السبت، 31 مايو، 2014

لماذا أكره أن أكون متقاعداً أو يُقال لي متقاعد


 لماذا أكره أن أكون متقاعداً

عندما أسير في الشارع منتصب القامة مرفوع الرأس وبخطى ثابتة وقوية بل هكذا تطرق أقدامي الأرض بقوة وتتحرك ذراعاي في مشية أقرب إلى المشية العسكرية يحسبني من يراني أنني كنت أعمل ضابطاً في الجيش أو جنديا محترفا، وأنني لا يمكن أن أكون قد تجاوزت الخمسين والحمد لله، وإن سقط مني شيء انحنيت ألتقطه بمرونة فأحمد الله لا أشكو من آلام في الظهر ولا في المفاصل  بل إني والحمد لله قادر على ربط حذائي وأنا واقف دون الحاجة للانحناء أو الإمساك بشيء أو الاستناد إلى شيء...

أمسك الصحيفة أو الكتاب فأقرأ وأستذكر المعلومات والأرقام كأن ذاكرتي والحمد لله ذاكرة ابن عشر سنين، وقد تعجب الزملاء الذين كنت معهم في رحلة برنامج الزائر الدولي بدعوة من وزارة الخارجية الأمريكية في أواخر شهر مايو 2008م من ذكري لأسماء الكتب والمؤلفين والتواريخ وتواريخ المؤتمرات وأماكن انعقادها، فقال أحدهم سوف يعيد علينا مازن بعد عدة لقاءات ما قاله في اللقاءات الأولى، فإذ به يقدم لنا في كل لقاء معلومات جديدة لم يذكرها من قبل. حتى صرّح الدكتور عدنان الحارثي (الشريف) بقوله (عجيب أن الدولة لم تستفد منك أو أن الجهات العليا لم تستفد من خبراتك ومعلوماتك) وأحمد الله أن هذه الذاكرة تعمل بطريقة جيدة.

ولدي ابنه اسمها فاطمة أكملت عامها الأول قبل ثلاثة أشهر تقريباً( أتمت الآن سبعة أعوام وفي في الصف الثاني وهاشم الذي أتم عامه الرابع قبل أقل من شهر يتم في 5 شعبان عشر سنوات، ونخرج نتجول في شوارع أكسفورد فيطلب هاشم أن أحمله على عنقي قائلاً (فوق رأسي منقا) يعني احملني على رأسك، فأحمله. أما فاطمة فقد استمتعت أشهراً بتدريبها على المشي حتى صارت تمشي، ولكنها لم تمش لأنني دربتها ولكن لأنها وجدت أن ساقيها تحملانها تماماً وأحبت أن تمشي فمشت، وكأن بها عناداً موروثاً وكأنها تقول لن أمشي إلاّ حينما أحس أنني أريد أن أمشي.

ولا أريد أن أضيف أشياء أخرى ..

ومع كل هذا فأنا متقاعد، وقد أحلت إلى التقاعد ولاحظوا عبارة أو مصطلح أحال يعني أن يكون الإنسان في حال ثم يُحوّل إلى حالة  أخرى. وقيل لي إنهم سوف يتعاقدون معي ولكن كيف هذا العقد أو مدته (علمت من رئيس القسم أن المدة سنتان في العادة) ولكن هل يتضمن العقد السماح لي بحضور المؤتمرات أو هل يمولون حضوري المؤتمرات أو أصبح مثل الأساتذة المتعاقدين الذين يحرمون من كل هذه الأمور بل هي قاصرة على الأساتذة السعوديين غير المتعاقدين. وهل هل يهمني مسألة الإذن أو مسألة التمويل؟ سأحضر من المؤتمرات ما أرى أنه مهم في مسيرتي العلمية أما التكاليف فأردد دائماً (والله هو الرزّاق ذو القوة المتين) وقوله تعالى (وفي السماء رزقكم وما توعدون) وتعرفون حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم (لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها..) ولم يشغلني في الماضي مسألة تكاليف حضور المؤتمرات فلن يشغلني هذا الأمر الآن بعد أن أصبحت يطلق علي (متقاعد) و(متعاقد)

ولكن لو كانت هناك قيود هل يحق لي أن أرفض العقد بعد أن طلب منّي أن أكتب أنني أريد أن أتعاقد. وانظروا إلى الطريقة العجيبة لا يقولون هم نحن نريدك أو نحتاجك وإن القسم مهما كثر عدد أعضائه فهو دائماً بحاجة إلى الأساتذة وبخاصة من لهم سمعة علمية معينة.  والعجيب أن هذا الأسلوب متبع أيضاً عندما يفكر الأستاذ أن ينتقل من جامعة إلى جامعة يطلبون منه أن يقدم طلباً على الرغم من أن الجامعة التي سينتقل إليها بحاجته وترغب فيه. فلماذا أسلوب الكبرياء هذا أو الإذلال هذا في التعامل مع الأستاذ الجامعي؟ يتعجبون من الأستاذ عندما يتصرف بكبرياء مع طلابه وهو الذي يعيش في مجتمع لا يسمح له بالكلام إن كان صغيراً في السن حيث يقال له اسكت اسكت اترك الكبار يتكلمون، وإذا كبر قيل له هناك من هو أكبر منك وأعلم وأفهم، وحتى لو كان معيداً أو محاضراً كان تحجيمه سهلاً في النظام وفي التقاليد الجامعية. بل أذكر في مناسبة اجتماعية لم أدع لها وكان التبرير أنت لا تعرف السكوت وخفنا أن يفلت لسانك بكلمة على أحد، قلت والله لهذا هو العذر السخيف. أما إنكم لا تريدون أن تسمعوا من يقول لكم الحقيقة فغير مأسوف على الاجتماع بكم، ولكنكم ستسمعون شئتم أم أبيتم..

