الخميس، 20 فبراير 2014

أوروبا وأمريكا المتخلفين ؟؟!


 

 

  تقديم: وجدت هذه المقالة في جهازي ولا أعرف من المتحاورين هنا ومن كاتب المقالة ولكني أقدمها لكم كما هي وأرجو أن تستمتعوا بها كما استمتعت

 

أعرف أولاً أن هذا العنوان سوف يُثير حفيظة من كان هواه غربياً وأعرف ثانيا أنني ربما أرمى بالمبالغة ولكن – رعاكم الله – لا تتعجلوا عليّ حتى تقرؤ الموضوع وأعدكم بأني لن أتحدث إلا عن علم ، سواء مما رأيته رأي عين ، أو سمعته مباشرة ، أو قرأته بنفسي ، فلا تحكموا حتى تتموا قراءة ما كتبته

=======

جمعني مجلس باثنين من الأقارب؛ أما أحدهما فهو حاصل على شهادة الدكتوراه من أوربا، وأما الآخر فمدير مدرسة فدار الحديث حول الغرب وتطوّر أوربا يشوب ذلك الحديث نظرة إعجاب بالغرب وانبهار بالحضارة المادية ، وتلمس منه نوع ازدراء للمجتمعات الإسلامية فطرحت السؤال الآتي :

ما مقياس التطور والحضارة في نظركم ؟

فكان الجواب :الجانب التقني ( التكنولوجي ) والجانب الإداري

فقلت : أولاً : أغفلتما الركن الأساس ، ألا وهو الجانب الأخلاقي

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت .... فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا والقوم يشكون ويتذمّرون من انحطاط الأخلاق حتى قالت قائلتهم - وهي الدكتورة أيدا أيلين في بحث لها - : إن سبب الأزمات العائلية في أمريكا ، وسِرّ كثرة الجرائم في المجتمع ، هو أن الزوجـة تركت بيتهـا لِتُضاعِف دَخْل الأسرة ، فزاد الدّخل ، وانخفض مستوى الأخلاق ! وقال لي بعض المسلمين الذين يعيشون في أوربا ، إن المرأة أو الفتاة التي تسير في الشارع مع والديها تُعتبر معقدة وليست ذات صديق !! فتحتاج إلى والديها حتى لا تصاب بأمراض نفسية أكثر ، إذ تـُعتبر معقدة !!!وكذلك من تراها في الشارع بصحبة الكلب أو الكلاب !!! ومن تهاوي جانب الأخلاق ما يشهد به كل عاقل :كثرة الجرائم والانتحار كثرة حوادث الاغتصاب وتفكك الأواصر والروابط الاجتماعية وانتشار الشذوذ بين الرجال وبين النساء وانتشار نكاح ذوات المحارم ... إلى سلسلة يطول ذكرها ويصعب شرحها .

ثانياً : أغفلتما الجانب الاجتماعي ، والغرب يشكو – بعامة – تفكك الأسرة ، قال الأستاذ شفيق جبري في كتابه أرض السحر : إن المرأة الأمريكية أخذت تخرج عن طبيعتها في مشاركتها الرجل في أعماله ، إن هذه المشاركة لا تلبث أن تُضعضع قواعد الحياة الاجتماعيـة ، فكيف تستطيع أن تعمل في النهـار ، وأن تُعنى بدارهـا وبأولادها في وقت واحد ؟

بل إن القوم في ظل ذلك لا يستطيعون العيش دون الكأس والمرقص ، بل هم في لهف لنهاية الأسبوع حيث يتراقصون ويسكرون ويتساقطون فيشعر الواحد منهم بذهاب الهمّ ولو لوقت قصير !!

فقال لي الدكتور: الغرب فصـّـل ثوبا ولبسه !!

فقلت : ليس كل من لبس ثوبا أصبح لائقا به مناسباً له ، ومع ذلك فعقلاء الغربيين والعاقلات منهم يَشْكُون جميعا ذلك الثوب الذي يُخالف الفطرة .( ولو أردت أن أنقل كلامهم لطال بنا المقام والمقال )

وأما الجانب الإداري :

فإن مما يتبجّح به الغرب حقوق الإنسان ، وهي لمن جمع ثلاثة أوصاف ( أن يكون غربياً – وأن يكون نصرانيا – وأن يكون أبيضا ) !!!فإذا اختل وصف من هذه الأوصاف سقطت إنسانيته ، وأصبح ( لا إنسان ) !!وخذ على سبيل المثال :التفرقة العنصرية في أمريكا وأوربا ، بل إن طوائف تعيش في أوربا من عشرات السنين ، وهي نصرانية ، ولا تزال أوربا تنظر إليهم نظرة الاحتقار والدُّونيّة ! وهم من يُسمونهم الغجر ، أو يسمونهم (الختيانوس ) فلا يتزوّجون منهم ولا يُزوّجونهم !! ( اختل وصف الجنس واللون )

وخذ مثالاً آخــر : الغربي الأبيض البوسنوي لم تتحرك منظمات حقوق الإنسان يوم سُفك دمه ، أما لماذا ؟ فالجواب : لأنه مسلم (اختل وصف الديانة !)

وخذ مثالاً ثالثاً على الجوانب الإدارية : وفي فرنسا قابلت طبيبا مسلما فقال لي : هنا عندك تأمين صحي تتعالج وتعيش !! أما إذا لم يكن عندك تأمين صحي فلا قيمة لك ولو مُتَّ على الرصيف. ثم قدّر الله أن سافرت من عنده إلى مدينة أخرى فقيل لي : هنا دكتور مسلم وهو مريض يُعاني من مرض في القلب ، فلو زرته ، فذهبت لزيارته بصحبة ابن أخته ، فقصّ لي قصة خاله ومعاناته مع المرض ، وأنه جاء إلى فرنسا لتقديم بحث ثم يعود إلى بلده ، فسقط هنا مريضا ، فلو لم يتكفـّـل بعض تجار المسلمين بنفقات علاجه لمات على قارعة الطريق ... لأنه لا يملك تأمينا صحيا !!! أليس بشراً ؟؟؟؟!!!

