الأربعاء، 15 مارس 2017

مصدر الخوف: الإسلام أم الغرب؟


المقدمة
ظهر منذ سنوات وبالتحديد بعد سقوط الشيوعية وانهيار الأنظمة المختلفة في أوروبا الشرقية مصطلح (الخوف من الإسلام) Islamophobia وكثرت الكتابات حول الخوف من الإسلام، بل تمادوا في تهويل هذه المخاوف حتى صوروا المسلمين يخططون لمؤامرة عالمية ضد الغرب،  ولكن لم يلتفت الكثير إلى أن الخوف من الغرب هو الأولى بالبحث والدراسة فهو الذي يملك القوة المادية والفكرية والثقافية والسياسية في العصر الحاضر، فقد كتب بكر بصفر قبل سنوات([1]) حول تصريحات الرئيس الأمريكي جورج بوش عن النظام العالمي الجديد قائلاً: "لا أدري أين يجد الحالمون بالنظام العالمي الجديد له أثراً وهم يشاهدون تفاقم هيمنة الغرب على العالم بأقماره الصناعية وبوكالات أنبائه وإذاعاته وبقية وسائل إعلامه التي يذيب بواسطتها ثقافات الشعوب ويهيئها للاندماج في المركزية الثقافية الغربية؟"
ألا نخشى الغرب وهو الذي ساعد أو خطط لتدمير آخر خلافة إسلامية حينما أطلق على الدولة العثمانية (رجل أوروبا المريض)، ولم يكتف بذلك فعقد المؤتمرات للتخطيط لتقسيم البلاد العربية والإسلامية التي كانت ضمن الدولة العثمانية ليتقاسمها، وكانت أولى المراحل في العصر الحاضر مؤامرة كامبل بنرمان Sir Henry Campell Bannerman التي عقد في عام 1905 في لندن ([2])
ولم يتوقف الأمر عند هذه المؤامرة فقد تبع ذلك بسنوات وبالذات في عام 1917م اتفاقية سايكس وبيكو التي تقضي بتقسيم البلاد العربية بين بريطانيا وفرنسا، وهذه الاتفاقية جزأت البلاد العربية إلى دويلات كثيرة بعد أن كانت ولايات تابعة للخلافة العثمانية.
وليس هذا فحسب فإن الغرب قد أصبح منذ أكثر من مائتي عام مصدر العلوم المختلفة، فقد درس وما زال يدرس أعداد من أبناء هذه الأمة في جامعاته ومراكز بحوثه، وهو الذي يعقد المؤتمرات للحديث عن أوضاعنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وعن أدبنا وعن الفلكلور وغير ذلك.
 ليس المقصود بالحديث عن تهديد الغرب للإسلام والعالم أن يصيبنا الخوف والجبن والهلع من هذا الغرب فما كان المسلم ليخاف أحداً إلاّ الله كما علّمنا القرآن الكريم {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً} ([3]) فمن هذا المنطلق لا يمكن للمسلم الحق مهما كانت قوة الغرب وجبروته وسطوته أن يخشاه.
فالتهديد الحقيقي هو الصادر من الغرب الذي أسس الشركات المتعددة الجنسيات، وقدم الخبرات، وأنشأ مؤسسات الاستخبارات الضخمة جداً ذات الأيادي الطويلة، وهو الذي يؤجج الحروب ويبيع السلاح، ويخطط للانقلابات العسكرية، ويدعم بعض الحكومات ضد شعوبها. وسوف يتناول هذا البحث مسألة الخوف من الغرب في ثلاثة محاور هي: المحور الأول: الغرب مصدر الخوف سياسياً.
المحور الثاني: الغرب مصدر الخوف اقتصادياً.
المحور الثالث: الغرب مصدر الخوف ثقافياً.