وعرفت كثير من الإجابات فمدة التعاقد سنتان، ويعامل الأستاذ المتعاقد معاملة الأستاذ العادي في مسألة المؤتمرات، ولكني حذفت من دليل أعضاء قسم الثقافة الإسلامية، فيا إخوة ألم يكن ممكناً أن أضاف في آخر القائمة باسم المتعاقدين من السعوديين.

وكرهت أن أكون متعاقداً لأني يجب علي الحصول على ورقة سخيفة اسمها (إخلاء طرف) حيث يجب علي أن أمر على إدارات لم أزرها في يوم من الأيام لا المطبعة ولا ولا ، وحبذا لو أن عميد شئون أعضاء هيئة التدريس يكلف أحد موظفيه لاستكمال إجراءات هذه الورقة دون أن يضطر الأستاذ إلى اللف والدوران، وإلاّ فإن في ذهني أن أدفع مائة ريال أو أكثر لم يقوم بالمهمة هذه. لقد وفّق الله ابني لؤي لإتمام بعض إجراءات تلك الورقة (المقدّسة)

وأحب أن أقول كلمة عن عمادة شؤون أعضاء هيئة التدريس التي زعموا أنهم أنشؤوها لخدمة أعضاء هيئة التدريس بينما هذه الإدارة هي الإدارة السابقة التي كان اسمها إدارة شؤون الموظفين فأضافوا إلى الاسم أعضاء هيئة التدريس وجعلوا لها عميداً. فالعقليات التي كانت تعمل في هذه الإدارات هي هي والتي ترى أن الأستاذ مجرد مراجع في حاجة إلى الموظف العظيم الذي بيده مقاليد الحكم والسلطة والسيطرة، فقد كنت أبحث عن معاملة فأمرني مدير في تلك العمادة أن أزور مكتب الصادر والوارد التي أطلقوا عليه اسماً تحسينيا (الاتصالات الإدارية) ثلاث مرات وهم قد أضاعوا المعاملة لولا أن تجرأت فدخلت على العميد الذي أمرهم بأن يعيدوا المعاملة من جديد (وكأنه يعرفهم ويعرف عقلياتهم)- وهم منزعجون من وجوده لكنه أقوى منهم فأمرهم فاستجابوا. وفي مرات سابقة كانوا يأمرونني أن أذهب إلى مكتب الخطوط لتقدير قيمة التذكر ثم أدور في أوراق معاملة الإركاب فقلت لهم إنني مراسل ولكن بمؤهل أستاذ مشارك، يا عالم عيب أن يتم هذا وأنتم تزعمون احترام الأستاذ....

ودار حديث بيني وبين العميد عن سبب إحالتي إلى التقاعد بدلاً من التمديد فتمتم وهمهم وغمغم (ما معنى هذه الألفاظ؟) وكأنه يتحدث طلاسماً وكأن الموضوع هو أسرار القنبلة الذرية الذي لا يمكن أن يصل إليه أحد. وإن اعترضت على قرار الإحالة إلى التقاعد كأنك اعترضت على قرار سياسي أو أمني من أعلى مستوى، وكأن الإحالة إلى التقاعد نوع من العقوبة...وكما يقال أن تعجل العقوبة في الدنيا خير من أن يحاسب الإنسان في الآخرة.....

وعلى كل حال وأخيراً سأستطيع أن أسترد بعض أموالي التي أخذتها مؤسسة التقاعد لتبني بها المجمعات التجارية والأسواق وتكون منها ثروات وثروات حتى كان أحد مقرضي الحكومة في وقت من الأوقات وربما حتى الآن.

 

ألم يأن الأوان لدراسة الغرب والشعوب الأخرى؟


 

ألم يأن الأوان لدراسة الغرب والشعوب الأخرى؟

كثيراً ما يسأل السائلون ما المقابل لدراسة الاستشراق، أليس هو الاستغراب؟ ربما يكون الجواب صحيحاً ولكن الأهم من ذلك هو أننا يجب أن نتساءل لماذا تأخرنا في دراسة الشعوب والأمم الأخرى وبخاصة الغرب الذي قتلنا دراسة؟ إن المسلمين حينما خرجوا من جزيرة العرب كانوا على معرفة بالشعوب والأمم الأخرى منها من حدثهم بها القرآن الكريم ومنها من كسبوا المعرفة به من خلال التجارة والرحلة. ثم انطلقوا لمعرفة تلك الشعوب عن طريق الاحتكاك المباشر وظهر رحالة مسلمون كتبوا عن مختلف شعوب العالم حتى أصبحت كتاباتهم مرجعاً عالمياً في دراسة الشعوب الأخرى.