هذا مما يحدث في أوربا !!!!

وهم لا ينضبطون في بلادهم حُبّاً في النظام بل خشية العقوبة ، والغرامات المالية ... فقد تعاملت معهم شخصيا في بعض سفاراتهم ، والتي تُمثـّـل بلادهم فكان من الطبيعي أن تجلس الساعة والساعتين في انتظار معاملة !! بل ترددتُّ أكثر من أسبوع على إحدى السفارات للحصول على تأشيرة ، وفي النهاية أُعيد إليّ جوازي دون سبب مُقنع أو مبرر مقبول (ولكن من أمن العقوبة أساء الأدب !!)

ولو كان ذلك في بلادهم لتم إنجاز الأوراق في وقت قياسي خشية الملاحقة القانونية !!

وممـا شاهدته بنفسي أن بعض الحـدائق في أوربا يُمنع دخول الكلاب فيها ، حِفاظـاً على النظافـة ، وقد يدخِلُ بعضهـم كَلْبه (المُـدلّل !!) لتلك الحـدائق ، ليقـوم بتمشيته ! وعندهـا يُضطـرّ لأن يحمـل معـه المناديل الورقية في جَيْبِه لالْتِقـاط مُخلّفـات كلبه وفضلاته ، خوفـاً من العقوبة !!

وخذ مثالاً رابعاً: في فرنسا يعيش أكثر من خمسة ملايين مسلم ليس لهم مقبرة مستقلة ، بينما توجد في باريس ( التي يُسمونها زورا وبهتانا عاصمة النور ) توجد أكبر مقبرة للكلاب !! فهل هذا يُعـدُّ تقدّماً أو تحضُّراً ؟!!

وخذ وخذ وخذ وأنت قد عشت هناك سنوات ورأيت وخبرت

أليس كثير من الناس هناك يتحاشون السير ليالي نهاية الأسبوع خوفا من حوادث الطرق التي يتسبب فيها السكارى ؟؟ بل في بعض الدول الأوربية تأتي نتائج إحصائيات حوادث نهاية الأسبوع لتفوق حوادث الأسبوع كاملا بل ربما فاقت حوادث الشهر كاملا ؟؟

وفي بعض الدول هناك أسابيع مقدّسة تتعطّل فيها الأعمال لمدة أسبوع فربما جاءت نتائج حوادث ذلك الأسبوع الذي يُتعاطى فيه الخمر بشراهة !! تأتي نتائجه أكثر من خمسين أو مائة قتيل نتيجة حوادث السكارى ؟؟

وخذ مثالاً وليس الأخير في حياتهم : كنت يوما من الأيام في مدينة أوربية صغيرة وأردنا الخروج من تلك المدينة فإذا بالشارع العام – وهو أكبر شارع في المدينة – إذا به مغلق ، فأخذنا نبحث عن مخرج ، حتى خرجنا ، فسألت عن سبب إغلاقه ؟ قالوا : تحبّ أن ترى الجواب ؟ قلت : نعم  فانطلقوا بي إلى مكان نرى منه الشارع الرئيسي وهو محاط بسياج حديدي من الجانبين ، فوقنا قليلا ، ثم مرّ عِجلٌ صغير يجري !! وإذا القوم خلفه يجرون !! كأنه قد قتل لهم قتيلا أو سرق لهم شيئا ثمينا !!! فقلت : لماذا هذا ؟ قالوا : هذه رياضة (أوربية ) يُقيمونها كل سنة !!

فقلت : أما لو عملناها نحن المسلمين – ولن نعملها – لعدُّوا ذلك تخلفا ووحشية !!! ولتنادت جمعيات حقوق الحيوان لوقف هذه الهمجية !!!كما تتنادى لوقف ( وحشية ) ذبح الحيوان !! أما أن تـُعمل في قلب أوربا !! فهذا التقدّم والحضارة !!

وأما الجانب التقني ( التكنلوجي ) فقد سافرت بنفسي على طائرة ( فوكر ) ذات المراوح الجانبية ، سافرت عليها في أوربا في رحلة دامت أكثر من ساعة !! وسافرت عليها أيضا في دولة آسيوية (نامية !) فأي فرق بين تلك الدولة الآسيوية الفقيرة وبين تلك الدولة الأوربية ( التي تـُعتبر متحضرة متقدّمة ) ؟؟!!

فقال الآخر – وهو مدير مدرسة –

هذا لا يُعـدّ مقياسا للتطور والتخلـّـف !! يمكن أنهم يستخدمون تلك الطائرات في الرحلات القصيرة !! فقلت يا صاحبي سافرت عليها في رحلة بين مدينتين من أكبر المدن الأوربية ، ودامت الرحلة أكثر من ساعة !! ( يعني كأنك تسافر من الرياض إلى جدة ! )

ولكن ما حيلتي فيمن كان هواه غربياً !!! يرى الغرب والغربيين عند النجم !! أو مثل الكوكب الغابر في السماء !!! ما حيلتي فيمن يرى ***** أن القبيح هو الحسن ؟؟

ومن مظاهر التخلّف أنك لا تدخل محلاًّ إلا وتـُصمّ آذانك من آثار الموسيقا الصاخبة دون مراعاة لمشاعر الناس وأنك لا تدخل محلا أو مكانا عاما إلا وسحب الدخان تعلو المكان ، من آثار السجائر دون مراعاة لمريض أو مسنّ أو غيره

ولكن الجانب التقني في بعض الدول الغربية أعمى بعض العيون عن رؤية واقع القوم وحقيقة حياتهم ، والمناظر المؤلمة من الداخل (ولي وقفات مع بعض المظاهر في أوربا ، ولولا خشية الإطالة لسردت كثيرا منها )

ولعل القارئ الكريم يرجع إلى كتابين ذُكر فيهما الكثير عن الواقع الغربي بالأرقام والإحصائيات الأول : أمريكا كما رأيتها للدكتور مختار المسلاتي ، وقد عاش في أمريكا ردحا من الزمن والثاني : المرأة بين الفقه والقانون للدكتور مصطفى السباعي

