الأربعاء، 31 أكتوبر 2012

اكسروا القواعد أيها الطلاب...

تقديم: لقيت بعض الطلاب المبتعثين في زيارتي لأستراليا قبل عدة أعوام وفي أثناء العودة والرحلة طويلة قمت بخربشة هذه الأسطر وقد نبهني الدكتور صلاح معمار إلى أنني أشاركه بعض أفكاره وها هي:
 

منذ بدأ الابتعاث وانطلقت البعثات إلى الدول الأوروبية وأمريكا وغيرها، أبدعت عقية الطلاب المبتعثين العرب والمسلمين وبخاصة السعوديين على بناء قواعد جعلوها راسخة ثابتة لا يخالفونها أبداً وكأنها أصبحت أوامر وحي يجب اتباعه وعدم الحيد عنه.

ومن هذه القواعد التجمع في مدينة من المدن وبخاصة في الجامعات الأقل صعوبة والأكثر تواضعاً في مستواها. وعندما يجتمع الطلاب السعودييون في مكان واحد ، فلو أراد أحدهم أن يستخرج رخصة قيادة على سبيل المثال فإنه لا يذهب إلى أحد مواطني تلك الدولة فيسأله( الآن يمكن أن يستشير الإنترنت) كيف تستخرجون الرخصة بل يبحث عن سعودي سبقه فيأخذ منه المعلومات كافة... ولو قلنا هذا أمر لا بأس به ليسهل عليه فهم المتطلبات، ولكنه يعمد على أن يذهب معه زميل آخر ليقوم بأداء المهمة.

ومن مظاهر التصاق الطلاب السعوديين بعضهم ببعض أنهم يختارون الأساتذة أنفسهم ، وأحيانا حتى في المواد الاختيارية لا يغامر السعودي بالتسجيل في مادة جديدة لم يسبق للسعوديين دراستها. وقد بلغ من الاتكالية والحرص على أن لايقوم طالب سعودي بعمل إلّا ومعه رفيق أن قال لي فلسطيني مقيم في أريزونا وفي مدينة تمبي Tempeبخاصة أتحدى أن يستطيع شاب سعودي إنجاز أي عمل وحده.

اكسروا هذه القاعدة وليمارس كل واحد حياته وحدة دون الاتكالية على الآخرين ففي ذلك فوائد وفوائد.

ومن القواعد المتينة التي أسسها الطلبة المبتعثون أن يجتمعوا معاً في كل وقت وحين حتى إن نسبة احتكاكهم بسكان البلد الأصليين لا تكاد تصل إلى عشرة بالمائة فهم لا يجتمعون في الفصول وحدها بل يجتمعون أيضاً خارج قاعات المحاضرات ويجتمع بعضهم ليلياً ..ولا زلت أدر حلقات البلوت، وهوس أحدهم بالبلوت حتى إنه كان يحمل أوراق اللعب معه في كل الأوقات. ولا أخفيكم أنني شخصياً لم أتعلم البلوت إلّا في أمريكا وكانت هي الشهادة الوحيدة التي عدت بها بعد خمس سنوات ومعرفة لعبة البلوت (وإتقان اللغة الإنجليزية)

اكسروا هذه القاعدة وخففوا أو خفضوا نسبة تعاملكم بعضكم ببعض، وارفعوا نسبة معرفتكم بالشعب الذي تقيمون بين ظهرانيه ولكن ذلك بعدة طرق..ابدأ بالحديث مع زملائك الأوروبيين والأمريكان، تعرّف إليهم شخيصاً من حيث أسرته وعرقته بها، ومه حيث اختيار الجامعة والتخصص. كن فضوليا إلى أبعد درجات الفضول ، تحدث معه عن علاقته بأمه وأبيه، وعن علاقاته بأخوانه وأخواته وجيرانه وزملائه. وربما بادلك فضولاً بفضول فتكون لديك الفرصة تحدّثه عن نفسك وأسرتك وعن علاقاتك بوالديك وأقربائك. ستجد صعوبة في الحديث وفي البحث عن المفردات ولكن قد تستطيع اليوم أن تعبّر عن عشرين في المائة مما تعرف، ولكن هذه النسبة سوف تتطور إلى أن تكون قادراً على التعبير عن نفسك مائة بالمائة.