المحور الأول
الغرب مصدر الخوف سياسياً
بدأ الرسول e في إرسال الرسائل إلى الملوك والأمراء داخل الجزيرة العربية وخارجها، وكان من هذه الرسائل إلى قيصر الروم وإلى المقوقس عظيم القبط، وإلى ملوك آخرين وتضمنت رسالته إلى هرقل أنه إن أسلم فيمكنه البقاء في ملكه أو عليه أن يدفع الجزية ويمكن المسلمين من الدعوة إلى الإسلام ويبقى في ملكه كذلك.   
هل الحديث عن التهديد (المزعوم) للإسلام ذريعة لمنع أو إيقاف الحديث عن تهديد الغرب للإسلام؟ إن الغرب أو الشمال النصراني كما يسميه محمود شاكر رحمه الله- لا يزيد تعداده عن عشرين في المئة من سكان الكرة الأرضية ويستهلك حوالي ثمانين بالمائة من مواردها وثرواتها. هذا الغرب هو الذي ينتج أكبر كمية من السلاح في العالم، ولا تقع حرب في أي بقعة من الأرض حتى تتداعى دول الغرب تبيع السلاح لهذا الطرف أو ذاك وتقف تتفرج على الفريقين وقد تساعد فريقاً على الفريق الآخر إما لإطالة أمد الحرب واستمرار الحاجة للسلاح الغربي أو لأهداف أخرى. وقد سمع العالم وعرف ما سمي بإيران جيت وكونترا جيت وغيرها من الجتات أو الفضائح حتى إن إحدى القنوات الفضائية أعدت برنامجاً اسمه فضائح القرن العشرين. ومن صاحب هذه الفضائح غالباً- إن لم يكن الغرب؟
وتأتي خطورة الغرب في الجانب السياسي أنه لا يرى أن العالم عرف نظاماً سياسياً على مر العصور أفضل من النظام الديموقراطي صرح بذلك المستشرق برنارد لويس قبل أكثر من خمسين سنة وجاء فوكوياما ليكرر الزعم نفسه - ولذلك فهو يسعى لنشر هذا النظام حتى إن جامعة جورج تاون في واشنطن العاصمة قد أنشأت مؤسسة بعنوان (مؤسسة الديموقراطية والتغيير السياسي في الشرق الأوسط) ورئيسها هو البروفسور دانيال برمبيرج Daniel Brumberg ويعمل فيها ستيفن هايديمان. وتعقد هذه المؤسسة وغيرها من المؤسسات ومراكز البحث العلمي الندوات والمؤتمرات لتنظر في كيفية تصدير الديمقراطية إلى العالم كله ([4]) وقد عقدت ندوة بالتعاون مع مركز دراسات الشرق الفرنسية في الدار البيضاء عام 1997م([5])
واستمرت تطلعات الغرب إلى فرض نظرياته السياسية على العالم العربي وبخاصة فيما عرف منذ سنوات قليلة بمشروع الشرق الأوسط الكبير، وبدأت الإدارة الأمريكية في التحرك لتحقيق نشر الديمقراطية. وزيادة على ذلك فإن الأمم المتحدة قامت بإعداد تقارير عن التنمية البشرية (أطلقوا عليها إنسانية) في الشرق الأوسط لتوضح مدى الوضع الخطير الذي نعيشه والتخلف غير المحدود الذي يخيم على البلاد العربية الإسلامية، ولذلك فلا بد من الديموقراطية الغربية لتنقذنا من هذه الأزمة. ([6])
ويمكن للمرء أن يتساءل كيف يريد الغرب أن ينشر الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي والشركات المتعددة الجنسيات التي أصبحت هي التي تدير السياسة الدولية-إلى حد كبير- تكره الأنظمة الديمقراطية لأن تلك الأنظمة يصعب فيها رشوة المسؤولين بدون فضائح ولا يتم تسليم الامتيازات وغيرها دون الرجوع إلى البرلمانات والمجالس المختلفة بينما في النظم غير الديمقراطية يمكن للشركات الأجنبية أن تفعل ما تشاء. أما الأمر الآخر فإن الدول الغربية لا تفتأ تزعم أن الدول النامية (تعبير لطيف) "غير مؤهلة للحكم الديمقراطي، يتحدثون باستمرار عن تناقض الديمقراطية مع الإسلام بصورة خاصة لكنهم قلما يذكرون الدور الذي قامت به شركاتهم وحكوماتهم في قتل النبتة الديمقراطية حينما بدأت بالتبرعم والتجذر في العالم الثالث، وفي دعمهم للأنظمة الفاشية التي فتكت بألوف الأحرار من المناضلين من أجل الديمقراطية والشرعية."([7])
أما التساؤلات فإن الغرب لم يعد خافياً عليه أن هذه اللعبة أو هذه السياسة لم تعد خافية على الشعوب العربية الإسلامية والشعوب في العالم الثالث فالمسؤولون الأمريكيون يتجولون في أنحاء العالم العربي الإسلامي يقابلون المثقفين ويعرفون منهم حقيقة موقفهم من سياسات الولايات المتحدة واعتمادها على المعايير المزدوجة. ([8])
        وكتب الأستاذ فائق فهيم أنّ الرؤساء الذين وصلوا إلى الحكم بالانقلابات العسكرية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية المدعومة من أمريكا، وخدموا أسيادهم ثم إذا انتهى دورهم تنوعت مصائرهم بين ذل وقتل أو طرد وتشريد. وقدم الأستاذ فهيم نصيحته لهؤلاء الرؤساء بقوله: "فبعض الحكام لا يظن أنه مجرد مرحلة وأن القاعدة هي الزوال وإنما يتصرف وكأنما سيقف الزمان عنده ولا يتحرك." ([9])
ومن الخطر الأوروبي الحقيقي ما حدث للمسلمين في البوسنة وفي الشيشان. ففي الوقت الذي كان الصرب ومن معهم من شعوب أوروبا بدعم صريح وواضح يرتكبون المجازر التي راح ضحيتها مئات الألوف من المسلمين يتداعى العالم كله لاستنكار مقتل عدد من اليهود في فلسطين. وقد ظهر في الأوروبيين من يعترض على ما فعله الغرب بهذا كاتب بريطاني قد أصدر كتاباً بعنوان: (الجيب الآمن: سربيرينتسا: أبشع مذبحة عرفتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية)، وفي هذا الكتاب يوضح حجم المجازر التي ارتكبت من قبل الصرب وسكوت الغرب بل ومعونته للمجرمين.([10]) حتى لقد كتب مصطفى أمين –رحمه الله- غاضباً يقول:" عجز الدول الكبرى عن مساعدة البوسنة فضحية كبرى، العمالقة يتحولون إلى أقزام.والدول الصغيرة تقف ذاهلة أمام تردد الأقوياء وضعفهم وهزالهم ولا تريد أن نقول وجبنهم."([11])
ويضيف مصطفى أمين: "ذنب البوسنة أنها شعب مسلم، وأنه اعتمد على الأمم المتحدة فخذلته، وصدّق كلام الدول الكبرى فخدعته، وتصور أن ميثاق الأمم المتحدة هو وثيقة محترمة وإذ به يكتشف أن هذه الوثيقة هي قطعة ورق وقعتها الدول الكبرى ونسيت أنها وضعت إمضاءها عليها"([12])
ولماذا لم يعاقب النظام الروسي الذي دمّر العاصمة الشيشانية تدميراً شاملاً؟ بل إن البنك الدول ضخ آلاف الملايين من الدولارات في الاقتصاد الروسي وما يزال- لدعم الروس. ويتساءل –بحق- عبد الواحد الحميد:" أي متابع لأحوال العالم لا بد أن يعرف لماذا"يستأسد" الروس على المسلمين في جمهورية الشيشان وفي جمهورية البوسنة والهرسك في الوقت الذي يسجلون تراجعاً على الساحة الدولية في كل المجالات؟"([13])
إن المجلس الوزاري للاتحاد الأوروبي قد أقرّ عضوية إسرائيل الكاملة في برنامج الأبحاث والدراسات العلمية لاتحاد الدول الأوروبية ....وتتيح هذه العضوية للدولة الصهيونية المشاركة الكاملة في كل برامج ومشاريع الدراسات والبحوث العلمية للاتحاد الأوروبي والاطلاع على نتائجها، وهو أمر لم تتمتع به أية دول في العالم خارج عضوية الاتحاد.
دعم إسرائيل في امتلاك أسلحة الدمار الشامل:
ومن مظاهر سكوت الغرب عن أسلحة الدمار الشامل في إسرائيل أن مصنع "نيس زيونا" للأسلحة الكيميائية والبيولوجية في إسرائيل ينتج 43 نوعاً من الأسلحة الفتاكة، وأضافت أن 120 عالماً و180 عاملاً يعملون في هذا المصنع الذي يضم معهداً علمياً سرياً به مختبرات ومعامل للتجارب ويدار بوساطة مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي مباشرة ([14]).
          وعند الرجوع لموقع هيئة الإذاعة البريطانية حول الأسلحة النووية الإسرائيلية وترسانتها الضخمة من هذا السلاح نجد آلاف الصفحات التي تتحدث بوضوح، حتى إن هذه الإذاعة أعدت استطلاعاً عن هذه الأسلحة وأجرت لقاءات مع عدد من المسؤولين اليهود في الموضوع ومنهم رئيس الوزراء السابق أريال شارون، وعندما سألته عن المواطن الإسرائيلي الذي كشف عن هذه الأسلحة وما تعرض له من عقوبة في إسرائيل كانت إجابات شارون بعيدة عن أدب الحوار إن لم تكن وقحة. ()
        أمام كل هذه الحقائق عن موقف الغرب من الإسلام والمسلمين أتينا إلى زمن زعموا أن الإسلام هو الذي يخيف الغرب وظهر في أوروبا وأمريكا مرضاً نفسياًَ اسمه الخوف من الإسلام Islam phobia حتى عقدت مئات الندوات والمؤتمرات لتدرس ما سمي "الإسلام السياسي" أو "الأصولية". ([15])
 ومن الطريف أن أستاذ التاريخ بالجامعة العبرية مارتن فان كريفيلد يرد على هذه الأوهام بقوله: "ليس من الصحيح القول بوجود نوع من "مؤامرة إسلامية عالمية على الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها زعيمة الغرب" أو "العالم الحر" أو "المسيحي" كما ليس من الصحيح أننا نشهد "حرب الحضارات" (نظرية المفكر الأمريكي صاموئيل هنتنجتون) إذا كان يراد بهذا التعبير صراعاً شاملاً تخوضه "حضارة" ممركزة معينة ضد أخرى مثلها". وينقل الباحث عن فردريك نيتشه قوله: "على من يقاتل الوحوش أن يحرص على ألاّ يصير هو الآخر وحشاً"([16]).
        وقد كتب مصطفى أمين –رحمه الله- منذ وقت مبكر يحذر من خطورة ما بدأ يظهر في الغرب عندما سقطت الشيوعية أن الإسلام هو العدو الجديد، وأن الغرب لا بد ان يتخذ الخطوات المناسبة لمقاومته والقضاء عليه. ويقول مصطفى أمين: "ونحن في بلاد الإسلام لا نشعر بهذه الحرب، ولا نستعد لها، ولا نصدق أننا أصبحنا خطراً على أحد فالأخطار هي التي تحيط بنا، وتأخذ برقابنا" ويوضح هذه المسألة بقوله: "المسلمون لا يعادون أحداً ولا يعدون أنفسهم لغزو أي بلد في العالم، وهم لديهم هموم تكفيهم وبعضهم يبحث يومياً عما يأكله أو يشربه، ومثل هؤلاء ليس لديهم وقت للغزو والفتح وإنشاء الإمبراطوريات، المسلمون لا يريدون مستعمرات، ولا يفكرون في إمبراطوريات، كل ما يريدون أن يدعهم العالم يعيشون في سلام ووئام"([17])



