إلاّ الله محمد رسول الله.
وكان وما زال للمدينة المنورة نصيبها الوافر والحمد لله من فرسان الكلمة والعلم ومن هؤلاء عبد المؤمن نعمان الذي بدأ مشواراً مباركاً مع الكلمة المباركة المستضيئة بنور الإسلام والإيمان ، الكلمة التي يرجو صاحبها أن ينال بها رضوان الله سبحانه وتعالى ( نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله) فكم من مقالة دبجتها يراعة عبد المؤمن نعمان (رحمه الله) يدافع بها عن شرع الله سبحانه وتعالى في الوقت الذي ظهرت الأقلام في أماكن مختلفة من العالم الإسلامي تتحدث بلساننا وأسماؤهم أسماؤنا وهم كما وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم ( دعاة على أبواب جهنم).
وكم مقالة كتبها النعمان رحمه الله يرجو بها صلاح مجتمعه عندما يرى بعض العيوب الاجتماعية فينبري لها يطلب الإصلاح عملاً بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) لقد رأى النعمان رحمه الله وهو الذي كان يعمل في وزارة العدل أن أعداد النساء تتزايد يوماً بعد يوم وأن زواج الفتيات أخذ يتأخر فانبرى قلمه ليعالج هذه المشكلة بحثاً لها عن حل. وقد اجتهد أيما اجتهاد في تجلية القضية في سلسلة طويلة من المقالات لم يترك شاردة ولا ورادة في الموضوع حتى أشبعها بحثاً وتوضيحاً فكانت مقالاته عند البعض تشجيعاً للتعدد المشروع وهي إنما كانت بحثاً عن حل لمشكلة رآها تتفاقم يوماً بعد يوم.
وكان قلم النعمان رحمه الله يتصدى للقضايا الاجتماعية التي تخص بعض الإدارات الحكومية كالأمانة وإدارة الطرق والتجارة وغيرها. وكان يتناول هذه المسائل بأسلوب رصين بعيد عن النقد الجارح أو الانتقاص من قدر الآخرين بل كان هدفه سامياً يريد الإصلاح ما استطاع. فكانت مقالاته رحمه الله مثلاً عن دوار حي الأزهري وغيره من الموضوعات نموذجاً للكاتب المتجرد الذي لا يسعى وراء مصلحة شخصية ولا رغبة في تحقيق هدف مادي قريب.
وكان حبيبنا عبد المؤمن نعمان قريباً من الناس فقد كان حريصاً على ما يدور في المجتمع فلم يكن الكاتب الذي يكتب من برج عاجي عن قضايا نظرية بحتة ، فقد علمت أنه كان لأهل حي الزهري لقاء دورياً يحرص عليه النعمان رحمه الله ليسمع رأي الآخرين فيما يكتب بل ربما قرأ المقالة على بعض المقربين له قبل أن يرسلها للنشر أو يطلب إليهم أن يبينوا له عيبه – إن وجد .
ولئن ترجل النعمان رحمه الله وهو الرجل الذي كنت ترى في نحفه حقيقة الإنسان الذي لا يمكن للشحم والسمن أن يغزوه لاتقاد داخله بهموم أمته وبلاده حتى إنني أتمثل به بيتاً كان والدي رحمه الله يحب ترديده: ترى الرجل النحيل فتزدريه وفي أثوابه أسد هصور.
وإننا وإن ودّعنا عبد المؤمن نعمان ندعو له بالرحمة والمغفرة ونسأل الله أن يتقبله في الصالحين وأن يلهم أهله وذووه الصبر والسلوان وأن يأجرهم في مصيبتهم خيراً وأن يخلفهم بخير، فإن المدينة النبوية تزخر والحمد لله بالكفاءات والقدرات والمواهب التي تسنمت أعلى المناصب في بلادنا الحبيبة وأثبت الكفاءة والمقدرة في العلم وفي السياسة وفي الإدارة وفي الأدب والفن. وإنني لأرجو أن يلتف أصحاب المواهب حول أميرنا الجديد يكونون له عوناً في الأخذ بالمدينة المنورة لمواصلة الإنجازات الكبيرة التي بدأت في عهد أميرنا السابق الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز.
وإني أتقدم بهذه المقالة إلى سعادة رئيس مجل الإدارة والمدير العام وإلى  أخي سعادة رئيس التحرير أن يتقدما بدرع تذكاري لأهل الفقيد تقديراً لجهده الكريم طوال أكثر من عشرين سنة في الكتابة المتواصلة في هذه الجريدة والله الموفق.