اكسر القواعد واشتر الصحيفة المحلية، واقرأ أخبار المجتمع والقضايا الكبرى التي تهمه، وستجد صعوبة وغموضاً فاختر أحد زملائك وناقش معه بعض تلك القضايا واستوضج ما غمض عليك منها. وابحث في الصحف المحلية ليس عن القضايا الدولية الكبرى أو الصغرى، فصحف أوربا وأمريكا لا تحفل كثيراً بالعالم. ابحث عن القضايا المحلية التي تتعلق بالمجتمع نظامه، ابحث عن المزايا والعيوب وافهم المزايا فهماً جيداً فقد تتاح لك الفرصة أن تطبق بعض ما رأيت مما يمكن أن يسهّل حياتنا جميعاً وإن وجدت ما ترى أنه عيوب أو نواقص فاطرح الأسئلة بعد الأسئلة لتفهم لماذا وصلوا إلى تلك الحال.

اكسر القاعدة التي تقول إنك جئت من أجل الشهادة التي تحصل بها على وظيفة في بلادك إذا عدت إليها، فلو كلّفك الأستاذ قراءة مائة صفحة اقرأ مائة أخى إلى جوارها ولم أقل اقرأ عشر صفحات أو عشرين صفحة بل تطلع إلى أن تبذل قصارى جهدك لتتفوق على نفسك أولاً وتتوفوق على أقرانك الأمريكان أو الأوروبيين أو غيرهم.

اقرأ المحاضرة أو عنها قبل أن تأتي إلى قاعة المحاضرات، وكن  جاهزاً في طرح الأسئلة الذكية العميقة فقد تضمن درجة الامتياز بحضورك الحقيقي في قاعة المحاضرات وكم أستاذ يؤثر فيه الانطباع أكثر مما تؤثر فيه أوراق الامتحان.

اكسر القاعدة وعش في المكتبة أكثر مما تعيش في بيتك أو خارجه، فما هي إلّا سنوات محدودة ولن تتكرر الفرصة لك لتعيش في المكتبة بعد التخرج بل قد لا تتاح لك فرصة قراءة كتاب واحد أو حتى مقالة.

اكسر القاعدة وانضم إلى الجمعيات العلمية والنودي الطلابية، كن عضواً في اتحاد الطلاب في الجامعة  وتعرف إلى هذه الاتحادات ماذا تفعل وكيف تتكون وكيف تتم الانتخابات، فلديك خمس سنوت أو أكثر بإمكانك أن تتقن لعبة الانتخابات.

ويوجد في أمريكا عدد من محطات الإذاعة والتلفاز الجادة ففي مجال الإذاعة هناك الإذاعة القومية العامة (NPR)وأما المحطات التلفازية العامة فأذكر عندما كنت مقيماً في مدينة تمبي بولاية أرزيونا أن المحطة العامة كانت تبث من جامعة أريزونا الحكومية ASUحين كان التلفزيون لا يزيد على 12 أو 13 قناة، وكان القناة الثامنة. وكانت هذه المحطة تقدم مناظرات متلفزة حول قضايا كثيرة ومنها الصراع مع إسرائيل وبعد أن تنتهي المناظرة يطلب من الجمهور أن يبدي رأيه. وفي تلك الأيام (1968-73)ما كان من الممكن أن يعلن أحد تعاطفه أو تأييده للفلسطينيين وهكذا كانت المحطة هي الوحيدة التي يسمع فيها الصوت الآخر كما كانت تقدم معلومات دقيقة عن حياة الأمريكيين.

اكسر القاعده وإذهب إلى مكتب الطلاب الأجانب وأعلن عن استعدادك للحديث عن بلادك ، وكن جاهزاً بالمعلومات الطريفة والجديدة عن بلادك، ولا تصور لأحد أننا ملائكة نمشي على الأرض ولكن كن واقعياً حدثهم عن مبادئنا وثيمنا وثوابتنا ومسلماتنا وكم نحن ملتزمين أو مقصرين في كل ذلك، حدثهم عن  تطلعاتنا وآمالنا وحبنا للتعاون لك ما فيه خير البشية وتحقيق الأمن والسلام.

لا تكن ناقداً لبلادك لشعورك أنه لا يراقبك أحد فنشر غسيلنا في الخارج لن يساعد في إصلاح إوضاعنا، وليس من الشجاعة أن تُكثر النقد إذا كنت خارج البلاد وتلوذ بالصمت إذا رجعت.

