الأحد، 3 يناير، 2016

القضايا الإسلامية في الإعلام الغربي


        تقدم هيئة الإذاعة البريطانية الناطقة باللغة ا لإنجليزية تقارير يبعثها مراسلوها أو مراسلاتها لاطلاع مستمعيها على الاتجاهات الفكرية والمشكلات في البلاد المختلفة
        وقد بعثت مراسلة الإذاعة (لم أستطع التقاط اسمها) في القاهرة تقريراً بعنوان: "حالة طلاق في مصر" وكان هذا يوم الخامس الثاني عشر من شهر جمادى الآخرة عام 1411 هـ ذكرت فيه أن مجموعة من المحامين المنتمين للحركة "الأصولية" رفعوا إلى المحكمة طلباً بتطليق الدكتور نصر حامد أبو زيد من زوجه لأنه في نظرهم خرج من الإسلام في آرائه التي طرحها تنتقد نصوص القرآن الكريم. وذكرت المراسلة أن عقوبة المرتد القتل.
        وتساءلت المراسلة هل أقدم هذا الأستاذ الجامعي بالفعل على سب الإسلام والانتقاص منه؟ وأوردت دفاعه الذي جاء فيه أنه مسلم وأنه أفضل من الذين انتقدوه.
        ولم تنس المراسلة أن تذكر تصدي مجموعة من المحامين بلغوا أربعة عشر محامياً للدفاع عنه، (لاحظ أنها أوردت عدد المدافعين عن نصر وجعلت عدد المتهمين له مجهولاً) لكنها أوردت رأياً مفاده بأن القضية ليست مهمة في حد ذاتها لكنها خطيرة لما تمثله من صراع بين "الأصوليين" و"العلمانيين"، وبررت ذلك بأن خسارة محامي الدكتور أبو زيد ستكون ذات نتائج بعيدة فإنهم لو خسروا فلن يكون لأحد حماية، وهذا ما دفع كثير من الكتّاب إلى التوقف عن الكتابة عن الإسلام وأشارت إلى ما حدث للكاتب فرج فودة الذي وصفته بأنه كاتب لامع وبارز. ولم يفت المراسلة إن تشير إلى اهتمام الحكومة بالإسلام وذلك بزيادة البرامج الدينية في وسائل الإعلام المختلفة.
         ولا بد من التعليق على تقرير هذه المراسلة من عدة جوانب؛ أولها أنها أهملت خلفيات الصراع الذي يدور حالياً في جميع أرجاء العالم الإسلامي (تقريباً) بين فئة من أساتذة الجامعات والكتاب والمتسنمين منابر الفكر والرأي انحرفت في فهمها للإسلام عقيدة وشريعة وراحت تبث في وسائل الإعلام المختلفة أراءً واجتهادات تخالف الإسلام. فكان لا بد من التصدي لهؤلاء بجميع الوسائل المتاحة.
        فالمراسلة هنا زعمت أنا أبا زيد أستاذ الأدب لم يقدم على أمر ذي بال وإنما هي اجتهادات وتطوير في فهم النصوص الإسلامية التي تتمسك الحركة الإسلامية "الأصولية" بفهم قديم لها. وإذا كان وقت التقرير ومدّته لا تسمحان للمراسلة أن تسترسل في طرح الموضوع فكان الأولى بالإذاعة إذا شاءت أن تحترم مستمعيها أن تفسح له وقتاً أطول وتعرض وجهات النظر المختلفة.
        أما الأمر الثاني فإن المراسلة فسحت مجالاً أكبر في تقريرها لإيراد وجهات نظر الأستاذ الجامعي المحاربة للإسلام ومؤيديه ومن ذلك تخوفهم من ازدياد اهتمام الحكومة بالإسلام عن طريق إعطاء البرامج الإسلامية وقتاً أطول في وسائل الإعلام بزعم الحكومة أنها مسلمة، ولكن المراسلة أهملت كلياً وجهات نظر الإسلاميين (الذين تصر على تسميتهم بالأصوليين) الذين يرون أن المسألة ليست عدة برامج تقدم بعض الأحاديث الجامعة عن الإسلام أو الفتاوى ثم تطغى العلمانية على هيكل البرامج.
        ويبرع مراسلو هيئة الإذاعة البريطانية -غالباً- والإذاعات الغربية الأخرى في تبني الدعوة إلى حرية الرأي التي يجعلون ضحاياها هم أصحاب الفكر "التنوير" العلماني. وهذا ما فعلته وسائل الإعلام الغربية في الدفاع عن سلمان رشدي وعشرات النماذج الأخرى التي تهاجم الإسلام في كل أنحاء العالم الإسلامي.
        ولم تنس المراسلة أن تضفي على الموضوع مسحة من العاطفة حينما أوردت رأي زوجة نصر حامد أبو زيد بأنها تقف إلى جانب زوجها ولا تريد تركه، ولكن هؤلاء الإسلاميون يريدون التفريق بينها وبين زوجها.
        ولا يكاد يمر يوم دون أن تتعرض وسائل الإعلام الغربية الموجهة للعالم الإسلامي أو الموجهة باللغات الأوروبية دون أن تتناول قضية من قضايا الإسلام والمسلمين ومن ذلك -في الأيام القريبة- قوة الإسلام المتنامية في إندونيسيا- والمشروع الماليزي لتطبيق الشريعة الإسلامية وغير ذلك.
        إننا لسنا بحاجة فقط إلى رصد هذه الوسائل فلا بد أن نسرع في أخذ المبادرة لنكون نحن الذين نقدم قضايانا إلى الرأي العام العالمي، (متى يكون لنا وكالات إعلام إسلامية هي المؤتمنة على قضايا المسلمين؟) فمن العيب أن تظل الأمور تُقضى ونحن غياب!!



السبت، 2 يناير، 2016

دعوة إلى دراسة السيرة النبوية الشريفة

                                                                     
 
    وقف كعب بن زهير بن أبي سلمى بين يدي رسول الله eوقد جاءه مسلماً بعد أن أهدر الرسولe دمه لأبيات قالها نال فيها من الإسلام وذكر فيها الصحابي الجليل أبا بكر الصديق رضي الله عنه بسوء وأراد زهير أن يكفّر عن أبياته الأولى فجاء بقصيدته المشهورة التي مطلعها:
بانت سعاد فقلي اليوم متبول *****   متيم إثرها لم يفد مكبول ، ومنها هذين البيتين :
نبئت أن رسول الله أوعدني **** والعفو عند رسول الله مأمول
إن الرسول لنور يستضاء به **** مهند من سيوف الله مسلول.
   فسمعها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساه بردة له، واشتراها معاوية بن أبي سفيان من أبناء زهير فيما بعد وهي التي يلبسها الخلفاء في الأعياد كما يقول ابن عبد البر في الإصابة.
   هذه والله عزة الإسلام، شاعر يقول أبياتاً ثلاثة فقط يهجو بها الإسلام ويعرِّض بصحابي جليل فيهدر الرسول صلى الله عليه وسلم دمه. وكان للشاعر مكانته في المجتمع العربي حينذاك فكأنما الأبيات منشور معاد للإسلام فلا بد للدولة المسلمة أن تحمي عرضها وشرفها. ومع ذلك فالإسلام لا يغلق الأبواب والرسول صلى الله عليه وسلم رحمة الله للعالمين كما جاء في قوله تعالى {وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين} وقوله تعالى {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاًَ غليظ القلب لانفضوا من حولك}
    وانطلاقاً من هذه الرحمة وحرصاً على هداية الناس فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأتيه أحد مسلماً إلاّ قبل منه، فبلغ الأمر زهير فجاء مُسلِماً، وقال تلك القصيدة التي أحب أن أقف عند هذا البيت منها: إن الرسول لنور يستضاء به    مهند من سيوف الله مسلول. فما أحرانا في عصرنا هذا الذي تداعت فيه الأمم على الاسلام والمسلمين أن نستضيء بنور الرسول صلى الله عليه وسلم. فهذه أحوالنا مجازر ترتكب في حق المسلمين في أقطار المعمورة: في فلسطين وفي كشمير وفي بورما وفي الفلبين وفي البوسنة. والبوسنة وما أدراك ما البوسنة ثلاث سنوات من المجازر حتى ملاذات "بطرس غالي" الآمنة لم تكن آمنة بل سفك فيها الدم المسلم واستبيحت الأعراض؛ ذبح المسلمون مقيدي الأيدي لا يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم. والآن تأتي بعثات الأمم المتحدة لتجد لها عملاً في التنقيب عن جثث المسلمين. ما أعجب هذا العالم الجثث أصبحت أكثر أهمية من أرواح الأحياء. وكلما أخرجوا مزيداً من الجثث أشاروا إلى سفاحَي الصرب وكأن صربيا لم يكن فيها إلاّ سفاحان. هل أصبح المسلمون أمواتاً أغلى منهم أحياء؟
    إن عزة الإسلام أهدرت دم شاعر شتم الدين وتعرض لمسلم إلاّ أن يأتي مسلماً، وقد منّ الله عليه بالهداية ليتركك لنا تلك القصيدة الرائعة التي منها قوله: إن الرسول لنور يستضاء به، وإني لأتذكر الآن أننا درسنا هذه القصيدة في مراحل الدراسة الإعدادية فلم أفهم منها حينذاك إلاً أنه قالها طلباً للعفو من الرسول صلى الله عليه وسلم، أما إهدار دمه والإشارة إلى عزة الإسلام والمسلمين فلم تذكر في شرح القصيدة، ولم يشرح لنا الأستاذ معنى (مهند من سيوف الله مسلول)
     وظهرت عزة الإسلام في موقف آخر حينما توجه الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه ألف واربعمئة من الصحابة يريدون زيارة البيت الحرام ومعهم الهدي يسوقونها أمامهم إشارة إلى عدم رغبتهم في المواجهة الحربية. ولكن صلف الكفر والعناد أدى إلى منع المسلمين ولكن بدأت المفوضات بين الطرفين فبعث الرسول صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه. ولماّ تأخر عن الرجوع إلى معسكر المسلمين وأشيع إنه قتل فما كان من الرسول صلى الله عليه وسلم إلاّ أن اتخذ قراراً بمواجهة قريش حربياً وتمت بيعة الرضوان. فهذه الدولة الإسلامية تعلن الحرب لأن فرداً منها قد قتل أو أشيع بأنه قتل. ولذلك لا نعجب أن كان المسلمون يتفانون في الاخلاص لدولتهم لأنهم يعرفون قيمتهم الحقيقية عند دولتهم. واليوم وكأننا نسينا هذه النماذج العظيمة من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم فأخذها نعجب بما فعلته أمريكا مثلاُ في سبيل تخليص مواطنيها الذين كانوا على السفينة -أخيل أورو-التي اختطفت، وكيف أن الأمريكان خطفوا طائرة لأنها كانت تقل أحد الذين اتهموا بالمشاركة في اختطاف السفينة.
    ولكن لا بد من مثال آخر لاهتمام الدولة الاسلامية بمواطنيها فقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم عدداً من الدعاة (القرّاء) لدعوة إحدى القبائل فغدروا بهم فظل شهراً يدعو على تلك القبيلة. وكانت الدولة الإسلامية حريصة على فك أسراها من أيدي الأعداء فقد روت كتب التاريخ أن الدولة الإسلامية كانت تقبل بافتداء أسير مسلم مقابل عشرات من أسرى الأعداء.
     ومع هذا فأمة الإسلام في خير وإلى خير بإذن الله فإن الأمل بالله عظيم فهذه بوادر الرجوع إلى الله تظهر في كل مكان، فقد روى أحد كتاب جريدة " الحياة " زيارته إلى لندن في شهر رمضان فوجد أن الإمام الذي يؤم المصلين في صلاة التراويح مهندس ويشترك معه عالم في الفيزياء أو الكيمياء، وأن الشخص المتخصص في الكيمياء على درجة كبيرة من العلم الشرعي. وهذه من المبشرات بأن العودة إلى الله ليست مقتصرة على فئة صغيرة محدودة.
    وهكذا كلما اشتدت الهجمة على الاسلام من الأمم الأخرى أو من أبناء الأمة الإسلامية الذين اجتالهم الفكر العلماني المادي فإنه إلى خير والحمد لله، فهذه أوروبا وأمريكا تشهدان إقبالاً على الإسلام يقدر بعشرات الألوف. لقد وجد هؤلاء الأوروبيون النور في هذا الدين العظيم وفي سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهل يدفعنا هذا إلى العودة الحقيقة لهذه السيرة العطرة لنفيد منها في السياسة والاقتصاد وفي الاجتماع وفي الاخلاق.