ومعذرة على الإطالة ....  وشكرا للجميع

 

 

 

نظام الساعات هل يمكن أن يعود؟ واقتراحات من زمن مضى


 

خرجت من قاعة المحاضرات في جامعة الملك سعود حيث كنت في إحدى محاضراتي في مادة ثقافة إسلامية (104) عن النظام السياسي في الإسلام فإذ بي أمام مكتب الدكتور فارس شهاب الأستاذ بقسم اللغة اليابانية، فدار بيننا حديث عن رغبتي أن أذهب إلى اليابان لفصل دراسي لأدرس في إحدى الجامعات هناك وأخلص من التدريس للطلاب في جامعاتنا بعد أن كلفوني من أمري رهقا. ثم قال لي لماذا لا تأتي وتدّرس في قسم اللغة اليابانية؟ قلت ولكن نظام الساعات حدد للطلاب ما يدرسون مسبقاً أي رجعنا إلى نظام المدارس الثانوية، لماذا لا يمكن للطالب في قسم اللغة اليابانية أن يدرس مادة في العلوم السياسية أو في الإدارة أو في الدراسات الشرعية. صحيح أنني أقترب من مغادرة الجامعة لكن كم أتشوق إلى أن أقدم مواد اختيارية وليست لطلاب الثقافة الإسلامية فياتيني الطلاب من الطب والهندسة والعلوم واللغات، كم يسعدني أن أقدم مادة بعنوان مؤتمرات وندوات مثلاً، أو مادة علم الاستغراب لماذا يجب أن ندرس الغرب وندرس الشعوب الأخرى؟ فيا معالي مدير الجامعة لقد بدأت مشواراً قوياً في تطوير الجامعة ألا يمكن النظر في إعادة نظام الساعات. وهناك من المبررات الشيء الكثير فلماذا لا يتاح لطالب الهندسة أن يدرس مادة اختيارية في القانون فأذكر طالب هندسة في جامعة بورتلاند كان يدرس مادة الجدل argumentation وكنت حينها في برنامج اللغة فتعجبت من طالب هندسة يدرس مثل هذه المادة وبعد سنوات أدركت أن الطالب بحاجة إلى توسيع مداركه وزيادة ثقافته فهل يمكن أن نتطور ونرتقي ونرجع إلى نظام الساعات. وأعرف أن له محاذير في أن يظهر طائفة من الأساتذة يعطون في موادهم درجات عالية أو يكونون كرماء في الدرجات ولكن هذا الأمر يمكن أن يسيطر عليه ببعض الرقابة. ولي عودة إلى الموضوع وشكراً للدكتور الصديق فارس شهاب على إثارة هذه القضية.

مشاهدات وطرائف من القاهرة 2009م(قبل الربيع المبارك والشتاء الصقيع الانقلاب)


 

هل يؤثر فيك الانطباع الأول عن أي بلد فتحكم له أو عليه؟ لو كان هذا الأمر صحيحاً لغادرت القاهرة قبل أن تصل وسط المدينة بسبب ما يمكن أن تلاقيه عند بوابة المطار. ما إن خرجت من بوابة المطار حتى ظننت أن هناك خلل في محافظ القاهرة ومسؤول المرور فما أن تصبح خارج الباب حتى يتلقاك ألف شخص يريدون أن ينقلوك إلى وجهتك، وربما تفاوضت مع أحدهم فأعطاك سعراً لم يعجبك فيبدأ بتخفيض المبلغ وكأنه يتحدث عن سعر سلعة قابلة للتفاوض وليس هناك حافلات منظمة تنقلك إلى وسط القاهرة. ولو قبلت الركوب مع أحدهم فيأخذك إلى مواقف السيارات مما يعني أنه غير مسجل في سيارات أجرة المطار فتكون مغامرة أخرى. وقد تسير معه عشرة دقائق حتى تتعب فوق تعب السفر.

 