احرص على الدورات والبرامج التدريبية التي يمكن أن تساهم في تطوير شخصيتك وإفادتك لمستقبلك حتى لو لم تكن في ميدانك المباشر فكم من دورة أو محاضرة قلبت حياة الإنسان رأسا على عقب.

احرص على الإفادة من الفرص التي توفرها لك الجامعة لحضور الندوات والمؤتمرات حتى لو لم تحصل من الملحق على التمويل فليكن ذلك من جيبك الخاص أو من مساعدات الجامعة إن وجدت. فثقافة المؤتمرات غائبة أو شبه غائبة في بلادنا، وهي أساسية عندهم فاحرص عليها ولا تفوت أية فرصة. وكن إيجابيا فحضورك بورقة أو بجزء من بحثك يساعدك على الإجابة عن أسئلة كثيرة وقد تلتقي بمن هو أعلم من مشرفك وأساتذتك.

اكسر القاعدة وعد إلى بلادك طموحاً متفائلاً وحتى مقاتلاً لتنفيذ ما تعلمت مما لا يخالف ثوابتنا وشريعتنا.مأأ

 

 

 

الاثنين، 29 أكتوبر 2012

الاستغراب ونهاية الاستشراق؟


                           بسم الله الرحمن الرحيم
              
يصر البعض على استخدام صورة النعامة التي تدفن رأسها في الرمال لوصف من يُتهمون بالغفلة؟ وأعتقد أن علماء الحيوان أشاروا إلى أن النعامة مظلومة بهذا الوصف. وليس مهماً أن تكون النعامة مظلومة أو ظالمة. ولكن كيف يمكن أن نصف من يزعمون أن الاستغراب أو دراسة الغرب ما هي إلا صورة كاريكاتورية تضع المفكرين الغربيين في زنازين محكمة وأن الاستشراق الذي نريد أن نواجهه قد انتهى أو قد ضعف و أنه أضعف الفروع المعرفية في الجامعات الغربية منذ بدأ؟

كتب علي حرب في جريدة عكاظ(4صفر 1419 )ينتقد موقف حسن حنفي في كتابه (مقدمة في علم الاستغراب) مختصراً الكتاب كله الذي تتجاوز صفحاته السبعمائة إلى صورة كاريكاتورية كما يأتي: " أين تكمن مهمة المفكر العربي ؟ وما مهمته؟ بسؤال آخر : هل المهمة أن نقوم بمحاصرة المفكرين الغربيين وأسرهم لتجميعهم في "طوابير" واستعراضهم ،ومن ثم فرزهم إلى مجموعات، ووضع كل مجموعة في "زنزانة" محكمة الإغلاق." ويؤكد الدكتور علي حرب أنه هذه هي الصورة التي خرج بها من قراءة كتاب حسن حنفي ( مقدمة في علم الاستغراب.)

فهل حقيقة هذه هي الصورة التي قصدها الدكتور حسن حنفي في كتابه الضخم (مقدمة في علم الاستغراب)؟ يبدو أن بعض المفكرين والكتاب العرب يزعجهم أن يأتي من يقول بقوة وإيمان أننا باستطاعتنا أن ندرس الأمم والشعوب الأخرى كما تدرسنا. لقد طالمنا أخضعَنا الغرب لدراساته في شتى المجالات العقدية والتاريخية واللغوية والأدبية والاجتماعية والثقافية ودُرست أراضينا جغرافياً وجيولوجياً وزراعياً حتى لم يعد صغيرة ولا كبيرة في العالم العربي الإسلامي لم تخضع للدراسة والفحص والتحليل من قبل الباحثين الغربيين. لقد أحصيت ثمانية عشر قسماً بجامعة كاليفورنيا في بيركلي تدرس العالم العربي الإسلامي. هذا بالإضافة إلى الدراسات التي نقوم نحن بها ويفيدون هم منها.