   

دروس من السيرة العطرة : يا خيل الله اركبي


        إنه نداء الحق والقوّة، نداء العزّة والكرامة … نداء كان ينطلق من القلوب المؤمنة التي باعت أرواحها لله عزّ وجلّ استجابة لرسوله e، قال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة يُقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم}(التوبة 111)، وقوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}(الأنفال24) .
        لكن هذه الاستجابة العظيمة سبقها إعداد نفسي بدأ من أول يوم انطلقت فيه الدعوة إلى التوحيد … إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، الخالق، الرازق، المحيي المميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير … من ذلك اليوم كان المسلم يولد من جديد فتتغير نظرته إلى الحياة، يصبح إنساناً آخر تتجاوز آماله وطموحاته وتطلعاته حدود الأرض … إلى السماء إلى ما عند الله عزّ وجلّ من نعيم ورضى ورضوان. لا تعد الدنيا بزينتها وبهرجها وبهجتها تحتل شيئاً مهماً في تصوره وتفكيره.
        والأمثلة العملية من واقع التاريخ الإسلامي تشهد بهذا وأكثر، فهذا بلال بن رباح رضي الله عنه كيف كان يعيش في الرق لا يبحث إلاّ عن رضى سيده، حتى أشرق نور الإيمان في قلبه فباع الدنيا كلها وتحمّل عذاب صناديد قريش وطغاتها وجبابرتها … كان يئن تحت صخرة ضخمة في شمس مكة اللاهبة فلا يزيد على قول أحدٌ أحد …
        وهذا سعد بن أبي وقاص الابن الرضي الذي كانت له أماً تحنو عليه ويحنو عليها وكان نعم الابن، ولكنها حينما أرادت أن تقف في طريق الهداية والنور والرشاد وهددته بالامتناع عن الطعام حتى تموت أو يعود عن الإسلام فقال لها قولته الخالدة: (والله يا أمّاه لو كانت لك مئة نفس وخرجت واحدة واحدة ما تركت هذا الدين) .
        وكان مصعب بن عمير رضي الله عنه شاباً مرفهاً ثرياً فهداه الله إلى الإسلام فامتنعت والدته الثرية عن الإنفاق عليه حتى إذا هاجر إلى المدينة تاركاً النعيم والترف والرفاهية وينطلق نداء (يا خيل الله اركبي)، فيهب مسرعاً استجابةً للنداء، وينال الشهادة وهو لا يملك شيئاً من الدنيا سوى كساء إذا غطى بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطى بها رجلاه خرج رأسه، فقال النبي e: (غطوا بها رأسه واجعلوا الإذخر على رجليه)، أو قال  (ألقوا على رجليه الإذخر).
        وكان للأنصار رضي الله عنهم نصيبهم من الاستجابة لله ولرسوله، ففي بيعة العقبة الثانية وقف بضع وسبعون رجلاً يبايعون رسول الله e بيعة الحرب، بضع وسبعون رجلاً يقفون خلف  رسول الله e في وجه الدنيا كلها … على حرب الأحمر والأصفر … وماذا لهم إن وفوا ببيعتهم … الجنّة … وقد خطب الشيخ حسن أيوب حفظه الله مرة فوصف البيعة وصفاً حرك المشاعر وألهب الأحاسيس. إنها دعوة إلى قوة الإيمان واستعلاء اليقين، سبعون رجلاً لا تهمهم الحياة الدنيا ولا تخيفهم قوة في الدنيا .
        ونحن نتذكر هذا النداء العظيم من السيرة العطرة لا بد من ذكر قصة (غسيل الملائكة) حنظلة بن أبي عامر، وكان في ريعان الصبا وشرخ الشباب وقد تزوّح ليلة الجمعة قبل غزوة أحد وفي صبيحة اليوم التالي سمع النداء الخالد (يا خيل الله اركبي)، فحمل سيفه إلى ساحة المعركة وأكرمه الله بالشهادة ويقف الرسول يتفقد أصحابه فيرى حنظلة ويقول: (إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المزن من صحاف الفضة).
        هذه النفوس العظيمة التي حملت الإسلام إلى العالم لم ترهبها قوة ولا سلاح كانوا لا يقابلون عدواً يماثلهم في العدد والعدة، بل كان أعداؤهم دائماً أضعافهم عدداً وعدة حتى لما سمع خالد بن الوليد أحد المسلمين يقول في اليرموك : (ما أكثر الروم وما أقل المسلمين) صاح فيه قائلاً: (ما أقل الروم وأكثر المسلمين، إنما تكثر الجنود بالنصر وتقتل بالخذلان، لا بعدد الرجال). ولعل أوضح مثال على ذلك يوم بدر حيث لم يزد جيش المسلمين على ثلث جيش الكفار مع اختلاف الإمكانات الحربية، وانتصر المسلمون لأن الله كان معهم .
        لابد لنا أن نتساءل كيف تحققت إرادة القتال في هذه النخبة ـ وكان المسلمون كلهم نخبة وصفوة ـ إنها تربية الرسول e على الإيمان بالله إيماناً صادقاً لا يتزعزع، كان يربيهم على الطاعة والانضباط وقول الحق … كان يربيهم على الرجولة الحقة يشاورهم ويستشيرهم ويسمع لهم حتى قال أبو هريرة رضي الله عنه : (ما رأيت أحداً أكثر مشورةً لأصحابه من رسول الله e ). وكان من ذلك استشارته لهم e يوم بدر حيث قال: ((أشيروا عليّ أيها الناس)) وسمع موقفهم بصراحة ووضوح أنهم معه حتى قال سعد بن معاذ رضي الله عنه:  (فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلَّف منّا رجل واحد) .

        عودة إلى سيرة المصطفى الحبيب e ففيها الشفاء بإذن الله من كل ما تعانيه أمتنا من فرقة وضعف وشتات … {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر}(الأحزاب آية 21).

