الأحد، 31 مايو، 2015

كلمة في افتتاح مركز الفكر الغربي

                                                   بسم الله الرحمن الرحيم
     الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
      أبدأ بتهنئة نفسي وكل من له يد في إنشاء هذا المركز المبارك وبخاصة الأخ الكريم الأستاذ فيصل الكاملي الذي عرفته من سنوات وحرّك قلمي للكتابة والترجمة وها هو يثير الأشجان مرة أخرى بدعوتي للمشاركة في حفل تدشين مركز الفكر الغربي.
     لماذا مركز الفكر الغربي؟ لا شك أنه لتحقيق قوله تعالى (لتعارفوا) وقوله تعالى (لتكونوا شهداء على الناس) وسوف تسمعون التفاصيل إن شاء الله في مطبوعات المركز، ولكني سأجول معكم في اهتمام العالم بالعالم
     سأبدأ بنا نحن المسلمين فقد كنّا على وعي بالعالم حولنا فرحلتا الشتاء والصيف لم تكونا مجرد رحلات تجارية قوافل تحمل بضائع ولكن عقول وأنظار تتعرف إلى ما حولها وتدرسه وتفهمه حتى كانت بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمر بالهجرة إلى الحبشة وقال إن فيها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، فلا بد أنها كانت تدل على وعي الرسول صلى الله عليه وسلم بما حول الجزيرة من دول وأوضاع.
     وخرج المسلمون في الفتوحات فتوالت رسل الجيش الإسلامي على كسرى فدخل المغيرة بن شعبة رضي الله عنه على رستم ومما قال له: " إنّا كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولكني أراكم أسفهَ قوم، وكان أجدرَ بكم أن تقولوا لنا إنما يعبد بعضكم بعضًا، أدركتُ أن أمركم مضمحلٌّ، وأن أمر الغَلَبَة والملك لا يقوم على مثل ما أنتم عليه."
     وفي كتاب الفتن من صحيح مسلم ذُكر الروم أمام عمرو بن العاص رضي الله عنه فوصفهم بما يأتي " أما لئن قلت ذلك إن فيهم خصالا ً أربعا: «إنهم لأحلم الناس عند فتنة... وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة... وأوشكهم كرة بعد فرة... وأرحمهم لمسكين ويتيم وضعيف... وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك"
     وبقيت الأمة واعية بالعالم حولها والقصة تطول ولكن أكتفي بذكر من كتب عن الملل والنحل ومنها كتاب الشهرستاني وابن حزم الأندلسي والبغدادي وغيرهم
     ومن وعي الأمة بالعالم أن انطلق الرحالة المسلمون وإن لم يكونوا رحّالة بالمعنى الذي استحدثه الأوروبيون رحّالة للتنصير وللتجسس والتخريب وإنما كانوا رسلاً وعلماء، ولكنهم على درجة عالية من الفهم والدراية فكان منهم ابن فضلان وابن حوقل وابن جبير وابن بطوطة والإدريسي والمسعودي وأحمد بن ماجد وغيرهم
     وجاء بعد الرحّالة سفراء الدولة العثمانية والسفراء المغاربة في أوروبا أيضاً فقدموا لنا مادة خام كما يقال في التاريخ لدراسة الغرب دراسة عميقة.
ولا بد أن أذكر الدكتور علي زكي صاحب كتاب (هذه هي الشعوب البيضاء) الذي لم يُترجم بعد إلى العربية
     ولا ننسى أن الغرب حينما حلّ في ديارنا غازياً كان الفارس الشاعر الأديب أسامة بن منقذ ينظر في أحوال الصليبيين وطباعهم وأخلاقهم ورصدها لنا في كتابة الرائع (الاعتبار)
     وهناك عالم مسلم سبق المستشرقين والاستشراق بقرون وهو أبو الريحان البيروني الذي كان عالماً في الفيزياء والرياضيات، ونتعجب اليوم أن يخرج من بين المستشرقين من تخصص في هذه العلوم ثم تحول إلى دراسة الشرق، فقد كان البيروني سبّاقاً حيث كان صاحب عقلية علمية فذّة ومع ذلك عشق السفر والتعرف إلى العالم فقضى في الهند عشر سنوات أو أكثر وخرج بمؤلفه العظيم: تحقيق ما للهند من مقولة، مقبولةٍ في العقل أو مرذولة.