لقد طالب الدكتور حسن حنفي أن نأخذ المبادرة لدراسة الغرب ولمعرفته معرفة علمية موثقة ولا ننتظر أن يخبرنا الغرب عن نفسه فقط حتى لا نتحول إلى مجرد متلقين لما يقوله الغرب عن نفسه وعنّا. وقد قدّم حسن حنفي مبرراته لتحولنا من ذات مدروسة إلى ذات دارسة بقوله عن مهمة علم الاستغراب بأنها " فك عقدة النقص التاريخية في علاقة الأنا بالآخر والقضاء  على مركب العظمة لدى الآخر الغربي بتحويله من ذات دارس إلى موضوع مدروس ، والقضاء على مركب النقص لدى الأنا بتحويله من موضوع مدروس إلى ذات دارس، مهمته القضاء على الإحساس بالنقص أمام الغرب، لغة وثقافة وعلماً مذاهب ونظريات وآراء مما يخلق فيهم إحساساً بالدونية.."(ص24) ويقول في موضع آخر أن " مهمة علم الاستغراب هو القضاء على المركزية الأوروبية مهمة هذا العلم الجديد رد ثقافة الغرب إلى حدوده الطبيعية بعد أن انتشر خارج حدوده أبان عنفوانه الاستعماري من خلال سيطرته على أجهزة الإعلام وهيمنته على وكالات الأنباء ، ودور النشر الكبرى ، ومراكز الأبحاث العلمية ، والاستخبارات العامة "

وقد تضمن الكتاب دراسات عميقة لتاريخ الفكر الأوروبي مبتدئاً بالحديث على مصادر الفكر الأوروبي وقسمها حنفي إلى مصادر معلنة ومصادر غير معلنة وتوسع حنفي في الحديث عن الإسلام باعتباره أحد مصادر الفكر الأوروبي التي حاول الغرب بإصرار رفض اعتباره أحد مصادر فكرهم حيث يتمسك الأوروبيون بأن مصادر فكرهم هي المصدر اليوناني الروماني والمصدر اليهودي المسيحي بينما هناك مصادر غير معلنة وهي المصدر الشرقي القديم ويقصد حنفي بهذا المصدر الإسلامي والمصادر الشرقية قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم .والمصدر الآخر غير المعلن هو البيئة الأوروبية نفسها.والحديث.

ويمكن تناول كتاب الدكتور حسن حنفي  القيم ( مقدمة في علم الاستغراب) ونقول : إن كان للدكتور حنفي مبرراته القوية في أهمية دراسة الغرب التي لا يمكن أن تكون كما جاءت في الصورة الكاريكاتورية التي وردت في مقالة على حرب العكاظية فإننا ننطلق في أهمية دراسة الغرب من القرآن الكريم الذي عرض لنا عقائد الأمم الأخرى وبخاصة أهل الكتاب من اليهود والنصارى وعقائد المشركين العرب وانعكاس هذه العقائد على السلوك الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. إن المسلم من أجل أن يدرك عظمة العقيدة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعرف الانحرافات التي حدثت في عقائد الأمم الأخرى والانحرافات السلوكية المنبثقة عن هذه العقائد. وكيف يولد " ميتاً " علم ينطلق من هذا الأساس وتتبناه جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية من خلال قسم الاستشراق( القسم الوحيد في العالم الإسلامي) وتنادي به ندوة أصيلة في المغرب من خلال إنشاء معهد الدراسات الأمريكية؟

ولا بد من الرد على عبارة علي حرب التي جاء فيها ( أما علم الاستغراب فقد ولد ميتاً ، لأنه تأسس بعقلية نضالية لا ترمي إلى توسيع آفاق المعرفة أو إلى تحديث أدوات الفهم والتفسير) فهذه أحكام قاسية تحتاج إلى دليل وأعرف أن المساحة المتاحة لمقالة علي حرب لا تستوعب مثل هذا التوضيح ولكن هذه هي التعميمات الجزافية التي تعد من مثالب البحث العلمي أو التفكير المنطقي. كيف لعلي حرب أن يزعم أن هذا العلم ولد ميتاً. ألم يعلم أن المسلمين في عصور ازدهارهم اهتموا بعقائد الأمم الأخرى وأسسوا علم الملل والنحل. وكتب في ذلك ابن حزم والبغدادي وابن تيمية وابن قيم الجوزية وغيرهم كثير. ألم يقرأ ما كتبه أسامة بن منقذ في كتابة رسالة الاعتبار التي تعد نموذجاً رائعاً في دراسة الآخر.