مؤتمر الاقتصاد ودروس التاريخ

                                         بسم الله الرحمن الرحيم
                                                   
      يسعى أصحاب " مشروع السلام" إلى دفع عجلة هذا المشروع بكل الوسائل الممكنة وغير الممكنة ، وقد تفتقت أذهانهم عن فكرة التعجيل فيما يسمى بالتطبيع الاقتصادي فعقد مؤتمر الدار البيضاء ثم مؤتمر عمّان وهاهم يسعون إلى عقد مؤتمر القاهرة ويصرون على عقده رغم تردد الدولة المضيفة في قبول انعقاده قبل أن تظهر إسرائيل احترامها الحقيقي ل " مشروع السلام". وقد جمع المؤتمران السابقان عدداً كبيراً من رجال الأعمال أو التجار من العرب المسلمين واليهود بالإضافة إلى المسؤولين الرسميين، وإن تهافت اليهود على هذه المؤتمرات إنما هو بسبب حرصهم الشديد على اختراق أسواق البلاد العربية لعلهم يصيبوا من ثرواتها ما يرون أنهم حرموا منه حتى الآن.
     والمسلمون يعرفون اليهود معرفة جيدة، يعرفون طباعهم وأخلاقهم وسلوكهم وحبهم للمال والحرص عليه بأية وسيلة فقد حرصوا أن تكون لهم الهيمنة الاقتصادية في مجتمع المدينة المنورة قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بالإضافة إلى الهيمنة السياسية والفكرية. ويقول الدكتور أكرم العمري:" ولا شك أن المجتمع المدني خضع لسيطرة اليهود قبل أن يقوى كيان العرب فيه خضوعاً تاماً اقتصادياً وفكرياً ... وبالطبع على رأس الأعمال الاقتصادية التعامل بالربا الذي يتقنه اليهود في كل مكان."
     وقد أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة ضرورة أن يكون للمسلمين سوقهم الخاصة بهم وكان لليهود أكثر من سوق بها وكان أحد هذه الأسواق بجوار بقيع الغرقد فاتخذ الرسول عليه الصلاة والسلام سوقاً للمسلمين قريباً من سوق اليهود ويقول الدكتور عبد الله بن ادريس في كتابه (مجتمع المدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم) " إن اليهود شعروا بقوة المسلمين وأحسوا بخطر منافستهم ومزاحمتهم في تجارة المدينة طالما كانت هذه السوق قريبة من سوقهم فأقبل كعب بن الأشرف فدخلها وقطع أطنابها."
    وهنا لم يعط الرسول صلى الله عليه وسلم الفرصة لليهود  ليجعلوا من هذا العمل فرصة لإثارة الفتنة والخلاف بل عالجه بحكمة وتخطيط مستقبلي فقال عليه الصلاة والسلام:" لا جرم ( أن يغضب اليهود) لأنقلنهّا إلى موضع هو أغيظ له من هذا" وكان مكان السوق الجديد غربي المسجد النبوي ويعلق د. ادريس بقوله:" وقد كان اختيار المسلمين لموضع سوقهم اختياراً موفقاً دل على عمق تجربتهم التجارية وفهمهم بأمور البيع والشراء إذ كان واقعاً في جهة هي بمثابة المدخل الرئيسي للمدينة ..مما يوفر على التجار الوافدين إلى المدينة مشقة الالتفاف برواحلهم المحملة حول بيوت المدينة أو حتى التخلخل بينها حتى يصلوا إلى سوق اليهود داخل المدينة."
    ولما كان قد قيل " إن من لم يعرف الماضي حري به أن يكرر الأخطاء نفسها " فاليهود في المدينة المنورة حرصوا على استمرار هيمنتهم وسيطرتهم الاقتصادية والسياسية والثقافية وقد فشلوا في استمرار سيطرتهم وذلك أن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة أدت إلى توحيد سكان المدينة بالمؤاخاة وغير ذلك من التشريعات التي تنهى عن العصبية القبلية التي كان اليهود يحرصون على إثارتها كما فعلوا في يوم بعاث وكما حاولوا ذلك فيما بعد.
    فهل نعي أن هذه المؤتمرات الاقتصادية لا تختلف مطلقاً عن أهداف اليهود قديماً في سعيهم للسيطرة الاقتصادية والسيطرة السياسية والثقافية؟ وهل يتعلم المسلمون الدروس من السيرة النبوية في تعاملهم مع اليهود الذين كانوا في المدينة المنورة؟ إن على المسلمين مسؤولية كبرى في التخطيط لمواجهة تخطيط اليهود فيسارعوا إلى إنشاء سوق إسلامية مشتركة، ولا يقبلوا مطلقاً أن يقف اليهود بينهم وبين الاقتصاد العالمي فكما وضع الرسول صلى الله عليه وسلم سوق المدينة في مكان يجعله أقرب للتجارة الخارجية للمدينة المنورة فإننا مطالبون الآن أن نستلهم هذا الدرس في أن يكون لنا تكتلاتنا الاقتصادية وتعاملاتنا المباشرة مع الاقتصاد العالمي.
    وثمة قضية أخرى تؤكد صعوبة التعامل بين المسلمين و اليهود ذلك أن لنا تشريعاتنا التي تحرّم الربا حتى عدّه الإمام مالك أعظم ذنب ورد في القرآن الكريم لما فيه من وعيد بحرب من الله ورسوله ، كما إن التشريعات الإسلامية تتناول قضايا الاقتصاد المختلفة من إجارة وقراض وبيع وشراء .وقد اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم في أن يزاول المسلمون البيع والشراء بصورة تتفق مع التشريعات الاسلامية فكانت توجيهاته المختلفة التي منها ( رحم الله امرأً سمحاً إذا باع وإذا اشترى) وقوله صلى الله عليه وسلم (من غشّ فليس منّا) وقوله عليه الصلاة والسلام ( المحتكر ملعون) وقد ذكر الشيخ عبد الحي الكتّاني في كتابه القيم (نظام الحكومة النبوية) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يضرب بالدرة من يقعد بالسوق وهو لا يعرف الأحكام ويقول لا يقعد في سوقنا من لا يعرف الربا، وذكر الكتّاني أيضاً أن الإمام مالك كان يأمر الأمراء فيجمعون التجّار في السوق يعرضونهم عليه فإذا وجد واحداً لا يفقه أحكام المعاملات ولا يعرف الحلال والحرام أخرجه من السوق وقال له تعلّم أحكام البيع والشراء ثم اجلس في السوق .

    وهكذا فإن فتح المجال لمثل هذه الخطط اليهودية لاختراق اقتصاد العالم الإسلامي يجب أن يسبقه تخطيط على مستو عالٍ لمعرفة كيفية مواجهة اليهود وتعاملهم بالربا وموقفهم من غير اليهود الذي أوضحه القرآن الكريم في قوله تعالى {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} (آل عمران 75). وكما ذكر الدكتور الشيخ زين العابدين الركابي بإن المؤتمر يعني:" أن يموّل العرب خطط اسرائيل الرامية إلى هدم مقدساتهم وقتل إخوانهم وأخواتهم وإظلام مستقبلهم كله...إن إلغاء المؤتمر الاقتصادي موقف موضوعي يتناسب مع الظروف الراهنة ويعبر عن نبض الأمة المهموم المكلوم المكظوم، وهذا الإلغاء هو الحد الأدنى من المصداقية والواقعية والكرامة والفعل المقدور عليه."  

صندوق التنمية الفكرية

                                                بسم الله الرحمن الرحيم
                                               

        تقول الإحصائيات والدراسات التي نشرت في عدد من الصحف وعلّق عليها عدد من الكتاب إن عدد الكتب والمجلات العامة والدوريات المتخصصة التي تصدر في العالم العربي الإسلامي أقل بكثير من التي تصدر في الدول الأوروبية، وحتى دول أمريكا الجنوبية تفوقت علينا في العالم الإسلامي في عدد الإصدارات. وقد دبجت المقالات وربما الأبحاث التي تتناول هذه القضية. والحديث عن انخفاض عدد الكتب والمجلات والـدوريات العلمية يرافقه حديث عن عزوف في العالم أجمع عن القراءة. وقد تخدعنا أعداد المجلات التي نراها في البقالات أو في المكتبات فإنها في الغالب مجلات للتسلية وقليل منها الجاد أو المتخصص. فكم مجلة لدينا مثلاً تتناول الكتب أو الإصدارات الجديدة؟ وكم عدد المجلات المخصصة للأطفال؟ وكم …وكم؟
      لقد دعاني إلى التفكير في هذا الموضوع مقالة كنت قد قرأتها قبل عدة أشهر للأستاذ محمد علي العمير في جريدة عكاظ حول الكتاب ودعم صناعته. ففكرت في الموضوع مليّا فرأيت أن لدينا كثيراً من الوسائل لدعم صناعة الكتاب أرجو أن تلقى تجاوباً من الكتاب والمؤلفين.
    إن بلدنا الحبيب قد أنشأ منذ سنوات بعيدة عدة صناديق لمساعدة المواطن في شتى المجالات فمن هذه الصناديق التي كان لها أثر مبارك في تأمين السكن المناسب صندوق التنمية العقارية. فقد قدم مئات الملايين من الريالات على مدى السنوات الماضية ولا زال يقوم بدور مبارك في دعم هذا القطاع المهم. وهناك جانب مهم في صندوق التنمية العقارية لمن يريد أن يبني للاستثمار. وقد أفاد كثير من المواطنين في هذا المجال.
     كما أن لدينا صندوق التنمية الصناعية وقد قامت العديد من المصانع بقروض ميسرة الدفع من هذا الصندوق ولولا أن الله منّ علينا بهذا الصندوق لما رأت كثير من الصناعات النور. -وبودي لو أن إدارات العـلاقات العامة بهذه الصناديق تقوم بين الحين والآخر بتزويد الكتاب بمعلومات حديثة عن نشاطاتها لاستطاع الكاتب أن يقدم المعلومة الموثقة.
   وهناك بنك التسليف ولعله من أقدمها لأنني ما زلت أذكر بعض الأخوة الذين حصلوا على قروض للزواج من هذا البنك قبل أكثر من عشرين سنة، ومنهم من أصبح طبيباً أو مهندساً أو رجل أعمال.
    فهل يمكن أن يكون لدينا صندوق للتنمية الثقافية أو التنمية الفكرية؟ إن الموضوع جدير بالنقاش فقد تقدمت قبل أشهر من إحدى المؤسسات المالية الكبرى لطلب قرض لطباعة عدد من الكتب، وعرضت في الـوقت نفسه أن تتبنى المؤسسة طباعة هذه الكتب، وذكرت لهم إنني لا أريد أن أكسب مادياً من هذه العملية ولكن ضاق صدري أن أرى كتبي قابعة في الأدراج عدة سنوات. فجاءني الرد دون أن يطلعوا على الكتب بالرفض. فغضبت وخاطبت المسؤول قائلاً: " نعم قد تفهم في المال والاقتصاد أما الأمور الثقافية والفـكرية فكنت أتمنى أن تطلب نسخاً من الكتب وتعرضها على من يستطيع إبداء الرأي." ولمّا حدثت صديقاً في الأمر قال لو كنت تريد شراء عدد من السيارات أو أي مشروع آخر لأسرعوا إلى تمويلك.
      وفي أثناء إعداد محاضرة لتقديمها في نادي مكة الأدبي الثقافي بحثت في بعض كتب المستشرقين فوجدت التمويل السخي لإعداد عدد من هذه الكتب من مؤسسات خيرية وشركات تجارية ومؤسسات حكومية وغيرها. فقلت سبحان الله كم ينفقون على علمائهم وباحثيهم والكاتب في العـالم الإسلامي يحتاج إلى المراجع والدوريات المتخصصة، وقد يحتاج إلى القيام برحلات علمية فلا يجد من يعطيه ريالاً واحداً إلاّ ما كـان من مكافآت محددة للرحلات العلمية لطلاب مرحلة الدكتوراه، أو الإنفاق على الأستاذ الجامعي في سنة التفرغ.
      وهنا تذكرت حال هذه الأمة حينما كانت العالم الأول حيث كان العالِم يجد من يتبناه وينفق عليه، وقد يقـوم العالم بإهداء نسخة من كتابه إلى ثري فيقدم له المال بسخاء لا يشعره مطلقاً بالمنة. ومع ذلك فقد كان لابن الجوزي رحمه الله نصيحة للعلماء أن يخصصوا جزءاً من وقتهم للعمل في التجارة حتى يستغنوا. ولكن هل كل العلماء يستطيع أن يكون تاجراً أو يعرف الصفق في الأسواق. ومع ذلك فكـان الأثرياء في الأمة الإسـلامية يقدرون العلماء فما أن يهدي إلى أحدهم كتاب حتى يقوم بإجزال العطاء للعالم، وكم ألّف علماء في الفنون المختلفة وأهدوا كتبهم لأمراء أو أثرياء أو سلاطين فنالوا المنح السنيّة.
     ولكن ما يحدث اليوم أنك تهدي كتابك إلى عشرات من ذوي المال والمناصب فقلّ من يكتب إليك ورقة صغيرة فيها إشعار بتسلم الهدية والشكر عليها، بله أن يقدم مبلغاً من المال. وقد قدّم أحدهم كتاباً إلى أحد الأثرياء واشترط عليه أن يرد له الهدية بشيك ولكن لم يحدث شيء.
      إن صندوق التنمية الثقافية أو الفكرية أمر ضروري وملح فإن الباحث يحتاج إلى مصروفات كثيرة وقد لا يقوم بها الراتب الذي يتقاضاه من الجهة التي يعمل بها، فإما أن تركبه الديون أو أن يتوقف عن البحث والدراسة.
     وأما ما كتبته الدكتور عزيزة المانع (عكاظ ،19صفر1418) بأن الكتابة صنو الفقر مستشهدة على ذلك بما في التراث من قصـص عن الأدباء الذين عانوا من الفقر حتى اضطر بعضهم إلى أكل الخضر والأعشاب في الصحـراء أو اللجوء إلى الدين أو إلى إهدار ماء الوجه لينفق على نفسه وعياله، فيقابله قصص كثيرة عن أدباء وكتّاب وعلماء عاشوا في بحبوبة من العيش.