وقد بدأت أوروبا بإنشاء مراكز ومعاهد وأقسام علمية لدراسة العالم الإسلامي منذ عدة قرون بل إنها خصصت عدداً من أبنائها لدراسة الشعوب والأمم الأخرى جميعها فكما أن لديهم أقساماً لدراسة العالم الإسلامي فلديهم المتخصصين في الصينيات وفي دراسة اليابان بل إن كل دولة أوروبية تقوم بدراسة الدول الأوروبية الأخرى فمثلاً لدى بريطانيا (بجامعة لندن) معهد الدراسات الأمريكية الذي يمنح درجة الماجستير في دراسة الولايات المتحدة الأمريكية، ويوجد في ألمانياً أضخم مركز للدراسات الأمريكية يسمى مركز كنيدي للدراسات الأمريكية، كما أن كندا الملاصقة لأمريكا لديها دراسات أمريكية وفي بريطانيا يدرسون الولايات المتحدة وتعطى جامعة لندن درجتي الماجستير والدكتوراه في الدراسات الأمريكية الشمالية والجنوبية.

ونظراً للسمعة العلمية التي حققتها هذه الدراسات توجه أبناء الدول المختلفة للدراسة في تلك البلاد حتى إنهم يتخصصون في الدراسات المتعلقة ببلادهم في أوروبا أو أمريكا من النواحي العقدية والتاريخية والاجتماعية والثقافية والسياسية والحضارية والثقافية.

والمسلمون الذي جاء كتابهم الكريم يدعو إلى التعارف بين الشعوب في قوله تعالى (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) أهملوا هذا الجانب في العصر الحاضر فأصبحوا من قرون عديدة موضع الدرس لدى الأوروبيين والأمريكيين، وقد وصل الغربيون في معرفتهم لنا أن عرفوا التفاصيل الدقيقة عن الأمة الإسلامية في المجالات العقدية، والتشريعية، والتاريخية ومعرفة المجتمعات العربية الإسلامية في العصر الحاضر معرفة تفصيلية حتى أصبحوا كما ذكر أحد الباحثين يعرفون التفاصيل وتفاصيل التفاصيل.

ودراستنا الغرب لا شك ستختلف عن دراسة الغرب لنا، ذلك أن الغرب بدأ الاستشراق فيه منطلقاً من توجيهات وأوامر البابوات لمعرفة سر قوة المسلمين وانتشار الإسلام في البلاد التي كانت خاضعة للنصرانية. وكان القصد ليس فقط معرفة الإسلام والمسلمين، ولكن كانت أيضاً لهدفين آخرين: أحدهما تنفير النصارى من الإسلام، والثاني إعداد بعض رجال الكنيسة للقيام بالتنصير في البلاد الإسلامية.

أما نحن فحين نريد دراسة الغرب ومؤسساته وهيئاته فأولاً نحن بحاجة للأخذ بأسباب القوة المادية التي وصلوا إليها، أليس في كتابنا الكريم ما يؤكد هذا{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم}(الأنفال 60)

والأمر الآخر أننا حين ندرس الغرب فليس لدينا تطلعات استعمارية، فما كان المسلمون يوماً استعماريين. ولكننا نريد أن نحمي مصالحنا ونفهم طريقة عمل الشركات المتعددة الجنسيات التي ابتدعها الغرب وأصبحت أقوى نفوذاً من كثير من الحكومات.
والأمر الثالث وهو أمر له أهميته الخاصة، أن هذه الأمة هي أمة الدعوة والشهادة؛ فإن كان الأنبياء قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يُكَلّفون بدعوة أقوامهم بينما الدعوة الإسلامية موجهة إلى العالم أجمع، قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة
)وقد كلّف المسلمون جميعاً بحمل هذه الأمانة،(قل هذه سبيلي أدع إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن)، وجاء في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (نضّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فبلغها إلى من لم يسمعها؛ فربّ مُبَلّغٍ أوعى من سامع أو رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه). ونحن أمة الشهادة فكيف لنا أن نشهد على الناس دون أن نعرفهم المعرفة الحقيقية؟!

ولن يكون علم الاستغراب لتشويه صورة الغرب في نظر العالم، ذلك أننا ننطلق من قوله تعالى {ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله}، ولنا أسوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وصف ملك الحبشة بالعدل ووجه المسلمين للهجرة إلى بلاده ولم يكن مسلماً حينذاك، وقد اقتدى به الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه حين وصف الروم بقوله: "إنّ فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرّة، وخيرهم لمسكين ويتيم وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك".

فمتى تستيقظ حكوماتنا فتجعل من أولوياتها التوجيه بدراسة الشعوب والأمم الأخرى بدلاً من الاعتماد على غيرنا أو على الدراسات الجاهزة؟

الرحلة إلى ألمانيا بدأت من المدينة المنورة


 

ما أن عدت من الولايات المتحدة الأمريكية حتى أدركت أنني بحاجة إلى زيارة والدتي فقد وصلت الثلاثاء مساءً على الخطوط الألمانية، وكانت سيارتي في الصيانة فذهبت قبل صلاة الظهر لتسلمها، وفي طريقي إلى البيت فكرت بالاتصال بأمي لأعتذر لها عن القدوم لأنني متعب من السفر ثم عزمت أمري وقررت السفر ثم فكرت في أثناء الطريق أني مسافر إلى ألمانيا الأسبوع القادم فلا بد من زيارتها قبل سفري إلى ألمانيا، وهنا عدت إلى البيت لإعداد بعض مستلزمات الرحلة مثل القهوة المركزة (الاسبرسو) حتى لا أشتري من الطريق ولا تكون بجودة القهوة التي أعدها في البيت، وبعض المكسرات لأنني من المدنين على الفصفص حتى كنت أقول لأحد الباعة لا بد من تأليف جمعية لمكافحة الإدمان على الفصفص. وأخذ ملابسي وركبت السيارة إلى المدينة المنورة، ويبلغ طول الطريق ثمانمائة كيلو متر وثلاثين أو عشرين أو قريباً من ذلك، وبدأت المشوار: قرأت دعاء السفر وربطت الحزام وملأت خزان الوقود