فما الصعوبة في تنظيم السير بطريقة حضارية؟ وما عمل آلاف الجنود حول المطار فما رأيت أنهم لم يكونوا للتنظيم بقدر ما هم يبحثون عمن يعطونه مخالفة أو يأخذون منه رشوة. وكأن هدف الحكومات العربية (قبل الثورة) هو ابتزاز الناس ونهب أموالهم. بل تجد هذه الدول تضطر الناس في أحيان كثيرة إلى ارتكاب المخالفات ليأخذوا منهم الغرامات. فسائق السيارة الأجرة يعيش إرهاب الجنود فهو مهدد بسحب رخصته أو أن تسجل مخالفة ضده فيموت جوعاً هو وأولاده ولذلك ترى سائق السيارة أو المواطن ما إن يقف أمام الجندي (الفرعون الصغير) حتى يبدأ في الاستجداء والاستخذاء. وليس هذا الأمر قاصراً هنا فنحن نعيش في عالمنا العربي (قبل الثورات) في ثقافة العرائض والمعاريض. قدّم عريضة، فقد كنت في إدارة حكومية قبل مدة فطلب مني رئيس الدائرة أن أكتب معروضاً ولمّا كتبته لم تعجبه صياغتي فما كان منه إلاّ أن انتقدني بسخرية دكتور ولا تعرف كيف تكتب معروضاً، فقلت له والله إن لم تتأدب لأشكينك إلى أمير المنطقة. وأتساءل ما سبب تجبر الجنود مع المواطنين؟ هل سبب ذلك أن الجنود يتعرضون للإذلال من رؤسائهم الضباط (لدينا فرق كما بين السماء والأرض فيما بين الجنود والضباط، وكم رأيت جندياً يقف ليخدم سيده الضابط) فإذا انتقل الجندي للتعامل مع المواطنين صار شرساً متحجر القلب باطشاً. ومطاراتنا في المملكة ليست أحسن حالاً فمطار الرياض يعاني من فوضى خانقة حيث تنقسم سيارات الأجرة في المطار بين السائقين المواطنين والسائقين غير المواطنين والأخيرين ألين جانباً وأقل طمعاً فيكتفون براكب واحد وفقاً للأجرة المقررة منذ ثمان وعشرين سنة كما أفادني أحد السائقين وهي قديمة بالفعل ولا تناسب طول المشوار، وبعض الركاب بخلاء ظلمة لا يرغبون في دفع أجرة معقولة فيفاصلون على أي شيء ولو قال له السائق مجاناً قال كم مجاناً يريد أقل من ذلك. فيضطر السائق المواطن أن يأخذ أكثر من راكب. وأخيراً قامت إدارة المرور بحصر جميع السيارات الأجرة ضمن صبات لا يستطيعون الخروج منها مهما أرادوا وعلى الراكب أن يرضي بما قسمه الله وقد يتأخر للمفاوضات، ولن تستطيع أن تخرج سيارة من آخر الصف.
وفجأة مرت سيارة أجرة فسألته عن الأجرة بعد أن رفضت مائة عرض وعرض، فكان عرضه مناسباً وكان يتفاوض مع الجندي على رشوة ليسمح له بإركابي لأنه ليس من سيارات أجرة المطار وإنما كان قادماً من القاهرة، وبعد أن تفاهما سرت معه ومع ذلك طلب مني أن أحفظ اسمه حتى لو سألني جندي آخر لقلت له إني أعرف السائق وأنا الذي طلبت منه أن يأتي إلى المطار لينقلني، فهل السلطات تعلّم الناس الكذب بعد أن تكذب عليهم فيصبح المجتمع كذاباً كما فعلها معي سائق آخر في طريقي إلى الأردن حين طلب مني أن أقول للجمارك عن البضاعة المهربة إنها هدايا لأقاربي.
وهنا فكرت لو كان لي مخ تجاري لاتفقت مع شريك مصري وليكن من علية القوم أو علتهم أو عللهم أو كبرائهم لإنشاء شركة حافلات لنقل الركاب من المطار إلى وسط المدينة ولكان هذا مصدر دخل جيد أفضل مليون مرة من التدريس والعلم الذي رخص حتى كاد يكون بلا ثمن في عالمنا العربي، ومن ذلك أنني دعيت لإلقاء محاضرة في جامعة الملك سعود 2/11/1431هـ الموافق 11/10/2010م وبعد أشهر علمت أن المكافأة ألف ريال ولم أتسلمها بعد (رجب 1432هـ)
المدينة الجامعية لجامعة القاهرة الأمريكية
كنت أتوق لزيارة الجامعة في مقرها القديم فما شاء الله ذلك وها أنا أزورها في مدينتها الجامعية الجديدة الباذخة في القاهرة الجديدة التي كأنها مدينة أوروبية حتى لتتعجب من شكوى المصريين من قلة المال وهم يبنون ما لا يبنيه أصحاب أموال البترول. كان مساحة الجامعة القديمة 23 فدان وأصبحت مساحتها الآن 230 فدان وعدد طلابها ستة آلاف.
دخلنا الجامعة من بوابة الزوار وكانت تقلنا حافلتان ضخمتان من الصف الفاخر وليست من الحافلات التي يرميها الأوروبيون والأتراك خردة فتستوردها شركاتنا العظيمة ولا تستحي فتبقي الكتابة الألمانية والتركية. وبدأت الجولة في مباني الجامعة المتقاربة وكأنها متصلة بممرات مبلطة بحجز جميل لونه يميل إلى البيج، وقطع البلاط كبيرة أما المباني نفسها فأخذت الطراز المصري المملوكي والطراز العربي الإسلامي والطراز المكسيكي (لا أدري لماذا؟) وقد اشتركت ثلاث جهات في تميم الجامعة منها جهة مصرية.
ومررنا بمجمع المطاعم وهناك عدد من المطاعم الأمريكية (أليس اسم الجامعة الأمريكية) ذات الأكل الزبالة، وهناك مطعم مصري ولكن هل هو واحد أو أكثر يقدم الأكلات المصرية واسمه العمدة،فكأن المصريين حتى إذا التحقوا بالجامعة الأمريكية واعوجت ألسنة بعضهم لا يتخلون عن الفول والطعمية والكشري وربما حتى الكوارع التي يسميها المغاربة كراعين ويسميها أهل الحجاز المقادم والكوارع أيضاً.
وفي أثناء الجولة مررنا بمبنى مكتوب عليه قاعة يوسف جميل وسرنا قليلاً فرأيت مبنى آخر مكتوب فوقه (عبد اللطيف جميل)، ولا بد من وجود مبان أخرى بأسماء أثرياء آخرين من السعودية فالوليد بن طلال تبرع لهم بكرسي الدراسات الأمريكية (أمريكيون يدرسون الأمريكيين، وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا)-حاول التبرع لجامعة الملك سعود فيما أعلم ولا أدري لماذا لم تؤسس الدراسات الأمريكية عندنا؟_
كان معنا في الزيارة دليل وهو من طلاب الجامعة يدرس الهندسة ويقول ستون في المائة من الطلاب يدرسون بمنح مختلفة وثمة نسبة لأبناء الأثرياء –لا يستحقون المنح لأن مستوياتهم متدنية أو إنهم عازفون عن التقدم للمنح فأولياؤهم يملكون الكثير من المال-. وتحدث الطالب عن تعايش الثقافات في الجامعة التي لم أر فها مسجد ، فكيف يكون تعايش ولا يوجد المسجد في المكان الذي يكون فيه الطلاب معظم الوقت.
لقد أثبت المصريون (حتى وإن كان أمريكية) أنهم يستطيعون أن يبدعوا في البناء والتصميم وتنفيذ المشروعات الكبيرة فهذه الجامعة هي النموذج الثاني بعد مكتبة الإسكندرية التي تعجز الدول الثرية (بالمقاييس البلهاء) أن تبنيها. لقد رأيتهم يضيفون توسعة لمكتبة الملك فهد الوطنية عبارة عن أعمدة وزجاج فكم هو بعيد عن الذوق والجماليات. والله لو كان لي الأمر لجلبت لها الحجارة من آخر الدنيا، إنها المكتبة الوطنية، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله

 

لو كان عندنا دراسات للغرب؟ حقوق الإنسان في الغرب


                                بسم الله الرحمن الرحيم

                     
كتبت قبل مدة بعنوان (هل تصدق هذا؟) عن الأمريكي الذي ادعى معاناته من الاضطهاد من بعض الجهات الحكومية الأمريكية ،وأن حياته مهددة بالخطر ،ولذلك طلب اللجوء السياسي من دولة السويد التي رفضت أن تمنحه هذا الحق في المرة الأولى لما يعرف عن الولايات المتحدة الأمريكية من أنها دولة ديموقراطية وأنها دولة القانون. وتقدم مرة أخرى ومعه أدلة جديدة عن الاضطهاد الذي يتعرض له.

وبينا أبحث في القصاصات الصحفية لدي وجدت أن شرطة نيويورك التي اشتكى منها هذا المواطن الأمريكي ضالعة فعلاً في اضطهاد الأقليات العرقية فقد نشرت منظمة مراقبة حقوق الإنسان (Human Rights Watch )تقريرها الذي تتهم فيه الشرطة الأمريكية " بارتكاب انتهاكات فظيعة واتباع أساليب وحشية مع الذين يقعون في قبضة رجال الشرطة." وأضافت الصحيفة( الشرق الأوسط 16ربيع الأول 1419) نقلاً عن التقرير الذي يقع في خمسين وأربعمائة صفحة وتم إعداده بعد دراسة واستقصاء داما سنتين أن الاتهام لا يوجه للشرطة وحدها بل تشاركها السلطات المحلية والفيدرالية ووزارة العدل بأن هذه الجهات " تتقاعس عن التصدي لمثل هذه الانتهاكات الشائعة في الولايات المتحدة الأمريكية."

أما أفعال الشرطة التي تعد انتهاكاً لحقوق الإنسان فهي : إطلاق النار على الضحايا دون مبرر ، والضرب المبرح ، والخنق وغير ذلك من الأفعال المخالفة لحقوق الإنسان وتعد خرقاً للمعاهدات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان. وبعد أن صدر التقرير جاء دور الشرطة الأمريكية لتنفي ما في التقرير وأنه غير نزيه وأنه لم يستند إلى دراسة واسعة مستقصية. ويضيف الدفاع بأنه قد توجد بعض حالات الانتهاك لحقوق الإنسان ولكنها حالات فردية شاذة من بعض رجال الشرطة السيئين .

وللتقرير جانب عملي وهو المطالبة بوجود جهات قادرة على رفع الدعاوى ضد الشرطة الأمريكية ومراقبتها مراقبة فعّالة حتى يمكن أن يفصل أي شرطي من الخدمة إذا ظهر أن لديه ميول أو استعداد لارتكاب المخالفات. أما الأقليات التي تتعرض لانتهاك حقوقها فهي فئة الأمريكيين من أصل أفريقي.

لقد ابتدع الغربيون منظمات حقوق الإنسان ومراقبتها وسلطوها على الشعوب الأخرى والحكومات الأخرى وجاء أخيراً من يقول لهم أنتم أيضاً تنتهكون حقوق الإنسان في بلادكم. وإلاّ فما بال الأمريكيين من أصل أفريقي وثورتهم في لوس أنجلوس بعدما تعرض الأمريكي رودني كينج للضرب المبرح والتعذيب من قبل بعض رجال الشرطة الأمريكيين البيض. ولم تكن حالة رودني كينج هي الوحيدة بل هي التي نالت التغطية الإعلامية. ولعل الإعلام أراد أن يحقق بعض المكاسب من الحكومة الأمريكية فأعطاها من التغطية ما تستحق أو ما فعله السود من حرق وتدمير هو الذي فرض على الإعلام أن يبحث في المسألة. وإلاّ فالحقيقة أن الانتهاكات لحقوق الإنسان في المجتمعات الغربية كثيرة جداً. فهناك من يوجه الاتهام للشرطة الأمريكية بانتهاك حقوق الأمريكيين الأفريقيين وبخاصة المسلمين منهم. وهناك حالات اتهمت الشرطة الأمريكية بعضهم بالتجارة في المخدرات وقد عرف أن هذه التهمة من التهم التي يسهل توجيهها. أما كسر الأطراف فحدث ولا حرج وما شمعون بيريز صاحب أسلوب تكسير العظام إلاّ نتاج الحضارة الغربية.

ليس مستغرباً أن يأتي تقرير منظمة مراقبة حقوق الإنسان متهماً أو حتى مديناً الحكومة الأمريكية فإن الصحف الأمريكية قد كتبت قبل سنوات عن بعض فضائح رجال الشرطة الأمريكية في استغلال سلطاتهم في بيع المخدرات وانتهاك الأعراض واستغلال النفوذ للإثراء غير المشروع حتى كتبت الصحف أن الشرطة الأمريكية تتعرض لفضائح كل عشر سنوات. وقد كتبتُ مقالة بعنوان (المدينة المنورة في 14جمادى الآخرة 1414)جاء فيه:"لو شاهدت شرطياً يسرق، وآخر يبيع المخدرات ،وثالثاً يقبض مبلغاً للتستر على المجرمين، أو رابعاً يضرب مواطناً مسكيناً ، لو شاهدت ذلك كله ما ذا سيكون رد فعلك ؟هل ستصدق ما ترى؟ ربما! ولكن لو كنت في مدينة نيويورك فصدق ذلك تماماً لأن هذا ما أوردته جريدة الحياة(11/10/1993)التي كتبت تقريراً مفصلاً تحت عنوان (شرطة نيويورك "حاميها حراميها.")