     وكما قال الدكتور عز الدين موسى في تعليقه على محاضرتي عن مسؤولية الجامعات السعودية في إنشاء أقسام الدراسات الإقليمية: كنّا أمة تمتاز بالتوق المعرفي فعرفنا العالم من حولنا، ولما خبا ذلك التوق صرنا نجهل حتى أنفسنا.
     أما اهتمام الغرب بنا في العالم الإسلامي فمنذ بداية القرن العشرين وهي تؤلف اللجنة تلو اللجنة لدراسة احتياجات البلاد من المتخصصين في الدراسات السلافية والأوربية الشرقية والأسيوية والشمال أفريقية فكانت اللجنة الأولى عام 1907 ثم في عام  1947وفي العام 1961 تألفت لجنة أخرى برئاسة السير وليام هايتر وأعدت تقريراً ورصدت أموالاً سُمّيت بأموال هايتر لتمويل الدراسات الأسيوية والشمال أفريقية في الجامعات البريطانية ومنها تقديم منح وتمويل دراسات وبحوث حول العالم العربي والإسلامي والأسيوي بعامة وشمال أفريقيا.
     ولم تتوقف اللجان ولكني أكتفي بهذا لأنتقل إلى الولايات المتحدة التي أرادت أن تحل محل بريطانيا في النفوذ في العالم بعد أن أفَلت إمبراطورية بريطانيا فاحتاجت إلى من يعرف العالم فأصدرت المرسوم الدفاعي الجمهوري عام 1957 لدعم الدراسات الشرق أوسطية واستقدمت عدداً من كبار المستشرقين الأوروبيين ليقدموا لها المعرفة بالشعوب والبلاد العربية الإسلامية.
     وكذلك كان الاستشراق في بقية الدول الأوربية لا ينفصل عن خدمة الحكومات من فرنسا وهولندا وألمانيا وغيرها.
     وتأسيس مركز الفكر الغربي يأتي في وقت نحن بأمس الحاجة لمعرفة هذا الغرب ولأضرب المثال بالدراسات الأمريكية فقد بدأت هذه الدراسات في اليابان مثلاً عام 1939 في جامعة ركيو، وبدأت المحاضرات أو حلقات البحث الأمريكية في جامعة دوشيشا بكيوتو عام 1951ومنها انطلقت الدراسات الأمريكية حتى أصبحت هناك رابطة لهذه الدراسات. وقد حاولت مع الملحق الثقافي الأمريكي أن يستضيف مركز الملك فيصل بالتعاون مع جامعة الملك سعود سلسلة المحاضرات الأمريكية في الرياض نسبر أغوار الفكر الغربي نستضيف بعض أبرز العلماء والمفكرين الغربيين والعرب المسلمين ولكنها خطوة لم يتح لها التنفيذ.
     أما أوروبا ففيها شبكة للدراسات الأمريكية تضم أكثر من تسعة عشر مركزاً لهذه الدراسات ولها مؤتمر سنوي ورابطة وجائزة سنوية لأفضل بحث عن الدراسات الأمريكية وجامعة لندن كانت في التسعينيات تضم معهداً للدراسات الأمريكية يقدم الماجستير والدكتوراه وتطور إلى معهد لدراسة الأمريكيتين وما الدراسات الأمريكية إلّا مثال وإلّا فهناك الدراسات الأوروبية في الهند وفي اليابان وفي ماليزيا.
     وفي عالمنا العربي تقدم أستاذ في الثقافة الإسلامية بمشروع إنشاء كلية الدراسات الأوروبية لإحدى الجامعات ولم تستجب تلك الجامعة، كما دعا الدكتور حسن حنفي لدراسة الاستغراب حتى نتحول من ذات موضع الدرس إلى ذات دارسة ونقضي على مركب الاستعلاء لدى الغرب وعلى مركب النقص لدينا ولكن في دراسات حسن حنفي بعض الدخن الذي يجب أن نتجنبه. وهناك محاولات أخرى لن أتطرق لها وإن كانت جهد يستحق التقدير والتقويم.
     إنني سعيد بتدشين مركز الفكر الغربي في الرياض الذي أتطلع إلى أن يكون له نشاط واسع في معرفة هذا الفكر ودراسته ودراسة الغرب بعمق وفهم ودقة وموضوعية وإنصاف وأن تصل دراساته وتوصياته إلى أعلى مراكز اتخاذ القرار وأن يصل إلى عامة الناس الذين أثر الإعلام ويؤثر فيهم بأن الغرب جنة الله في الأرض ولا يعرف حقائق الأمور.
     لدي أفكار كثيرة حول دراسة الفكر الغربي أؤجلها حتى ينطلق المركز في العمل قريباً بإذن الله
     والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته



الاثنين، 25 مايو، 2015

قضايا فكرية وسياسة من المؤتمر 26 May 2011 at 21:16



تقدمت باحثة بولندية تعيش في البحرين لتتحدث عن قضية المرأة والسياسة في البحرين، وقد سبق لها أن اشتركت في مؤتمر عقد في تايبيه بالصين الوطنية في شهر نوفمبر 2010م  وربما تحدثت عن البحرين هناك، ويبدو لها أن البحرين هي العالم كله، ولا أستصغر البحرين أو أي دولة ولكن لا بد من اعتبار الحجم الحقيقي والمكانة وإلاّ فإن سنغافورة أصبحت في مصاف الدول من العالم الأول. وكان مما قالته في المؤتمر أن الوطنية أو الانتماء للوطن في البحرين يتطلب الآن أن تكون مخلصاً لآل الخليفة وتعتقد أنهم الأحق بالحكم وأنه لا وجود للبحرين دونهم. فتعجبت من أين أتت بهذه الأفكار ولكن نظراً لأنها تعيش في البحرين فقد يكون كلامها صحيحاً
وهنا تذكرت أن أستاذاً إنجليزياً في مؤتمر جامعة إكسترExeter
 قبل أربعة أعوام  (2007) قال متعجباً لا أستطيع أن أتخيل الجزيرة العربية بدون الحكم الفلاني أو الأسرة الفلانية، ثم التفت إلي سائلاً أليس صحيحاً؟ قلت: لا، ليس صحيحاً فهذه الأسرة أو غيرها ليس لديهم صك أن يحكموا إلى الأبد، فقد حكم بنو أمية، ثم جاء بعدهم العباسيون ثم السلاجقة فالمماليك وغيرهم كثير وفي التاريخ القريب ذهب الشاه وذهب والسادات وعبد الناصر وغيرهم كثير.

كان الحديث كثيراً أو أساسيا عن الثورات العربية ومن العبارات التي وردت ديمقراطيات الخبز العربية، وأكد أحدهم أنه لا ضرائب بدون تمثيل بينما الواقع أنه هناك ضرائب ولكن دون تمثيل. ولكن في أماكن كثيرة من العالم العربي تحولت الحكومات إلى حكومات جباية فما أكثر الرسوم حتى إن بعض الدول حتى وإن كان ليس هناك ضرائب معلنة فما أكثر الرسوم هنا وهناك، وبالإضافة إلى الرسوم فقد ابتدعوا أنواعاً من الغرامات وبعض تلك الغرامات يتم تحصيلها والبعض الآخر يتم التنازل عنها إن دفعت المعلوم. وهذا يذكرني حينما أرسل أحد الولاة إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله ورضي عنه يقول له إن أهل الذمة يسلمون وهذا يقلل موارد الدولة، فرد عليه الخليفة العظيم: إنما بُعِث محمدٌ صلى الله عليه وسلم هادياً ولم يبعث جابياً.