ثم أين العقلية النضالية فيما كتبه الدكتور حسن حنفي؟ هل في إصراره أن نتحول من ذات مدروسة إلى ذات دارسة. ألم يحضر علي حرب المؤتمرات الغربية حول قضايا العالم الإسلامي التي نظهر فيها كأننا داخل معامل يدرسوننا كما يشاءون ؟  مع الاعتذار عن التعبير- ألم يأن الأوان أن نبدأ في دراستهم؟ ونسأل الدكتور علي حرب ما معنى توسيع آفاق المعرفة وتحديث أدوات الفهم؟ هل ننتظر من الغربيين أن يأذنوا لنا بدراستهم أو نستعير مناهجهم في دراسة الغرب؟

وننتقل الآن إلى النقطة الثانية وهي زعم الدكتور علي حرب أن الاستشراق " الذي كان أضعف فروع المعرفة في الغرب هو في طريقه إلى الانقراض..لقد استنفد دوره بقدر ما تأسس على بداهات تقوم على الحجب والاستقصاء ، أما علم الاستغراب فقد ولد عندنا ميتاً لأنه تأسس بعقلية نضالية لا ترمي إلى توسيع آفاق المعرفة أو إلى تحديث أدوات الفهم والتفسير."

وأبدأ في تناول موضوع أن الاستشراق كان أضعف فروع المعرفة في الغرب فإلى أي شيء استند علي حرب في هذه المقولة؟ هل زار أقسام الدراسات العربية والإسلامية في الغرب؟ هل اطلع على اللجان الحكومية التي تألفت في بريطانيا وأمريكا واقترحت تقديم الملايين لدعم هذه الدراسات وأنها ضرورية لمصالح الدول الغربية؟ هل زار مكتبات هذه الأقسام وهل اطلع على المؤتمرات والندوات التي عقدتها هذه الأقسام؟ هل اطلع على دائرة المعارف الإسلامية التي كتب فيها مئات المستشرقين واستغرقت ألوف الصفحات في طبعتيها الأولى والثانية؟ هل اطلع على مئات الدوريات والمقالات التي لا تزال تصدر عن أقسام الدراسات العربية والإسلامية؟

إن زعم الدكتور علي حرب أن الاستشراق ضعيف وفي طور الانقراض يناقضه ما نرى من نشاطات علمية وفكرية في الغرب حول العالم الإسلامي ومن ذلك أنّ الجمعية الدولية لدراسات آسيا وشمال أفريقيا قد عقدت مؤتمرها الخامس والثلاثين في بودابست بالمجر وحضره أكثر من ألف باحث من أنحاء العالم وقدموا مئات البحوث على مدى ستة أيام وقد تكلف عقد مثل هذا المؤتمر ملايين الدولارات وقد اشتركت مؤسسات مالية غربية وآسيوية في تمويل هذا المؤتمر.

 وعقد قبل هذا المؤتمر مؤتمر آخر بعنوان ( الإسلام والقرن الواحد والعشرين ) في ليدن بهولندا حضره أكثر من مائتي عالم من أنحاء العالم . ولا بد أن علي حرب يعرف أن رابطة دراسات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة تعقد مؤتمرها السنوي هناك ويحضره ما يزيد على ألف باحث. ولجمعية دراسات الشرق الأوسط في بريطانيا مؤتمر سنوي يحضره المئات من الباحثين من أنحاء العالم.

كيف يكون الاستشراق أو الدراسات العربية الإسلامية أو الدراسات الإقليمية أضعف فروع المعرفة وهذه وزارات الخارجية الأوروبية والأمريكية تستعين بالمختصين من هذه الأقسام ومراكز البحوث والمعاهد العلمية في التخطيط لسياساتها حتى كتب أحمد برصان ذات مرة مقالة بعنوان ( كيف تصنع الجامعات الأمريكية قرارات وزارة الخارجية والحكومة الأمريكية؟) وهذه الرسائل العلمية تعد بالألوف التي تنجز في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأوروبا حول قضايا العالم العربي والإسلامي ويتم تقديم ملخصات علمية لها إلى المسؤولين في الحكومات الغربية ويتم الإفادة من البحوث التي تقدم معلومات استراتيجية مهمة حول قضايانا.