    المهم متى نقوم بإنشاء صندوق للتنمية الفكرية أو متى تقوم مؤسساتنا وبنوكنا وشركاتنا بالإسهام بدورها في تنمية الفكر والثقافة؟ والله الموفق.   

التعليم العالي والبحث العلمي

                                بسم الله الرحمن الرحيم
                        
        تابعت باهتمام مقالات الدكتور عبد القادر طاش في هذه الصحيفة عن زياراته للصين الوطنية وكوريا وإندونيسيا. وقد لفت انتباهي ما كتبه عن النهضة العلمية التي تعيشها الصين منذ أكثر من أربعين سنة وبخاصة ما تخصصه الصين في ميزانيتها للبحث العلمي، ولعل ما ينطبق على الصين ينطبق على كوريا الجنوبية أيضا. ثم كانت مقالته عن إندونيسيا وصناعة الطائرات. وقد أكدّ الدكتور عبد القادر على أن نجاح إندونيسيا في صناعة الطائرات هو أحد النتائج البارزة لاهتمامها بالبحث العلمي.
     وللبحث العلمي بداية متميزة رائدها وبطلها الحقيقي البرفسور بحر الدين حبيبي والرئيس الإندونيسي سوهارتو الذي قدّم للبرفسور حبيبي كلّ دعم وتأييد. فقد تحدت البرفسور حبيبي في الأمسية التي دعا إليها البنك الإسلامي للتنمية للتوقيع بالأحرف الأولى على إنشاء " المنتدى الإسلامي العالمي للعلوم والتقنية وتنمية الموارد البشرية" وفي هذه الأمسية تناول البرفسور حبيبي ما يزعمه الأعداء بأن الإسلام وتعاليمه تقف عائقاً أما التقدم وضد الانتاجية والابداع." فكان مما قاله بأن " العكس هو الصحيح فتعاليم الاسلام تحض على التقدم العلمي وتسخير ثمرات التقنية لإسعاد الإنسان وإعمار الكون، وتعاليم الإسلام تنمّي في نفس الإنسان روح الانتاجية وتدفعه إلى العمل."
    ويضيف الدكتور حبيبي أن " أبرز عنصرين لتكون العقل العلمي والسلوك الإنتاجي هما: القراءة والانضباط، فهل هناك دين آخر غير الإسلام أعطى هذين العنصرين من اهتمامه ما نلاحظه في تعاليم الدين الحنيف؟"  وقد نجحت إندونيسيا في هذا المجال ومن الأدلة على ذلك ارتفاع ميزان المدفوعات في صالح إندونيسيا في السنوات الأخيرة، ولعل أبرز دليل على نجاح إندونيسيا أنها أصبحت إحدى ست دول تصنع الطائرات التجارية. وقد أورد الدكتور طاش موجزاً لهذه التجربة الرائدة. فقد اتصلت إندونيسيا بالعديد من الشركات الغربية للتعاون معها لصناعة الطائرات ولكن معظم تلك الشركات كانت ترد بالرفض حتى استجابت إحدى الشركات الاسبانية. وها هي إندونيسيا تملك صناعة طائرات يعمل فيها حالياً ألفان وثمانمائة مهندس(2800) وستة عشر ألف عامل (16000) (95%منهم يتوقفون خمس مرات في اليوم والليلة ليلبوا نداء الصلاة)
             فما حال البحث العلمي في العالم العربي الإسلامي؟ لقد كتب الدكتور قسطنيطين زريق (الحياة، (عدد 12138في 18صفر 1417،4يوليه 1996) يشير إلى أن الدول العربية تعد متخلفة في مجال البحث العلمي سواء اتخذنا عدد حملة الدكتوراه أو عدد المنشورات العلمية ونموها أو عدد مؤسسات النشر مقياساً للمقارنة، لا بالمقارنة بالدول الصناعية المتقدمة ولكن بالمقارنة مع بعض الدول النامية. ويقدم زريق بعض الأرقام عن النسبة المخصصة للبحث العلمي من إجمالي الناتج المحلي لبعض الدول العربية ففي مصر على سبيل المثال لا تزيد هذه النسبة عن 4,. في المئة و3,. في المئة في الأردن ومثلها في الكويت. وكانت هذه الأرقام وغيرها من التفاصيل قد عرضت في مجلة (المستقبل العربي) لشهر مايو 1996.وقد قدم الدكتور عبد الجليل التميمي في ندوة عقدت في تونس تقريراً عن أحوال البحث العلمي في العلوم الاجتماعية والانسانية في العالم العربي مما يؤكد ما أورده زريق في مقالته.
       ويقدم الدكتور زريق اقتراحين " لمعالجة هذا الشأن الخطير أولهما: تشجيع مؤسسات البحث العلمي في كل بلد عربي بإمدادها بما تستحق من اهتمام أدبي وعون مادي ...فهذا الجانب من التنمية البشرية وهو الجانب الأساسي لكل تنمية. أما الاقتراح الثاني فهو التنسيق بين الدول العربية في مجال البحث العلمي فما يوجد في بلد عربي قد لا يوجد في بلد عربي آخر. ويمكن " تشجيع أهل العلم والدراية على وضع خريطة عربية متكاملة لهذا النحو من النشاط الحضاري تتوزع فيها المراكز العلمية المتخصصة على الساحة العربية." وقد أورد زريق في بداية مقالته نموذج الجامعات اليهودية في إسرائيل وتعاونها مع مراكز البحث العلمي في العالم كله وبخاصة الباحثين اليهود الذين يقدمون كل دعم وعون للجامعات العبرية. وبمراجعة بعض النشاطات لمراكز البحوث الأمريكية(مثلاً) يتأكد له أن التعاون قائم فعلاً بين هذه المراكز والجامعات العبرية والباحثين اليهود .
       وأود في هذا المقال أن أقدم بعض المقترحات العملية لتشجيع البحث العلمي وهو أن تبدأ الجامعات العربية الإسلامية بتكوين أوقاف ومشروعات تدر دخلاً لتمكينها من الانتاج العلمي والانفاق على البحث العلمي بسخاء، فهذه جامعة برنستون تملك وقفية تقدر قيمتها بثلاثة بلايين دولار، ولمعهد ماساتشوستس التقني وقفية تقدر 1,6 بليون دولار. وقد شرعت جامعة كمبريدج البريطانية بحملة لجمع 450 مليون جنيه إسترليني لدعم البحث العلمي فيها. فأين المحسنون وأين الباذلون وأين المنفقون ليتقدموا ويجودوا ببعض ما أعطاهم الله ليكون لهم (العلم الذي ينتفع به).
    ومن الاقتراحات العملية في هذا المجال أيضاً رفع مستوى التنسيق الحقيقي بين الجامعات العربية والاسلامية فما زالت الرسائل العلمية تتكرر بين الجامعات في بلد واحد فما بالك بالعالم العربي الاسلامي فأين قواعد المعلومات حول البحوث تحت الإعداد أو البحوث التي تم انجازها. كما إن من المعروف في الولايات المتحدة مثلاً (ومثل ذلك في أوروبا) أن الرسائل العلمية تنشر مستخلصات لها كل سنة. كما إنه من الممكن الاطلاع على أية رسالة علمية بل يمكن شراؤها أيضاً في صورة ميكروفيلم أو شرائح أو بصورة ورقية مجلدة أو غير مجلدة من شركة معروفة (شركة الميكروفيلم الجامعية العالمية) ومقرها الرئيس في مدينة شيكاغو ولها فرع كبير في بريطانيا. وما زالت الرسائل العلمية عندنا لا يمكن الاطلاع عليها.

    