1- المسلمون، 4شوال 1411 هـ
2-العميد الركن د. ياسين سويد. مؤامرة الغرب على العرب: محطات في مراحل المؤامرة ومقاومتها. (بيروت: المركز العربي للأبحاث والتوثيق، 1992م)، ص21 وما بعدها
2- سورة آل عمران آية173.
[4] -http://www.carnegieendowment.org/experts/index.cfm?fa=expert_view&expert_id=162

[5] -http://www.volunteermatch.org/orgs/org2468.html
[6] -
1- خالد القشطيني. الشرق الأوسط في 7/9/1997م
1- حضرت العديد من اللقاءات في القنصلية الأمريكية بجدة بين مسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية وعدد من المثقفين والكتّاب البارزين وأساتذة الجامعات، ودار الحديث حول قضايا شتى ومنها مسألة الديمقراطية في العالم العربي ومساندة أمريكا لأنظمة شمولية في العالم العربي وغير ذلك من القضايا.
1- صحيفة المدينة المنورة 22شعبان 1419هـ.
1-الشرق الأوسط، 7/9/1997م)
2- مصطفى أمين، "فكرة-زاوية يومية" صحيفة الأخبار، العدد (13479)، 21صفر 1416هـ )19 يوليو 1995م.
3- المرجع نفسه
1- عبد الواحد الحميد. "روسيا ... ذلك الوجه القبيح" في صحيفة عكاظ، العدد (10358) في 15 رجب 1415هـ(17 ديسمبر 1994م).
1 - محمد صلاح الدين "مكافآت صنّاع الموت"، المدينة المنورة عدد (13100) في 14 ذي القعدة 1419هـ 2 مارس 1999م.
[15] -Ahmad Bin Yousef and Ahmad Abuljobain. The Politics of Islamic Resurgence: Through Western Eyes (Springfield: Indiana(USA) 1992)
1- مارتن فان كريفيلد (أستاذ التاريخ بالجامعة العبرية) "الحرب على الإرهاب: الانتصار له شروطه والهزيمة ممكنة" في الشرق الأوسط، ع 7212في 5 جمادى الأولى 1419هـ (27 أغسطس 1998م)
2- مصطفى أمين، فكرة (زاوية يومية)، في صحيفة  الشرق الأوسط العدد (4241)، في 9يوليو 1990م.
انظر كذلك مقالتي "لماذا يخوفون الغرب بالإسلام، في المسلمون، العدد 307 في 4جمادى الآخرة 1411هـ، 21 ديسمبر 1990م. وانظر كتاب عبد الله فهد النفيسي. هل يشكل الإسلام خطراً على الغرب؟ (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2003م)