الأربعاء، 19 أكتوبر، 2016

تغيير المهنة في منتصف العمر


كيف إذا قيل لك بعد أن أمضيت في مهنة من المهن مدة عشر سنوات أو اكثر وحققت فيها نجاحا يشهد به سجلك الوظيفي ويعترف به القريب والبعيد : إنك مدعو إلى تغيير مهنتك؟ كيف تتقبل مثل هذا الأمر؟ هل مثل هذه الفكرة خطرت لك ببال، أم تعدها من بنات الخيال؟
قبل عشرين سنة تقريبا كنتُ طالبا مبتعثا للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية تخصص الإدارة الصناعية، وما كنت حينها أعرف ما الإدارة الصناعية؟ ولكني علمت أن تغيير التخصص ليس بالأمر الصعب، ولعل من محاسن نظام الدراسة هناك أن الطالب يدرس في السنتين الأوليين مواد عامة من جميع التخصصات يطلقون عليها (متطلبات جامعة) وهناك مواد اختيارية أخرى حسب الكلية تعطي الطالب فرصة إضافية لاختيار التخصص المناسب.
المهم أنني  اخترت أن أدرس مادة علم النفس كمادة اختيارية رغم تخرجي في الثانوية في الفرع العلمي ولم أقرأ قبلها كتاب علم نفس واحد، ولكن التغيير الذي يطرأ على حياة الطالب عندما ينتقل من إحدى الدول النامية إلى العالم الجديد قد يجعل منه شخصا آخر، ولتأكيد اهتمامي بهذه المادة اشتركتُ بمجلة شهرية هي ((علم النفس اليوم)) (Psycology Today) وكنت أقرأ بعض الموضوعات حتى قرأت في يوم من الأيام مقالا أو دراسة بعنوان ((تغيير المهنة في منتصف العمر)) فتعجبت من الأمر حينئذ ولكني أم أعر الأمر اهتماما كبيرا فلا زلت في المرحلة الجامعية ولم أتوصل بعد إلى اختيار مهنة معينة فمالي إذن وتغيير المهنة؟!
    عدت من أمريكا بعد أن أمضيت خمس سنوات درست خلالها كل شيء ولاشيء! درست الكيمياء والفيزياء والرياضيات وعلم النفس والجغرافيا والأدب الإنجليزي. ولكني توصلت في نهاية المدة أن لافائدة من الاستمرار ونظرا لغياب الأستاذ الموجه والناصح الأمين فقد وقعت فريسة لصراع فكري بين طلب الشهادة أو طلب العلم، ودخلت سلك العمل الإداري بلاشهادة ولكن تجربة البحث عن وظيفة أقنعتني عمليا بضرورة الحصول على شهادة.
أعطيت وظيفتي كل طاقتي وفكري فقد كان الجو العام مشجعا على ذلك، فالعمل في الخطوط الجوية وبالذات في مجال النقل الجوي مجال واسع لتعلم قضايا كثيرة في القانون الدولي وفي الدبلوماسية وفي الرحلات والاتصال بشركات الطيران المختلفة. فالوظيفة نفسها جامعة.
لم يشغلني عملي الجديد عن طلب العلم والشهادة. ففي خلال أربع سنوات حصلت على الدرجة الجامعية في الآداب – قسم التاريخ-، وحرصت  على الانتقال للعمل معيدا في الجامعة لكني لم أحصل على الوظيفة لأسباب كثيرة ، فواصلت الدراسة منتسبا حتى حصلت على درجة الماجستير في المجال نفسه.