سوق إسلامي مشترك

                                بسم الله الرحمن الرحيم
                                    
         عنوان مثير وجميل نشرته جريدة الحياة ( اللندنية)(العدد 12242في 18ربيع الأول 1417 هـ الموافق 1 سبتمبر 1996) يقول :"منتجات 54 دولة إسلامية عند بوابة مكة المكرمة" أعادني إلى مقال كنت قد كتبته قبل  أكثر من ثلاث سنوات  بعنوان: (معرض تجاري ثقافي كبير في الحج) (المدينة المنورة عدد 111401في 9محرم 1414) أما التقرير الإخباري لجريدة الحياة فقد جاء فيه أن رجل الأعمال السعودي المهندس يحي حمزة كوشك قد اقترح إقامة معارض دائمة أو موسمية ( خلال المواسم الدينية) " تهتم بعرض منتجات الدول الإسلامية في موقع متميز يتحدد بالقرب من بوابة مكة المكرمة إلى يمين أو يسار طريق مكة-جدة السريع ، حيث تخصص الجهات المسؤولة مساحة أرض ملائمة لكل دولة."
       وقد تضمن التقرير الإخباري تفاصيل عن هذا الاقتراح مما يجعله اقتراحاً عملياً قابلاً للتطبيق بإذن الله حيث تضمن الاقتراح أن يتم التنفيذ على ثلاثة مراحل يمكن الرجوع إليها في الدراسة القيمة التي قدمها المهندس السعودي المتميز يحي كوشك. وقد لفت انتباهي أن الدراسة تشير إلى إقامة " معرض دائم للحرمين الشريفين في مكة المكرمة" " على أن يشمل قسماً للنماذج يضم صوراً من بينها مراحل التطور العمراني والمعماري للحرمين " وهذا بلا شك يوضح مدى اهتمام العالم الاسلامي على مر العصور بعمارة الحرمين الشريفين وما بذلت من جهود للإنفاق على هذه التوسعات ولا سيما ما  تحقق من توسعات عظيمة في عهد خادم الحرمين الشريفين يحفظه الله ليس لها مثيل في التاريخ الاسلامي .وقد جاء في مقالتي المذكورة :" غادر حجاج بيت الله الحرام -ضيوف الرحمن- إلى بلادهم يحملون كثيراً من الذكريات الطيبة ،وسيذكرون ما شاهدوا من أعمال عمرانية باهرة في توسعة الحرمين الشريفين والساحات المحيطة بهما ..)
     فهذه دراسة جليلة تعجبت أنها لم تنل حظها من الاهتمام من وسائل الإعلام المحلية ، وبودي أن تعقد الندوات والمحاضرات للحديث عن هذه الدراسة الرائدة الجليلة وبخاصة أنها مقدمة من أحد أبناء هذه المملكة التي لها دور بارز في الساحة الاسلامية وبخاصة أنها تحتضن مؤسسات إسلامية عالمية أثبت جديتها في العمل على وحدة العالم الاسلامي ومنها منظمة المؤتمر الاسلامي وبنك التنمية الاسلامي ورابطة العالم الاسلامي وغيرها من المنظمات والهيئات وهي بلا شك تلقى الرعاية والتأييد من المسؤولين في هذا البلد المبارك وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين يحفظه الله وولي عهده الأمير عبد الله بن عبد العزيز وسمو النائب الثاني الأمير سلطان بن عبد العزيز.
      ولعل مما يدعو إلى الاهتمام بإنشاء السوق الإسلامي المشتركة التي يمكن أن يكون معرض مكة المكرمة بداية له أن حجم التبادل التجاري بين الدول العربية الاسلامية مازال محدوداً، بل إن التبادل التجاري بين الدول الاسلامية والدول الأوروبية والأمريكية أكبر مما هو بين الدول الاسلامية، مع وجود كثير من البضائع والمنتجات الإسلامية التي يمكن أن تحل محل المنتوجات غير الاسلامية. ويحلو لي بين الحين والآخر أن أسأل تجار الجملة في المدينة المنورة هل عندكم بضائع من بعض البلاد الإسلامية التي أعرف أنها تشتهر بإنتاج هذا النوع أو ذاك من المنتجات. فتكون الإجابة بالنفي فأعود وأتساءل ولماذا؟ فيكون الجواب " الزبائن لا يسألون عن هذه المنتوجات أو إنها لا يشترونها."
      لقد شاهدت صورة لسيارات من صناعة إندونيسية وأعرف أن في ماليزيا صناعة سيارات أيضاً فأين هذه السيارات من أسواقنا؟ كما إن تركيا قد بدأت منذ زمن في صناعة سيارة باسم مراد وربما بأسماء أخرى. والطريف أن إذاعة لندن قد تحدثت يوم الثلاثاء 8 رجب 1417 في برنامجها الصباحي عن سيارة باسم مراد صممها وصنعها لبناني اسمه مراد ولكن قيام الحرب العالمية الثانية قد عطل هذا المشروع، ولكن صاحبها كان يقود نموذجاً منها حتى منتصف السبعينيات. ولم توضح الإذاعة سبب تعطيل إنتاج هذه السيارة. وهذا الرجل من العقول المهاجرة التي أبدعت في بلاد الغرب ولم نفد كثيراً منه.
     ولما كان اقتراح المهندس الفاضل يحي حمزة كوشك قد ذكرني بالمقالة التي كنت قد كتبتها في هذه الصحيفة وقد جاء فيها عن الجانب الاقتصادي التجاري :" فمن الممكن مثلاً أن تهيأ بعض الأماكن المتسعة لتكون  معرضاً تجارياً بحيث يتم التنسيق بين وزارة التجارة والصناعة في المملكة مع نظيراتها في الدول الاسلامية بحيث تبعث كل دولة نماذج من صناعاتها كما تكون فرصة أيضا للتعريف بالصناعات الكثيرة في المملكة ، ويمكن لهذا المعرض أن يفتتح في منتصف شوال من كل عام ويستمر حتى يوم التروية، ويفتتح بعد الانتهاء من أعمال الحج حتى بداية شهر محرم "
    وقد تضمنت مقالتي جانباً آخر أرجو أن يتاح للمهندس الجليل يحي حمزة كوشك أن يضمه إلى دراسته وهو الجانب العلمي الثقافي فمما قلته :" ومن المنافع التي يمكن أن تكون موضع اهتمام التبادل الثقافي ذلك أن العالم الاسلامي يضم مئات الجامعات ،وكل جامعة منها لديها من النشاطات الثقافية والفكرية الشيء الكثير ، ولا شك أنها فرصة مناسبة جداً لإقامة معرض للكتاب ولا أقصد معرضاً تجارياً فتلك مسألة أخرى ، وإن كان يمكن أن يحدث فيما بعد ، فالجامعات في المملكة لديها أقسام للدراسات العليا وإنجازات علمية متميزة ، والحجاج ليسوا جميعاً من العوام فإن نسبة منهم من ذوي الثقافة العالية الذين يهمهم أن يطلعوا على النهضة العلمية في المملكة فتكون مناسبة ممتازة لنقدم لهم الانتاج العلمي للجامعات السعودية بعرض فهارس ( وأضيف ومستخلصات) الرسائل الجامعية. "
    وتضمن الاقتراح أيضاً عرض المنجزات العلمية من اختراعات وأدوات وآلات فإنهم في الغرب يعقدون المعارض السنوية للاختراعات ويهتمون باختراعات طلاب المرحلة الثانوية فإننا يمكن أن نضيف أيضاً اختراعات وأبحاث طلاب المرحلة الجامعية وأساتذة الجامعات وغيرهم.

         شكراً للمهندس يحي كوشك على هذه الدراسة التي أرجو أن تنال ما تستحقه من اهتمام وتقدير. والله الموفق 

الفهم السقيم لدى بعض المتلبرلين ومنهم تركي الحمد

                                   بسم الله الرحمن الرحيم
      أريد هنا مناقشة بعض أفكار الدكتور الأديب -الروائي- تركي الحمد فأبدأ بالتساؤل أولاً: ما التدين الذي يراه الدكتور زائداً عن الحد المطلوب؟ ينبغي أن نعرف معنى التدين أولاً والدكتور أستاذ جامعي يدرك أن تحديد معاني المصطلحات ينبغي أن يأتي قبل النقاش. والتدين هو معرفة هذا الدين معرفة حقيقية من مصادره والتمسك بأركانه الأساسية في السياسة والاقتصاد والاجتماع …الخ. والتاريخ يحكي لنا أن هذه الأمة حينما كانت متدينة -بالرغم من وجود بعض الانحرافات التي لا يخلو منها مجتمع بشري- كانت في القمة في العالم وما زلت أذكر كلام الشيخ الغزالي رحمه الله -في مناظرته لفؤاد زكريا وجماعته- إننا كنّا "العـالم الأول" خمسة قرون لا يشاركنا أحـد في الأولية.
       فتدين هذه الأمة هو الذي قاد أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقف في وجه القبائل العربية التي ارتدت عن بكرة أبيها ولم يكن معه سوى ثلاث مدن (المدينة ومكة والطائف). وهو الذي قاد عمر بن الخطاب رضـي الله إلى أن يفتح بيت المقدس ويكتب العهد الذي لم يعرف العالم حتى اليوم تسـامحاً وعدلاً أعظم منه.  هـذا التدين هو الذي جعل عمر بن الخطاب يجري أول استفتاء في التاريخ الإسلامي حينما رأى أن يبقي أرض السواد في أيادي أهلها ولا يقسمها بين الجيش الفاتح. وخالفه من خالفه فلم يكن عمر ليجبر أحداً من المسلمين على الرأي الذي رآه. وهو الذي جعل عمر بن عبد العزيز يرسل قاضياً ليحقق في شكوى أهالي سمرقند حينما دخلها الجيش الإسلامي مخالفاً ما توصل إليه من اتفاق مع أهالي تلك المدينة. وحكم القاضي المسلم على الجيش بالخروج لتدخل المدينة في الإسلام ويصبح لها شأن وأي شأن.
        والتدين هو الذي أبعد الأمة الإسلامية عن أن تكون دولة استعمارية تُسَخِّرُ الشعوب الأخرى وتَسْخَرُ منها، وتستغلها وتنهب خيراتها وثرواتها. التدين الذي لم يجعل العلم والعلماء حكراً على منطقـة واحدة بل انتشر في مشارق الأرض ومغاربها. التدين الذي جعل الأمة الإسلامية قوية مرهوبة الجانب دون تطوير لأسلحة جرثومية وبيولوجية ولا ذرية ولا هيدروجينية. ولكن مادام الآخرون قد امتلكوها فوجب على المسلمين في العصر   الحاضر أن يمتلكوها عملاً بقوله تعالى {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} (الأنفال 60)
       والتدين هو الذي جعل جوستاف لوبون- رغم نظرته العنصرية القائلة بتفوق العنصر الأوروبي- يمتدح الفتوحات الإسلامية ويصرح بأن التاريخ البشري لم يعرف فاتحاً أرحم من المسلمين. وهو الذي جعل زيغـرد هونكه تكتب كتابها (شمس الله تشرق على الغرب) توضح فيه إنجازات العالم الإسلامي في مجالات الطب والفـلك والكيمياء والفيزياء، والصناعة.  ويمكن للقارئ أن يعود إلى كتاب الدكتور مصطفى السباعي -رحمه الله تعالى- (من روائع حضارتنا) ليعرف كيف كان التدين هو الذي قاد هذه الأمة إلى الإخلاص في القول والعمل.
    والتدين أيضاً هو الذي أبدعت من خلاله هذه الأمة العظيمة نظام الحِسْبة فيكفي أن يدرس الإنسان هذا النظام ليعلم أن اهتمام الغرب بالمواطن وبالحق والعدل والصدق في التعامل سبقهم المسلمون فيه بأكثر من ألف سنة. ليس العيب في التدين ولكن العيب في أننا لا نعرف معنى التدين الصحيح. فليس التدين بعض المظاهر التي يتظاهر بها البعض -مع اهتمام الإسلام بالمظهر-التي يزعم البعض أنها تغني عن الجوهر. والإسلام دين الجوهر ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى القلوب التي في الصدور) وجاء في الآية الكريمة (إلاّ من جاء بقلب سليم)
        أما قضية الزمن والفهم المقلوب أو المعادلة المقلوبة. نعم قد يكون فينا من يتمسك بالحديث عن الماضي من باب الفخر والاعتزاز ولكنه لا يعمل بما في هذا الماضي من قيم ومبادئ فليس هذا عيب في الماضي أو البحث عن الماضي. إن أوروبا حينما بدأت نهضتها وأخذت أسس النهضة من العالم الإسلامي أصرت على جذورها اليونانية الرومانية. وما زلت أذكر مواد تدرس في جامعة أريزونا الحكومية تهتم بما كتبه أرسطو حتى إنه بالنسبة لهم قد كتب في جميع المجالات فهناك أرسطو والأدب وأرسطو التربية الخ. ولا يمكن أن يكون الأديب فيهم أديباً ما لم يعرف آداب اليونان والرومان، وما لم يعرف آداب عصر النهضة ففي الإنجليزية لا بد أن يكون قد قرأ شكسبير وميلتون وتشوسر ولا بد أن يعرف كوليردج ووردزورث ولورد بايرون وشيلي وغيرهم. ولا بد أن يعرف كتابهم المقدس. وتقدم الجامعات الأمريكية مادة في آداب "الكتاب المقدس". 