        وقصتي مع المدينة المنورة أنني أتشرف بالانتساب إلى هذه المدينة العظيمة، وهل تأملنا لماذا أطلق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم اسم (المدينة)، إنه لأمر عجيب فكل مدينة في الدنيا لها اسم والمدينة هي المدينة، أي أنها علم على المدن فلا يشاركها في اسمها مدينة أخرى ولا يمكن، حتى اسم مكة استخدم ليدل على المكان الذي يأتي إليه الناس ويحجون أما المدينة فهي المدينة وكفى. وانتسابي إلى المدينة المنورة ليس انتساب ميلاد ونشأة ونسب فقد ولدت في الكرك بالأردن وعشت فيها ثنتي عشرة سنة من حياتي ولكني أحب الانتساب إلى المدينة حباً وولاءً وإخلاصاً وتعظيماً وقناعة. أحاول أن أكون ممن يستحق النسبة لهذه البلدة الطيبة الطاهرة وأحاول التشبه والتقليد لأولئك القوم الذين عاشوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فأهل المدينة في القديم والحديث ألين جانباً وأطيب معشراً وألين عريكة، فهم الذين وصفهم الحق سبحانه وتعالى ( والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبل يحبون من هاجر إليهم ولا يجدوا في أنفهسم حاجة مما أوتوا ولو كان بهم خصاصة)

وأعود إلى السفر إلى المدينة التي يبدأ طريقها بالمرور بالقصيم وهو الجزء الأصعب من الطريق على الرغم من أنه الجزء الأكثر أنسا وحركة وأقصر. ولكن ما يزعج في الطريق إلى القصيم أن كثيراً من السيارات تسير بسرعة جنونية، ولا يريدون أن يعطوك الفرصة لتترك لهم المسار الأيسر بل إنهم يصرون بالنور العالي والاقتراب الخطر وكأن كل واحد من هؤلاء معه الزر النووي أو إنه ذاهب لإكمال تجاربه النووية التي لا يمكن أن تتأخر ثانية. وتتحمل وتبحث عن فجوة في المسار الأوسط لتهرب منهم وفي بعض الأوقات أؤشر لهم بيدي هذه الطريق أمامكم فلا تتأخروا وأحياناً أتكلم معهم وهم لا يسمعوني بكلمات تنفس عما بداخلي من هذا السلوك الهمجي وكأنهم لم يقرؤوا حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم في النهي عن ترويع المؤمن. وكنت أعتقد أن هذه السرعة الجنونية ليست من التحضر في شيء بل إن السرعة الجنونية التي يكون فيها مضايقة لرفقاء الطريق تدل على الهمجية والتوحش وأحياناً يخطر لي أن أطالب إدارة المرور بمنع هؤلاء من السفر براً، وليكن لديهم طائرات خاصة أو عليهم بالسفر جواً إن كانوا مستعجلين إلى هذه الدرجة. ومن الأفكار الجنونية أن بعض هؤلاء يستحق التعزير ولو كانت لدي درة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لهويت بها على رؤوسهم. ومرة قلت لأحد المستعجلين يا أخي تحتاج إلى ونانات تسير أمامك؟ لماذا كل هذه العجلة؟ وقد ظهر لي اقتراح آخر هو أن يُفتح لهم طريق خاص لا تدخله سيارات الإسعاف ولا سيارات المرور، فليموتوا كما يريدون وليصل منهم من يصل.

        وصلت المدينة المنورة بعد سبع ساعات ونصف تقريباً فأول منظر يصدم القادم إليها الجسور المعلقة، لا أقصد المعلقة في الهواء ولكن المعلقة في الإنجاز فترى الجسر وليس ضخماً ولا طويلاً ولا معقداً ولكنه جسر بسيط يربط بين نقطتين مسافة لا تزيد على نصف كيلو متر ولا يستغرق في بلاد العالم أكثر من بضعة أشهر ولكنه في المدينة المنورة يستغرق سنوات وسنوات. بل إن أحد الجسور بدأوا بتشييد الجزء الصاعد منه وتوقفوا لأن قضية نزع الملكيات وقطع النخيل لم تحل بعد. ويتساءل المرء لماذا لم تحل هذه المسائل قبل الشروع في بناء الجسر؟ ولكل جسر قصة في المدينة المنورة ولو كان لدي الوقت والمزاج لكتب رواية بعنوان (قصة جسر)، أتحدث فيها عن مشروعات الجسور في المدينة المنورة وكم استغرق كل جسر ومن المقاول وكم قيمة كل مقاولة وكم جسراً تبني بدلاً من جسر أو جسرين أو أكثر. لكتبت كثيراً عن فن بناء الجسور في التاريخ الإسلامي وكيف أننا ربما كنّا أكثر تقدماً من زمننا هذا.