نحن والغرب والجهود الرسمية

   كانت أوروبا بحاجة لمعرفة العالم الإسلامي فبدأ الرحّالة والمنصّرون والجواسيس يجولون في أنحاء العالم الإسلامي، ثم بدأت الجامعات الأوروبية في إنشاء أقسام دراسات الاستشراق والدراسات الإسلامية يدرسون كل ما يتعلق بالعالم الإسلامي عقيدة وتاريخاً وشريعة ولغة وثقافة واقتصاداً. وقد استخدمت هذه المعلومات في تيسير احتلال الدول الأوروبية للدول الإسلامية، فمن الهند في القرن السابع عشر الميلادي إلى الفليبين إلى احتلال الجزائر في العام 1830م ثم تونس بعدها ومصر وبقية البلاد العربية الإسلامية.
        واستمرت حاجة الغرب لمعرفة العالم الإسلامي، والحق يقال بأنهم بذلوا جهوداً كبيرة في سبيل هذا الهدف حتى وصلوا كما قال الدكتور أبــو بكر باقادر -   أستاذ علم الاجتماع بجامعة الملك عبد العزيز- إلى معرفة التفاصيل وتفاصيل التفاصيل في حياتنا، ولعلهم في بعض الأحيان يعرفون عنّا أكثر مما نعرف عن أنفسنا.
        ولكن كل هذه المعرفة لم تصل بالغرب أن يكون موضوعياً منصفاً مع العالم الإسلامي بالذات فقد تحدث البروفيسور مراد هوفمان (السفير الألماني السابق في المغرب العربي) أن الغرب يقبل أن يصبح الأوروبي هندوسياً، بوذياً، يهودياً مجوسياً أو أن يعتنق اليوغا أو غيرها من الأديان والتقليعات أما أن يصبح مسلماً فهو الأمر الذي تقوم له الدنيا ولا تقعد، ويضيف هوفمان (في محاضرة له في إحدى ندوات الجنادرية الكبرى)" والأوروبيون لا يهمهم إزعاج الأجراس أو قرع الطبول أو أي صوت آخر يعبر عن ديانة من الديانات ولكن يقلقهم النداء الندي (الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلاّ الله.....)"
        إذا لماذا لم يصل الغربيون في تصورهم أو تصويرهم للإسلام والمسلمين والعرب إلى الصورة الحقيقية لا الصورة المشوّهة؟ هل نلومهم وحدهم، وهذا تاريخهم الطويل من بطرس الناسك والحروب الصليبية بظلالها الثقيلة أو ما بعدها من حملات الاحتلال بدءاً بالحملة الفرنسية على مصر إلى احتلال مصر والسودان والجزائر والمغرب وتونس إلى إندونيسيا والهند والفيليبين وغيرها من البلاد الإسلامية؟
يبدو لي إن الإجابة السريعة عن هذا التساؤل إنما هو تسطيح للموضوع وتبسيط له يخل بحقيقته، ولكن سأتوقف عن توجيه اللوم إلى الغربيين على ما في تاريخهم الفكري القديم والحديث والمعاصر من صور سيئة للإسلام والمسلمين والعرب إلى محاولة الإفادة من تجربة معرفة الغرب لنا وجهودهم في معرفتنا حتى إذا حاربونا أو عادونا كانت عداوتهم مبنية على معلومات وحقائق.
إن أقسام الاستشراق في الجامعات الغربية كانت في الماضي القريب جزءاً من اهتمام الحكومات الغربية في العلن، تقوم بتقديم الميزانيات وتقترح البرامج وتكون اللجان لدراسات احتياجات البلاد من الكوادر المؤهلة في فهم العالم العربي والإسلامي. وسأضرب مثلين فقط من بريطانيا ؛ المثال الأول هو اللجنة التي كونتها الحكومية البريطانية سنة 1947م وعرفت باسم لجنة سكاربورو لدراسة أوضاع الدراسات العربية والإسلامية والأوروبية الشرقية والسلافية والأفريقية في بريطانيا. وأصدرت اللجنة تقريراً مكوناً من مائتي صفحة تقريباً حول هذه الدراسات. والمثال الثاني هو اللجنة الحكومية البريطانية التي كونت عام 1961 وعرفت باسم لجنة وليام هايتر (التي كان يرأسها) للغرض نفسه. وكان من الممولين لهذه اللجنة بعض الجهات الخيرية الأمريكية مثل مؤسسة فورد وروكفللر، وقد قامت اللجنة بزيارة لعشرة جامعات أمريكية وجامعتين كنديتين لمعرفة طبيعة الدراسات العربية الإسلامية في القارة الأمريكية وما يمكن لبريطانيا أن تفيده من التجربة الأمريكية.

إن قادة الثقافة أو وزارءها في عالمنا العربي –الذين سيجتمعون خلال الأيام القليلة القادمة أمامهم مسؤولية ضخمة في قضية العلاقات بين العالم العربي وأوروبا وأمريكا ولكن أرجو أن يتنبهوا إلى قضية حساسة وخطيرة وهي أننا لا يمكن أن نصلح في أيام ما تأسس وتجذر خلال عدة قرون. 

التعاطف الغربي مع الإسلام

                                 