        ومن نقدهم لتمسك المسلمين بالماضي أن نعتوا هذا الاهتمام بلفظ مشبع بالسخرية والتهكم - وما هكذا تورد الإبل يا حمد- فيسمون المهتمين بماضي هذه الأمة بالماضويين أو يسمون هذا الاهتمـام بالماضوية. ولمـاذا هذه الصيغ؟ لقد فسّر أحد الماركسيين وهو الدكتور صادق جلال العظم ذلك بقوله إنهم ابتدعوا هذه الصيغ ليؤكدوا قناعتهم بعدم قداسة اللغة. فما الماضوية؟ فما العيب في الماضوية إذا كانت  السير على منهـج الكتاب والسنـة وما كان عليه الخلفاء الراشدون في السياسة والاقتصاد والاجتماع ومحاولة السير على هـذا النهج الذي قال فيه صلى الله علـيه وسلم ( تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك)    أما حديثه عن خيرية هذه الأمة فقد كفاني الأستاذ عبد الله خياط الرد عندما استشهد بما جاء  في تفسير ابن كثير وكذلك ما جاء في كتاب سيد قطب ( في ظلال القرآن) الذي أكد فيه أن هذه الأمة عليها  أن تكون هي التي تعطي الأمم الأخرى في الاعتقاد وفي السياسة وفي الاقتصاد وفي الاجتماع … 

معهد الدراسات الأمريكية ملاحظات ومقترحات


      قبل سنوات بعيدة اطلعت على إعلان لمعهد الدراسات الأمريكية التابع لجامعة لندن أسرعت بإرسال رسالة هاتفية (فاكس) إلى مدير المعهد البرفسور جاري ماكداول أطلب منه بعض المعلومات عن برنامج الدراسة في معهدهم. وقد تفضل بإرسال الكتيب الخاص ببرنامج الماجستير لعام 1996/1997م. وقد أصبح هذا المعهد يطلق عليه معهد دراسة الأمريكيتين حيث ضموا إليه دراسات أمريكا الجنوبية بعد أن كان مقتصراً على الولايات المتحدة وكندا
     يقدم معهد دراسات الولايات المتحدة الأمريكية برنامج الماجستير الذي يمكن أن ينظر إليه على أنه إعداد لمزيد من الدراسات للحصول على الدكتوراه أو البحث في هذا المجال، وقد تخرج العديد من الطلبة في هذا البرنامج وهم يعملون الآن في العديد من المجالات ومنها التعليم أو السياسة أو الأعمال والتجارة. ومدة الدراسة سنة واحدة إذا كان الباحث متفرغاً كلياً للدراسة أو سنتان للتفرغ الجزئي ويشير كتيب المعهد إلى أن معظم مواد البرنامج تدرّس بعد الساعة الخامسة مساءً.
       أما المواد التي يدرسها الطلاب في هذا البرنامج فهي: الجغرافيا الاقتصادية والتاريخ الاقتصادي والتاريخ والعلاقات الدولية والآداب والموسيقى. وقد تضمن الكتيب تفصيلاً لدراسة هذه المواد فدراسة التاريخ تتضمن مثلاً المواد الآتية: الهجرة والعرقية في الولايات المتحدة منذ عام 1820-1880م. ومنها أيضاً مادة التاريخ الدستوري حتى منتصف القرن التاسع عشر، ومن هذه المواد أيضاً هوليوود وتاريخ الفيلم الأمريكي الشعبي. وتهتم دراسة الولايات المتحدة بموضوع العلاقات الدولية فمن المواد التي تدرس تحت هذا التصنيف: الولايـات المتحدة بصفتها قوة عظمى في سياسات العالم في القرن العشرين، وكذلك الولايات المتحدة والعالم: السياسة الأمريكية الخارجية بعد نهاية الحرب الباردة.
    ولا شك أن ما يهم الإنجليز أن يدرسوه يختلف إلى حد ما عما يمكن لنا أن ندرسه نحن فإن الإنجليز والأمريكان يشتركون في الجذور الفكرية اليونانية والرومانية والأصول النصرانية اليهودية- وإن لم يعترفوا بتأثير الإسلام- فإننا يجب أن نهتم بهذا الجانب. كما أن برنامج الماجستير وحده قد لا يكفي للمبتدئ في التعرف إلى الغرب ولذلك فقد يطلب أن يكون ثمة تخصصاً فرعياً في المرحلة الجامعية للتعرف على الفكر الغربي والثقافة الغربية.   وليس معهد دراسات الولايات المتحدة الأمريكية التابع لجامعة لندن هو المعهد الوحيد لمثل هذا النوع من المعاهد فقد علمت أن ثمة معهد بهذا الاسم في مونتريال بكندا. ولذلك فإنني أقدم بين يدي المشرفين على معهد أصيلة لدراسة الولايات المتحدة أن يفيدوا من تجارب هذين المعهدين في لندن ومونتريال. وأعتقد أن الدول الأوروبية الأخرى مثل ألمانيا لا تخلو من معاهد أو تخصصات مماثلة.
      فقد تأسس في الغرب منذ عدة قرون أقسام للدراسات العربية الإسلامية أو ما كان يسمى الاستشراق ولئن كانت تلك الدراسات تبدأ باللغة العربية وفقه اللغة ثم ينطلق المستشرق بعد ذلك ليتناول كل ما يخص العالم الإسلامي عقيدة وشريعة وتاريخاً واجتماعاً. وقد كان من آخر المستشرقين هاملتون جب الذي بدأ اهتمامه باللغة العربية وآدابها فكتب بعد ذلك في التاريخ وفي الاجتماع وفي الاتجاهات الفكرية والسياسية في العالم الإسلامي. وانتهى به مشواره العلمي في جامعة هارفارد خبيراً في شؤون الشرق الأوسط. ومن نماذج المستشرقين المعاصرين برنارد لويس الذي تخصص في التاريخ ثم كتب في كل ما يتعلق بالإسلام تاريخاً وعقيدة وسياسة واقتصاداً.
       ونحن إن أردنا أن نعرف الغرب معرفة صحيحة فيجب أن نبدأ من حيث انتهى القوم لا من حيث بدؤوا. فقد كنت في زيارة لجامعة كاليفورنيا في مدينة بيركلي فوجدت أن الاهتمام بالشرق الأوسط قد تـوزع الآن على ثمانية عشر قسماً يقوم مركز دراسات الشرق الأوسط بالتنسيق بينها. وكم من رسالة علمية أشرف عليها أكثر من أستاذ في أكثر من قسم علمي. ولذلك ينبغي أن تكون دراستنا للولايات المتحدة الأمريكية مبينة على التخصص العلمي الدقيق فلا بد أن يتكون لدينا متخصصون في التاريخ الأمريكي وفي الاجتماع الأمريكي - بمختلف تخصصات علم الاجتماع - ومتخصصون في الأدب الأمريكي، وفي التيارات الثقافية والفكرية الأمريكية، ومتخصصون في الجغرافيا السياسية والاقتصادية والطبيعية والبشرية لأمريكا، كما نحتاج إلى متخصصين في الجيولوجيا الأمريكية ونحتاج إلى متخصصين في المجالات المختلفة.
      وفي الوقت الذي يبدأ فيه معهد الدراسات الأمريكية لتكوين نفر من المتخصصين في هذه الدراسات فإننا بحاجة إلى إنشاء معاهد ومراكز وأقسام عليمة تهتم بالدراسات البريطانية والإيرلندية، ونحتاج إلى متخصصـين في الدراسات الاسكندنافية وفي الدراسات الألمانية وغيرها حتى لا تبقى دولة من دول العالم ليس لدينا متخصصون فيها. وحبذا لو فكرنا جدياً في إعداد متخصصين في دراسات جنوب شرق آسيا وفي الصين وفي الهند.
     وبعد أن يتكون لدينا عدد من المتخصصين فإننا يجب أن نفكر في إنشاء جمعيات ورابطات للدراسات المختلفة حتى يتم التنسيق بين مختلف الباحثين في شتى المجالات. ولا شك أن الصلة التي تربط المتخصصين في أي مجال من المجالات إنما هي الدوريات العلمية والمؤتمرات والندوات والنشر. فإن الأمر يتطلب عقد المؤتمرات والندوات ونشر الكتب والدراسات والموسوعات. فكما خطط اتحاد المستشرقين الدولي في بداية القـرن العشرين لإصدار دائرة المعارف الإسلامية وقام بإصدارها في طبعتيها الأولى والثانية، فإننا يجب أن نفكر بإصدار دائرة المعارف الأوروبية نهتم فيها بما كتبه الأوروبيون عن أنفسهم ولكن يجب أن تكتب بأيد عربية إسلامية ونأخذ في الاعتبار أن يشارك فيها منهم من تتسم كتابته بالعلمية والموضوعية.
        ويمكننا في الوقت الحاضر أن نبدأ بإعداد باحثينا في الدراسات الأوروبية في أن يتخصص بعض أبناء العالم الإسلامي الذي يدرسون للحصول على الدرجات العليا (الماجستير والدكتوراه) في دراسة قضايا تختص بأوروبا وأمريكا بدل أن يتخصصوا في دراسات تخص العالم الإسلامي. وقد يرى البعض أن الجامعات الغربية قد لا تسمح لهم بمثل هذه الدراسات حيث إن الجامعات الغربية تهتم بمعرفة العالم الإسلامي من خلال أبنائه الذين يدرسـون في تلك الجامعات وهو ما بدأه معهد الدراسات الإسلامية في جامعة ما جيل بكندا حيث كان يحث طـلابه المسلمين على دراسة مشكلات بلادهم في كندا حتى يكونوا بعيدين عن التأثيرات المختلفة فإننا يجب أن نصل إلى اتفاقات مع الجامعات الغربية على أن تسمح لطلابنا بعدم الاقتصار على دراسة قضايا العالم الإسلامي.
    ومن الفوائد التي تحققت من دراستي للاستشراق أنها لفتت انتباهي إلى مجال يمكن لنا أن نطرقه وهو أن يقوم نفر من العرب المسلمين بحضور الندوات والمؤتمرات التي تعقد في الغرب وتتناول الموضوعات التي تخص الدول الغربية.وأرجو أن أتمكن في القريب العاجل أن أحضر بعض مؤتمرات رابطة أساتذة التاريخ في أوروبا فقبل سنوات عقد مؤتمر ضخم في بودابست بالمجر حول الدراسات الأسيوية والشمال أفريقية حضره ما يزيد على ألفي عالم من أنحاء العالم وعقد بعده مؤتمر في مونتريال ثم موسكو ثم اسطنبول، فمتى يأتي اليوم الذي نعقد فيه نحن مؤتمرات حول الدراسات الأوروبية والأمريكية ويحضره علماء من شتى أنحاء الدنيا. 