السلطة الدينيةوالسلطة السياسية في السعودية

يهتم الباحث الفلسطيني الدكتور محمد العطاونة منذ مدة بالشأن السعودي حتى إنه نشر كتاباً لدى دار بريل عن الوهابية والتحديث ولعلي أكتب له عرضاً قريباً إن شاء الله. وفي هذا المؤتمر تناول العلاقة بين العلماء والمؤسسة السياسية وكيف أن العلماء كان لهم الكلمة وكانوا المرجع في معظم قضايا الدولة، وهناك آراء أن المكانة السياسية للعلماء قد تجاوزتها
الدولة منذ زمن بعيد ولكن بقي العلماء قريبون من الدولة تستشيرهم وتحترم آراءهم كما أنها تلجأ إليهم في كثير من الأزمات السياسية التي تعرضت لها ومنها الفتوى الأخيرة لهيئة كبار العلماء في تحريم المظاهرات حينما صدرت مناشدات ومطالبات للتظاهر للمطالبة بالإصلاح السياسي والاجتماعي. 
وأشار الباحث إلى أنه ليس هناك اتفاقاً بين الباحثين حول البناء السياسي الموجود بين العلماء والحكام. وأضاف أن الباحثين انقسموا إلى قسمين أحدهما يرى أن العلماء لم يعودوا يشكلوا بناء متجانساً واحدا ولكنهم مازال لهم بعض المكانة لدى الحكام، بينما يرى الفريق الآخر أن العلماء فقدوا مكانتهم سواءً في الجانب السياسي أو الديني. أما الباحث فيرى أن هذه العلاقة مازالت مبنية على توافق مستمر يرعى مصالح الطرفين حيث يقدم العلماء غطاءً لشرعية الحكم مقابل استشارة العلماء في قضايا معينة.
         ولكن ما فات الباحث وهو الذي لم يزر السعودية مرة واحدة أن العلماء المرتبطين بالدولة بالوظيفة أو العضوية في هيئة كبار العلماء لم يعودوا يؤلفوا سوى فئة قليلة على الرغم من الوظائف غير المحدودة
والمصالح والامتيازات التي مازال يحصل عليها نسبة من هؤلاء العلماء، ولكن ظهر أن المملكة فيها الآلاف من العلماء الذين لهم أثر كبير في المجتمع ولكنهم غير مؤثرين في العملية السياسية.

 الإسلاميون والمشاركة السياسية

       تناول أحد الباحثين قضية مشاركة الإسلاميين في السياسة بالرجوع إلى مرحلة سقوط جدار برلين ووجود بعض الانفتاح في الدول العربية وشمال أفريقيا وتردد الإسلاميون بين المشاركة في العملية السياسية أو مقاطعة الانتخابات. وظل الغرب يعارض مشاركة الإسلاميين في العملية السياسية حيث كان فوز حماس عام 2006م مزعجاً للغرب كما كان الأمر في الجزائر قبل ذلك حيث تداعى العالم ضد فوز الإسلاميين في انتخابات الجزائر. وحاول الباحث تحليل التحولات الجديدة داخل الحركات الإسلامية في موقفها من المشاركة السياسية من خلال بحث ميداني قام به من خلال المركز الأمريكي للدراسات الشرقية في عمّان بالأردن في الفترة من أبريل ويونيه 2010م. ويشير الباحث إلى عدد من الحركات الإسلامية التي دخلت العملية السياسية ولكنها لم تصل بعد إلى التأثير في القرار السياسي في أنظمة
شمولية كما في اليمن والمغرب والأردن. وأشار الباحث إلى العوامل الخارجية وأن الغرب لا يرى في سياسته الخارجية أن يؤيد التحول الديمقراطي أو دخول الإسلاميين إلى السلطة خوفاً من أنموذج حماس في فلسطين.
         وأوضح الباحث إلى أن الحركات الإسلامية تقدم إلى الجمهور الغربي إلى أنها متخلفة وتعود إلى ما قبل العالم الحديث أو كما قال جوزيف كيششيان في محاضرة حضرتها في القنصلية الأمريكية في جدة العصور الوسطى المظلمة. ولكن الحركات الإسلامية حاولت جادة أن تتأقلم وتتلاءم مع التطورات الحديثة والعولمة حيث استخدموا وسائل الاتصال الجماهيرية الحديثة فلديهم قنوات فضائية كما أنهم يستخدمون الإنترنت وغير ذلك من
الوسائل. ومن مظاهر وجود الحركات الإسلامي في الإنترنت صفحة الإخوان المسلمين الشباب بعنوان (أنا إخوان)(Ana Ikhwan) كما أشار إلى وجود مدونات باللغة العربية وباللغة الإنجليزية أيضاً.

العقد الاجتماعي في سياسات غير ديمقراطية في الشرق الأوسط

        لفت انتباهي باحث شاب من جامعة جاقيلونيان Jagiellonian يعمل أستاذاً مساعداً في قسم دراسات الشرق الأوسط بجديته وحرصه على إتقان اللغة العربية وقراءاته الواسعة في الثقافة العربية والإسلامية وقد تناول في بحثه قضية مهمة حيث أشار إلى مقاومة دول الشرق الأوسط للديمقراطية فيمكن أن تصنف سبع عشرة دولة من دول المنطقة على أنها استبدادية وتشترك فيما بينها وهي: تعددية محدودة لا حساب لها وقوة واسعة مجتمعة في يد الحاكم الفرد أو النخبة الصغيرة وثالثاً تحرك سياسي منخفض للمجتمع، وغياب الإيديولوجية المرشدة. وركز الباحث على العلاقة بين المجتمع والأنظمة وقد ركز في دراسته على كل من اليمن وسوريا.

