السبت، 25 أكتوبر 2014

رائد التكريم(الأستاذ الدكتور محمد يعقوب تركستاني) يستحق التكريم


بسم الله الرحمن الرحيم

 

بدأت معرفتي بصاحب ملحق التراث أو (ألوان من التراث) منذ ثلاثين سنة أو يزيد، كنت أشترى عدد الخميس فقط من الجريدة وفي الأيام الأخرى أقرأ مقالة الأستاذ محمد صلاح الدين في أي متجر. وشاء الله عز وجل أن أبعث مقالة إلى إلى الملحق في جدة فأجد أن صاحب الملحق يعيش في المدينة ولا يفصلني عنه سوى بضعة شوارع وحارات. فتوطدت الصلة بيني وبينه وأصبحت كاتباً شبه رسمي في ملحق التراث. أخذ بيدي من كاتب متعلم متدرب إلى أن دعيت من قبل الأستاذ جمال خاشقجي للكتابة في صفحة الرأي مع الاستمرار في الكتابة لملحق الترات حتى أصبحت كاتباً  محترفاً.

فأنا هنا أعترف أنني تلميذ من تلاميذ ملحق التراث قراءة ثم كتابة. فكيف كانت هذه السنوات التي تشرفت فيها بالتعامل مع سعادة الأستاذ الكبير الدكتور محمد يعقوب تركستاني؟ أولاً كان يهتم بك كأنك صديقه الأوحد يفتح لك قلبه وبيته وذهنه وجوارحه. يسبق تشجيعه نقده. يستجيب للاقتراحات ويبادر أحياناً كثيرة في اقتراح موضوعات. وقد يدور الحديث عبر الهاتف حول أي موضوع فما أسرع ما يطلبك أن تكتب ما قلت ولا تكاد ترسل المادة حتى تجدها منشورة في صفحات الملحق.

أما عمله في الملحق فقد شهدت بعضه من الاهتمام بالمادة العلمية يصلحها لغوياً ويضبطها بالشكل  ويكتب العناوين بخطه الجميل وينسق الصفحة وكنت أسمع بعض المصطلحات منه فلا أفهمها ومن ذلك كلمة (السلخ) و(الماكيت) وغير ذلك.

ومن أجمل ما شدني إلى شخصية أبي فهر حرصه على تكريم الأعلام والاحتفاء بهم فكم من مرة طلب إلي أن أكتب معه في تكريم شخصية ما، ولا يعرف أقدار الكبار إلاً الكبار فيالك من إنسان عظيم يا أبا فهر. وأبو فهر إذا طلب لا بد أن تستجيب فدماثة خلقه وصوته المنخفض الذي قد يتعبك أحيانا يجعلك لا تملك إلاً أن تستجيب فلله درك يا أبا فهر من شخصية رائعة وقيادية وحكيمة.

أما علمه في مجال اللغة وكناشته فيعترف الجميع بعلو كعبه في علم اللغة فهو عالم كبير متبتل في محراب اللغة يحرص عليها. وأضيف إن الملحق حينما طبع في مجلدات كان من أكثر إنتاج مؤسسة المدينة توزيعاً وقبولاً وانتشاراً. فهينئا لك حب الناس وتقديرهم واحترامهم.

تجربتي في البحث العلمي مرحلة الدكتوراه -وعهد تولّى


(1)

 
راودتني فكرة الكتابة عن تجربتي في المعهد العالي للدعوة الإسلامية (كلية الدعوة) فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مرات عديدة (جامعة طيبة الآن)، ولكنّي كنت أصرف هذه الفكرة على أنها نوع من الكتابة عن النفس وربما كان فيها شبهة تزكية النفس أو الحديث عن الابتلاء الذي تعرضت له. وكنت أعتقد أن من انتسب إلى العلم عليه أن يبتعد عن كتابة ما مر به من مآسي أو ابتلاءات ويتركها لغيره ليكتبها.

ولكني فكرت في المسألة من جهة أخرى أنه لم يقيض لي من التلاميذ أو الزملاء الذين عاشوا التجربة بتفاصيلها وعرفوا ما مررت به بدقة، كما أن هذه المرحلة تدل على صورة من صور الاضطهاد الفكري الذي يمارسه بعض المسؤولين ضد مرؤوسيهم، وهي صورة لكيفية ضياع الأعمار والأوقات والأزمان والطاقات فيما لا فائدة منه في الوقت والذي كان من الممكن أن يستفاد في مصلحة الأمة الإسلامية التي يزعم البعض أنه حريص عليها، وأنه ملهم في معرفة هذه المصلحة، وأن كل ما يقومون به إنما يريدون به المصلحة العامة التي قال عنها أحدهم أنها أصبحت مشجباً لكل عمل نريد تنفيذه. ويزعمون أيضاً أنهم يدينون الله عز وجل بهذه التصرفات رغم ما فيها من مخالفة حقيقية لدين الله ولو اجتمعت الناس كلها على تخطئتهم فهم على صواب وصواب مطلق.

بعد أشهر من حصولي على درجة الماجستير من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة (صفر 1406هـ) علمت أنه يوجد قسم لدراسة الاستشراق بالمعهد العالي للدعوة الإسلامية بالمدينة المنورة ويمنح درجتي الماجستير والدكتوراه ويمكنني الالتحاق به للحصول على الدكتوراه. فتقدمت إلى المعهد بخطاب رسمي من قسم التاريخ يفيد حصولي على المؤهل وأجريت لي المقابلة الشخصية التي لم أكن أعلم أنها مقابلة شخصية حيث اجتمع رئيس القسم ومدير المعهد وأحد أساتذة القسم المقربين لمدير المعهد وأحد المحاضرين في القسم. فكانت جلسة ودية تبادلنا فيها الحديث وكنت أُسأل وأجيب دون علمي أنها مقابلة. ومرت بسلام حيث قرروا أنني أصلح لهم. أما من جانبي فقد كنت أتوق للانتقال إلى المدينة المنورة والعيش فيها وكذلك كنت أتطلع إلى إكمال دراستي والحصول على الدكتوراه. وكنت أتخيل أنني سأعيش جواً إسلاميا تسود فيه المحبة والإخوة والأمانة والصدق، أعيش في جو قريب لعهد الصحابة رضوان الله عليهم. وبخاصة أنني كنت أسمع الكلام الجميل، والعمل للإسلام ولصالح الأمة الإسلامية.

بدأت إجراءات نقل خدماتي من الخطوط السعودية التي عملت فيها أكثر من اثنتي عشرة سنة وصلت فيها إلى وظيفة مدير الاتفاقيات الثنائية، وكنت أشغل هذه الوظيفة منذ شعبان 1402حتى 26رجب 1406هـ. وكانت إجراءات النقل طويلة نوعاً ما مما سبب لي آلاماً حول العينين (انقباضات) فراجعت الطبيب فوصف لي دواءً مهدئاً فلما قرأت نشرة الدواء تعجبت أنني مصاب بمرض نفسي أو بالأرق والقلق فتناولت الدواء لبضعة أيام، ثم لمّا علمت أن الأوراق قد وُقّعت انتهت الأعراض التي كنت أشكو منها فتوقفت عن تناول الدواء.

وكان ينبغي في أثناء الإجراءات أن أزور الرياض وأوقع بعض الأوراق فسألت عن الراتب الذي سأتقاضاه فقال لي مدير شؤون الموظفين (عبد الله الشايع) وبعامية قد تعرفون مقصدها (حِنّا نِبي نعطيك المربوط الأول) أي ستة آلاف وستمائة وخمسة وعشرين ريالاً وهو المربوط الأول لدرجة محاضر. فذهبت إلى ديوان الخدمة المدنية فحسبوا خدمتي قبل الحصول على المؤهل فقيل لي إنك لا تستحق في الدولة أكثر من المرتبة التاسعة التي لا يتجاوز راتبها هذا الراتب. فقلت ألا تراعوا أنني أتقاضى في الخطوط السعودية ثلاثة عشر ألفاً وثمانمائة وستين ريالاً بالإضافة إلى راتب إضافي في شهر شعبان من كل عام وكذلك ثمانية عشر ألف ريال بدل سكن بالإضافة إلى العلاج المجاني في المستشفيات الخاصة والتخفيضات في السفر وغير ذلك. قالوا ليس عندنا أي تعديل على الراتب فإما أن تقبل أو ترفض. وحاولت الاتصال بمدير المعهد فلم أجده، واتصلت بوالدي فلم أجده كذلك، فقبلت الوظيفة وعندما عدت إلى المدينة المنورة  قال لي والدي رحمه الله ما قمت به هو الصحيح وكان عليك أن تقبل حتى لو كان راتبك الجديد ربع راتبك القديم. والحمد لله أنني قبلت. ولكن أحدهم انتقل إلى المعهد وكان مدرسا في مدرسة متوسطة فجاء قرار تعيينه مع مراعاة إعطائه مربوطا اعلي لمعادلة راتبه السابق، فكان هذا أول ظلم أشاهده في جامعة إسلامية.