        وفي المدينة المنورة أيضاً هناك قصة أرصفة شارع قباء التي بنيت وهدمت وأعيد بناؤها مئات المرات، فقد كنت أسير في طريق قباء متجهاً من الجنوب إلى الشمال، أي من جهة قباء إلى المسجد النبوي الشريف وقبل نهاية الطريق أو عندما ما كان يسمى (باب قباء) إذ بالأرصفة مهدمة أو مدمرة وهناك مقاول يقوم بإعادة بناء الجسر وفكرت من جديد في أن أرصفة قباء هذه تستحق أن يكتب فيها كتاب أو أكثر. يبدأ الكتاب بتاريخ الشارع متى افتتح وكيف كان  أول رصيف له، كم كان عرض الرصيف من الجهتين وكم بقي للشارع، ولماذا لشارع قباء شارعان أحدهما صعوداً إلى قباء والثاني نزولاً إلى المسجد النبوي الشريف؟ وبعد الرصيف الأول متى كان هدم هذا الرصيف، ولكن لا بد أن ندرس الرصيف الأول من حيث مواصفاته طولاً وعرضاً والمواد التي بني منها، وكم كانت التكلفة، وكم عدد العمال الذين عملوا في بنائه، ومن كان رئيس البلدية حين ذاك ومن المقاول؟ ثم متى كان أول هدم لأول رصيف ونعيد المعلومات نفسها، ومتى كانت المرة الثالثة والرابعة والخامسة والعاشرة؟

        وأمضيت في المدينة يومين رجعت بعدها لأستعد للسفرة التالية بعد أن قررت أن يكون غيابي فرصة للطلاب لحل اختبار الكتاب المفتوح في مادة مجتمع الأمة الإسلامية (سلم 454) ومادة فقه السيرة النبوية (437سلم) ومادة أسس النظام السياسي في الإسلام (سلم 104) وأعطيت الطلاب الأسئلة وشرحت لهم معنى الأسئلة وما يمكن أن يكتب في الإجابة حتى إن أحد الطلاب لحقني بعد المحاضرة ليقول أستاذ أنا أحب مادتك فهي حيوية ومفيدة.

        وفي المدينة ذهبت إلى مقهى الباشا لأشرب الشاي الأخضر أو الأتاي المغربي ولأمر بصالون الحلاقة فلا يضيع وقت الانتظار هدراً أقوم ببعض الترجمة (وقد ترجمت كثيراً في هذا المكان) وتساءلت ما معنى لقب (باشا) فهو لقب تشريفي تركي كان السلطان ينعم (!) كما يقولون على بعض الناس لقاء خدماتهم للدولة (قيل أصبح يشترى فيما بعد، وهكذا حال الدول في آخر أيامها) وبين الصالون المقهى محل اسم (مغاسل المستقبل) وتساءلت عن معنى الاسم، أي مستقبل يحتاج إلى الغسيل؟ أو إن الأدوات التي يتسخدمها أصحاب المحل جاءت من المستقبل؟

        أما لفظ الباشا فقد أصبح دارجاً عندنا فعندما نريد أن نظهر احترامنا للشخص أو نتلطف في ندائه فنقول له (يا باشا) وتساءلت هل في العالم العربي مثل هذه الألقاب؟ أو إن العرب عزفوا عن الألقاب ومع ذلك فقد وجدت أننا نقول:

جلالة الملك المعظم، ومعالي الوزير ، وسعادة المدير العام وسماحة الشيخ ، وفضيلة الشيخ، وأخيراً ينال بعضنا عبارة المكرم وهي أدنى عبارات التبجيل، وربما حتى المكرم فيقولون (السيد فلان) وبدون أن نناقش معنى كل عبارة أتوقف عند (المكرم) التي كانت تبدأ بها خطابات كثيرة أعرفها –لا أقول موجهة لمن- فالمكرم في الخطاب يهان ويذل ويشتم وتجرح كرامته أو تذبح من الوريد إلى الوريد وبعد ذلك وقبله هو (المكرم) فهل هي كما عرف العرب أسماء الأضداد حين كانوا يطلقون على الجمل الأجرب السليم، فهل يقصدون بالمكرم العكس؟ لا أدري وهنا توقف مازن عن الكلام المباح وإلى حلقة أخرى من الرحلة إلى فلوريدا وألمانيا...

 

الجمعة، 30 مايو، 2014

الكاثوليكية في الصين


الكاثوليكية في الصين

دخلت أول بعثة تنصيرية كاثوليكية الصين في بداية القرن السابع عشر، وحاولت أن توجد انسجاماً بين التعاليم الكونفوشيوسية والنصرانية على أمل أن تصبح النصرانية ديناً مقبولاً يوماً ما في الصين. وقد بدأ هذا المشروع بوصول المنصِّر اليسوعي الإيطالي ماتيو ريكي Matteo Ricci (1552-1610م) إلى بكين عام 1601م  على الرغم من أنه وصل إلى جنوب الصين عام 1583م ولم يقدم نفسه إلى البلاط الإمبراطوري إلا بعد ثماني عشرة سنة.