الفرس وكراهية الإسلام الدين العربي

        شاهدت وقرأت للدكتور عبد الله فهد النفيسي عن المخاطر التي تواجه دول الجزيرة العربية فأكد أن أكبر خطر هو الخطر الإيراني أو الفارسي وأكد معرفته العميقة بهذه البلاد منذ أن أعد رسالته للدكتوراه قبل أربعين سنة حول الشيعة والتشيع في المشهد السياسي العراقي وزار إيران مرات
عديدة وألقى محاضرات سياسية في أكبر مراكز البحوث فيها. أكد الدكتور النفيسي أن التشيع لدى الإيرانيين إنما هو حصان طروادة وإنه لا يهمهم من التشيع شيء وإنما هي نزعة فارسية تحلم بالعودة إلى ملك فارس الذي انتهى بانتصار الإسلام عليه. بل إن النظرة الشعوبية وهي كره العرب هي المحرك الأساس لسياسة إيران ونزعتها لامتلاك القوة فإيران لا تعادي إسرائيل أو أمريكا بقدر ما تعادي العرب والمسلمين والإسلام.(السنّة هم الإسلام، وغيرهم طائفة

        وفي هذا المؤتمر أكد الباحثان الإيرانيان علي جرانماية وحسن مجيد عن ظهور نزعة فارسية بل نزعة كارهة للدين الإسلامي وأن هذا الدين إنما هو دين العرب فهم يكرهون حتى الالتزام بهذا الدين. ولكن ثمة من يقول إن
الملالي لا يكرهون الإسلام بل يتمسكون به وإنما هم العامة والجماهير التي كرهت الملالي وحكمهم وولاية الفقيه وكل ما يربطهم بالإسلام والدين. وهذه النزعة تنطلق كذلك من حرص على الحياة العصرية الشبيهة بالحياة الغربية من ارتداء الجينز وخلع الحجاب وتعاطي الخمور وغير ذلك.