وبدأت العمل في الصيف حيث طلب منّي تقديم دورة في اللغة الإنجليزية لبعض المعيدين والمحاضرين، وكذلك المراقبة في الامتحانات. ثم بدأنا دورة مكثفة في اللغة العربية مع الدكتور أحمد الخراط وكانت ثلاثة ساعات كل يوم أحد واستمرت هذه الدورة أربعة أشهر حصلت في نهايتها على 78من مائة. وتلقيت خطاب شكر من مدير المعهد (كنّا ما نزال في شهر العسل)

 ثم بدأت السنة الدراسية حيث طلب منّي تدريس بعض المواد والإعداد لخطة بحث للدكتوراه في الاستشراق. ولمّا كانت رسالتي للماجستير بعنوان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية 1348-1359هـ الموافق 1931-1939م. فكان من الطبيعي أن يكون بحث الدكتوراه امتداداً لهذا الموضوع أو قريباً منه حيث إن الفكرة في الدكتوراه أن يتعمق الباحث في موضوع بحثه للماجستير. واخترت الاستشراق الفرنسي وأثره في الحياة الفكرية أو الصراع الفكري في المغرب العربي بين الحربين العالميتين وبدأت المراسلات مع العديد من الجهات في كل أنحاء العالم  العربي ممن أتوقع أنه يعرف شيئاً عن الموضوع.

وطلب منّي أن أقيم حلقة بحث حول الموضوع أقدمه أمام أساتذة القسم وطلابه ومن يرغب من غيره من الأقسام. وبالفعل أقمت الحلقة وكان الحضور يتجاوز العشرين، وعرضت الموضوع وبدأت أتلقى الأسئلة والاستفسارات، وأرد عليها. وكان أحد الأساتذة فطيناً عرف من لهجة العميد أنه لا يرغب أن أكمل في هذا الموضوع، فقال لي بالحرف الواحد: "لو طلعت السما ونزلت الأرض لن يقبل  العميد هذا الموضوع. فقلت له ولكنه لم يصرح بذلك. قال يكفيك تلميحاته وأسئلته. قلت أنا هنا لا أتعامل إلاّ مع الكلام الصريح، أما أن رغبة العميد أو ابتسم العميد للموضوع أو لم يبتسم فليس لها حساب في البحث العلمي أو في العلاقة العلمية. فأنا لم آت هنا لإرضاء العميد ورغباته الشخصية إن كان عنده اعتراض علمي فليتقدم به وإلاّ فسأكمل المسيرة. وأثبتت الأيام أنني كنت مخطئاً.

وكوّن العميد لجنة لمتابعة كتابتي لخطة البحث، وفيما كان هذا الأمر جارياً كنت أواصل مسيرة البحث عن الاستشراق الفرنسي فبدأت المراسلات مع العديد من الباحثين في أنحاء العالم الإسلامية وكان ممن راسلتهم الدكتور نسيب نشّاوي - رحمه الله- (أستاذ الأدب  العربي في جامعة عنّابة بشرق الجزائر) لأنني قرأت له مقالة في مجلة الثقافة حول الصراع الفكري في الجزائر. فكتب يرد علي برسالة مؤرخة في 30/7/1987م الموافق 4/12/1407هـ وجاء فيها: "سرّني أن قرأت مقالتي (الحضارة العربية المعاصرة) ولكن الأجمل من هذا أنك تتابع كل شيء أن أنك تعيش روح العصر بهمة عالية ودأب لا تقدر عليه إلا النفوس العالية..وقد رأيت فيك هذه الصفات من خلال مطالعاتك ومعرفتك بآفاق الثقافة السائدة والتيارات الفكرية والاجتماعية.. وولعك في الولوج إليها، ولو كان الدرب شوكاً، وهذا شأن كبار المفكرين وأرجو الله أن يجعلك منهم، ففيك صفاتهم ومزاياهم وهمتهم، وعلى أمثالك تبنى الأمم وتتجدد الشعوب وتترسخ جذور حضارتها.

ومن الشخصيات العلمية البارزة الذين راسلتهم في الجزائر الدكتور عبد الله الركيبي الذي رحب بزيارتي للجزائر وأشار إلى أن الخطة لا بأس بها مبدئياً، وستصقل بزيادة القراءة وتعلم اللغة الفرنسية.

        وبقيت بين لجنة ولجنة وموعد واجتماع قسم، وقد صمدت صموداً قل من يصمده، وأخيراً اجتازت الخطة مجلس القسم وكان المفروض أن يطلب رئيس القسم من العميد أن يتصل بالجامعة لابتعاثي إلى فرنسا مدة ستة أشهر لدراسة اللغة وجمع المادة العلمية. ثم انتقلت الخطة إلى مجلس الكلية وكان الزمن رمضان والعميد أرسل للدعوة في  الخارج ، وناقش أعضاء مجلس المعهد الموضوع وأقروه ولكن كان بقي موضوع المشرف وهذا من صلاحيات العميد لأن العميد هو الوحيد الذي يفعل ذلك متجاوزاً صلاحيات مجلس القسم الذي من صلاحياته أن يختار المشرف، ولكن العميد هو المسؤول (ولا أزيد). ونظراً لغياب العميد فلم يدون في المحضر ما دار حول موضوعي.

        وعاد العميد بعد رمضان وتغيرت أمور فقد بلغه أنني وصفته بالمستبد الدكتاتور، وبدا له أن والدي يحتاجني لخدمته (مؤامرة دبرت بليل) فأخبرت أبي بالأمر فجاء إلى العميد ليخبره أنه ليس بحاجتي وأنه لا يمكن أن يقف في طريق ابنه العلمي. فقال له العميد مازن يقول عنّي مستبد دكتاتور. قال له أنت الرئيس وهو المرؤوس وقد قال الشاعر

        لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب               ولا ينال العلا من طبعه الغضب.

فقال العميد ولكن مازن مصر أن يتخصص في موضوع أنا لست راض عنه، قال له هذا شأن داخلي بينك وبين مازن أنا لا علاقة لي به.

        وبدأت أطالب بإنجاز الموافقة لأبدأ وفي الوقت نفسه ذهبت إلى أكثر من أستاذ يعتقد أنهم يصلحون للإشراف على موضوع في الاستشراق الفرنسي، فكان منهم الدكتور الحبيب الهيلة أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة وهو من تونس ويتقن الفرنسية، والدكتور مبارك عبد الرحيم بالجامعة الإسلامية الذي كتب موافقته مع الثناء على الباحث. فأغضب المعهد كيف يثني عليك وهو لا يعرفك. وفي حديث مع العميد قلت له أنت تخاف على مازن من مشرف ليس متدين أو لا تنطبق عليه معاييرك ولكن طلاب المرحلة الجامعة يدرسون مع أساتذة يصرحون بعلمانيتهم ولهم انحرافات. فكيف لا تخاف عليهم وتخاف عليّ وأنا الذي قد جف عودي وقد أؤثر في المشرف أكثر مما يؤثر في. فلم يعجبه هذا الجواب.

        واستمر الصراع والجدال حتى كان الثاني عشر من ربيع الأول وكنت أدرس مادة السيرة النبوية وقلت للطلاب من سمع بالموالد ولم يعرفها ويحب أن يعرفها فأنتم ناضجون فبإمكانكم الاطلاع عليها في المكان الفلاني.

        وهنا بدأت مرحلة جديدة في الصراع مع إدارة المعهد العالي للدعوة الإسلامية وإلى لقاء في حلقة جديدة (إن أحببتم)

من طرائف رحلاتي العلمية (الرحلة الأولى)