وقد عُرِف ريكي وزملاؤه ضمن الكنيسة بأنهم "التوافقيون" إذ قاموا بترجمة الكتابات الكلاسيكية الصينية إلى اللاتينية، وأنشؤوا علم الصينيات كفرع معرفي وسيطروا عليه خلال القرن السابع عشر ومعظم القرن الثامن عشر. وقدموا إلى الصينيين الإنجازات الغربية في مجالي الفلك والرياضيات.

وعلى الرغم من قبول بعض الأباطرة الديانة النصرانية حتى إن الإمبراطور كانقزي Kangzi قد أصدر مرسوماً للتسامح مع النصرانية، إلاّ أنه تراجع عن هذا التسامح كما أن ابنه ومن جاء بعده من الأباطرة تعصبوا للعقيدة الكونفوشيوسية؛ مما أدى إلى تراجع عدد النصارى إلى النصف.

وبدأت حقبة التأثير الغربي في الصين في منتصف القرن التاسع عشر، ولم تكن الدعوة إلى النصرانية والتنصير هي المسيطر على نشاط هؤلاء الغربيين المؤثرين، وازدادت أهمية دور النصرانية في الشؤون الصينية بالوجود الأوروبي، وغدت الدعوة إلى النصرانية جزءاً من نظام المعاهدات الذي أصبحت العلاقات بين الصين والعالم الغربي خاضعة له.

ومن أبرز الشخصيات التي كان لها تأثير في انتشار النصرانية في الصين الناشر وصاحب مجلة التايم هنري لوسHenry Luce (1898-1967م) الذي عاش في الصين أربع عشرة سنة مع والده المنصِّـر من فرقة البريسبتيريان Presbyterian . ويذكر من الشخصيات المهمة أيضاً السيدة بيرل باك Pearl S. Buck (1892-1973م) التي كانت ابنة منصّـر من فرقة البريسبتيريان، وقد نشرت روايتها (الأرض الطيبة) عام 1931م، وفازت في سن مبكرة بجائزة نوبل في الآداب، وقامت بدور كبير في التنصير مثل لوس Luce.

كما يمكن الإشارة إلى البعثات التنصيرية البروتستانتية التي وصلت إلى الصين عام 1829م برئاسة إليجا كولمان بريدجمان Elijah Coleman Bridgman الدي كتب كثيراً في اللغتين الإنجليزية عن الصين وفي الصينية عن الولايات المتحدة الأمريكية. ويرتبط انتشار النصرانية بالنظرة إلى العلاقة الاستراتيجية بين الصين والولايات المتحدة، ومدى نظرة الأمريكيين إلى أنهم أمة نصرانية، وهذا يرتبط بدوره بنظرة الغرب إلى السلام العالمي.

        وقد أثار ازدياد انتشار النصرانية تشارلز هتزلر Charles Hutzler من صحيفة وول ستريت جورنال Wall Street Journal فكتب مقالة في 2 يونيه 2005م نقدم فيما يأتي ترجمة لها:

 

الرقابة الإعلامية والمصالح القومية


مؤسسة التميمي للبحث العلمي والتوثيق

بالتعاون مع مؤسسة كونراد إيدناور بتونس والجزائر

المؤتمر الدولي حول الرقباء والرقابة بين الديني والسياسي

22-25يونيه 2006م

 


 

الرقابة الإعلامية والمصالح القومية

في المملكة العربية السعودية

 

 

د.مازن صلاح مطبقاني

 
بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

    بدأت تجربتي مع الرقابة الإعلامية منذ وقت بعيد حينما كنت طالباً مبتعثاً للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان عليّ أن أقف أمام موظف الجمارك ليسألني عند فتح حقيبتي هل معك مجلات أو كتب أو غيرها من المطبوعات. وكانت تمر أحياناً المقالة أو الكتاب دون أن يلحظها موظف الجمارك، فهل كنت أذكى منه، أو كان هو سمحاً كريماً.

واستمرت هذه الوقفة أمام الجمارك تشكل هاجساً لكل قادم إلى السعودية، فأنت لا تعرف ما الممنوع بالضبط، فقد يكون ما تراه عادياً هو في نظر موظف الإعلام أو الجمارك في المطار من أكبر الكبائر. وعشت هذه التجربة حتى بعد أن أصبحت باحثاً في التاريخ العربي الحديث حيث أحمل إفادة من الجامعة تثبت ذلك، لكن كان هذا في الحقيقة في أغلب الأحيان جواز سفر لأدخل بما شئت من الكتب المتعلقة ببحثي أو غير المتعلقة به.

ولكن كان للرقابة جانب آخر حين كنّا نشتري المجلة أو الصحيفة الصادرة خارج المملكة فنجد صفحة ممزقة من العدد، أو أن الرقيب المحترم قد استخدم القلم الأسود لطمس عدد من السطور، ولعل آخر ما شاهدت من الطمس في كتاب كارين آرمسترونج عن الأصولية. وكأن الرقيب لا يعلم أن تلك الصفحة أو المقالة التي طمست أو مزقت تصبح أهم جزء في تلك المادة يسعى القارئ للحصول عليها.