الأحد، 24 مايو، 2015

الشيخ المجاهد مصطفى السباعي رحمه الله


كتب موريس أبو ناضر مقالة نشرتها جريدة (الحياة) اللندنية قبل عدة أعوام عن ريادة إدوارد سعيد في دراسة الاستشراق ونقده عليه وذلك من خلال كتابه المعروف الاستشراق الذي نشر باللغة الإنجليزية وترجم إلى العديد من اللغات ونال اهتماماً كبيراً في الأوساط الغربية والعالمية. ولما كان أبو ناضر قد زعم في مقالته تلك أن كتاب إدوارد سعيد هو أو دراسة تحليلية نقدية للاستشراق، فقد أزعجني هذا الزعم الذي يعد من قبل التعميمات الجارفة (أو الجزافية) فقد غمط حق شيخنا الفاضل الدكتور مصطفى السباعي. ولذلك كتب لجريدة الحياة، العدد 11550 في 27/4/1415الموافق 2 أكتوبر1994م أرد على موريس هذا بأن علماءنا المسلمين الكبار تناولوا دراسة الاستشراق ونقده منذ سنوات عديدة وكانت لهم جهود رائده في هذا المجال. وهذا المقال سيظهر إن شاء الله في هذا الموقع في المستقبل القريب ولكني سأتناول في هذا العدد شخصية الدكتور مصطفى السباعي باعتباره أحد الرواد الأوائل في مجال الدراسات الاستشراقية ولن يكون المقال مخصصاً للحديث عن هذا الجانب ولكنه تعريف عام بالشيخ الدكتور الفقيه المجاهد مصطفى السباعي رحمه الله.
المقال
نشرت جريدة الحياة اللندنية مقالة لموريس أبو ناضر زعم فيها أن كتاب إدوارد سعيد الاستشراق) هو أول دراسة تحليلية نقدية للاستشراق متجاهلاً الجهود الكبيرة التي بذلها علماؤنا الكبار في هذا المجال. ونظراً لمعرفتي بكتابات الدكتور السباعي حول قضايا الاستشراق وقيامه برحلة إلى أوروبا حاور فيها المستشرقين وتلاميذهم فيما كتبوه، كما أن كتابه (السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي يعد رداً موسعاً على موقف المستشرقين من الحديث الشريف وعلى رأسهم المستشرق اليهودي المجري إجناز جولدزيهر. ولذلك قررت الكتابة للتعريف بالشيخ مصطفى السباعي رحمه الله
وقد دعاني إلى الكتابة عن الشيخ مصطفى السباعي أيضاً أن جامعة اكستر البريطانية قد عقدت ندوة أو مؤتمراً بمناسبة مرور الذكرى الثانية لوفاة المؤرخ المصري محمد عبد الحي شعبان الذي عمل في هذه الجامعة رئيساً لقسم الدراسـات الإسلامية مدة طويلة. وقد اطلعت على بعض إنتاج المؤرخ المذكور فوجدته أساء إلى التاريخ الإسلامي أكثر مما قام بمثله كثير من المستشرقين، وهاهم يحتفلون بذكره أو ذكراه، فكم من مؤتمر عقدنا في الجامعات العربية الإسلامية احتفاءً بذكرى السباعي رحمه الله وأمثاله ممن قدموا جهداً ونتاجاً فكرياً مباركاً؟
نشأته وتعليمه
ولد الشيخ مصطفى السباعي عام 1334ـ1915م في مدينة حمص السورية لأسرة عريقة في العلم والتدين والجهاد. فقد كان والده حسني السباعي من علماء حمص المعدودين، وكان خطيب الجامع الكبير فيها. بدا رحمه الله تعليمه بحفظ القرآن الكريم ومبادئ العلوم الشرعية، ثم التحق بالمدارس النظامية حتى أنهى الدراسة الثانـوية عام 1930م، ولم يكن التعليم النظامي المصدر الوحيد للتعليم لدى السباعي
فقد كان يحضر مجالس أبيه التي كانت تضم كبار علماء حمص حينذاك، كما كان يتردد إلى العلماء، وكان يحب المطالعة كثيراً في كتب الأدب والثقافة عموماً، وفي عام 1933م التحق بقسم الفقه في الجامعة الأزهرية بالقاهرة، ثم انتقل إلى كلية أصول الدين ونال الماجستير منها، أما بحثه للدكتوراه فكان بعنوان: السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي) الذي ردّ فيه على شبهات المستشرقين حول السنة وبخاصة شيخهم المجري اليهودي إجناز جولدزيهر بأسلوب علمي رصين
حياته التعليمية
بدأ السباعي التدريس في المدارس الثانوية بحمص، ولم يجد في المدارس ما يشفي غليله من ناحية المنهج أو الأهداف التربوية فأسس المعهد العربي في دمشق وكان أول مدير له وفي عام 1950 انتقل للتدريس في كلية الحقوق بجامعة دمشق، ولكنه كان يرى أن الشريعة الإسـلامية يجب أن تحظى بكلية خاصة فدعا إلى ذلك وأسهم إسهاماً كبيراً في إنشائهـا وكان أول عميد لها حينمـا تأسست عام 1955م