ألقى الأمير البريطاني وولي العهد محاضرة في مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية قبل عامين تقريباً  أشاد فيها بالإسلام وحضارته ، وفضله على الحضارة الغربية، ودعا في محاضرة الغرب إلى بذل المزيد من الجهود لفهم الإسلام والإفادة من معطياته الحضارية.
        واهتمت وسائل الإعلام المختلفة حينذاك بمحاضرة الأمير ودعي بعدها لزيارة عدد من الدول الإسلامية . وما زال الأمير شارلز مهتم بالإسلام حتى كان من بين تصريحاته أنه إذا تولى عرش بريطانيا فلن يكون رئيساً للكنيسة الانجليكانية بل سيكون راعياً للمواطنين البريطانيين جميعاً مهما كانت ديانتهم، ذلك أن بريطانيا تتضمن أدياناً أخرى غير النصرانية.
        ولم يكن هذا الحدث الوحيد في أوروبا فحين قرر اتحاد الناشرين في ألمانيا منح جائزة السلام للمستشرقة الألمانية أن ماري شميل على جهودها في تعريف الشعب الألماني بالإسلام ، وظهر المعادون للإسلام يعارضون منحها هذه الجائزة وطالبوا رئيس الجمهورية أن يمتنع عن تقديم الجائزة لها ، فما كان من الرئيس الألماني إلاّ أن خالف هؤلاء وصرح بان جهود المستشرقة كانت جهوداً رائعة وإنها قدمت خدمة جليلة للشعب الألماني بتعريفه بالإسلام وحضارته .
    ومن مظاهر التعاطف مع الإسلام أيضاً أن إحدى الولايات الألمانية قررت إدخال تدريس الدين الإسلامي إلى مناهج الدراسة في مدارس تلك الولاية لأنها رأت أن عدد المسلمين في الولاية يجعل من الضرورة أن يعرض الإسلام عرضاً مناسباً.
    لا شك يفرح المسلم حين يعلم أن في الغرب نساءً ورجالاً استطاعوا أن ينتصروا على تلك الدعاية الضخمة التي جعلت من تشويه الإسلام هدفها الأول والأهم ، واستطاعوا كذلك التغلب على تراكمات القرون من العداوة للإسلام فخرجوا ليقولون كلمة صدق عن هذا الدين.
    ولكن أوروبا وأمريكا ذات تاريخ طويل في معادة الإسلام والمسلمين لم يتوقف حتى الآن .فمن الماضي قامت أوروبا بحملاتها الصليبية التي وصلت إلى تسع حملات اشتركت فيها القارة كلها تقريباً. وجاءت أوروبا في تلك الحروب بمقاتليها ورعاعها وهمجها لينتقضوا على العالم الإسلامي فيعملون فيه القتل والنهب والسلب. بل إن القسطنطينية التي كانت ما تزال نصرانية لم تسلم من عبثهم وهمجيتهم في الحرب الصليبية الرابعة .
   وما كادت أوروبا تبني نهضتها التي اعتمدت فيها أساساً على ما تعلمته من المسلمين حتى عادت جيوشها لتحتل البلاد الاسلامية فيما سمي بالحملات الاستعمارية. ولم تكن هذه بأخف من الحروب الصليبية وحشية وهمجية بل كانت أكثر خبثاً ومكراً ودهاءً. فقد حاربت الإسلام حرباً لا هوادة فيها فاستولى المحتلون على التعليم والثقافة والتوجيه وتفننوا في اختراع الوسائل والأساليب لمحاربة الاسلام . وما كادوا يخرجون حتى ولوا مكانهم من سماهم الأستاذ محمد قطب ( المستعمرين السمر) واستمرت الحرب ضد الإسلام .
    نعم نعمت البلاد العربية والإسلامية بالاستقلال ،ولكن هذا الاستقلال كان في أغلب الأحيان اسميا فاقتصاد البلاد ما زال مرتبطاً بالغرب؛ يأخذون المواد الخام من بلادنا ويصنعونها ثم يعيدونها إلينا منتوجات متنوعة بأغلى الأثمان وقد تغيرت أنماط حياتنا فلم نعد نستطيع أن نستغني عن هذه المنتوجات. واستمرت وسائل إعلامهم تؤكد أن نمط الحياة الغربي هو النمط الذي علينا أن نتبعه ، واستحدثوا مصطلح " التحديث " ليقيسوا مدى التزامنا باتباع آثارهم وتقليدهم .و من الطريف أن كلمة الحديث أصبحت تفعل فينا فعل السحر فالذي يفتح محلاً لإصلاح إطارات السيارات يسمي ورشته الورشة الحديثة ، والمخبز هو المخبز " الحديث" والمغسلة هي المغسلة " الحديثة" وهكذا...
    نعم هذا التعاطف مع الإسلام جميل ولكن انظر إليهم في قضية سلمان رشدي وتسليمة نسرين ، ونصر حامد أبو زيد ومحمد سعيد العشماوي وغيرهم كثير. إنه كلما ظهر صاحب فكر شاذ منحرف في عالمنا الإسلامي أسرعت أوروبا وأمريكا إلى احتضانه والدفاع عنه . كأنهم أوصياء علينا فلا حق لنا في الدفاع عن ديننا ومقدساتنا. وليس الأمر أن تهتم الأوساط الثقافية والفكرية بهؤلاء بل إن الأمر وصل إلى الساسة من وزراء خارجية إلى رؤساء السوق الأوربية المشتركة إلى الرئيس الأمريكي فإنهم يعطون هؤلاء كل اهتمام بأن يستقبلون بعضهم ويصرحون بضرورة إعطاء هؤلاء حرية التعبير عن أنفسهم .وهم لم يفعلوا مثل هذا مع الدعاة إلى الله إذا ما اضطهدوا أو قتلوا أو شردوا أو أوذوا .فأي معيار هذا  الذي يستخدمه الأوروبيون سوى أنهم يكيلون بمكيالين.
   نعم نرحب بالتعاطف الذي أبداه الرئيس الألماني ، والأمير شارلز أو غيرهما ، ولكننا نطالب أن تصبح هذه المواقف هي القاعدة وليس الشذوذ فتتوقف أوروبا عن الاحتفاء بالشاذين والمنحرفين من أبناء العالم الإسلامي وأن لا تفتح لهم الأبواب فيتسنموا فيها المناصب الجامعية ليتخذوها منبراً للطعن في الإسلام والانتقاص من شرائعه والطعن في تاريخه وشخصياته.
   ومع كل ذلك فإننا نتفاءل بأن العالم مقبل على الإسلام وأن الله عز وجل متم نوره ولو كره الكافرون ، ونقول مع الشيخ عبد الحليم خفاجي إن مستقبل الاسلام في أوروبا يدعو إلى التفاؤل. فكما هرب الأوروبيون من الشيوعية ومن غيرها من المبادئ التي لم تقدم لهم الطمأنينة والعيش السعيد وقد جربوا عشرات المذاهب والأفكار فإنهم لا شك سيلتفتون إلى الإسلام وعندها لن يجدوا له بديلاً.