وواجهت جانباً آخر من الرقابة حينما بدأت أتقدم إلى وزارة الإعلام (قبل أن تضاف إليها الثقافة) بطلب الإذن لي بطبع بعض مؤلفاتي، فكان لا بد من الانتظار بضعة أيام وربما أسابيع وحتى أشهر حيث إن أحد كتبي استغرق تسعة أشهر،(يسخر ابن خال لي كأن الأمر حَمْلٌ ووضع) وقد اضطررت إلى السفر من المدينة المنورة إلى جدة عدة مرات لمراجعة الإعلام هناك حيث تقدمت بطلب الإذن.ورأيت المكاتب وما تكدس عليها من كتب حتى ظننت أن كتابي قد لا يصدر أبداً، ورأيت الموظف يزحف ماشياً كالسلحفاة حتى فكرت أن هذا المكتب يجب أن يكون جزءاً من رواية. وحين تكون الصلة جيدة بينك وبين أحد موظفي الرقابة فقد تحصل على الإذن لكتاب من ستمائة صفحة في ثلاثة أيام، وأنت على يقين أن الكتاب لم يقرأ، ولكنك حصلت على الإذن.

الرقابة الإعلامية في المملكة العربية السعودية أمر له جوانب عديدة، وقد كان مثار نقاش في معرض الرياض الدولي للكتاب قبل أشهر، ولكن مهما قيل عن هذه الرقابة فمن المسؤول أن تستمر هذه الرقابة أو تزول أو ترشّد إن كان ثمة ضرورة لاستمرارها.

وفي هذا البحث سوف نتناول الرقابة الإعلامية في المملكة العربية السعودية في ثلاثة محاور:

المحور الأول: الرقابة الإعلامية على المطبوعات من صحف ومجلات وكتب

المحور الثاني: المراقبة المتبادلة

المحور الثالث: التربية الإعلامية وميثاق شرف إعلامي عربي.

هل من جدوى لحوار الأديان أو أتباع الأديان؟


هل من جدوى لحوار الأديان أو أتباع الأديان؟

         نعم ليس هذا بحسب بل نحن مأمورون بذلك، ألم يقل الحق سبحانه وتعالى (ادع إلى سبيل ربّكَ بالحكمةِ والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) وقال تعالى (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن) وقال تعالى (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) الحوار مع الأديان الأخرى فرصة لنا لنبلغ كلام الله الذي وصف هذه الأمة بقوله (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) ألم يكن من شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم إبلاغنا بالرسول حتى إننا نقف أمام قبره الشريف نشهد أنه بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق الجهاد حتى أتاه اليقين؟ ما هذا الحوار الذي ننشده مع أصحاب الديانات الأخرى؟ هل ننشد حوارات مرفهة في رحلات استجمامية أو رحلات للنزهة وتحقيق مكاسب دنيوية. لقد شارك علماء مسلمون في عدد من الحوارات التي تدعو إليها بعض المؤسسات الكنسية الغربية، ولا نشك أن من يمثل العالم الإسلامي لا يمثلونه حق التمثيل. ولكن هل الحوار هو فقط تلك الحوارات المنظمة أو الحوارات التي يخطط لها النصارى ويضعون أجندتها؟ إن الحوارات قضية أكبر من هذا بكثير. إنها من الطالب المبتدئ إلى الأستاذ الجامعي حين يحضر الندوات والمؤتمرات، إلى الرحلات العلمية لقضاء التفرغ العلمي في بعض الجامعات الغربية أو الشرقية. إنها كل ذلك ولكن كيف نعد لهذه الحوارات؟

        يجب أن يكون لدينا عدد ممن يعتز بإسلامه ويفهم الإسلام روحاً ونصّاً، وثانيا أن يكون على علم بالأديان الأخرى وثالثاً يجب أن يكون ممتلكاً لناصية اللغة امتلاكاً جيداً. فاللغة هي وسيلة التواصل. يجب أن نتعلم كيف نحضر المؤتمرات والندوات في الجامعات الغربية وفي الشرق وفي كل مكان من العالم وحتى في بلادنا حين نحتاج إلى الحوار الداخلي. فالخطوة الأولى يجب أن يعرف عضو هيئة التدريس كيف يبحث عن المؤتمرات، وكيف يختار المؤتمرات المثمرة التي تزيده علماً وتكون له فرصة لأداء رسالته في تبليغ دين الله عز وجل أو الذي عنه، أو تصحيح صورة مشوهة عنه في أذهان الآخرين. ثم يجب علينا أن ندرب أعضاء هيئات التدريس من محاضرين إلى أساتذة كيف يعدون الورقة العلمية التي قصّرنا كثيراً في تعلمها. لقد لاحظت أن بعض الجامعات البريطانية على سبيل الخصوص يدرّب الأساتذة طلاب الدكتوراه على المشاركة في المؤتمرات ومن ذلك رأيت أوراقاً أعدها أحد الأساتذة يقدم فيها تعليمات لطلابه عن كيفية إعداد بحث للمشاركة فيه في مؤتمر حيث يقول: لابد أن تكون الورقة المقدمة بحثاً مكتمل العناصر ويستحق أن ينشر في مجلة علمية. ثم ينبغي أن يتدرب المحاضر أو الأستاذ على إلقاء بحثه بقدرة وكذلك أن يكون لديه قدرة على النقاش والدفاع عن أفكاره وآرائه.

ويأتي بعد ذلك أن يكون له حضور في الجلسات الأخرى أي يعرف كيف يسأل وكيف يناقش أو يعلق. .

          وللمؤتمرات جوانب أخرى اجتماعية فكرية فهناك اللقاءات بين الجلسات وفي الاستراحات وفي مناسبات التعارف وحفلات الاستقبال. عليه أن يتعلم كيف يفيد من هذه المناسبات لتكوين معارف أو شبكات معارف.