 
بعدما سجلت رسالة الدكتوراه بعنوان(منهج المستشرق برنارد لويس في دراسة الجوانب الفكرية في التاريخ الإسلامي) وافق مجلس القسم ومجلس الكلية على أن أقوم برحلة علمية إلى كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية لأجمع المادة العلمية ولأجري لقاءً مع المستشرق برنارد لويس في مقر إقامته بمدينة برنستون بولاية نيوجرسي بالولايات المتحدة الأمريكية.
ودارت بيني وبين لويس مرسلات عدة كان يبدو فيها متردداً أن يوافق على مقابلتي لأنني قادم من جامعة محمد بن سعود الإسلامية، ومن كلية الدعوة ومن المدينة المنورة، فكان متخوفاً ألاّ أكون موضوعيا -بزعمه- ولا بد أن يقرأ فصلاً مما كتبت. فقمت بترجمة خطة البحث وتخفيف لهجتها في المواضع التي تنتقده بشده، وأرسلتها إليه. ولكنه أصر على قراءة فصل مما كتبت. وهنا أدركت أنه لن يعطيني موعدا، فلأذهب إليه وأفاجئه بحضوري. ورتبت سفري، وأعددت ما لدي من مال للإقامة شهرين. كما اتصلت بالمشرف الدكتور جميل المصري رحمه الله، فأملي عليّ بعض الأسئلة ثم كان لي لقاء بعميد الكلية الدكتور عبد الله الرحيلي فأملى علي أسئلة أخرى أو كتبها بخط يده. ولأطمئن من سلامة الأسئلة وأنها تصلح لطرحها على المستشرق ذهبت إلى الدكتور أكرم ضياء العمري- أستاذ التاريخ الإسلامي بالجامعة الإسلامية- غادرها لأن السعودة كانت مهمة في نظر بعض المسؤولين-
وتعجب الدكتور أكرم من الأسئلة وفجاجتها، وأنها هجوم مباشر على المستشرق، فحذرني من أن أقدم تلك الأسئلة للمستشرق وإلاّ طردني وغضب مني، فقلت لأذهب وهناك أرى رأيي فيها.
وكان للرحلة جانب آخر، فكنت محاضراً بالجامعة وكان من المفروض أن تكون رحلتي انتداباً أو على الأقل أن يحسب لي مكافأة معقولة للبقاء شهرين في برنستون ولندن. ولكم أن تتخيلوا المكافأة وكان هذا عام 1408هـ(1988م) لقد كانت المكافأة ألفين وستمائة ريال شهرياً بالإضافة إلى مصروفات التنقل من مدينة لأخرى أو النسخ. وكان المبلغ تافهاً يصرف لبعض المسؤولين في أيام وليس في شهرين. وأخبرني الأستاذ الدكتور نعمان السامرائي أن الجامعة كانت ترسل بعض الأساتذة للدعوة في بعض الدول الأفريقية (رخيصة نسبياً ، وربما حصلوا على الضيافة) وتدفع لهم ألف ومائتي ريال يومياً بالإضافة إلى الإركاب في الدرجة الأولى، وبعضهم لا يغادرون فنادق الخمس نجوم، وهذا ما يسمى دعوة فنادق النجوم الخمسة، ولكن كانت وسيلة لاستصناع البعض ومكافأتهم على الولاء للإدارة...
المهم ألفان وستمائة ريال شهرياً  لا تكفي ، بل إن أحقر غرفة في مدينة برنستون، وهي بالمناسبة مدينة للأثرياء ولأبناء الأثرياء فجامعتها من الجامعات الكبرى والباهظة التكاليف. نعم نزلت في فندن (بيكوك Peacock) –وهو الفندق الذي نزل فيه ألبرت إنشتاين عندما زار برنستون. هذا الغلاء جعلني أخاطب العميد: يا سيادة العميد كان ينبغي أن أحمل معي كيس خبز جاف، وخيمة وأقيم في إحدى الحدائق العامة؟ أهذا مبلغ يعطى لباحث في الولايات المتحدة الأمريكية.(ذهب زملاء لي في رحلة شبيهة ولكنهم اتصلوا بمعهد العلوم الإسلامية والعربية التابع للجامعة فتمت استضافتهم.)
لن أتحدث عن لقائي ببرنارد لويس، ولكن أتحدث أنني عدت من تلك الرحلة لأؤلف وأنشر عدة كتب هي
1- من آفاق الاستشراق الأمريكي المعاصر
2- الغرب في مواجهة الإسلام
3- من أصول التنصير في الخليج العربي (ترجمة لرسالة ماجستير ، قدمت في جامعة برنستون) وجدتها على الرف فأبحت لنفسي أخذ نسخة منها، وسألت عن صاحبها وعنوانه وراسلته لأستأذنه في ترجمتها فعادت إلي الرسالة.
4-            نبش الهذيان من تاريخ جورجي زيدان لأمين بن حسن الحلواني المدني، تحقيق.
وشاء الله أن أبيع نسخاً من هذه الكتب لوزارة الإعلام وبسعر متواضع (لم أكن أعرف اللعبة) ولكني عوضت ما أنفقته في تلك الرحلة.
أما في لندن فتيسر لي الاتصال بأحد الاخوة الذين كانوا يدرسون في لندن، فاتصل بدار الرعاية الاجتماعية ليسمحوا لي بالإقامة لديهم، وفي غرفة فيها ست أو سبع أسرّة وأجرة السرير سبعة جنيهات وتقع الدار في شمال لندن، ولكن يمكن الوصول إليها في قطار الأنفاق. وكانت فرصة عظيمة أن لقيت اثنين من الزملاء من جامعة الإمام ومن قسم التاريخ بالرياض هما عبد اللطيف الحميد وعمر العمري. ولم يكن هناك صعوبة في لندن بل تيسر لي الحصول على مادة علمية لطيفة.
كنت أسير في أحد الممرات ومعي الأخوين العمري والحميد فمر بنا رجل عجوز فسلمت عليه وسألته أتعرف برنارد لويس، قال نعم، قلت له أريد أن أعرف الرسائل العلمية التي أشرف عليها خلال تدريسه في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية. قال نعم من الممكن أن تحصل على هذه المعلومات في كتيب اسمه (التقرير السنوي للهيئة المشرفة على مدرسة الدراسات الشرقي والأفريقية) وبالفعل حصلت على التقارير  لهذه المدرسة للسنوات من عام 1938 وحتى عام 1974م. وهذا التقرير يقدم معلومات رائعة عن نشاطات الأساتذة من محاضرات عامة وحضور مؤتمرات ومشاركات إذاعية أو تلفازية وما كتبوه صحفياً أو كتب عنهم. إنه رصد رائع للنشاط وتقديراً للكفاءات والمواهب. كما علمت من هذا التقرير السنوي ما قامت به المدرسة في بعض الأعوام من تدريب عدد من الطلاب العرب والمسلمين على الإعداد للمؤتمرات وتنظيمها والمشاركة فيها. وهو فن يتقنه الأوروبيون وما زلنا نتعلم في هذا المجال.
 

الجمعة، 24 أكتوبر 2014

تكاثرت الظباء على خراش صدام الحضارات ومن سرق؟

                                بسم الله الرحمن الرحيم

            ها هي الموضوعات تكثر أمام شاشة الحاسوب ولا بد من الكتابة. والعلاقة بين الكاتب وموضوعاته ليست علاقة مهنية ولكنها علاقة تكتسب بعداً عاطفياً حيث تصبح جزءاً من الكاتب فلا بد له من تناولها. وفي هذه المقالة وتاليتها سأتناول بعض الموضوعات التي أصبحت كظباء خراش.
المقالة الغامضة:  نشرت جريدة " المدينة المنورة يوم 25 محرم 1418 مقالة طويلة بعنوان (المؤرخ العالمي يكشف جهل "صموئيل هنتنجتون" وفيها حديث طويل يدافع عن هذا المستشرق الخطير ويضفي عليه هالة من الإنصاف والاعتدال بالرغم من أنه أمضى أكثر من  نصف قرن يهاجم الإسلام بضراوة وبعنف ويدافع عن إسرائيل والصهيونية . وله من المؤلفات ما يربو على الثلاثين كتاباً ومئات المقالات والبحوث والمحاضرات والندوات. وإنني إذ أكتب عن هذا المستشرق فلأن رسالتي للدكتوراه كانت حول كتاباته ، وقد لقيته مرتين الأولى في أثناء إعداد بحث الدكتوراه ، والثانية بعد إنجاز البحث واطلاعه على بعض العروض للرسالة.
       أما في المرة الأولى فكان معارضاً جداً أن يسمح لي بمقابلته لأنني أنتمي إلى جامعة إسلامية وهو يخشى أن أكـون متعصباً ومتحاملاً وأن أكون بعيداً عن الموضوعية والنزاهة في كتابتي حوله. ولكني غامرت فرحلت إلى برنستون حيث كان يعمل وأقنعت زملاءه بأنه من الضروري أن يقابلني وأن أتحدث إليه.
      أما المقابلة الأخرى فكنت ضيفاً على برنامج الزائر الدولي وكان ذلك بعد سبع سنوات من اللقاء الأول، وتقابلنا في جامعة برنستون في اللقاء الأسبوعي لقسم دراسات الشرق الأدنى ولما قمت إليه مسلماً وعرّفته بنفسي أشاح بوجهه بطريقة بعيدة جداً عن الأدب والذوق واللياقة مما دفع مرافقي الأمريكي إلى لومي على الاهتمام بشخص يفتقد الذوق واللياقة مع (خصومه).
       أما قصة هنتنجتون و برنارد لويس فالأول تلميذ الثاني فقد كتب لويس كتابه (العرب في التاريخ) عام 1957، وتحدث في أحد فصوله عن الإسلام والغرب. وذكر فكرة الصراع بين الحضارات في فصل بعنوان (تأثير الغرب) وهذا ما قاله في الصفحة 177 :" إن الإسلام اليوم يقف وجهاً لوجه مع حضارة غريبة تتحدى كثيراً من قيمه الجوهرية و تستميل بإغراء كبير  كثيراً من أتباعه…. والتحدي الذي تقدمه الحضارة الغربية أنها الحضارة الغالبة وليست الحضارة المغلوبة التي واجهها المسلمون في بداية ظهور الإسلام." وقد قال بهذا الـرأي بصراحة في كتابة (الإسلام والغرب) (النسخة الإنجليزية)(1963) في الصفحة135 :"سيكون فهـمنا أفضل للوضع (بين الإسلام والغرب) إذا نظرنا إلى حالات عدم الرضى  في الشرق الأوسط بأنها ليست صراعاً بين دول أو قوميات ولكن على أنها صراع بين حضارات."
        وقد عرفت فيما بعد أن كلاهما أو من نقل عن الآخر إنما استقى هذا الفكرة من السكرتير الأدبي جمعية الشبّان المسيحيين قال بها في عام 1926 م في كتاب بعنوان " مسار الإسلام الفتي:دراسة في صدام الحضارات" Young Islam no Trek: A Study in the Clash of Civilizationبقلم باسيل ماثيوز Basil Mathews كما جاء في كتاب ريتشارد بوليت في كتابه (دفاعاً عن مقولة الحضارة الإسلامية-المسيحية) وريتشارد كان رئيس معهد دراسات الشرق الأوسط بالجامعة الأمريكية المشهورة كولمبيا وقد قابلته في مكتبه عام 1995م
     وقد أجاد أخي الكاتب المتميز الدكتور عبد الرحمن العرابي في تفنيد هذا المقال مجهول الهوية وأود أن أضيف معلومات حصلت عليها (غير منشورة) بأن لويس يمضي شهرين كل عام في شقته في تل أبيب ولذلـك فإن تلاميذه اليهود يرونه كل عام. وقد أوصى بأن تعطى مكتبته  الخاصة (وهي مكتبة كبيرة) إلى مركـز موشي ديان لدراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد احتفل هذا المركز قبل أشهر ببلوغ لويـس الثمانين من عمره في ندوة دامت يومين ، وقد أعد المركز كتيباً  بهذه المناسبة ظهر فيها لويس مع عدد من الشخصيات الإسرائيلية من بينها شمعون بيزيس . فهل يستحق منّا لويس كل هذا الاحتفال؟
البرامج الثقافية واللون الواحد:
   نشرت عدة صحف خبراً مفاده أن جامعة أمريكية طلبت من إحدى القنوات الفضائية العربية حلقات برنامج ثقافي. لم يكن الأمر غريباً بالنسبة لي فمن خلال متابعتي  لنشاطات أقسام الدراسات العربية و الإسلامية في كثير من الجامعات الغربية وجدت أنهم يهتمون بصنف خاص من الكتاب العرب والمسلمين وهم الذين تأثروا بالفكر الغربي ، ويتناولون في كتاباتهم القضايا العربية الإسلامية من منظور غربي. ومن الأدلة على ذلك أن ترجمات قصص نجيب محفوظ وأدونيس ونوال السعداوي وعبد الرحمن المنيف ومحمد شكري وغيرهم وعدد لا حصر له من هؤلاء بينما لا تكاد تهتم أقسام دراسات الأدب العربي بما كتبه نجيب الكيلاني أو أحمد علي باكثير.
     والبرنامج الثقافي الذي اهتمت به الجامعة الأمريكية لا يخرج عن عرض هذا اللون الواحد، فلو كان برنامجاً متزناً يهتم بالاتجاهات المختلفة في دراسة الأدب العربي لما اهتمت به هذه الجامعة أو سواها. وإذا قيل لنا بأنه لا يوجد غزو فكري فإن الرد جاهز فمثل هذا البرنامج -ذي اللون الواحد- من أخطر أنواع الغزو الفكري . وليقرأ من شاء عن مصطلح " إفساد الذائقة الأدبية" فيما كتبه محمود شاكر في كتابه (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا).
مصر : كولاج "…القبلات.
هذا عنوان خبر قصير نشر في جريدة الحياة من محمد دياب بالقاهرة (21محرم 1418) وأعتذر للقارئ العزيز أنني لن أعيد تفاصيل الخبر حتى لا أكون ممن يشيعون الفاحشة. فالخبر حول فيلم تسجيلي أنتجه (صندوق التنمية الثقافية) حول أشهر القبلات في السينما المصرية. وما هي إلاّ قبلات حرام في حرام . ألم يجد الصندوق مشروعاً آخر يقوم بتمويله؟
وفي الحديث عن القبلات - ولا حياء في الدين- فقد أمر القرآن الكريم الرجل أن يقدم لنفسه إذا أراد وصال أهله. وفُسّر التقديم بأنه القبلة. وقد ورد في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بقبل أهله وهو صائم وهو أملك لإربه ، وهذه قبلة في نهار رمضان أو في أثناء عبادة روحية ليست ناتجة عن غريزة وإنما عن حب واحترام وتقدير ومودة. وشتان بينها وبين القبلات التي ظهرت في الفيلم المذكور أو القبلات التي يسترقها الرجال في الغرب من النساء في الشوارع وفي القطارات وفي السيارات قبلات محمومة تحكمها الغريزة وليس الحب، فالحب الحقيقي لا بد أن يكون نظيفاً عفيفاً شريفاً. 
                                 