        فهل تتوقف أسطورة أن الغرب هو حامي حقوق الإنسان في العالم ؟

أمريكا والثورة الجنسية والضحية رئيس


               


الثورة الجنسية والرئيس الأمريكي كلينتون

        لا تكاد تتناول أي صحيفة يومية أو أسبوعية حتى تجد أن من أبرز موضوعاتها أو أبرزها  التهم بالفضائح الجنسية التي تلاحق الرئيس الأمريكي بيل كلينتون. وإنني قد جمعت قصاصات منها تساوي عشرات الصفحات. وتساءلت ليس دفاعاً عن كلينتون- لماذا توجه كل هذه التهم إلى الرئيس الأمريكي هذه الأيام؟ هل ارتكب جرماً حقيقياً يستحق كل هذه الضجة؟ وهل هذه القضية من صنع وسائل الإعلام أو على الأصح إمبراطوريات الإعلام التي أصبحت تملك قوة مخيفة شبهها الرئيس عزة بيجوفيتش في كتابه القيم ( الإسلام بين الشرق والغرب- بأنها أخطر من الدكتاتوريات التي عرفها التاريخ البشري. وهـل هي قضية أخرى من قضايا الإثارة في الإعلام تشبه قضية المرأة الأمريكية التي قطعت العضو الذكوري لزوجها؟

        كيلنتون بلغ الخمسين من عمره وهذا يعني أنه كان شاباً عندما كانت الثورة الجنسية في ذروتها في الولايات المتحدة وفي أوروبا. هذه الثورة قدست الجنس وأباحته في آن واحد. قدسته بحيث جعلته المطلب الأول والأسمى والأهم في حياة الشاب رجلاً كان أو كهلاً أو حتى عجوزاً. 

        وكلينتون هذا عاش شباباً لا أقصد بيل شخصياً-  في مرحلة انتجت جيلاً لا يهمه بعد أداء مهماته العلمية والحياتية سوى أن يغرق في حمى الجنس.. وفي الفترة نفسها كانت المخدرات ابتداءً من الماروانا إلى الإل إس ديLSD والبيوتي ، والهاواي وغيرها كثير جزء من حياة الشباب حتى لقد قيل إن آمن مكان لتعاطي المخدرات هو الحرم الجامعي.

        وفي هذه الأيام انتشرت الدعوات والكتابات والأفلام تدعو إلى الإباحية والجنس ولم يكتف الدعاة بالكتب المؤلفة باللغة الإنجليزية بل قاموا بترجمة العديد من الروايات العالمية التي كتبت باللغات الأخرى ومن هذه على سبيل المثال كتب الروائي الألماني اليهودي هرمن هسّه Hermann Hesse جولدمن ونارساسيس وديميان وستيبن ولف . وظهرت كتابات المؤلف اليوناني كازانتزاكي مؤلف كتاب زوربا اليوناني وكتاب الإغراء الأخير للمسيح وكلاهما أصبح فيلماً.

        وفي تلكم الفترة ظهرت أسماء أفلام خلاعية زادت كثيراً منذ ذلك الحين- وأصبح شباب الجامعات يتسابقون إلى مشاهدتها. ولم يقف التلفزيون بعيداً عن هذه الحمى بل استضاف أبطال وبطلات الأفلام الخلاعية وأضفى عليهم المشروعية والنجومية والأهمية.

        وكان هناك باب جديد للحديث عن الجنس وهم بعض أعضاء هيئة التدريس الذين راحوا يلقون المحاضرات عن الجنس بانفتاح ، فهذا أستاذ في جامعة بورتلاند الحكومية يلقى محاضرة يجيب فيها عن كل استفسارات الشباب والشابات بدون حياء أو خجل. وقد تطور الأمر حتى كتب أحدهم طبيباً يهودياً- كتاب ( كل ما تريد أن تعرفه عن الجنس ولكن تخجل أن تسأل) ويستهزأ في كتابه بالطيّار الذي يعرف كيف يقود الطائرة الضخمة في الجو ولكن لا يعرف الأمور الجنسية.

        وما أعظم الأدب النبوي في هذه المسائل فحينما اشتكت المرأة من زوجها بأن ما معه مثل هدبة الثوب فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلاّ أن أشار عليها بأن ترد عليه المهر وتطلق منه. ولعله أمره بالبحث عن علاج أو غير ذلك فالمرأة ليست مكلفة بالبقاء في زواج لا يوفر لها حاجاتها الأساسية.

        ولم يكتف الغرب بالدعوة إلى اهتبال كل الفرص للغرق في الجنس بل انتشرت دعوات إلى أصناف عجيبة من الإباحية لم تعرفها ولن تعرفها العجماوات. فقد دعت المجلات المشهورة إلى الجنس الجماعي وإلى الجنس بين الأقارب وإلى تبادل الأزواج والزوجات. فهذا الشارع المعروف في فرنسا الذي يتم فيه هذه الرذيلة أو النادي الذي تأسس في إيطاليا إنما كان له أساس في دعوات استمرت سنوات طويلة تروج لهذا الأمر.

        وكانت الدعوة إلى الهبيز والثقافة المضادة من الدعوات التي انتشرت في الفترة التي كان فيها كلينتون شاباً . والهبية والثقافة المضادة هو الانتفاض على كل القيم والأخلاق التي يتمسك بها المجتمع ويدعو إليها كالعفاف والزواج واحترام الكبير والعطف على الصغير وتكوين الأسرة وغير ذلك. بل ظهرت دعوة عجيبة في مجال التربية بدأت في بريطانيا وهي مدرسة سمرهل Summerhill التي تركز على إعطاء الطلاب والطالبات كامل الحرية في عمل مايشاؤون في المدرسة .وظهر كتاب يحكي تجربة هذه المدرسة وظهرت مدارس على شاكلتها في الولايات المتحدة .