كيف يكون الاستشراق أضعف فروع المعرفة في الغرب وهذه مكتبة الكونجرس تحصل على كل مطبوعة تظهر في العالم العربي الإسلامي حيث ينتشر مندوبو المكتبة في أنحاء العالم. ويعرف علي حرب وغيره أن المندوب يحصل على بعض المطبوعات أحياناً من المطابع قبل أن تصل إلى أيدي القراء. وبعد الاطلاع على ثلاثة نسخ من كل كتاب أو دورية يقرر المختصون الحصول على عشرة نسخ أو أكثر من المطبوعة أو الكتاب. وأحياناً إذا لم يتوفر الكتاب في المكتبات اتصلوا بالمؤلف للحصول على النسخ التي يريدون.

وكيف يكون الاستشراق أضعف فروع المعرفة ومراكز البحوث الغربية تنتشر في العالم الإسلامي وأذكر منها مراكز الدراسات الأمريكية في القاهرة وفي المغرب وفي تونس وفي اليمن. وهناك مراكز بحوث ألمانية في مصر ومركز بحوث هولندي في مصر ومراكز بحوث فرنسية منتشرة في أنحاء العالم العربي الإسلامي. أليست هذه المراكز امتداداً للدراسات الاستشراقية أو هي فرع معرفي جديد؟ ويعرف الدكتور علي حرب أن الجامعة الأمريكية في بيروت وفي القاهرة وفي تركيا إنما هي مراكز استشراقية،وتقوم بجهود علمية كبيرة في استمرار الفكر الاستشراقي وفي التأثير في الاتجاهات الفكرية في البلاد التي توجد فيها وفيما حولها.

كيف يكون الاستشراق كما تقول وقد استضافت الجامعات الأمريكية والأوروبية العشرات أو المئات من الباحثين العرب والمسلمين وقدمت المناصب وفرص البحث لأمثال صادق جلال العظم ونصر حامد أبو زيد وعزيز العظمة ، وفؤاد عجمي ، وفضلو الرحمن ، وغيرهم كثير، كما دعت البعض للعمل أساتذة زائرين في الجامعات الغربية؟

لقد دعي كاتب هذه السطور إلى زيارة العديد من الجامعات الأمريكية والمعاهد العلمية ومراكز البحوث التي تهتم بدراسة العالم الإسلامي فوجد أن هذه الجامعات ومراكز البحوث في ازدهار مستمر وأن الأساتذة يقومون بمئات أو آلاف البحوث وينشرون الكتب ويحضرون المؤتمرات وبينهم من التنسيق بين أوروبا وأمريكا- أكثر مما بين الجامعات العربية الإسلامية وأحيانا الجامعات العربية في بلد واحد. إننا بحاجة إلى مزيد من الوعي لما يجري حولنا حتى لا نطلق الأحكام الجزافية على ما لا نعرف. والله الموفق.  

مجانين في الفضاء


                                      بسم الله الرحمن الرحيم

                      