     وهنا فكرت جديا في الانتقال إلى العمل في الجامعة في وظيفة محاضر لأستطيع  مواصلة دراستي نحو الدكتوراه، وكان هذا الانتقال تغييرا في المهنة فعلا، وأول أوجه التغيير أنني  لم أعد مطالبا بالحضور يوميا من السابعة والنصف صباحا حتى الثالثة والنصف بعد الظهر ، ولكن أصبحت ساعات العمل تشمل النهار كله . ولا زلت أذكر أن أول محاضرة كُلِّفت بإلقائها كانت في التاريخ الإسلامي للمستوى الجامعي الثالث وكانت حول الخلافة الإسلامية، فرجعت إلى أكثر من خمسة مراجع لأفهم  الموضوع، وزيادة في الاهتمام اشتريت آلة تسجيل لأراجع نفسي بعد المحاضرة.
    ولكن هيبة الأمر أنستني آلة التسجيل وأنستني  كثيرا من المعلومات التي حفظتها بل أصبح موضوع المحاضرة في المرتبة الثانية بعد الحرص على أن أكون طبيعيا أثناء إلقاء المحاضرة، وأن أتكلم بلغة سليمة وأن أوزع نظراتي بين الطلاب، وغير ذلك مما يحتاجه المحاضر ليترك انطباعا جيدا لدى الطلاب، ومع مرور الأيام بدأت أعتاد الوظيفة الجديدة وإن كانت هيبة الوقوف أمام الطلاب لاتزول تماما وبخاصة إذا أراد المدرس أن يكون مجيدا في عمله.
وبدأت أنسجم في عملي الجديد كأنهني لم أُخلق إلّا لهذا العمل (التدريس والكتابة والتأليف) فما كدت  أستقر في عملي الجديد حتى شرعت في إعداد رسالته للماجستير للطباعة. ثم شرعت في تأليف آخر وكنت بعد صدور كتابي الأول أخشى أن يكون كما يقولون  -بيضة الديك- ولكن لم تمض أشهر حتى أعلنت صدور كتابه الثاني فالثالث والرابع.. وهكذا ففي خلال بضع سنوات أصدرت سبعة كتب، وحاضرت في النادي الأدبي في المدينة المنورة  وأجبت دعوات لندوات دولية عقدت في الخارج.
     ومن العوامل التي تؤدي إلى تغيير المهنة في منتصف العمر أن الميول الحقيقية والمواهب تحتاج زمنا لكي تظهر واضحة جلية، أو قد يجد المرء في وظيفته الحالية مصادمة لميوله ورغباته. أما مايؤخر تغيير المهنة لدى الكثيرين منا فهو الخوف من المستقبل ونقص الشجاعة في مواجهة المهنة الجديدة.
   وبعد هذه التجربة التي عرضتها هنا أقول: إن تغيير المهنة في منتصف ليس أمرا سيئا أو أمرا يجب أن نخشى وقوعه، بل إن هذا التغيير قد فتحا كبيرا يجد الانسان من خلاله نفسه ويطور مواهبه وقدراته، وقد يكون مجالا لأبواب من الرزق ماكانت لتفتح لولا هذا التغيير .
    وخلاصة القول أن المسلم مطالب بإتقان عمله وقد يصعب أحيانا أن يتقن الانسان عملا لايحبه. والمسلم مطالب أيضا أن يبتغي وجه الله عز وجل في  كل مايعمل ويدع حتى في مجال الوظيفة أو المهنة التي يختارها.
رمضان 1412هـ المجلة العربية ص107