    وهاهو الحرس الوطني الذي سيجعل ندوته هذا العام بعنوان الإسلام والغرب وسيدعو إليها بعض الغربيين المتعاطفين مع الإسلام فلعل الله عز وجل أن يجعل هذه الندوة تقوية لهذه الأصوات في بلادها ودحضاً للمعاندين للإسلام في العالم الاسلامي { والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}. 

عداء الغرب للإسلام والمسلمين ليس وهماً


        "لقد عادت روسيا بوجهها القبيح مرة أخرى... إنها تنفض الغبار عن تاريخها الأسود مع مسلمي البلقان.. فماذا نحن فاعلون؟" بهذه العبارة ختم الكاتب المتميّز الدكتور عبد الواحد الحميد مقالته  في صحيفة عكاظ يوم السبت الموافق 15 رجب 1415 (العدد10358)
         أثارت هذه المقالة الأستاذ عبد الله أبو السمح فكتب بعد أربعة أيام في زاويته(رأي آخر) بعنوان "غارة وهمية" (عكاظ عدد10362) صبّ فيه جام غضبه على الكتاّب لتوهمهم بأن هناك "غارة  على العالم الإسلامي من دول "الكفر" لإخراجهم من ديارهم أو من دينهم أو من الاثنين معا، ولا شك أن ذلك وهم كبير وخطأ فادح، فلا أحد يعادي المسلمين إلاّ المسلمون أنفسهم، وعـدو للمسلمين إلاّ جهلهم وتخلفهم ونزعاتهم الضيقة." وصرّح أبو السمح بأن سبب العداء "ليس لكـونهم مسلمين، ولكن بصفتهم السياسية ..دولة أو تشكيلا أو أقلية، لذلك إذا أردنا أن نتعاطف معهم فلا أقل من أن نعرف سبب المشكلة وأصلها لا أن نثير عواطف الناس بادعاءات وافتراضات تتعارض مع الحق والواجب."
        فهل صحيح أن عداء الغرب للإسلام والمسلمين وهم وليس حقيقة؟ وهل صحيح أن عداء الغرب إنما هو لأهداف سياسية ، وأن الحديث عن العداء للإسلام ما هو إلاّ ادّعاء وافتراض يتعارض مع الحق والواجب؟
        أعتذر أولاً أنني لم أتشرف بمعرفة الأستاذ عبد الله أبو السمح وخلفيته الثقافية والعلمية ، وإن كانت  مقالته هذه ومقالته الأخرى التي انتقد فيها الفلسطينيين الذين يعترضون على مسيرة السلام في بلادهم تنبي عن خلفية معينة جعلته يقف هذا الموقف الذي لا يحسد عليه.
        وأحب أن أؤكد ابتداءً أنني لا أنتصر للدكتور عبد الواحد الحميد أو الكتّاب الذين يتحدثون عن عداء الغرب للإسلام والمسلمين ( وأنا واحد منهم) فليس يجمعني بالدكتور عبد الواحد الحميد من صلة سوى مكالمة هاتفية رغبة في الإفادة من مصادر المعلومات التي يستخدمها في إعداد مقالاته. ولكني تخصصت في دراسة الاستشراق ، وأمضيت من عمري سنين أبحث في مواقف الغرب من الإسلام والمسلمين ، لذلك أجد واجباً عليّ أن أتحدث في هذا الموضوع .
        من أين نبدأ بالحديث عن عداء الغرب للإسلام والمسلمين ؟ لنبدأ من عصورهم الوسطى ، وعصور الازدهار الإسلامي ، تلك العصور التي خرج فيها بطرس الناسك ( وللنصارى بطرس معـاصر) يحرّض النصارى على حرب المسلمين واسترداد بيت المقدس من أيديهم ، وكان هذا بتأييد البابا  في الفاتيكان . وكانت الحروب الصليبية التي شغلت العالم الإسلامي قرابة قرنين من الزمان عادت منها أوروبا بمعرفة أصول نهضة المسلمين فأفادوا من ذلك وعاد المسلمون الى النوم والسبات أو مداواة آثار تلك الحروب الطويلة.ومع ذلك فقد كان ظهور الدولة العثمانية نصراً للإسلام والمسلمين طوال حياة هذه الدولة.
        ونهضت أوروبا في جميع المجالات ، وأفادت من تراث المسلمين ،وكان رد الجميل أن امتلأت مكتبات أوروبا بمئات أو ألوف المؤلفات التي تقطر حقداً على الإسلام والمسلمين حتى اصبح الأوروبيون يتوارثون العداء لنا ليس من خلال تراثهم الفكري فقط بل  أكاد أجزم أنه دخل في تركيب  جيناتهم (مورثاتهم) وعندما أراد الأوروبيون تغيير خطتهم في حرب الإسلام والمسلمين كتب بعضهم  كتباً ينتقدون فيها أجدادهم أو الحقد الأوروبي الذي كانت الكنيسة  رائدته ومن امثلة هذه الكتب كتاب ريتشارد سوذرن:(صورة الإسلام في العصورالوسطى) وكتاب نورمان دانيال:( الإسلام والغرب:صناعة الصورة)
        ولم تتناول هذه الكتابات إلاّ جانبا واحداً من علاقة المسلمين بالنصارى أو بالغرب ويقول في ذلك الدكتور رضوان السيد- الذي ترجم الكتاب الأول- :" لكن الوجوه الأخرى لعلاقة الحضـارة الإسلامية بالغرب على المستويات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية بقيت بمنأى عن المعالجة ." ولو نجحت هذه الكتابات حقا لما ظل الحقد والعداء يسيطر على كتابات كثير من الغربيين حتى هذه الساعة.
        وهذه فرنسا ما كادت تنجح ثورتها المشهورة ( التي عدت من الثورات الكبرى في تاريخ البشرية) وأعلنت مبادىء حقوق الإنسان الذي يفتخر به الغرب حتى نقضت هذه الحقوق بالنسبة للمسلمين ويقول في ذلك  عصمت سيف الدولة في محاضرة له حول الإسلام وحقوق الإنسان (رضوان السيد ،الفكر الإسلامي المعاصر وحقوق الإنسان-الحياة 21ديسمبر1994):" حتى عرفنا من واقع تاريخنا كيف تتحول الكلمات الكبيرة النبيلة الى كبائر ، فنحن لا نستطيع أن ننسى أن أصحاب إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي هم الذين لم يلبثوا  - قبل أن يجف حبر إعلانهم - أن  أعدّوا العدة وأرسلوا قواتهم بقيادة فتاهم نابليون لاحتلال مصر."   فهل هذا التاريخ وهم أو حقيقة؟
عجبت لتصور الأستاذ عبد الله أبو السمح أن الحديث عن عداء الغرب للإسلام والمسلمين إنما هو وهم أسماه أبو السمح (الغارة الوهمية)ولذلك أواصل في هذا المقال الحديث عن عداء الغرب للإسلام والمسلمين .
        لقد صحب نابليون معه في حملته على مصر جيشاً من المستشرقين والعلماء ليس حباً في مصر ولكن لأحكام السيطرة عليها في جميع المجالات . ولما غادر نابليون مصر بعث إلى نائبه في مصر أن   يبعـث إليه 500أو 600 شيخا من المماليك ، والهدف من هذه البعثة كما يقول محمود شاكر في كتـابه  رسالة في الطريق إلى ثقافتنا نقلاً عن رسالة نابليون:"فإذا ما وصل هؤلاء إلى فرنسا يحجـزون مدة سنة أو سنتين يشاهدون في أثنائها عظمة الأمة(الفرنسية) ويعتادون على تقاليدنا ولغتنـا، ولما يعودون إلى مصر يكون لنا منهم حـزب يضم إلى غيرهم " .وقد كتب محمد المنوني في كتابه يقظة المغرب العربي أن المشرف الفرنسي على إحدى البعثات الطلابية المغربية طلب أن يبقى الطلاب المغاربة مدة أطول في فرنسا بعد انتهاء بعثتهم ليتشبعوا بعظمة فرنسا وحضارتها.