ظهرت على شاشة إحدى القنوات الفضائية امرأة في خريف العمر أو حتى في شتائه ترتدي بزة تشبه الرجال ولها شعر أبيض كالقطن منكوشاً ، تتكلم وتتكلم ولا تتوقف وبصوت مرتفع وتكثر من قول أنا ..أنا  وتقول كلاماً يشبه كلام المجانين. ورأيت قبلها بأيام امرأة قريبة من خريف العمر وإن لم تدخله ، كانت شقراء مليحة تحدثت عن بطولاتها السياسية والاجتماعية. وفي قناة فضائية أخرى تحدث أحدهم أديب ناقد منحرف الفكر والتوجه وقال كلاماً قريباً من الهذيان.
عندما فكرت في العنوان قلت في نفسي هل يصح أن أصف هؤلاء بالجنون وأنا أعرف من الحديث الشريف أن المؤمن ليس بطعان ولا لعّان ولا فاحش ولا بذيء. ولكن هل في وصف مجنون بالجنون فحش أو إساءة أدب؟ كلاّ والله . إنما هي الحقيقة عارية واضحة جلية.
هؤلاء المجانين في القنوات الفضائية يقولون كلاماً كثيراً ويتاح لهم من الوقت ما لم أجده متاحاً للعقلاء من أبناء هذه الأمة الخيرة . وأما تفاصيل هذا الجنون فإليكموه مفصلاً تفصيلاً.
قبل شهر تقريباً استضافت قناة فضائية الكاتب الدكتور كمال أبو ديب وسألته المذيعة عن الاستشراق وتأثيره فقال كلمة عجيبة :"ليس للاستشراق أي أثر في العالم العربي بل نحن العرب أصبحنا نؤثر فيهم وضرب المثل بإدوارد سعيد فهذا مفكر عبقري أصبح إنتاجه يوزع في العالم الغربي ويلقى رواجاً كبيراً . والمثل الثاني هو أحد أطباء القلب المشهورين وهو مجدي يعقوب فهذا الطبيب أصبح من أشهر أطباء القلب في العالم وأن روسيا استعانت به في العملية التي أجريت لرئيس جمهوريتها.
كيف يكون الرد على هذا الجنون ؟ فإذا كان الاستشراق لم يؤثر في العالم العربي الإسلامي فماذا يسمي دعوة جامعة لندن لحضرته أن يكون أستاذاً للأدب العربي في جامعتها لعدة سنوات؟  هل ضاقت الاختيارات على جامعة لندن فلم تجد أحداً غيره ؟ ألم يسأل نفسه لماذا اختاروني ولم يختاروا غيري؟ ألم يسأل لماذا صادق جلال العظم أستاذاً في جامعة برنستون ؟ ولماذا فؤاد عجمي صاحب مركز مرموق في جامعة جون هوبكنز؟  ولماذا يرأس فضلو الرحمن قسم الدراسات الإسلامية  في جامعة شيكاغو ؟ولماذا عزيز العظمة في بون وفي جورج تاون ؟ ولماذا حامد نصر أبو زيد في جامعة ليدن ؟ ولماذا محمد أركون في أكثر من جامعة أوروبية كأن المواهب والعلم قد انحصر فيه؟
 ما ذا يعني أن تستضيف جامعة في بلد عربي كمال أبو ديب عدة سنوات؟ألم تكن صلة الصداقة بينه وبين رئيس تلك الجامعة هي السبب في استضافته ؛ فهما يشتركان في محاربة الثوابت والقيم الإسلامية ويسعيان لتحطيم الثابت والمقدس ويناديان بتفجير اللغة تفجيراً. وأخيراً تحدث هذا المدعو أبو ديب في ملحق لصحيفة محلية فافترى على القرآن الكريم حتى تولى الدكتور مصطفى عبد الواحد الرد عليه وانتقده في أنه أطلق على القرآن مصطلح "نص" وأن هذا النص خاضع لشتى التفسيرات والتأويلات القديمة والحديثة.
كيف لم يؤثر الاستشراق فينا وهذه المناهج الجامعية وهذا الإنتاج العلمي الغزير لتلاميذ المدرسة الاستشراقية يملأ أرفف المكتبات ويدرسه الطلاب والطالبات العرب والمسلمون في أنحاء العالم الإسلامي، وهاهم تلامذة المستشرقين يعتلون المنابر في شتى أنحاء العالم الإسلامي وبخاصة في هذه الفضائيات التي تصر على أنهم الأصلح ليكونوا ضيوفاً عليها.
أما المرأة ذات الشعر الأبيض المنفوش نوال السعداوي- فقد قالت كلاماً عجيباً يجب أن نبدأ معها من البداية فهي تفصل بين العقيدة والشريعة؟ وكأنها لم تدرك معنى شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله. وهي ترى القرآن الكريم كتاباً دينياً يخضع لشتى التفسيرات وفقاً لمقتضيات الواقع وأن القرآن فُسر في بلد فمُنِع بسببه تعدد الزوجات ، وكان القرآن في بلد آخر سبباً في السماح بتعدد الزوجات وتحدثت هي وزوجها أن لديهما أرضاً ويريدان أن يرث ابنهما وابنتهما بالتساوي بينما الشرع يعطي الذكر مثل حظ الأنثيين. إذا لم يعجبهما نظام الإرث الإسلامي فليقسماها من الآن! وتحدثت عن المهر وأنه عبارة عن ثمن للمرأة و لا ينبغي للزواج أن يبنى على البيع والشراء. وقالت كلاماً كثيراً عن حقوق المرأة واضطهاد الرجل والمجتمع المسلم للمرأة.
فهل القنوات الفضائية أصبحت حمى مستباح لمثل هؤلاء؟ لقد كانوا يعيثون في الوسائل الإعلامية الأخرى فساداً من صحافة وإذاعة وتلفاز ويؤلفون الكتب التي يجدون دائماً من ينشرها لهم ويجدون من يبيعها ويبتاعها. وجاءت القنوات الفضائية فتسابقت على استضافتهم. لقد شكونا من تسطيح الثقافة والغثاء والغناء في القنوات الفضائية والبرامج الفارغة والعري وغير ذلك ولكن هذه البرامج أخطر من تلك على خطورتها- لأن الأفكار تتغلغل في أذهاننا وقد تؤثر فينا وفي ثوابتنا وقيمنا وسلوكنا، أما مناظر العري فيكون تأثيرها محدوداً بإثارة الغرائز فإن لم تجد منفذاً حلالاً لها فيكون البحث عن الحرام ولكن كما قيل الشبهات في الاعتقاد اكبر أثراً من شبهات السلوك.
ويبقى أن نتساءل كيف لأصحاب الفكر الإسلامي الصحيح أن يصلوا إلى القنوات الفضائية ؟ لا بد من خطة فاعلة للوصول. فإما أن يقدموا أنفسهم أو يتولوا الجمهور تقديمهم بالمطالبة أن يكون لهم مكان. إننا نشاهد الدكتور القرضاوي و الدكتور محمد عمارة وغيرهما في بعض القنوات الفضائية ولكننا بحاجة إلى من يقتحم هذه القنوات على ما فيها من فساد فإن الداعية مطالب أن ينتقل بدعواه إلى المدعويين. وما زلت أذكر القصة التي كتبها الشيخ علي الطنطاوي بعنوان (شيخ في مرقص) فهل نفعل شيئاً؟