العدد 176مارس ابريل 1992

من آفاق الكلمة الكارهون للحق وحرية الرأي

لقد رجعت إلى آيات  القرآن الكريم التي تتحدث عن بعض الانبياء وما دعوا أقوامهم إليه لعلي أكتشف مرض هذه النفوس التي كرهت الحق والصدق والصلاح والخير . وكأن هؤلاء الكتاب ظنوا انه ليس هناك من يدافع عن هؤلاء الأنبياء. بل وجدوا من يساعدهم على نشر عفنهم الفكري بدعوى حرية الرأي . او كما قيل ( من امن العقوبة استسهل الذنب)

يظهر بين الحين والآخر كتاب ليس لهم رصيد من الموهبة والعلم، أو لديهم الموهبة ولكنهم أصحاب تصورات منحرفة فيبحثون عن الشهرة من أقصر طريق، ومن هؤلاء (علاء حامد) صاحب رواية (مسافة في عقل رجل). وكانت هذه الرواية غاية في الإسفاف والدناءة بتهجمها على عقيدة الأمة الإسلامية وقيمها كما أشار إلى ذلك أساتذة افاضل من مثل الدكتور مصطفى عبدالواحد والدكتور عاصم حمدان وغيرهما.
ان علاء حامد وأشباهه حين يطعنون في سير الأنبياء الكرام صلوات الله وسلامه عليهم ، هل يفعلون ذلك عن جهل بهؤلاء الأنبياء؟ أم أنهم قرأوا سيرهم في الكتب المحرفة : التوراة والانجيل؟
لقد رجعت إلى آيات  القرآن الكريم التي تتحدث عن بعض الانبياء وما دعوا أقوامهم إليه لعلي أكتشف مرض هذه النفوس التي كرهت الحق والصدق والصلاح والخير . وكأن هؤلاء الكتاب ظنوا انه ليس هناك من يدافع عن هؤلاء الأنبياء. بل وجدوا من يساعدهم على نشر عفنهم الفكري بدعوى حرية الرأي . او كما قيل ( من امن العقوبة استسهل الذنب)
لقد دعا أبو الأنبياء ابراهيم عليه السلام قومه إلى ترك عبادة الأصنام فليس أكثر استخفافا بعقل الإنسان من أن يعبد أصناما لاتنفع ولاتضر ، أصناما صنعها بيديه ، فخاطب إبراهيم عليه السلام قومه موجها الحديث إلى أبيه برقة لايعرفها الكافرون(يا أبت لم تعبد مالايسمع ولايبصر ولايغني عنك شيئا) ومع الدعاء بالأسلوب الرقيق واجه طفهم وعنادهم بالعقل (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت .قال أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر والله لايهدي القوم الظالمين) .
وجاء شعيب عليه السلام يدعو قومه إلى التوحيد وإلى شرع الله عزوجل الذي يحرم التطفيف في المكيال والميزان ، ويحرم بخس الناس أشياءهم، ويحرم الإفساد في الأرض كما جاء في قوله تعالى (أوفوا الكيل والميزان ولاتبخسوا الناس أشياءهم ولاتفسدوا في الأرض بعد إصلاحها)
ألم تكن أمام علاء حامد وأشباهه هذه المفاسد في مجتمعاتنا المعاصرة فينبروا لمحاربتها ، أم هم راضون تماما عن واقعهم فلم يجدوا قضية يكتبون عنها سوى الاستهزاء بالأنبياء وشرائعهم؟
أما هود عليه السلام فقد وجد قومه غارقين في حياتهم المادية ، اهتموا ببناء القصور والمصانع ومظاهر الترف. والترف يقود إلى الظلم فكانوا ذوي بطش حتى قال الله فيهم (وإذا بطشتم بطشتم جبارين) غاية في القسوة والوحشية. أليس في المجتمعات المعاصرة من هذه المظاهر مايستحق الكتابة عنه؟ وحشية إسرائيل في قمع الانتفاضة ، وحشية بعض الأنظمة في التعامل مع فئات من مواطنيها كل ذنبهم أنهم يدعون إلى الله.
وكان قوم صالح عليه السلام على شاكلة عاد قوم هود فقد ورثوا حضارتهم وترفهم ، وكان من مظاهر ترفهم بناء القصور الشاهقة الباذخة في السهول وبناء البيوت في الجبال مما تعجز الآلات الحديثة عن القيام به. ولكنهم كانوا قوما مجرمين بل ان الجريمة اتخذت عندهم شكل العصابات المنظمة ( وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون) وهل خلت الارض ياعلاء وأشباهه من مئة رهط او اكثر يفسدون ولا يصلحون .. مخدرات..اغتصاب أموال..استبداد..طغيان..جندوا أقلامكم ايها الكتاب لمحاربة الرذيلة فلاخير في قلم لايدعو إلى الحق أو يحارب الباطل.
ومن أنبياء الله عزوجل داود عليه السلام فقد كان نبيا ملكا، وقد امره الله أن يحكم بين الناس بالحق (ياداود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولاتتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب)وهل سيحكم داود عليه السلام إلا بالحق!ولكن انظر إلى الوعيد الشديد لمن يضله الهوى عن سبيل الله . فهل انتشر العدل وانتفى الظلم من الأرض فلم يجد علاء مايكتب عنه؟
وهذا النبي الكريم كان صاحب صنعة، ألان الله له الحديد فكان يصنع الدروع فهل بالإمكان أن يوجه مثل هذا الكاتب طاقته وموهبته لدعوة أمته إلى أن تصبح قوية.
وان داود عليه السلام كان نبيا زاهدا شاكرا لأنعم الله عزوجل كان يصوم يوما ويفطر يوما ، فهل من دعوة إلى المتخمين في الأرض أن يقللوا من الشهوات.
لاشك أن الدروس والعبر التي يمكن أن نجنيها من حياة الأنبياء والمرسلين كثيرة جدا ، ولايمكن اجمالها في مقالة واحدة ولكنها دعوة إلى هذا الكاتب وأمثاله ممن لايعرف العقيدة الإسلامية أن يدرس القرآن الكريم دراسة علم ووعي وفهم، وليعلم أن الأنبياء الكرام عليهم السلام لايضيرهم أن يكتب هو وأشباههم مهما كتبوا، وليسكت الذين زعموا أنهم يدافعون عن حرية الرأي فليس من حرية الرأي الاستهزاء بمن دعا إلى الحق والهداية والنور.
وقفة:
مقالات الأستاذ الصحافي الكبير محمد صلاح الدين ( الفلك يدور) و( رؤية معاصرة) وغيرها، يكاد كل مقال منها يكون ملخصا لبحث أكاديمي رائع فهل يقوم الأستاذ الفاضل بجمعها في أكثر من كتاب. وحبذا لو تفضل الكاتب الفاضل بالتبرع ببعض مصادر معلوماته إلى أحد مراكز البحوث لتتسع دائرة الافادة منها ولتكون مرجعا للباحثين والدارسين.