       مازال أمام خراش عدد من الظباء عليها أن يطاردها أو لعلها هي التي تطارده،  وهذه الظباء إنما هي موضوعات قرأتها في الأسابيع الماضية  وودت لو كتبت عنها . ومن هذه الموضوعات ما يأتي:
الامتحانات أفكار بعدية: كتب الأستاذ سراج فتحي الكاتب اللامع في هذه الصحيفة - المتفوقة دائماً- عن الامتحانات والشد العصبي الذي يصيب أفراد العائلة جميعاً إذا كان فيها من يتعرض للامتحان. وقد أشار إلى النداءات المتكررة لتخفيف الإجراءات التي تؤدي إلى هذه الرهبة. وتساءل بحق:"هل كان لزاماً علينا إجراء الاختبار بالصيغة المتبعة حالياً ، وهل من الضروري أصلاً اتباع أسلوب الشك في أمانة الطالب بوضع الملاحظين، ولجان الاختبار وغيرها من الشكليات الروتينية القاتلة؟ ما الذي يمنعنا من الانطلاق نحو تغيير جذري لعملية النقل المرحلي أو الصفي، ما الذي يمنعنا من ابتكار أساليب جديدة بالفعل تزرع في نفوس أبنائنا الثقة بدل الشك؟…."
   ما أجمل أن يفكر تربوي بمثل هذه الأفكار فإن بداية أي تغيير أن تكثر الأفكار التي تناقش أي قضية . نعم الامتحانات في شكلها الحالي هي هي منذ أكثر من ثلاثين سنة .فما زلت أذكر أن امتحان المرحلة الابتدائية -كانت شهادة- كان في مدرسة بعيدة عن منزلنا ، وكنّا نعطى رقم جلوس ، وكان لكل طالب رقم سري حتى لا يتعرف عليه عضو اللجنة الذي يصحح الإجابات . واستمر هذا الوضع إلى عهد قريب.
     ولكن من المظاهر القديمة التي لا تزال موجودة أن الامتحانات تعقد في لجان، وهناك أرقام جلوس وعدد من الملاحظين -اليقظين، أو غير ذلك- وتمتد مدة الامتحان بدلاً من ساعة إلى ساعة ونصف أو ساعتين أو ثلاث ساعات. ولا تقتصر هذه المظاهر على المراحل الدراسية المختلفة بل تتجاوزها إلى بعض الجامعات. وقد كتبت قبل عدة أعوام مقالة بعنوان ( إننا نهدر وقت الصفوة) حاولت أن أقدم إحصاءاً لعدد الساعات التي يقوم بها أعضاء هيئة التدريس بإنفاقها في المراقبة وغير ذلك فوجدت أن هذه البلاد الكريمـة التي أنفقت الكثير على إعداد هذا العضو تطالبه أن يقف ثلاث ساعات مضروبة في عدد من الأيام للمراقبة. ولماذا يستمر وقت الامتحان إلى ثلاث ساعات أو ساعتين ألا تكفي ساعة أو ساعة ونصف؟ أسئلة كثيرة تطرح حول الامتحانات ولا بد لها من إجابات وحبذا لو أخذنا بتكليف عدد من الأساتذة المتخصصين لتقديم دراسات علمية للاختبارات في المراحل المختلفة لنصل إلى وضع أفضل لأداء الاختبارات.
حاضرنا السياسي مع محمد رضا نصر الله: لهذا الكاتب حضور كثيف في الساحة الثقافية في الممـلكة وفي إحدى القنوات الفضائية العربية ، كما شاهدته في أثناء مهرجان الجنادرية مع عدد من الأدباء العرب. وأقرأ له بين الحين والآخر في جريدة " الرياض" ولن أكيل له الثناء كما فعل مشعل السديري- ففي جريدة الرياض الصادرة في 23 محرم 1418 تحدث عن الواقع السياسي مبتدئاً من مقولة عفا عليها الزمان واستخدمها المستشرقون والباحثون الغربيون في التاريخ الإسلامي الحديث. وهذه العبارة أو المصطلح هو "الإسلام السياسي." فمن قال بأن الإسلام يمكن تقسيمه إلى سياسي وغير سياسي؟ وهل هذا الذي أطلق عليه "الإسلام السياسي لم يظهر إلاّ بعد فشل المشروعات القومية العربية ( أو كما يقولون 2القوموية العروبية).
      ليس في الواقع شيء اسمه إسلام سياسي وآخر إسلام للمسجد وإسلام لأحكام الطهارة . إن الإسلام يحكـم حياة المسلم منذ استيقاظه في الصباح إلى أن يأوي إلى فراشه ليلاً. وعجيب أمر المستشرقين أو المتغربـين من أبناء هذه الأمة الذين قبلوا أن يقسموا إسلامنا هذه التقسيمات الزائفة . أما الزعم بأن الدعـوة إلى تحكـيم الإسلام في حياتنا سياسياً واقتصادياً واجتماعياً تعود إلى ما بعد فشل المشروع القومي سنة 67م. فأمر غير صحيح ذلك أن العالم الإسلامي لم يخرج من الاحتلال إلاّ بفضل الله عز وجل ثم بفضل حركات التحرر التي نادت بالجهاد ضد المحتل الأجنبي فتسلط على الشعوب العربية الإسلامية من أطلق عليهم (سُرّاق الثورات).
       خيرية هذه الأمة حتى لو لم يرض تركي الحمد: تركي الحمد من الكتاب المثيرين للجدل، وله نشاط كبير، وثمة من يركز عليه الأضواء فليكن. ولكن نحمد الله عز وجل أن هذه البلاد بلاد الإسلام والخير فيها من الأقلام الصادقة الكثير والكثير جداً . وإنني من المعجبين بالأستاذ عبد الله فراج الشريف الذي لا تمر أيام حتى يكون له رد إما في الشرق الأوسط أو في المدينة المنورة أو في الأربعاء.