       ونواصل مع محمود شاكر في حديثه عن محمد علي سرششمة أنه بعد أن استقر في الحكم "وازداد إطباق "القناصل" و "المستشرقين " على عقله وقلبه وخاصة الفرنسيين منهم وكان من تخطيـط هؤلاء الاستيلاء على عقول بعض شباب البلاد من خلال الابتعاث إلى أوروبا بعامة وفرنسا بخاصة.ويقول محمود شاكر :" وسنحت لجومار (أحد المستشرقين) أعظم فرصة باستجابة محمد علي لإرسال بعثات إلى أوروبه فبنى مشروعه ... على شباب غض يبقون في فرنسا سنوات تطول أو تقصر يكونون أشد استجابة على اعتياد لفة فرنسا وتقاليدها ، فإذا عادوا إلى مصر كانوا حزبا لفرنسا ،وعلى  مر الأيام يكبرون ويتولون المناصب صغيرها وكبيرها ، ويكون أثرهم أشد تأثيراً في بناء جماهير كثيرة تبث الأفكار التي يتلقونها في صميم شعب دار الاسلام في مصر."
        وحل الاستعمار الإنجليزي بمصر وبغير مصر فظهر عداء الغرب للإسلام والمسلمين ، ولو اقتصر الأمر على حرمان بلد مسلم من السيادة والاستقلال لهان الأمر لأن روح الجهاد إذا ما استيقظ لم يبـق للأجنبي وجود . ولكن الغرب يعرف هذا تماماً فكان حرصه على قتل هذه الروح . فما كان لهم من سبيل إلاّ العبث بالتعليم ، فلما تولى اللورد كرومر منصب أول حاكم عام لمصر (1893-1907) ، وكان مسؤولاً عن حكم مصر مدة تصل إلى أربع عشرة سنة ، وكان رأيه كما جاء في كتابه الذي نشره بعد مغادرته مصر(مصر الحديثة) :" إن الخلاف الشديد بين المسلمين والمستعمر الغربي في العقائد ، وفي القيم ، وفي التقاليد وفي اللغة وفي الفن، وفي الموسيقى.." ولا بد من التغلب على هذا الخلاف وثمة طريقان في رأيه:أحدهما هو تربية جيل من المصريين العصريين الذين ينشؤون تنشئة خاصة تقربهم من الأوروبيين ومن الانجليز على وجه الخصوص في طرائق السلوك والتفكير ، ومن اجل ذلك أنشأ كرومر كلية فيكتوريا التي قصد بها تربية جيل من أبناء الحكام والزعماء والوجهاء في محيط إنجليزي ليكونوا من بعد هم أدوات المستعمر الغربي في إدارة شوون المسلمين ، وليكونوا في الوقت نفسه على مضي الوقت أدواته في التقريب بين المسلمين وبين المستعمر الأوروبي ، وفي نشر الحضارة الغربية." وقد حدثني أحد الذين درسوا في هذه المدرسة انهم كان محرما عليهم التحدث باللغة العربية في المدرسة ،ويعاقب من يضبط متلبسا بالحديث باللغة العربية . أما الصلاة والدين فلم يكن لهما مكانا في هذه المدرسة.
      وكان التعليم في عهد كرومر قد أنيط بالقسيس دنلوب الذي يقول عنه محمود شاكر:" فأسند التعليم إلى قسّيس مبشر عاتٍ خبيث هو "دنلوب" " ويضيف :" وجاء الاستشراق الإنجليزي ليحدث في ثقافة الأمة المصرية صدعا متفاقما أخبث و أعتى من الصدع الذي أحدثه الاستشراق الفرنسي." وهذا الصدع هو ربط ثقافة المصريين بالفرعونية.
       وكان موقف الاحتلال الإنجليزي في الأردن شبيها بما حدث في مصر فحدد المندوب (السامي) مثلا  الحصص المخصصة للدين ، ويذكر أن أحد المسؤولين الإنجليز زار مدرسة فسأل عن الجدول فوجد أن حصص الدين أكثر مما هو مسموح به فاستشاط غضباً . وأما المنهج الدراسي فكان ضعيفا  حيث لم تزد عدد السور المطلوب حفظها عن بضعة سور في المرحلة الابتدائية ، ولم يكن ثمة مكان لحفـظ أي عدد من الأحاديث النبوية الشريفة . أليس هذا التدخل في المناهج الدراسية يعد من العداء للإسلام والمسلمين ، فإذا لم يكن عداءً فما العداء إذن؟
   كنت أعتقد أن الحديث عن عداء الغرب للاسلام والمسلمين سينتهي في حلقتين ، ولكن بعد ان نشرت الحلقة الأولى وجدت مكتوبا (1من 3) فكان لابد أن تكون هذه الحلقة الثالثة بدل تغيير العنوان .وأبدأ هذه الحلقة بالآية الكريمة (قد بدت البغضاء من أفواههم  وما تخفي صدورهم أكبر) التي يقول القرطبي في تفسيرها:" يعني ظهرت العداوة والتكذيب لكم من أفواههم . والبغضاء : البغض ، وهوضد الحب ... وخص تعالى الأفواه بالذكر دون الألسنة إشارة الى تشدقهم وثرثرتهم في أقوالهم هذه ، فهم فوق المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه.وتتمة الآية (وما تخفي صدورهم أكبر) يقول القرطبي أن معناها:"إخبار وإعلام بأنهم يبطنون من البغضاء أكثر مما يظهرون بأفواههم .
     والآيات التي توضح حقيقة موقف النصارى واليهود من المسلمين كثيرة وأترك الحديث عن تفسيرها،لأتناول هنا الحقائق التاريخية والواقعية لهذه العداء . فقد أصدر آصف حسين الباحث المسلم الذي يعيش في بريطانيا منذ عدة سنوات ، ويدير كلية اسلامية في مدينة ليستركتابا بعنوان (صراع الغرب مع الاسلام : استعراض للعداء التقليدي للاسلام في  الغرب )عام1990  جاء في مقدمته:" غالباً ما يتهم الغرب بأنه معاد للإسلام وللعالم الاسلامي ، وتهدف هذه الدراسة الى البحث في مدة صحة هذه الفكرة أو هل هي من صنع الخيال [ كما يرى أبو السمح] ." وتحدث المؤلف عن معاداة السامية في الغرب وسبب ظهورها ، كما تناول النزعة العنصرية لدى الأوروبيين ، وقد بدأت اللاسامية بالاختفاء بسبب من قوة اليهود في الغرب فبقيت اذن النزعة العنصرية وقد استشهد آصف حسين بمقولتين اختارهما عشوائيا للدلالة على هذه العداء. فالمقولة الأولى ليهودي فرنسي هو نائب رئيس لجنة اليهود الفرنسيين :" ليس في فرنسا مشكلة عنصرية ، إن المشكلة تجد طرقاً للاستمرار بظهور الاسلام." (الجارديان 26 أبريل 1988) والمقولة الثانية هي لوزير ينتمي لحزب المحافظين يقول فيها:" يجب إعادة فتح بريطانيا للانجليز ، ويجب طرد المسلمين إلى ديارهم إذا كانوا لا يستطيعون أن يعيشوا في بلد يسمح فيه لسلمان رشدي بحرية التعبير عن آرائه."(الجارديان 29 أغسطس 1988). وقد حاولت هذه الدراسة تناول هذا العداء في محتلف المجالات وعلى مر العصور ولذلك جاءت في سبعة فصول من أبرزها :" النصرانية والصليبيون، والرحالة والتجسس ، والاستعمار والمستشرقون ، والمنصّرون والحضارة ، والعرقية والصور الجامدة ، وعلم الاجتماع ونظريات التطور وأخيراً الإعلام وفساد ه.
     وليس من هدف هذه المقالة استعراض هذه الدراسة ( التي أرجو أن تظهر باللغة العربية قريبا) ، ولكن عرض نماذج من عداء الغرب للاسلام والمسلمين . فقد اشتركت هيئة الإذاعة البريطانية (القسم العربي) مع المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية لعقد عدة ندوات للحوار بين العالم العربي وأوروبا ، وعقدت ندوة في البحرين وأخرى في القاهرة وباستعراض أسماء الذين اشتركوا هي هذه الندوات تجد ان صوت الاسلام كان غائبا هن هذه الندوات ، وكأن القائمين على هذه النشاطات لا يريدون سماع صوت يخالف توجهاً معيناً أو هم يسمعون صوتهم وصدى هذا الصوت .