"صحيفة " المدينة والتسامح الديني

                                                     بسم الله الرحمن الرحيم
                       
       في اليوم الذي أعلنت فيه تركيا قرارها بمنع ارتداء الحجاب لموظفات الدولة أو الشركات أو الجـامعات، ومنعت إطلاق اللحى كان قد صدر قرار الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بالسماح لأي مسلمة بان ترتدي الحجاب، وكذلك بإطلاق اللحى للرجال وأداء العبادات وأن لا يتعرض إنسان في المجتمع الأمريكي للمضايقة بسبب دينه.
        أهو حقاً تسامح أمريكي حقيقي؟ ولماذا يتسامح الأمريكيون بينما تضيق صدور العسكر والعلمانيون من الحجـاب واللحية وأداء العبادات؟ نحن لا نشك أن القرار الأمريكي رائع ويستحقون عليه الشكر، ولكننا يجب أن نتوقف عند هذا الأمر فهل هذا هو التسامح الحقيقي؟ وهل أمريكيا أو غيرها من دول الغرب بعيدة عن قرارات العسكر؟
سأترك الإجابة عن هذه الأسئلة لأعود بالقارئ الكريم إلى حقيقة التسامح الديني الذي لم يعرف العالم مثله، إن التسامح الديني هو ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود حينما قدم المدينة المنورة، وكتب بينه وبينهم عهداً منحهم فيه حق ممارسة شعائرهم الدينية وحرية التصرف في أموالهم، وطالبهم بان يدونوا يداً على من أراد المدينة بسوء. والتسامح الديني كان في استقبال الرسول صـلى الله عليه وسلم لنصارى نجران واستضافته لهم في مسجده وإكرامهم والحوار معهم. ولقد شهد بعض العلماء الغربيين بهذا التسامح حيث من المشهور ما قاله جوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب بأن العالم لم يعرف فاتحاً أرحم من العرب وأكثر تسامحاً.
         ومن العجيب أن هذا التسامح لم يقابله تسامح مثله، فالصليبيون حينما هجموا على البلاد الإسلامية مارسوا جميع أنواع القتل والوحشية فقد وصلت الدماء في بيت المقدس إلى الركب كما ذكر المؤرخون. واليهود وما أدراك ما يهود لقد ارتكبوا وما زالوا يرتكبون المجازر لتثبيت وجودهم في فلسطين. ولم يكن الاستعمار الغربي أقل وحشية من الغزو الصليبي، فقد عرف عن القائد الفرنسي بيجو ما سمي بالأرض المحروقة وغير ذلك من وسائل الإرهاب. (وما خبر البوسنة والشيشان عنّا ببعيد)
        ولكن هل نجحت الدعاية التي أرادتها وسائل الإعلام بإظهار عسكر تركيا بأنهم أقل تسامحاً من الرئيس الأمريكي؟ وهل حقاً يغيب عن الغرب المؤيد للعسكر ما يفعله هؤلاء؟ فقد قرر الغرب مساعدة تركيا في مواجهة احتياجاتها الاقتصادية بعد أن قرر العسكر إلغاء المدارس القرآنية حيث ستحتاج الميزانية التركية مبالغ كبيرة لتوفير الصفوف والمدارس والمعلمين، ولذلك وافق البنك الدولي على تقديم مساعدات مالية بلغ حجمها نحو بليون ونصف البليون من الدولارات موزعة على ثلاث سنوات (الحياة، 6سبتمبر 1997) فهل ننخدع بهذه الحركات التي تظهر سماحة أمريكا وتحجر غيرها؟
        وفي الوقت الذي يصرح فيه الرئيس الأمريكي تلك التصريحات الرائعة بالسماح للنساء بارتداء الحجاب والسماح للرجال بإطلاق اللحية (لم تكن ممنوعة أبداً في أمريكا) ومنع أي ممارسة تدل على التعصب الديني يحدث في أمريكا ما يشير إلى ظهور موجة من التعصب ضد المسلمين. فقد كتب فهمي هويدي في مجلة المجلة (21-27سبتمبر 1997م) يذكر بعض ممارسات السلطات الحكومية الأمريكية ضد بعض المسلمين وذكر العائلة الألبانية، وقصة الشاب المصري الذي انتزعت منه ابنتيه وإعطائهما لأهل الزوجة لتنصيرهما.
        ومن الحوادث التي ذكرها هويدي ما حدث للدكتور حسام أبو جبارا الفلسطيني المحتجز في مدينة تامبا بفلوريدا…. والدكتور مازن النجار المحتجز في المدينة نفسها لاتهامات لا أساس لها بسبب المكائد الصهيونية..
        وكتب بول فندلي في هذه الصحيفة مقالة بعنوان (في أمريكا... مكارثية جديدة ضد العرب والمسلمين) (21جمادى الأولى 1418) أشار فيها إلى بعض الحوادث التي تدل على أن تصريحات الرئيس الأمريكي كلام جميل فقط، لكن الواقع لا يؤيد ذلك. فهل يصرح الرؤساء في الغرب بأشياء بينما تتصرف أجهزة حكوماتهم بطريقة مخالفة لتلك التصريحات؟
        وأميل شخصياً لتصديق أن الواقع في الغرب هو عكس ما يصرح بها بعض زعمائه أحياناً ليكسبوا دعاية لأنفسهم ولتحسين صورتهم. فقد كنت في زيارة للولايات المتحدة الأمريكية قبل عامين تقريباً وحدثين أحد الأخـوة المسلمين هناك بما يتعرض له بعض المسلمين من أصول أفريقية من اتهامات باطلة حتى إن أحدهم اتهم بتجارة المخدرات. وليس من الصعب على أجهزة المخابرات والمباحث تلفيق مثل هذه التهم.
        ولما لم نكن من " المفتونين بنظرية المؤامرة" -كما زعم أحد الكتاب في برنامج تلفزيوني قبل أسابيع لأن الأمر لا يحتاج إلى نظرية ينبغي إثباتها فأمام هذا السيل من الحقائق لم يعد في الأمر مؤامرة تدبر بليل أو في الخفاء كما يقولون ولكنها تصرفات واضحة للعيان. فهل يستسلم المسلمون؟

         إن عليهم أن يتكاتفوا وأن يثيروا الإعلام ضد أي تصرف يرون فيه تعصباً ضدهم. وحتى يكون الكلام عملياً أقـدم هذا الدرس الدكتور روبرت نيومان في محاضرة ألقاها في المؤسسة المتحدة للبحوث في واشنطن أجاب فيها على سؤال لشاب عربي تأكد له أن الجيش الأمريكي يمارس التفرقة العنصرية ضده حيث لم يستطـع الحصول على الترقية التي يستحقها بسبب أن الوظيفة الأعلى تتطلب معرفة بعض الأسرار وهو غير مسموح له بالوصول إليها. وذكر الشاب أن بعض المهاجرين الجدد من رومانيا ودول أوروبية أخرى استطاعوا الوصول على هذه الرتب مع أنه من الجيل الثالث في أمريكا. فقال له نيومان عليك أن تزعج السلطات بالاتصال بوسائل الإعلام ولا تيأس فلو حصل هذا ليهودي لما سكت أبداً. وأضاف نيومان المثل الذي يقول نقطة ماء تجعل الصخر فارغاً من النصف أو كما يقول المثل العربي كثرة الطرق تليّن الحديد. 

الغرب والتفكير المنطقي

                                بسم الله الرحمن الرحيم

                     

        يتردد في وسائل الإعلام الغربية المختلفة بين الحين والآخر أن أخشى ما تخشاه الدول الغربية وبخاصـة فرنسا انه عندما يحكم الإسلام في بلد ما فإنهذا البلد سيفرغ من أهله تماماً أو من العلمانيين منهم وستكون الهجرة إلى أوروبا بالملايين.وقد كتبت مجلة "االمختار"(الريدرز دايجست ) Reader's Digest عن امرأة من بلد عربي محافظ طلبت اللجوء السياسي، وترددت السلطات الكندية ، وكان المبرر أن السماح لها سيفتح الباب أما الملايين من النساء المسلمات للهجرة لأنهن لا يحصلن على حقوقهن في بلادهن.[ومن هذه الحقوق خلع الحجاب والمساواة المزعومة]
         لم يكن يخطر ببالي أن أحلل هذه الافتراءات لأنها تتكرر كثيراً ، ولكني بعد أن قرأت مقالة الأستاذ رضا لاري في جريدة المدينة المنورة يوم الأحد 14 شعبان 1415 الذي يقول فيه:"إن الطلبة الذين  تخرجوا من هذه المدارس الأجنبية اكتسبوا القدرة على التفكير وسبل استخدام العلم فيما يخدم أوطانهم.."وكأن الأستاذ لاري يرى أن هذه المدارس تعلم التفكير وسبل استخدام العلم .قد يكون هذا صحيحا في بعض الأحيان .والحقيقة أن التفكير السليم نعمة يهبها الله عز وجل من يشاء من عباده سواءً درسوا في مدارس أجنبية أم يعرفوا هذه المدارس مطلقا أو حتى لم يدخلوا المدارس على أبداً.والقدرة على التفكير وسبل استخدام العلم يغيبان أو يتعطلان حينما يتعلق الأمر  بقضايا الإسلام والمسلمين ،  وما زلت أذكر حواراً مع أحد خريجي مدرسة الملكة فيكتوريا مجّد فيه إنجازات مصطفى كمال(أتاتورك) وأضفى عليه من صنوف العظمة حتى كدت أظنه يتحدث عن أحد الخلفاء الراشدين وليس الأستاذ رضا وحده الذي يقول بهذا، فغيره كثيرون يرون أن الغرب هو منبع التفكير العلمي حتى إن  زكي نجيب محمود في محاضرة له في النادي الأدبي في جدة قبل أكثر من عشرة أعوام زعم ان البشر ينقسمون إلى ثلاثة أصناف :الأول الأوروبيون يتميزون باستخدام العقل والمنطق فاليونان هي مهـد التفكير المنطقي.والقسم الثاني هم العرب وغيرهم الذين تغلب عليهم العاطفة ، والقسم الثالث وهم العجم وجنوب شرق آسيا الذين يغلب عليهم الفن والتأمل.وقد ردّ عليه الدكتور كمال عيسى أستـاذ  الثـقافة الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز برد رائع أوضح له التفكير المنطقي والمنهج العلمي  في جدال القرآن الكريم مع المشركين وغيرهم ، وكذلك في اللغة العربية.ولعلي أفرد مقالة لما أتذكره من ذلك التعقيب.
         ولست في مجال الرد على هذه التقسيمات لكني أريد أن أناقش منطقية وعلمية هذه الافتراءات لأننا ابتلينا بأن بعضنا يرى أن كل ما يأتي من الغرب هو الصواب والحق . فهل صحيح أن  الناس يفرون من الإسلام إذا حكم ؟ وكأني بالغرب في نشره لهذه الفرية كمثل أشعب حين ضاق بالصبيان يطاردونه فحثهم على الذهاب إلى وليمة في أحد البيوت ، ولما تركوه فكر قليلا أن الأمر قد يكون صحيحا فلحقهم.
    لقد مرت هجرة المسلمين إلى ديار الغرب بعدة مراحل : إحداها أن الغرب كان في حاجة الى عمالة رخيصة أقرب إلى السخرة فلجأ إلى أبناء المستعمرات فأغراهم بالهجرة إلى بلده لبناء المرافق الأساسية مثل القطارات التحتية وغيرها . وكذلك احتاج إلى أبناء المستعمرات في حروبه ؛فقد فرضت فرنسا التجنيد الإجباري على شعوب مستعمراتها عام 1911 ، وفي عام 1914 وجدت من هؤلاء مئات الألوف للعمل في جيوشها للدفاع عنها أو للعمل في مصانعها لتغطية النقص الحاصل بسبب الحرب.
       وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية رأت أوروبا أنه لا طاقة لها باستمرار الاحتلال العسكري فوجدت من أهل البلاد المستعمَرة من يستطيع أن يحل محلها وتجد مصالحها من يرعاها.وتوقفت الحـروب داخل أوروبا لتشتعل في كل مكان مخلفة أوضاعاً اقتصادية واجتماعية وسياسية صعبة جدا، ولذلك لم يكن من الممكن لذوي الطاقات الفكرية والعلمية المتميزة أن تستمر في العيش في بلادٍ محطمة .وما أن خرج المستعمر حتى كان خلفاؤه اشد عنفا في حرب الإسلام والمسلمين في كثير من الأقطار العربية الإسلامية. وبدأت موجات جديدة من الهجرة تحت سمع وبصر الغرب. ورضي الغرب عنها لأنها كانت تحقق له عدة أهداف أولها التمكين للأنظمة الحاكمة ، وثانيا توفير البد العاملة بجميع صنوفها وبخاصة الطاقات المبدعة التي يحصل عليها بدون أن يتحمل تكاليف إعدادها.
      والحديث عن هجرة العلماء أو ما يطلق عليه نزيف الأدمغة طويل ولا يحتاج إلى تفصيل ، فلماذا هاجر هؤلاء والحكومات العربية الإسلامية في غالبها لم تتخل يوما عن المستشارين الغربيين. فهل إذا حكم الإسلام يبق لهؤلاء الوجود الذي يتمتعون به الآن ؟