      صرح تركي الحمد أنه لا يرى أن هذه الأمة هي خير الأمم -وإن كان حاول أن يبرر ما قاله فيما بعد - ولكن ما نقله الأستاذ عبد الله عمر خياط (عكاظ،22محرم 1418) يدل على تفكير يحتاج إلى كثير من النقاش مع صاحبه أو مع أصحابه حتى يعرفوا الإسلام معرفة حقيقية وأنه لا قيام لهذه الأمة دون العودة الحقيقية لهذا الدين. فمن الأفكار التي عرضها في ورقته في (ندوة مستقبل الثقافة العربية)-من حضر الندوة، ومن الذي يتحدث عن مستقبل الثقافة العربية؟_ أن من المعوقات " الغلو في تديين الدنيا ،والتقديس الاختزالي للتراب ، والمعادلة المقلوبة في العلاقة بين حلقات الزمن الثلاث." 

الحركات الأسلامية في اهتمامات الاستشراق والاستخبارات والغرب


        تقول الصحف هذه الأيام إن الحديث عن الإسلام زاد ثمانمائة بالمائة بعد أحداث الثالث والعشرين من جمادى الآخرة 1422هـ الموافق 11سبتمبر 2001م، فهل هذا الاهتمام وليد اليوم أو إن الغرب مهتم بالإسلام منذ القديم ومن يبدأ الاهتمام بعد كارثة نيويورك أو بعد سقوط الشيوعية ولكن قبل ذلك بكثير، وهذه أسطر كتبتها قبل عدة سنوات لتكون مقدمة طبعة ثانية من كتاب لي عن الغرب والإسلام، فأرجو أن تكون مناسبة لهذه المناسبة
        فقد بدأت مجلة "المجتمع " الكويتية قبل أكثر من عشر سنوات تقريباً بنشر سلسلة من المقالات بعنوان "الإسلام والكونجرس" بلغت أربعاً وخمسين حلقة أو زيادة.وكانت هذه المقالات ترجمة لأجزاء من تقرير أصدره الكونجرس الأمريكي عام 1405(1985) وهو عبارة عن محاضر جلسات الكونجرس في أواخر تلك السنة بعنوان " الأصولية الإسلامية في العالم الإسلامي" وكان الباحث الأرمني  الأصل الأمريكي الجنسية (ريتشارد هرير دكمجيان) قد أصدر كتاباً بعنوان (الإسلام في ثورة :الأصولية في العالم العربي" وقد صدرت ترجمة هذا الكتاب في مصر في الوقت الذي كانت فيه مجلة " المجتمع " تنشر مقالاتها([1]).وقد قدّم دكمجيان في كتابه دراسة لاثنتين وتسعين جماعة إسلامية . وقد أصدر طبعة ثانية عام 1996 تناول فيها مائة وثمان جماعات إسلامية.
لقد تركز الحديث في هذين المصدرين حول موضوع واحد وهو خطر الأصولية الإسلامية في العالم الإسلامي أو العالم العربي. وكانت منطلقاتهما متشابهة إلى حد بعيد مما شجعني على إعداد بحث عن الموقف بين الغرب والإسلام، وجعلت عدداً من صفحات كتاب دكمجيان ملاحق لكتابي.
وها أنا  بعد تسع سنوات أعيد طباعة هذا الكتاب فما ذا استجد في الأمر في المواجهة بين الغرب والإسلام، وهل الأمر أمر مواجهة أو إن الأمر أكبر من ذلك؟ عندما عقد الكونجرس جلساته كانت الشيوعية لم تلفظ أنفاسها تماماً ولكنها كانت قريبة من ذلك وما أن حلّ عام 1410هـ(1990) حتى سقطت الشيوعية في معقلها الأول في روسيا. وقيل بأن الغرب بدأ يوجه اهتمامه كلَّه إلى العالم الإسلامي وتوالت الدراسات والبحوث والمقالات الصحافية والأفلام والتقارير وغير ذلك من وسائل الإعلام في الاهتمام بالإسلام.
              هل صحيح أن الغرب ازداد اهتمامه بالإسلام بعد سقوط الشيوعية؟ قد يكون الإعلان عن ذلك قد ازداد ولكن حقيقة الأمر أن الغرب لم يغفل يوماً عن الاهتمام بالإسلام، ولعلنا نُخْدَعُ إن صدقنا أن هذا الاهتمام إنما هو نتيجة سقوط الشيوعية وأن الغرب كان قبل ذلك غافلاً عن الإسلام أو كان لا يعطيه أهمية كبيرة، أو كما قال قسيس أمريكي من معهد هارتفورد اللاهوتي بـولاية كندكت بالولايات المتحدة الأمريكية (هل يصبح الإسلام الشبح الجديد؟) في تعليقه على ازديـاد الكتابات الغربية حول الخطر الإسلامي بعد سقوط الشيوعية في أوروبا الشرقية ([2]).
       ولعل مما يؤكد أن هذا الاهتمام كان قوياً باستمرار هو وجود ذلك العدد الكبير من مراكز البحوث وأقسام دراسات الشرق الأوسط والأقسام العلمية الأخرى التي بلغت الألوف في الجامعات الغربية التي كانت ترصد وما تزال كلَّ حركة في العالم الإسلامي.  وإلاّ فما ذا نسمى كتاب مورو بـيرجر (العالم العربي اليوم) وكتاب ريتشارد ميتشلRichard Mitchael عن الإخوان المسلمين (رسالته للدكتوراه) وكتاب مانفرد هالبرن Manfred Halpern :" سياسات التغير الاجتماعي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا."(1963) وعشرات أو مئات غيرها من الكتب والبحوث والتقارير والدراسات ؟
        نعم تعالت الأصوات المهتمة بشأن الإسلام الذي أطلقت عليه وسائل الإعلام الغربية ب "الأصـولية " أو "الإسلام السياسي " أو "الإسلام المتطرف " أو غيرها من الأسماء. ومن الجهات التي دخلت إلى مجال الاهتمام بالإسلام ولاسيما ما يطلق عليه "الأصولية الإسلامية" الاستخبارات الغربية وربما لم يكن دخولها مفاجئاً فطالما أشير إلى الصلة بين الاستخبارات الغربية والاستشراق. وذكر  أحد الباحثين المسلمين أن وكالة الاستخبارات المركزية قد موّلت أكثر من مائة مؤتمر وندوة لدراسة الصحوة الإسلامية .([3]) ويعلق الدكتور مانع الجهني (الأمين العام للندوة العالمية للشباب الإسلامي في دراسته القيمة بعنوان( الصحوة الإسلامية :نظرة مستقبلية) على ذلك بقوله:" من الواضح أن أسباب اهتمام الدوائر الخارجية بالصحوة الإسلامية تعود إلى الشعور السائد بأن عودة المجتمعات المسلمة إلى الإسلام تشكل خطراً على مصالحها الحيوية في العالم الإسلامي .بل قد ترى -على المدى البعيد- الخطر الذي كان قد هدّد أوروبا واكتسح العالم القديم في فترة زمنية قياسية."([4])
        ولكن هذه الصلة أصبحت علنية منذ العام 1414هـ(1994م) حتى إن إحدى الصحف العربية التي تصدر في لندن نشرت في إحدى صفحاتها الأولى خبر الندوة الشهرية التي تعقدها وكالة الاستخبارات الأمريكية لدراسة أوضاع الصحوة الإسلامية أو (الأصولية)وقد انقسم المنتدون إلى موقفين أحـدهما يرى أن تُعامل الحركات الإسلامية بمعيار واحد وهو محاربتها بينما يرى الفريق الآخر أنه ينبغي التمييز بين الحركات التي تدعو إلى العنف وتلك التي تتسم بالبعد عن العنف. ([5])
        وقد ظهر موقف الغرب من الإسلام في أكثر من موقع فهذه البوسنة والهرسك تواجه التحالف الصربي الصهيوني لإبادة المسلمين تحت سمع وبصر أوروبا وأمريكيا وبتأييد من روسيا واليونان وغيرها من دول أوروبا فلا تحرك ساكناً حتى إذا أبطل الله عز وجل كيدهم في تلك المؤامرة الخبيثة تدخلت الولايات المتحدة لتفرض صيغة من السلام لكن لا أحد يدري متى يتفجر الحقد الصربي مرة أخرى. وحدث في الشيشان قريباً مما حدث في البوسنة وكان صندوق النقد الدولي يضخ الأموال في المالية الروسية الخاوية بآلاف الملايين وأبطل الله كيدهم بوقوف الشعب الشيشاني وقفة المجاهدين المخلصين حتى أخرجوا القوات الروسية من بلادهم. وظهر موقف الغرب الحقيقي من الإسلام والمسلمين في الصومال وفي الجزائر وفي السودان.
        وإزاء هذا الاهتمام علينا أن نتيقظ لما يكتب عن الإسلام والمسلمين في العالم وأن ننتقل من ردود الأفعال إلى الأفعال فنملك من وسائل الإعلام ما يمكننا من الوصول إلى العالم أجمع.فقد أصبح الإعلام أداة خطيرة في العصر الحاضر في اتخاذ القرار السياسي وفي تكوين الرأي العام. ومن الواضح أن الغرب ما زال يمتلك أكثر من ثمانين في المئة مما يبث في وسائل الإعلام في العالم أجمع.
         وفي هذه الأثناء يجب أن نتذكر مع الأستاذ محمد صلاح الدين أن الاهتمام بالإسلام وأن التعاون الصهيوني الغربي في مواجهة الإسلام والمسلمين لم يعد سراً وبخاصة بعد أن ازداد النفوذ الصهيوني في إدارة الرئيس الأمريكي ولا سيما في الفترة الثانية لرئاسته.ففي مقالته في 21محرم 1418 بعنوان ( ما وراء الستار) أشار إلى النفوذ اليهودي الصهيوني في بريطانيا وروسيا وتحكم اليهود في مجالات المال والإعلام والسياسة وخلص إلى النتيجة :" قد يصح القول بأن الأصابع الصهـيونية موجودة وبقوة وراء الستار في مراكز القوة والنفوذ في العالم ، لكن واقع الأمر يؤكد أنّ شيئاً لم يعد وراء الستار على الإطلاق."([6])
        وينبغي أن نتوقف قليلاً عند ما يجب أن يكون عليه موقف العالم الإسلامي في العلاقة بين الإسلام والغرب عموماً. وهذا الموقف لا بد أن يستند إلى أسس شرعية فالأمة الإسلامية أمة الدعوة وعلينا أن نتحمل مسئوليتنا في الدعوة إلى هذا الدين {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} (النحل 125) ولكننا في الموقف مع الغرب ندرك أن أهل الكتاب ليسوا على موقف واحد فالله عز وجل يصفهم بقوله {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قانتة يتلون آيات الله} (آل عمران 113). ومن الأمثلة على  الغربيين الذين يخالفون حكوماتهم في محاربة الإسلام والمسلمين الباحث الفرنسي فرانسوا بورغات الذي كتب وحاضر كثيراً عن موقف بلاده ضد الإسلام والمسلمين حتى إنه صرّح ذات مرّة للإذاعة البريطانية بقوله (لو لم يكن اسمي فرانسوا لكنـت في السجن منذ زمن بعيد لأنني أواجه حكومتي بمواقفها المتعصبة ضد الإسلام والمسلمين) ولا بد أن ندرك أنه يمكن التعامل مع الغرب وفقاً لقوله تعالى : {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقـاتلونكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتُقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنّما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولّهم فأولئك هم الظالمون }(الممتحنة 8-9) ولا بد أن ندرس مواقف الدول الغربية  بعناية ومدى اشتراكها مثلاً في مؤامرة إخراج المسلمين من فلسطين ومن غيرها من البلاد الإسلامية أو غير ذلك من المواقف التي تضر بمصالح الإسلام والمسلمين .([7])
        وأختم بأن على المسلمين أن يلتفتوا إلى علاج أوضاعهم الداخلية والعودة إلى الإسلام كما جاء صافياً نقياً أو كما تركنا عليه صلى الله عليه وسلم (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك) مع اليقظة التامة لما يدور حولنا فما كاد الرسول صلى الله عليه وسلم يستقر في المدينة المنورة حتى بدأ بإرسال العيون والسرايا لمعرفة تحركات قريش ضد الدولة الإسلامية الفتية فهل نعود إلى تلك اليقظة؟ والله الموفق.