        وبعد ذلك وقبله إن الثقافة الغربية قائمة على إباحة اتصال الرجال بالنساء وقامت على تشغيل النساء في مجال أعمال السكرتاريا بخاصة ، وليس ثمة وازع ديني يمنع الرجل من ارتكاب الزنا لأن ثقافته وعقيدته التي يتمسك بها إن كانت تمنعه من ارتكاب الزنا إن كان متزوجاً كما هو في الوصايا العشر، ولكن هل لديهم مثل حديث رسولنا صلى الله عليه وسلم ( هل ترضاه لأمك ، وكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم ، هل ترضاه لأختك ، هل ترضاه عمتك ، وكذلك الناس لا يرضونه لأخواتهم ولا لعماتهم ولا لخالاتهم) وفي ثقافتنا الإسلامية المثل الشعبي ( لو زدت لزاد السقا)وليس في ثقافتهم ( ما اختلى رجل بامرأة إلاّ كان الشيطان ثالثهما)

        ومع غياب هذه القيم فإن كلينتون ليس الوحيد في هذا الميدان فقد كان وفد من إحدى الدول العربية في زيارة لرجل أعمال كبير في بلد غربي وتأخر الوفد قليلاً عن موعده ، ولما وصلوا بادروا إلى الاعتذار عن التأخير ولكن المسؤول الكبير سبقهم إلى شكرهم على تأخرهم لما أتاحوه له من وقت قضاه مع السكرتيرة .

        جميل أن يحرص الأمريكيون على العدالة، ولكن هل العدالة انحصرت في اعتراف امرأة أو إنكارها أنها ارتكبت الزنا مع الرئيس ، كفى استهزاءً بالعالم فالعدالة انتهكت في البوسنة وهي تنتهك وتعرقل أعمالها في فلسطين وفي سيريلانكا وفي بورما وفي كشمير وفي روسيا ضد الشيشان. وفي هذه القضية لا أجد أفضل من القول الذي يزعمون أنه منسوب إلى المسيح عليه السلام (من كان منكم بلا خطئية فليرم الزانية بحجر) اللهم احفظنا         

الاثنين، 17 فبراير 2014

محاضرة "أعرفت أنك في المدينة ؟" للشيخ عبد الفتاح العشماوي رحمه الله


أعرفت أنّك  بالمدينة؟(1)

تعد الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة من أبرز الجامعات في العالم تأثيراً؛ فقد انتشر طلابها في كل أنحاء العالم لينقلوا العلم الشرعي والعقيدة السلفية الصحيحة التي تعلموها في المدينة المنورة إلى بلادهم أو إلى أي وجهة اتجهوا إليها. فهنيئاً للمدينة المنورة جامعتها والشكر موصول لولاة الأمر لإنشائهم هذه الجامعة ودعمها المستمر. وقد حظيت الجامعة الإسلامية وما تزال بنخبة من أهل العلم الشرعي الذين يشهد لهم بالعلم والاستقامة والفضل من شتى أرجاء العالم الإسلامي.

ومن العلماء الذين قاموا بالتدريس في الجامعة الإسلامية الشيخ الدكتور محمد سعيد العشماوي رحمه الله تعالى الذي كان يدرّس تفسير القرآن الكريم. وقد كان للشيخ محاضرة سنوية في رحاب الجامعة ومن أشهر محاضراته "مفاتح الغيب الخمسة"ومحاضرته "أعرفت أنّك في المدينة؟" التي سأتحدث عنها هنا.

لقد استمعت إلى المحاضرة مسجلة في شريط قبل سنتين أو أكثر من انتقالي للعمل في المدينة المنورة فوجدتها محاضرة رائعة تشجع على العيش في المدينة المنورة والانتقال إليها مع التأكيد على آداب جوار المصطفى صلى الله عليه وسلم فهو جوهر المحاضرة لما رآه الشيخ رحمه الله من سلوكيات مخالفة لأدب الجوار في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وغَيْرَة على محارم الله عز وجل. وها أنا بعد سنوات من إلقاء المحاضرة أعود إليها لأنقل إلى القراء الكرام طرفاً من هذه المحاضرة العظيمة. وأبدأ بالقول إن الشيخ رحمه الله أحب المدينة حباً عظيماً وقد وصل سنّ التقاعد فعاد إلى بلاده (مصر)، ولكنه اشتاق للمدينة بعد مدة فعاد للزيارة فمرض وتوفي في المدينة رحمه الله رحمة واسعة ودفن بها.

أما المحاضرة فإنه تحدث فيها عن المدينة المنورة ما قبل البعثة ثم تناول بالحديث المدينة المنورة بعد البعثة وبعد الهجرة الشريفة. وأورد المحاضر الكريم نصوصاً اجتهد في البحث عنها في مظانها والتأكد من صحتها سنداً ومتناً. وقد ترك عرض أسانيد ما نقل لأنه اجتهد أن لا ينقل إلاّ الصحيح أو المتفق عليه وحرصاً على الإفادة من الوقت.

ومن هذه الأحاديث ما يأتي:

* ( تفتح اليمن فيأتي قوم يبسّون ( أي يرغبون في الخروج) فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون)

·       ( المدينة مهاجري ومنها مبعثي وبها قبري وأهلها جيراني ،ومن لم يحفظ وصيتي في جيراني سقاه الله من طينة الخبال )

·       (هذه أرواح طيبة ..هي ريح طيبة اللهم من أرادني وأهل بلدي بسوء فعجل هلاكه ومن نعاها ( أي عابها بشيء) وكادها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء ، أو كما يذوب الرصاص في النار)

·       ( من خفر فيها مسلماً ( أي ظلمه) فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)

·       ( اللهم إني أسألك للمدينة ضعفي ما جعلت لمكة من البركة)

·       ( اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد)

·       (ليعودن هذا الأمر إلى المدينة كما بدأ حتى لا يكون إيمان إلاّ بها)

·        ( لا يثبت أحد لأوائها وجهدها إلاّ كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة)

وتناولت المحاضرة فضل الصلاة في المسجد النبوي الشريف وسواري المسجد وما في الصلاة عندها من فضل وهي التي يجهلها كثير من الناس الآن . كما تحدث عن مسجد قباء وما جاء من الفضل من الصلاة فيه حتى عدّه الشيخ الحرم الثالث. ثم تناول الحديث عن بقيع الغرقد وفضله وطريقة زيارته وما أحدث البعض من البدع في زيارته.