         أما آن أن تسقط أسطورة التفكير الأوروبي العلمي المنطقي ، وبخاصة حينما يتعلق الأمر بالإسلام والمسلمين ؟ نحن لا نشك في أنهم يتميزون بهذا التفكير في حل مشكلاتهم وقضاياهم الداخلية أما أن يكون هذا الأمر مسلم به على إطلاقه فكلاّ وألف كلا.

مؤتمراتهم حول الإسلام والمسلمين


يعقد الغربيون مؤتمرات وندوات لدراسة الإسلام بمختلف جوانبه فما الهدف من هذه الدراسات والندوات؟ من يمولها ومن المستفيد من نتائجها ؟ أسئلة تخطر على بال الكثيرين المتابعين للصحافة أو وسائل الإعلام الأخرى فما إجابتها؟
         إن الهدف من المؤتمرات والندوات التي تعقد في الغرب إنما هو لتحقيق المعرفة ،إنهم بلا شك يريدون  أن يعرفوا كل صغيرة وكبيرة عن الإسلام والمسلمين ، إنهم يتابعون كلّ ما نكتب وما نقول بالإضافة إلى هذه المتابعة الدقيقة والمحكمة فهم يعقدون الندوات والمؤتمرات بتمويل من الحكومات الغربية وبعض المؤسسات المالية الإسلامية . وقد تعقد هذه الندوات من قبل مؤسسات البحث العلمي ، لكن متى كان البحث العلمي منفصلا عن السياسة؟ ومن هذه المؤسسات مؤسسة روكفللر وموسسة راند ومؤسسة كارينجي ومؤسسة فورد  وغيرها .بل إن المخابرات المركزية الأمريكية تدخل طرفا أحيانا في عقد هذه الندوات والمؤتمرات . ولكن من الطريف أن تلاحظ أنه في عام 1986 نشرت مجلة " المجتمع " الكويتية في عددها 743 أن جامعة هارفارد قد عهدت إلى أحد أساتذة قسم دراسات الشرق الأوسط وهو ناداف سافران (يهودي مصري) الإعداد لندوة بعنوان (الإسلام والسياسة في العالم العربي المعاصر) ، ولما اكتشف أن المخابرات المركزية وإسرائيل مولتا الندوة تم إلغاؤها . فهل كان العيب تدخل إسرائيل في توجيه مؤتمر علمي أو أن المخابرات المركزية هي التي يجب أن تبتعد عن هذا المجال ، وهل ابتعدت في أي يوم عن هذه المؤتمرات والندوات؟
         وكانّ الأمر قد تغير فلم يصبح محرجاً أن تتدخل المخابرات المركزية الأمريكية في إعداد الدراسات والمؤتمرات عن الإسلام والمسلمين . فقد نشرت جريدة " الشرق الأوسط" في عددها 5666 الصـادر في 24/12/1414 الموافق 3/6/1994 خبراً مفاده أن ثمانية عشر خبيراً في شؤون الشرق الأوسط قد شاركوا في الأسبوع الماضي في مؤتمر ال سي آي إي CIA لإجراء تقويم شامل لسياسة الحكومة الأمريكية ، وشـارك في هذا المؤتمر أيضا بعض المعنيين بدراسة ظواهر العنف والتطرف، وأضافت الصحيفة أن مؤتمرات أخرى مماثلة ستنظم بشكل دوري كل شهر لمواصلة عملية الدراسة والتقويم مؤكدة أن الإدارة سوف تتعامل مع هذه الظاهرة في كل بلد على حده انطلاقاً من خصوصياته.
         أما السؤال عن أهمية هذه المؤتمرات ونتائجها فلا شك أن هذه المؤتمرات مهمة جداً ، فهي التي تضع السيـاسة الغربية أو المؤولة عن توجيه السياسة الغربية فإن كثيراً من السياسيين الغربيين عملوا في المجال الأكاديمي أو انهم عادوا إلى العمل الأكاديمي بعد ترك السياسة(ظاهراً) ،ومن هؤلاء مثلاً وليام كوانت William Quandt وهارولد ساندورز Harold Sandors وروبرت نيومان  Robert Newman . وقد نشرت مجلة المجلة قبل سنوات (العدد 415 في 20-26 نوفمبر1985 )تحقيقاً صحافيا بعنوان ( كيف تصنع الجامعات الأمريكية قرارات البيت الأبيض ووزارة الخارجية) أوضحت فيه الارتباط الوثيق بين الجامعات ومؤتمراتها وندواتها وأساتذتها وبحوثها وما تتخذه الحكومة من قرارات.
         ولتأكيد أهمية هذه الندوات والمؤتمرات وحلقات الاستجواب( استجواب علمي) ننظر على سبيل المثال أن الكونجرس الأمريكي عقد جلسات استماع خلال عام 1985 استمع فيها إلى عدد كبـير من  أساتـذة الجامعات حول نظرتهم إلى الحركات الإسلامية في العالم العربي ومن هؤلاء على سبيل المثال : جون اسبوزيتو  و ايليتس ودانيال بايبس وغيرهم.كما استعرض عدداً من البحوث والمراسلات حول هذا الأمر. وقد صدرت محاضر جلسات هذه الحلقات في كتاب بلغت صفحاته 442 صفحة .

        ولا بد أن نشير هنا إلى أن نشر هذه البحوث والدراسات ليس فشلا من الغرب في المحافظة على السرية فهم قادرون على السرية تماماً ، ولكنهم ينشرون مثل هذه الدراسات لاستطلاع ردود الأفعال لها ، وليكن في ذلك عون لهم على التخطيط للمراحل القادمة ، ولا بد أن نشير إلى نشرها يجب أن يكون عونا للحركات  الإسلامية أيضاً  لتعرف أن الغرب جاد في رصد هذه الحركات حتى وإن دعـاها إلى الحوار فهو يقصد الوصول إلى مزيد من الفهم والتحليل . والسؤال الآن أين المؤتمرات والندوات الإسلامية التي ترصد اهتمام الغرب بالإسلام والمسلمين تحليلا ونقدا وتخطيطا، والله الموفق.                      

مراسلة قديمة حول إنشاء مركز الدراسات الغربية

Sent :
Tuesday, February 21, 2006 
To : 
mazin motabagani
Subject : 
RE: عيدكم مبارك

الأخ الفاضل الأستاذ مازن، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،
أتأسف كثيرا لتعثر مشروع مركز العالم الغربي. ولكن هذه سنة الحياة، كل بداية صعبة خاصة عندما يتعلق الأمر بعمل جاد وهادف وذلك ما عانيناه نحن في مركزا لدراسات الحضارية بباريس. والأمور تسير الآن على أحسن ما يرام. وأنا على يقين أنك ستنجح في مهمتك لما أعرفه عنك من عزيمة وعلم غزير وقوة الشخصية...
ليست لدي أية فكرة عن المجلة التي تسعى لإصدارها.  ما هي الشروط الكتابة فيها؟ وما هي طبيعة الدراسات والمقالات التي تنشرها؟
 نعم، أنا موجود الآن في البلد وأشتغل أستاذا محاضرا في جامعة الجزائر.  وأفكر بدوري في تأسيس مركز للدراسات الغربية بمجرد تتاح الفرصة وتتوفر شروط العمل.  أعرف جيدا صدق مشاعرك نحو الجزائر وكتابك عن إبن باديس متوفر في كل مكتبات العاصمة.
 تحياتي
 أخوك مولود


mazin motabagani <mazen_mutabagani@hotmail.com> a écrit :
الأخ الكريم الأستاذ الدكتور مولود عويمر سلّمه الله ورعاه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أشكرك على التهنئة بالعيد (الفطر أو الأضحى) جعل الله أيامكم أعياداً وأمدكم بالصحة والعافية والتوفيق والسداد والرشاد.
مازال مشروع الدراسات الغربية متعثراً لأن التجاوب قليل، فبودي مساهمتكم المباركة في حث الزملاء على الكتابة للمجلة عن قضية في الغرب فكرياً أو سياسياً او اقتصادياً أو اجتماعيا.
وكيف أحوالكم فقد علمت أنكم رجعتم إلى الجزائر (حبي الأول- علمياً) فمنها انطلقت انطلاقة مباركة بجمعية العلماء وبابن باديس رحمه الله
لكم تحياتي والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مازن مطبقاني