[1] - ريتشارد هرير دكمجيان. الأصولية في العالم العربي. ترجمة عبد الوارث سعيد. (المنصورة: دار الوفاء ، 1409) صدرت طبعة ثانية مصوّرة من الطبعة الأولى.
[2] - مازن مطبقاني." لماذا يخوفون الغرب بالإسلام؟" في المسلمون. عدد307، 4جمادى الآخرة 1411(21ديسمبر 1990) وكان المقال تعليقاً على نشرة صادرة من مكتب العلاقات النصرانية الإسلامية بقلم القس مارستون سبايت R. Marston Speight وقد أشار في مقالته إلى الكاتب اليهودي تشارلز كروتهامر Charles Krauthammer وحملته المحمومة ضد ما أطلق عليه الخطر الكوني للإسلام.
[3] ا أحمد بن يوسف. الإسلام السياسي وتحولات الفكر المعاصر. (انديانا: رابطة الشباب العربي المسلم 1988)ص63.
[4] -مانع بن حمّاد الجهني. الصحوة الإسلامية نظرة مستقبلية. (الرياض: الندوة العالمية للشباب الإسلامي.) بدون تاريخ، ص 50.
[5] - الشرق الأوسط. عدد 5666،24ذو الحجة 1414هـ (3يونيه 1994م)
[6] -محمد صلاح الدين." ما وراء الستار." في المدينة المنورة. ع 12461، 21محرم 1418(27مايو 1997م)
[7] -جعفر شيخ ادريس. " موقف الإسلام من الأديان والحضارات الأخرى." في المحاضرات والأمسيات الشعرية -المهرجان الوطني للتراث والثقافة الحادي عشر. (الرياض: الحرس الوطني 1417هـ-1997م) ص.ص 103-138.

الحركة الإسلامية في نظر الغرب

        بين يدي نشرة معهد الشرق الأوسط بالعاصمة الأمريكية لشهر يوليو 1992، وهي مكونة من ست عشرة صفحة وتحمل موضوعات متنوعة، ولكني توقفت عند أحدها وهو: "الحركات الإسلامية، دراسة مسحية إقليمية" وقد قام بهذه الدراسة كل من كريستينا بالمر  (Kristina Palmer) وسائرز رودي (Sayers Rudy) من قسم برنامج معهد الشرق الأوسط من خلال إجراء لقاءات مع مسئولية حكومية، وعلماء وأكاديميين وصحافيين وحتى من عامة الناس في باريس والجزائر وعمان والقاهرة والخرطوم، والضفة الغربية. وقد تلقى الباحثان دعما سخيا من كل من مؤسسة جون د. وكاترين ماكارثر  (John D. and Catherine T. MacArthur) ، وكذلك من صندوق المساعدات الخارجية الأمريكي. هذا وسوف تذاع هذه المقابلات في أربعة حلقات من خلال برامج الإذاعية القومية العامة في أواخر هذا الصيف.
        تركزت الأسئلة في المقابلات حول أصول الحركة الإسلامية، وأهدافها وتأثيرها، والعلاقات المختلفة بين الإسلام السياسي، والأنظمة القائمة وقد توصل الباحثان إلى نتائج مهمة حول الحركة الإسلامية منها:
        أولا: لا تبدو الحركة الإسلامية قومية بين الفقراء فقط. كما هو الشائع في الغرب حاليا. بل تضم في صفوفها تجارا أثرياء وسياسيين أيضا.
        ثانيا: الحركة الإسلامية حركة انتقادية حديثة، ولا تحمل أية صفات موروثة سواء عسكرية أو رجعية، أو صفات من زمن القرون الوسطى  (الأوربية طبعا)
        ثالثا: ظهرت الحركة الإسلامية أساسا كرد فعل للإخفاقات الاقتصادية والسياسية لدى الأنظمة العربية المتسلطة وكذلك ضد الأيديولوجيات الأجنبية من مثل القومية والاشتراكية. وليست الحركة الإسلامية مجرد رد فعل محصور بالإمبريالية والصراع العربي الإسرائيلي.
        رابعا: إن "الصحوة الإسلامية" التي يعبر عنها بقرار شخصي يجب عدم النظر إليها على أنها إشارة إلى التزام سياسي نشط.
        وأخيراً وليس آخراً -كما يقول التقرير - إن البرامج السياسية الإسلامية التي تؤكد على المشاركة الحياتية، وكذلك النظرات للدولة المثالية ربما لا تكون ساذجة ومخيفة للمرأة، ولكنها تستحق الدراسة في عالم يبدو أنه يعاني من متاعب أيديولوجية وتسط سياسي وفقر.
        هذه أبرز نتائج هذه الدراسة الاستطلاعية التي سيستمع إليها الجمهور الأمريكي في أواخر هذا الصيف، وربما تناقلتها وسائل الإعلام الغربية لتبرز منها ما تشاء وتخفي ما تشاء، كما ستفعل الأمر نفسه وسائل إعلام الدول المعنية (العربية الإسلامية).
        ولا بد لنا من وقفات مع هذا التقرير الذي يؤكد حرص الغرب على المعرفة والدراسة، وهو في هذا السعي لا يبخل بالأموال والجهود. وسيصل بلا شك إلى المعرفة التي قد يصل من خلالها إلى حقيقة الحركات الإسلامية، وبالتالي يستطيع وضع الخطط اللازمة للتعامل مع هذه الحركات. وأعود هنا فأكرر دعوة سابقة. فلا يصح أن نظل في جهل أو شبه جهل بالعالم من حولنا، وأين المؤسسات التجارية لدينا لتبذل مما أعطاها الله.
        جميل أن يكون من استنتاجات الدراسة إدراك الغرب أن دعوة الله تنتشر -والحمد لله-بين صفوف الفقراء والأغنياء على السواء، حيث كانت الدراسات الغربية سابقا تشير إلى أن الحركات الإسلامية تنتشر بين صفوف الفقراء والمعدمين، وترى تلك الدراسات السابقة أن إيقاف المد الإسلامي لا يحتاج إلّا إلى تشجيع برامج المعونات الغذائية، أو توجيه الحكومات الحالية لتطعم الأفواه الجائعة. وكأن هذا الدين جاء للفقراء وحدهم أو لإنقاذ الفقراء. والإسلام جاء حقا لإنقاذ الفقراء بإصلاح الأغنياء، وتربيتهم وتهذيب نفوسهم، وإعادتهم إلى إنسانيتهم التي أفقدهم إياها طغيان المال، ومع ذلك يجب أن لا ننسى أن من أوائل من أسلم رجال كان لديهم الثروة والمال والجاه، وهكذا فالحركة الإسلامية إنما هي هداية من الله يختار لها من يشاء.
        وجميل أن يكون من نتائج الدراسة أن الصحوة الإسلامية التزام شخصي أولا وليست بالضرورة انخراط في عمل سياسي نشط. وأوضحت الدراسة أيضا أن الصحوة الإسلامية تشمل الحياة بجوانبها كلها وبخاصة أنها ظهرت في عالم أصبحت أيديولوجياته بالية مهترئة، ويعج بالتسلط السياسي والفقر.
        وهكذا جاؤوا إلى بلادنا العربية المسلمة ليدرسوا همومنا وتطلعاتها، وليقدموا النتائج لأبناء بلدهم، ويبذلون المال والنفس من أجل المعرفة، والمعرفة قوة. فهل درسنا أنفسنا أولا دراسة من يريد الإصلاح والتغيير ثم انطلقنا إلى العالم جميعه ندرسه فالغرب مثلا برغم ما يزعمه بعض الكتاب بأنه "مجتمع مدني" مفتوح ما تزال فيه كثير من الجوانب التي تحتاج إلى الدراسة، ولا بد أن نفيد من أبنائنا الذين يدرسون في الغرب، أو يعملون فيه أو الذين هاجروا إليه طلبا للرزق والطمأنينة، فهؤلاء يمكنهم أن يقدموا لأمتهم الإسلامية معرفة دقيقة وعميقة بجوانب المجتمعات الغربية وبخاصة إذ ما كان لدى هؤلاء المعايير الصحيحة التي ينظرون بها إلى الأمور.
        إن هذا الدور الذي يقوم به الغرب حاليا من دراسة أحوال الشعوب والحكم عليها سلبا أو إيجابا بقدر بعدها أو قربها من القيم والمفاهيم الغربية في السياسة والاقتصاد والاجتماع، هذا الدور قد اختار له ربنا عز وجل أمة أخرى هي أمة الإسلام حين كلفهم بقوله {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس}. فعودة إلى الإسلام تنقلنا من شعوب تخضعه لدراسات الباحثين الغربيين إلى دارسين للغرب والعالم وموجهين له ومصححين لمفاهيمه وقيمه {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.