      أما ما أوصى به مؤتمر مدريد من توصيات فالقضية ليست قضية حوار يقضى فيه أكثر الوقت في البروتوكول والتشريفات والكلمات الترحيبية والمجاملات ولكن الجواب على قضية الحوار أنه لا بد من تحقق أساسيات لبدء الحوار وهي الاعتراف المتبادل أولاً فهل يصح أن أحاور من لا يعتقد أننا أصحاب دين سماوي مثلهم؟ لم أتابع حوارات الأديان ولكني قرأت ما كتبه الدكتور شوقي أبو خليل (الحوار والحوار دائماً) أشار فيه إلى أن النصارى لا يعترفون برسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وبالتالي فالإسلام ليس ديناً. وقد كانت محاولات رائعة لوفد المملكة العربية السعودية في أيام الملك فيصل رحمه الله برئاسة الشيخ الحركان رحمه الله حتى كادت كنيسة روما وعلى رأسها البابا في ذلك الحين أن يصدر بياناً أو مرسوماً يعترف فيه بالإسلام ديناً، وذكر الدكتور أبو خليل أن ذلك البابا وأحد كاردينالاته ماتا في ظروف غامضة. والدكتور محمد عمارة من أبرز العلماء الذين شاركوا في حوارات بين الأديان فكتب بعد ذلك مقالة يعلن أنه لن يشارك بعد اليوم وأن هذه الحوارات لا معنى لها

       إننا نتحدث في قضايا كبيرة وهي الصراع بين الحضارات أو تصادم المصالح أو سعي الشركات الكبرى العالمية السيطرة على العالم. فنحن أحياناً (وأعتقد أننا غالباً) ننغمس في قضايا كبرى ولا نهتم أننا حتى نستطيع أن نحاور الأمم الأخرى علينا أن نصلح أحوالنا الداخلية. هل وضعنا نظاماً سياسياً أو اتخذنا نظاماً سياسياً يحقق للشعب الكرامة والحرية؟ هل وضعنا حلولاً عملية لمشكلة البطالة أو عجز الجامعات عن مواجهة الزيادات الهائلة في أعداد الطلاب، هل الابتعاث اليوم يضع الحل؟ بودي أن أعرف بعد أربع سنوات كم عدد من يتخرج من هؤلاء؟ وهل سنرجع إلى أيام يقول الملحق للطلاب اذهب إلى كلية كذا فبإمكانك أن تحصل على الشهادة؟ هل أستطيع أن أعرف كم من الطلاب من سيقع في شرب الخمر والزنا؟ وكم منهم سيرجع وقد أصابه مرض الإيدز. نتحاور مع الأمم الأخرى حين نستطيع أن نتغلب على حفر الشوارع وعلى المدارس المستأجرة وعلى المدارس الخاصة التي تعطي العلامات بكرم وسخاء وأريحية حتى يحصل الطالب على تسعة وتسعين بالمائة وتقبله كلية الطب؟ وغير ذلك.

      أنا مع الحوار ولا بد من الحوار ولكن هل استطعنا أن نعرف كيف نكون نحن الذين ندير الحوار ونضع أجندته ونحن الذين ندير الشركات والمصانع التي تستثمر ثرواتنا؟ المشوار طويل ويكفي ما قلت والسلام.

 

خواطر عن الحرية


الحرية قيمة عظيمة وهي أول معنى لكلمة لا إله إلاّ الله، حيث نفت كل العبوديات وأبقت العبودية للواحد الأحد، والناس ولدتهم أمهاتهم أحراراً ولكن البشر يختلقون القيود والقيود، فأحياناً نحن الذين نكبل أنفسنا ونجعلها عبيداً إما لشهواتنا ورغباتنا أو لخوفنا من بشر مثلنا. ألم ندرس في العقيدة أو التوحيد أن الخوف نوع من أنواع العبادة ولا ينبغي أن يكون في قلب مؤمن خوفان ،

أما قضية الإعلام وما يسمح أو لا يسمح به فالذين يعملون في الإعلام يخشون على مناصبهم ورزقهم لأننا نظن أن صاحب الوظيفة هو الذي بيده الرزق وننسى أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.

والحرية تؤخذ ولا تعطى، فلماذا نستسلم دائماً لأن الإعلام يمنعنا أن نقول كذا أو نقول كذا...

         والحرية تبدأ من البيت بين الأب وأبنائه والأم وأبنائها والأب وزوجته.. فإذا عرفوا معنى الحرية الحقيقية في بيوتهم واعتادوا عليها استطاعوا أن ينقلوها إلى خارج بيوتهم إلى المدرسة وإلى الشارع وإلى العمل وإلى الإعلام وغيره.

أذكر أن أبي رحمه الله سمع مني رأيا أنتقد فيه المدرسة وأنا في الصف الثالث الابتدائي فجاء إلى المدرسة في اليوم التالي ودعيت إلى غرفة المدير لأعبر عن رأيي أمام المدير والمعلمين جميعاً. لقد علمتني تلك التجربة في سن صغيرة أن لي رأياً يُحترم وأنني بإمكاني أن أعترض على قرارات المدرسة. فرحم الله والدي كان تربوياً عظيماً، وكان حراً حقيقة وعلمني الحرية الحقيقية.