ولم يقتصر عمله على التدريس أو العمل عميداً للكلية أو رئيساً لقسم الفقه ومذاهبه في الكلية نفسها بل كان له نشاط مكثف في إلقاء المحاضرات العامة رغم ما كانت تسبب له من إرهاق شديد، وكان يقاوم متاعبه الجسمية للقيام بهذه المهام الصعبة وكان يقول:" خير لي أن أموت وأنا أقوم بواجبي نحو الله من أن أموت على فراشي فالآجال بيد الله، وإن ألمي من حرمان الطلاب من دروس التوجيه أشد وأقسى من آلامي الجسدية، وحسبي الله عليه الاتكال "
حياته العملية والسياسية
بالإضافة إلى هذه الأعمال العليمة التي تحتاج إلى فريق من الناس، فقد تطلع السباعي إلى خدمة أمته في مجالات أخرى حيث دخل البرلمان نائباً عن مدينة دمشق، وقد اختير نائباً لرئيس المجلس، كما اشترك في وضع مسوّدة الدستور، فكان له جهد مبارك في تأكيد هوية البلاد الإسلامية
ومن المجالات التي عمل فيها السباعي: الصحافة حيث أنشأ جريدة " المنار " واستمرت حتى عام 1349م حيث تم إيقافها. وفي عام 1955م أسس جريدة "الشهاب" واستمرت في الصدور حتى عام 1958م. وفي الوقت نفسه أصدر السباعي " مجلة المسلمون" التي أصبحت تحمل اسم مجلة " حضارة الإسلام" منذ عام 1958م
علامات بارزة في حياة السباعي
إن المتتبع لحياة الشيخ الدكتور السباعي يجدها غنية بالمواقف والنشاطات والإنتاج العلمي الغزير. ومن هذه المواقف مقاومته للغزو الفكـري المتمثل في المدارس الأجنبية والإرساليات التنصيرية فقد ذكر محمد بسام الأسطواني أن السباعي رحمه الله كان صاحب مواهب وحماسة وهمة وإمكانات  أكبر بكثير من سنّه، فقد كان أول عمل من أعماله محـاربة الغزو الفكري الذي اتخذ من المدارس الأجنبيــة أداة لتنفيذ هذا الغزو ويضيف الأسطواني: "وكان أول عمل قـام به تأليف جمعية سرية لمقاومة مدارس التبشير الأجنبية التي أنشئت بمسـاعدة وحماية السلطات الاستعمارية أيـام الانتداب ، هذه المدارس كانت تنفث سمومهـا الاستعمارية الخبيثة في أبناء الطبقة الراقية وتحبب إلى طلابها الثقافة الغربية والأخلاق والعادات الإفرنجية، وتعمل على إبعادهم عن عقيدتهم وثقافتهم الدينية والعربية، فعمل على محاربتها وأخذ يكتب المنشورات ويعمل عـلى طبعها سراً أو يتولى مع رفاقه توزيعها على الناس داعياً فيها إلى محاربة الاستعمار ومدارسه ومظالمه وجرائمه. "مجلة حضارة الإسلام: عدد تذكاري جمادى الآخرة –رجب 1348هـ.تشرين الأول-كانون أول 1964م
السباعي والاستشراق
 ولقد بدأ الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله تعالى خطوة عملية في مواجهة الاستشراق سبق بها زمنه بعشرات السنين، ولكن هذه الخطوة لم تجد من يواصل طريقها اللاحب، لذلك عندما ظهر كتاب إدوارد سعيد "الاستشراق" ظن كثيرون أنه أول من فضح الاستشراق وعرّاه. وبالرغم من أهمية كتاب إدوارد سعيد إلاّ أن أعمال الشيخ السباعي لم تنل ما تستحقه من الاهتمام والإشادة بها، فهي محطة بارزة في المواجهة مع الاستشراق. وقد تمثلت خطوات السباعي أولاً برسالة الدكتوراه حول السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي التي انتقد فيها موقف المستشرق المجري جولدزيهر كما فضل كثيراً من الآراء الاستشراقية حول علماء الحديث كالإمام الزهري وغيره
وفي عام 1956م اتخذت جامعة دمشق خطوة مباركة حيث أوفدت الدكتور السباعي رحمه الله لزيارة الجامعات الغربية للاطلاع على مناهج الدراسات الإسلامية هناك. فزار تركيا وإيطاليا وبريطانيا وإيرلندا وبلجيكا وهولندا والدنمارك والنرويج وفنلندا والنمسا وسويسرا وفرنسا. واجتمع في هذا البلاد كلها بالمستشرقين من أساتذة الدراسات الإسلامية والشرقية. ويذكر الأسطواني أن هذه الزيارة كان فرصة لمناقشة المستشرقين في مؤلفاتهم وتوضيح أخطائهم المنهجية وكان السباعي صاحب حجة وبيان مما دعا بعض المستشرقين إلى التراجع عن افتراءاتهم وأخطائهم