   ولننتقل الى نوذج آخر من هذا العداء  فقد كنت أراجع بعض النشاطات الاستشراقية في الهيئات والمؤسسات العلمية والثقافية البريطانية فوجدت عدداً من الذين رفضت أعمالهم في البلاد العربية الإسلامية هم الذين يتصدرون هذه الندوات والمحاضرات . فهؤلاء الذين تفتح لهم الأبواب على مصاريعها هم الذين يحاربون ثوابت الأمة الاسلامية ، ويحتقرونها ، وينتقدون الإسلام والمسلمين .وهذا هو الدليل لما أقول: قام معهد الفنون الحديثة باستضافة عدد من الكتاب والأدباء العرب لإلقاء محاضرات أو المشاركة في ندوات . والمعهد مؤسسة غير ربحية مسجلة في بريطانيا ولهذه المؤسسة أهداف تعليمية خيرية ، ويحصل المعهد على مساعدة مالية من مجلس الفنون البريطاني ومعهد الفيلم البريطاني ومؤسسة راين Rayne ، ومن أهداف المعهد أيضاً توفير المكان للتعبير عن وجهات النظر المتعددة. أما الذين استضافهم هذا المعهد فمنهم : محمد شكري صاحب كتاب "الخبز الحافي" ، الرواية الممنوعة في معظم البلاد العربية وتسخر من الاسلام . ومنهم عبد الرحمن منيف صاحب رواية "مدن الملح "التي لا تختلف عن رواية الخبز الحافي . وقدم المعهد لقاءً مع نوال السعداوي وحنان الشيح وعائشة جبار وغيرهم . فهل هذا الاهتمام بكل المنحرفين والضاليين يعد عداءً حقيقياً أو وهميا؟