الأربعاء، 22 أكتوبر 2014

موقف من الإرهاب





ولمّا وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، ونشرت وسائل الإعلام الأمريكية نقلاً عن الحكومة الأمريكية وجود مجموعة من الشباب السعودي ضمن ركاب الطائرات التي ضربت برجي التجارة العالميين في نيويورك حتى زاد اهتمام العالم بالسعودية والإسلام فيها. وكان سيل الاتهامات للسعودية والإسلام لا يكاد ينتهي. وتولى كِبر هذه الهجمة عدد من الصحفيين والإعلاميين وبعض الباحثين المتخصصين في الدراسات العربية الإسلامية (المستشرقون) من أمثال برنارد لويس، ودانيال بايبس، ومارتن كريمر، والسفير الإسرائيلي في واشنطن الذي نشر كتاباً بعنوان "مملكة الكراهية"، وعدد من التابعين للتيار الاستشراقي من أمثال فؤاد عجمي، وفريد زكريا وغيرهما. فما حقيقة الأمر؟ والحقيقة أن هذا الهجوم على الإسلام لم يكن وليد الحادي عشر من سبتمبر فالمطلع على الإعلام الغربي، وعلى الإنتاج العلمي لمراكز البحوث وأقسام دراسات الشرق الأوسط يعرف أن هذا الهجوم كان قديماً جداً وقد ازدادت حدته مع سقوط الشيوعية وانفراط عقد الاتحاد السوفيتي سابقاً. وقد كتب القس الأمريكي سبايت من مركز التفاهم الإسلامي النصراني يحذر من جعل الإسلام الشبح الجديد، وأشار إلى بعض الكتابات في هذا المجال وبخاصة ما كان يكتبه كرس كروتهامر في الصحف الأمريكية عن أن الإسلام سيكون الشبح المخيف الجديد للغرب، وأكد مثل هذا الكلام الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون، ثم كانت خاتمة المطاف مع كل من صموئيل هتنقتون في ابتكاره أو إعادة إحياء مصطلح (صدام الحضارات) الذي ابتدعه المستشرق المشهور برنارد لويس منذ السبعينيات في كتابه (الغرب والشرق الأوسط)، وفوكوياما في حديثه عن نهاية التاريخ.

إن المملكة العربية السعودية أعلنت منذ قيامها أن دستورها القرآن، وأن نظامها الأساسي منبثق عن تشريعات الإسلام وقوانينه. وبنت مناهجها الدراسية على الرفع من شأن الإسلام وتكثيف المواد الدينية في المدارس. فما زلت أذكر أن طالب الصف السادس ابتدائي كان عليه أن يحفظ عشرين حديثاً نبوياً (عام 1382هـ/1962م)، بالإضافة إلى حفظ عدد من سور القرآن الكريم لا يحفظها طالب في أي مرحلة من مراحل الدراسة في العالم الإسلامي. كما أن الدروس الدينية موزعة على عدة مواد هي القرآن والتفسير والفقه والحديث. ولا يغيب الدين عن دروس اللغة العربية حيث الأمثلة والشواهد من القرآن والسنة، أو من الشعر العربي الأصيل الذي يدعو إلى مكارم الأخلاق والقيم السامية النبيلة.

وكان لمناهج التعليم دورها في المحافظة على إسلامية المجتمع السعودي أو تمسكه بالإسلام، فللمدارس نشاطاتها اللاصفِّية التي تشجع على مزيد من الارتباط بالإسلام وأخلاقه وسلوكياته. فهناك النشاط الكشفي في المراحل الدراسية المختلفة، ثم نشاط الجوالة في المرحلة الجامعية، أما المراكز الصيفية فإنها في أغلبها تتجه نحو الترفيه البريء، والمحافظة على القيم والأخلاق السامية المستمدة من الإسلام، مع الاهتمام بالتعليم والهوايات المختلفة من رسم ورياضة وغير ذلك.

أما الكتب الدراسية في المناهج السعودية فهي تلتزم بالإسلام عدا بعض الثغرات القليلة في بعض العلوم الحديثة كعلم النفس، وعلم الاجتماع، والتاريخ، والجغرافيا، واللغة الإنجليزية وغيرها. وهذا الالتزام بالإسلام يقدم صورة بعيدة عن الصور النمطية للشعوب الأخرى. فهي مناهج متوازنة ومعتدلة، ولا يمكن أن ينسب إليها مطلقاً ظهور الفكر الإرهابي التطرفي. نعم يمكننا أن نقول أنّ بعض الكتب الدينية مكتوبة بلغة مرّ عليها أكثر من قرنين وكتبت بقوالب محددة لم تشهد أي تطور أو تغيير. إن الزمن الذي كتبت فيه هذه الكتب غير الزمن الذي نحن فيه، ومع ذلك فإن هذه المناهج تحذر من الشرك والكفر، وقد تبالغ أحياناً في بعض هذه المسائل ولكنها ليست مسؤولة عن ظهور التطرف. فالذين مارسوا التطرف والعنف إنما هم فئة محدودة بينما غالبية من درس هذه المناهج ليس متطرفاً ولا متعصباً، فكيف ينسب التطرف للمناهج؟

قد يتهم البعض المجتمع السعودي بالانغلاق، ولكن هذه التهمة لا تقف أمام الأدلة والبراهين على أن المجتمع السعودي من أكثر المجتمعات العربية انفتاحاً على العالم، فمنذ أكثر من أربعين سنة انطلقت البعثات العلمية إلى مختلف دول العالم ابتداءً من مصر إلى الدول الأوروبية وأمريكا، وقد أسهمت شركة أرامكو في ابتعاث عدد كبير، بل لم يقتصر الابتعاث على وزارة المعارف ثم وزارة التعليم العالي بل شاركت مختلف قطاعات الحكومة السعودية في ابتعاث موظفيها إلى الغرب لمواصلة دراساتهم أو الحصول على دورات متخصصة.

 

وقد بلغت هذه البعثات في وقت من الأوقات عشرات الآلاف، وهؤلاء لا شك تعرفوا إلى المجتمعات الغربية وتأثروا بها وأثروا فيها. وعادوا يحملون فكراً وثقافة تختلف عن الفكر والثقافة التي غادروا بهما. وقد ظهرت تيارات فكرية في المملكة متأثرة بالفكر الغربي ومقلدة له، فقد انتشرت موجة ما يسمى بـ"الحداثة" في الأدب والفكر، وهي حداثة مقلدة لحداثة أوروبا رغم أننا لم نمر بالمراحل التي مرت بها أوروبا، وقد فسح المجال لها أن تعبر عن نفسها في وسائل الإعلام المختلفة من صحافة، وإذاعة وتلفاز. كما أصدرت العديد من الكتب. بل إن بعض رموز الحداثة في بلادنا احتكروا عدداً من المنابر الصحفية وغيرها. وأتيحت الفرصة لمنتقدي الحداثة أن يعبروا عن رأيهم بحرية كتابة ومن خلال المنابر المختلفة.