وكان من نتائج هذه الزيارة إصدار كتاب صغير في الحجم كبير في القيمة الأدبية والعلمية ذلكم هو كتابـــــه (الاستشراق والمستشرقون ما لهم وما عليهم) الذي تحدث فيه عن هذه الجولة وأبرز المناقشات التي دارت بينه وبين المستشرقين، وكم كان مضراً بالمواجهة بين الإسلام والاستشراق أن هذه الخطوة الإيجابية الرائعة لم تتعبها خطوات أخرى مماثلة، وبخاصة أن المواجهات كانت تحتاج إلى علمـاء متمكنين في العلوم الشرعية يعتزون بانتمائهم للإسلام ولهم حجة قوية وبيان ناصع. وحبذا لو قام أكثر من باحث بدراسة "مجلة حضارة الإسلام" ومجلة الدراسة لدراسة الاستشراق في بداية الصحوة الإسلامية
ومما يمكن أن يضاف إلى مواجهة الاستشراق الكتابة الإيجابية عن الحضارة الإسلامية أو ما أطلق عليه الدكتور أكرم العمري " تمثيل أنفسنا أمام أنفسنا " فقد أصدر الشيخ الدكتور السباعي كتابه " من روائع حضارتنا " أبرز فيه أهم معالم الحضارة الإسلامية والأسس التي قامت عليها هذه الحضارة واختلفت فيها عن الحضارات الأخرى. وقد كتب الشيخ محمد حميدة – أحد علماء المدينة المنورة المعاصرين-يؤكد على ضرورة أن يقرأ شباب الأمة الذين قد تخدعهم الحضارة الغربية بمنجزاتها المادية وزخرفها هذا الكتاب. واقترح الشيخ حميدة ضرورة ترجمة الكتاب إلى اللغات العالمية ليعرف العالم حقيقة حضارتنا
ومن الجهود الإيجابية في الرد على الاستشراق كتابه القيم المرأة بين الفقه والقانون الذي أوضح فيه حقيقة موقف الإسلام من المرأة وانتقد فيها وضع المرأة في الحضارات الأخرى وبخاصة الحضارة الغربية وقد تناول موضوعات كثيرة تخص المرأة من أبرزها العلاقة بين المرأة والرجل وموقف تشريعات الإسلام من المرأة مقارناً إياها بالتشريعات الغربية. وفي الكتاب معلومات وإحصائيات دقيقة حبذا لو طبع الكتاب طبعة جديدة مع تحديث هذه المعلومات القيمة
السباعي -عالم مجاهد
عرف السباعي رحمه الله مسؤولية العالم معرفة حقيقية فلم يحصر نفسه بين القرطاس والقلم، ولكنه كان صاحب مواهب قيادية ففي مصـر حيث الاستعمار الإنجليزي وقف السباعي في وجه هذا الاحتلال حتى اعتقل عام 1934م، واستمر في الكفاح فاعتقل مرة أخرى عام 1940 بتهمة تأليف جمعية سرية لتأييد ثورة رشيد عالي الكيلاني، وسجن شهرين ثم أُطلق سراحه ثم سُلّم للسلطات الإنجليزية في فلسطين التي سجنته مدة أربعة أشهر ، ثم عاد إلى سوريا وفي عام 1941 أُلقي القبض عليه من قبل السلطات الفرنسية التي تركته في السجن قرابة سنتين ونصف تنقل خلالها في عدة سجون ومعتقلات منها معتقل : "الميّة الميّة " و" قلعة راشيا " بلبنان حيث عاني خلالها من التعذيب الوحشي والمعاملـة القاسية
ولا شك أن قضية فلسطين كانت محور جهاد الشيخ الدكتور السباعي فما أن خرج من المعتقل حتى أخذ يتجول في نواحي سوريا يخطب ويكتـب في الصحف ويدعو الشعب السوري للصحوة للمؤامرة الخطير التي تحاك ضد الأماكن المقدسة في فلسطين بل فلسطين كلها. وحمل السلاح عام 1945حينما شددت السلطات الاستعمارية الفرنسية حملتها ضد الشعب السوري فكان لجهاده أبعد الأثر في تكبيد العدو خسـائر فادحة
وعندما أُعلن تقسيم فلسطين عام 1947م ما كان أمام هذه الأمة إلاّ الجهاد فقاد الشيخ السباعي كتائب المجاهدين إلى فلسطين وهنا أبدى صنوفاً من الكفاح والتضحية ولكن المؤامرة كانت تحاك ضد الجهاد في الخفاء فقبلت الدول العربية الهدنة وبدأت تحارب المجاهدين وتخرجهم بالقوة من المعركة، وما عاد السباعي إلى بلده ليستريح ويعيش حياة الدعة بل واصل الكفاح في حث الجماهير المسلمة على مواصلة الجهاد لاستخلاص فلسطين من أيدي المغتصبين اليهود
رحم الله الشيخ الدكتور مصطفى السباعي رحمة واسعة فقد كان مثالاً للعلماء العالمين الذين ينبغي أن تُدرَسَ حياتُهم وتُنشر أعمالهم