 وتحدث عن العقيق فذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (أتاني الليلة آت من ربي عز وجل فقال: صل في هذا الوادي المبارك.. وقل حجة في عمرة ) (رواه البخاري). وقوله صلى الله عليه وسلم ( إني أحب العقيق) وقد ذكر الشيخ أن العقيق كان في يوم الأيام مزدحماً بالسكان حتى وصل عدد سكانه أربعين ألف نسمة وازدهر البناء والعمران فيه وانتشرت فيه البساتين الغنّاء والحقول


                       

أ عرفت أنّك بالمدينة (2)

تناولت في الأسطر السابقة جانباً من محاضرة الشيخ العشماوي رحمه الله وأكمل اليوم ما تبقى منها، وكم كنت أود لو طبعت هذه المحاضرة مع تخريج أحاديثها التي نقلها الشيخ . وأتساءل أين تلاميذ الشيخ من مثل هذا العمل الكريم الذي يكتب لهم وللشيخ أجره بإذن الله . ولعل الجامعة الإسلامية المحبة للمدينة المنورة تقوم بهذا العمل المبارك ويمكن أن يسهم مركز بحوث المدينة المنورة بهذا العمل الكريم .

وتحقيقاً لعنوان المحاضرة ( أ عرفت أنّك بالمدينة ) فقد تضمنت المحاضرة انتقاد  الشيخ رحمه الله أنواعٍ من السلوك الشائن من بعض الوافدين أو الذين استوطنوا المدينة حتى أصبحوا من أهلها حين انقرض أهلها الأصليون أو كادوا. وتكلم عن المدخنين للسجائر أو الجراك. وتحدث عن النساء وتبرج بعضهن في أنحاء المدينة وبخاصة حول الحرم النبوي الشريف. وما آل إليه المسجد عند البعض من عدم احترام قدسية المسجد ونظافته باصطحاب أطفالهن.

وتحدث عن حدوث سرقات في المدينة المنورة التي لم يكن يُسمع بها رغم ما تبذله الجهات الأمنية من جهود مباركة في الحفاظ على الأمن. ولكن تنوع الوافدين ونقلهم لأنواع من السلوك لم تعرفه المدينة من قبل أدى إلى حدوث هذه التجاوزات. وذكر عن بعض الوافدين شكواهم من المدينة المنورة فذكر أن بعضهم يقول: المدينة باردة جداً ونسي كم قتل البرد في بلاد أخرى، وبعضهم يقول المدينة شديدة الحر، وكم قتل الحر في غيرها من البلاد ، ويقول بعضهم المدينة شديدة الغلاء مسكناً ومطعماً وأن صحتهم توعكت في المدينة ولا يكادون يذكرون لها حسنة واحدة.

وختم الشيخ محاضرته بما ورد من ذكر للمدينة في القرآن الكريم (وقل ربي أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً) الآية صيغة دعاء أمر الله رسوله أن يدعو به ودخول المدينة في الهجرة والخروج منها لفتح مكة. والسلطان النصير من الأنصار والمهاجرين الذين خرجوا من المدينة ليفتحوا الدنيا وينيروها بنور الإيمان.وتناول الوجوه الأخرى لتفسير هذه الآية الكريمة وآية أخرى ذكرت المدينة المنورة.

وما كان لمحاضرة عن المدينة أن تخلو من الحديث عن ساكنها حياً وميتاً صلى الله عليه وسلم  واكتفى الشيخ بكلمات لبعض المستشرقين الذين تناولوا حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم ومنهم ألفونس الفرنسي: "إن حياة مثل حياة محمد وقوة كقوة تفكيره وجهاده ووثبته على خرافات قومه وبأسه فيما لقيه من عبدة الأوثان، وإيمانه بالظفر بإعلاء كلمته ورباطة جأشه لتثبيت عقيدته، إن كل ذلك أدلة على أنه لم يكن يضمر خداعاً، أو يعيش على باطل فهو هادي الإنسان إلى العقل وناشر العقائد المعقولة الموافقة للذهن واللب ومؤسس دين لا فردية فيه ومنشئ عشرين دولة في الأرض وفاتح دولة السماء من ناحية الروح والفؤاد. فأي رجل أدرك من العظمة الإنسانية مثل ما أدرك وأي إنسان بلغ من مراتب الكمال مثلما بلغ" أ.هـ.

ويقول توري وجورج في كتابهما العالم الشرقي:" كان محمد شجاعاً يخوض المعركة بنفسه وفي نفس الوقت كان رحيماً بالضعفاء . وكان مع احتفاظه بهيبته كاملة بسيط الحركات لا يتكلف شيئاً. وكان محمد رجلاً حمل إلى الناس مثلاً رفيعاً من الدين والخلاق وسما سمواً بالغاً عن الآراء القديمة التي كانوا يرزحون تحت ثقلها " ويعلق الشيخ العشماوي :" فما أعظم شهادة الكافر إذا جرى كلامه بالحق على غير إرادته.

وأختم المقالة ببعض الأبيات التي اعتاد الشيخ أن يختم بها محاضراته ومنها:

أ عرفت أنّك بالمدينة عندما

                تلقي التحية للرسـول مُسَلّما

وعلى رفيق الغار نام بجنبـه      

        وعلى مُعِزّ الدين ساعة أسلما

فتقول نعم الصاحبان ترافقا     

        في قبر خير الخلق قُلْها  مُقْسِما

وإذا رجاؤك قد تحقق حينما    

        أَلْفَيْتَ نفسَك ساجداً أو قائما

في مسجد ضم النبي وصحبه   

        وجليسه جبريل حزت الأنعما

أو بعد هذا تستبيح حبيبـة              

              عند الإلـه تكون عبـداً آثما

يا درة الإسلام طيبي خاطراً

                سترين من يؤذيك  يوماً نادما

فكما بدأت يعود مجدك ثانياً   

         ويكون حكمك في البرية حاسما.