أما المجتمع السعودي فإن تمسكه بالإسلام تمسك حقيقي، ويتمثل هذا التمسك بالعلاقات الاجتماعية القوية التي تربط أفراد المجتمع بعضهم مع بعض، وكذلك في التلاحم الأسرى، وفي المناسبات العامة من أفراح وأحزان. ويتمثل التمسك بالإسلام في العلاقات المالية بين الناس. ولكن هذه المظاهر التي كانت أقرب إلى التمسك الصحيح أو ربما التشدد بدأت تشهد بعض التغيرات الكبيرة، فازدادت الأفراح بذخاً وربماً فساداً، وكثرت القضايا المالية في المحاكم، وضعف النسيج الاجتماعي عموماً. فظهرت حالات عقوق الوالدين التي لم تكن لتعرف قبل عقود من الزمن، كما ضعف النسيج الاجتماعي الذي كنّا نفخر به في يوم من الأيام. ولعل من أهم أسباب ذلك أننا تعلمنا الدين من الناحية النظرية وغاب التطبيق عنّا، كما أن الطفرات الاقتصادية والركض خلف المال يفقد المجتمعات الكثير من القيم والمثل والمبادئ. والأمر الثالث أننا تمسكنا بمظاهر الدين ولم نتمسك حقيقة بجوهر الدين ولبه، وهذا ما جعل المجتمع سريع التأثر بالإعلام الغربي وإنتاج هوليوود السينمائي الذي يدعو في معظمه إلى الرذيلة والانحطاط الأخلاقي، وصناعة الموضة التي أفسدت النساء وهن ركيزة الأسرة.

ومن المظاهر المهمة في المملكة العربية السعودية وجود هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي تشبه إلى حد كبير شرطة الآداب في البلاد الأخرى سوى أنها تختلف عنها في بعض المهمات، وكذلك في الأسس التي تنطلق منها؛ فهيئة الأمر بالمعروف تنطلق من مبادئ إسلامية أصيلة وهي ضرورة أن يكون في المجتمع فئة (تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتدعو إلى الله على بصيرة) وقد كان لهذه الهيئة دور مبارك، ولكن بعض الأخطاء والتجاوزات بالإضافة إلى وسائل الإعلام العربية والغربية أساءت لها. ولذلك لا يمكن للإنسان أن ينكر أن لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إيجابيات كبيرة في الحد من كثير من مظاهر الفساد التي توجد في المجتمعات البشرية عامة، فقد كان من واجباتها الأساسية دعوة الناس إلى أداء الصلاة، ومتابعة قضايا الفساد من شرب الخمر أو الاتجار بها أو مظاهر الفساد الأخرى من بغاء ودعارة أو توزيع لما يمكن أن يدخل ضمن المواد الخادشة للحياء من أشرطة فيديو وغيرها.

ولما بدأت الطفرة الاقتصادية في أواخر السبعينيات الميلادية ودخل البلاد ملايين الوافدين، كان على الهيئة أن تواصل عملها بقوة واقتدار. وأن تطور من أساليبها ووسائلها وأن تدعم كادرها بعدد أكبر من الموظفين المتخصصين. ولا شك أنها واصلت العمل وحققت بعض النجاحات، كما أخفقت في بعض الأحيان. ولعل من أسباب الهجوم المستمر على الهيئة هو استخدامها بعض الأساليب القائمة على التشدد والتزمت فالناس لا يذكرون إلاّ الأساليب القمعية للهيئة، أما ما ينجحون فيه من حماية المجتمع من الفساد وشروره فإن المجتمع لا يعرفه. ومن أسباب هذه الجفوة مع الهيئة أن البشر يميلون إلى معاداة من يدعوهم إلى الخير والفضيلة ويتثاقلون من قبول النصيحة، ولعل هذا مصداق قول الله عز وجل {ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين} (الأعراف 21)، ولذلك فهم بحاجة إلى حملة علاقات عامة حقيقية ليعرف الناس حقيقة ما يقومون به، كما أنهم يجب أن يفتحوا أبوابهم للنقد البناء، وأن يفتح المجال للعمل في الهيئة وفقاً للكفاءة والعلم لا أن تكون وظيفة يمكن الحصول عليها بالواسطة.

ولا بد من الحديث عن هذا العدد الكبير من الوافدين من عرب ومسلمين وأجانب فهؤلاء أسدوا للبلاد خدمات كبيرة في تقديم علمهم وخبراتهم والإسهام الكبير في نهضة البلاد وتنفيذ خطط التنمية المختلفة. ولكنهم في الوقت نفسه نقلوا إلى المملكة الكثير من العادات والتقاليد والسلوكيات الاجتماعية التي لم تكن مألوفة في السابق. ومن الأمثلة على ذلك أن المرأة الوافدة لم تعرف الحجاب الكامل الذي يتمثل في غطاء الرأس. فبدأت تظهر في المجتمع نساء سعوديات قلدن المرأة الأجنبية. وكان هذا السلوك سبباً في ظهور النقاش حول ضرورة غطاء الوجه. فالأمر الذي لم يكن مسموحاً بالاقتراب من الحديث فيه قبل سنوات أصبح يطرق الآن وبقوة. ومع ذلك فإن في المجتمع السعودي بعض مظاهر التشدد التي قد لا تجدها في بلد آخر.

 

وليس هذا فحسب بل إن الإعلام الرسمي السعودي ظل ومازال الأقرب إلى روح الإسلام في برامجه، وحتى بعد أن بدأ هذا الإعلام ينطلق مقلداً الإعلام في الدول العربية الأخرى من حيث التركيز على التسلية والترفيه وإظهار المرأة في الغناء وفي التمثيل في أوضاع بعيدة عن الحشمة والحياء، جاءت حركة جهيمان العتيبي لتضع حداً لهذه الأمور فتوقف ظهور النساء المغنيات، وعاد التلفاز أكثر التزاماً بالقيم والحشمة والحياء.

ولكن ما لم يكن في الحسبان أن انطلقت وسائل إعلام مهاجرة وبخاصة في بريطانيا لتؤسس لعدد من الصحف والمجلات، ووسائل الإعلام الأخرى من قنوات فضائية وإذاعات وبخاصة إذاعات الإف إم لتتخطى الحدود في مسائل الترفيه والتسلية، كما أنها أعطت هامشاً أوسع من الحرية لتناقش كثيراً من ثوابت الأمة. ومن الصعب أن تحسب هذه القنوات على السعودية وإن كان بثها وتوجهها الأساسي هو لهذه البلاد. والدليل على ذلك أن التوقيت السعودي يتقدم في الغالب التوقيت العالمي أو توقيت جرينتش.

  أما الحديث عن حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله فيمكن القول إنها قامت بدور مبارك في محاربة البدع والانحرافات العقدية في زمن ماض، ونجحت في إعادة المجتمع في الجزيرة العربية إلى الإسلام الصافي النقي، وما تزال مظاهر هذه العودة في بلادنا التي قد تتميز عن بقية أنحاء العالم الإسلامي في بعض الأمور التعبدية. ولكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يكن مفكراً ومنظراً بقدر ما كان داعية إصلاح ووعظ. فلم يتحدث عن المسائل الكبرى مثل الحديث عن نهضة الأمة الإسلامية وعلاقتها بغيرها من الأمم.

ولكن نظراً للارتباط الوثيق بين الشيخ وحركته فإن نفوذ الحركة ما زال باقياً إلى اليوم. فما زال كتابه التوحيد هو الأساس في تدريس هذه المادة في المراحل الدراسية من الصف الأول ابتدائي حتى الجامعة. كما أنه تعقد مؤتمرات وندوات وأسابيع للاحتفاء بالشيخ وجهوده. وما زلت أذكر أن جمعية أهل الحديث في مدينة بيرمنجهام عقدت ندوة عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في شهر أغسطس عام 2000م بتمويل سعودي. كما أن دارة الملك عبد العزيز كان لديها خطة لإنشاء مركز بحوث باسم الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

كما ذكرت لا يمكننا أن ننكر دور حركة الشيخ في الإصلاح ومحاربة البدع، ولكن هناك مستجدات كثيرة تتطلب عدم الوقوف طويلاً عند هذه الحركة الدعوة وأسلوبها. وعلماء السعودية اليوم ليسوا أسرى تلك الفترة التاريخية. فإن صح أن يطلق على بعضهم أنهم متشددون أو متعصبون؛ فإن التعصب موجود لدى جميع الأمم وفي جميع الدول وفي جميع الملل والنحل. فإن كان في المسلمين متعصبون، فإن في النصرانية وفي اليهودية متعصبون أشد وأعنف وأعتى.

وفي الخلاصة فإن الإسلام دين عظيم جاء ليحقق للإنسانية الكرامة التي قال الله فيها {ولقد كرّمنا بني آدم}، وليكون رحمة للعالمين في أخلاقه وفي تشريعاته ونظمه، {وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين}،  ويدعو البشرية للعمل في سبيل تطوير وترقية الحياة الإنسانية على هذه الأرض، وليس لتتصارع من أجل البقاء أو تتحارب على الموارد النادرة والمواد الأولية التي قال بها أساطين الفكر الاقتصادي الغربي، بينما يرى الإسلام أن الأرض قد قُدّرت فيها أرزاقها، ويدعو الإسلام إلى التسامح، فكيف ينسى الغرب كلمات المفكر الفرنسي الكبير جوستاف لوبون (لم تعرف البشرية فاتحاً أرحم من المسلمين)، وليتذكر العالم أن اليهود الذين عانوا من الاضطهاد على مدى تاريخهم لم يعرفوا استقراراً وازدهاراً كما عرفوه في تاريخهم مع المسلمين.

وأخيراً علينا أن نفرق بين الإسلام وحال المسلمين اليوم حين ابتعدوا عن الإسلام فلم يعد لهم تلك المكانة التي وصلوا إليها يوماً ما حينما كانوا معلمي البشرية وهداتها.