جامعات الغرب والمنهج العلمي


                     
فذلكة:زار عزيز العظمة الإمارات واستضافوه في المؤسسات الثقافية ، فإما إنهم يجهلون من هو أو يجهلون أنهم يجهلون أن حبيب الغرب لا يمكن أن يكون حبيباً للإسلام.
 

    بعد الجولة الإخبارية الأولى في إذاعة لندن العربية جاء موعد البرنامج الشيق (الرأي الآخر) يقدمه المذيع أحمد مصطفى. وبدأ المذيع قائلا بأن جدلاً واسعاً يدور في هذه الأيام حول مدى ديموقراطية تيار الإسلام السياسي ، وإن القضية التي يدور حولها البرنامج اليوم هي الإسلام والديموقراطية.وضيفا البرنامج هما الدكتور عزيز العظمة الباحث في معهد الدراسات العليا في بون بألمانيا.والضيف الثاني هو الدكتور محمد عمارة.

    وقدم المذيع الضيف القادم من ألمانيا عزيز العظمة، فبدأ عزيز الضيف مرافعته بأن الإسلام لا يصلح أساساً للحكم لأن النظم الدينية- في نظره- تقوم على اعتبار التمييز بين المواطنين ؛ فثمة تمييز بين الرجل والمرأة وتمييز بين الكفاءات وتمييز بين الناس وفقاً لمعتقداتهم الدينية. وخلص إلى أن أي نظام سياسي يقوم على أيديولوجية دينية يكون بطبيعته شمولي ، ولا يترك المجال للناس أن يتطوروا.

   ولمّا كان وقت البرنامج قصيراً فلم يتمكن العظمة من تفصيل هذه المقولات.ولكن كما يقول المثل" تلك شنشنة معروفة " فلم يفتأ المستشرقون غير الموضوعيين يتهمون الاسلام بأنه يفرق بين المرأة والرجل.لقد أصبح من الممل الرد على مثل هذه الفرية .فأي تفرقة هذه التي يقصدها الدكتور ؟ألم يسمع بقوله صلى الله عليه وسلم( النساء شقائق الرجال)؟ألم يكن الاسلام هو الذي سبق الغرب بمئات السنين باستقلالية ذمة المرأة المالية؟ ألم تكن المرأة المسلمة تهتم بشؤون الأمة وتدفع أبناءها الى الجهاد؟ من الذي أنجب المجاهدين في انحاء العالم الاسلامي الذين وقفوا في وجه الاستعمار ؟ من الذي ربّاهم ودفعهم الى الجهاد؟ وهذه المرأة الفلسطينية اليوم خير مثال على المرأة المسلمة التي تعرف واجباتها وتسهم في المقاومة كما يسهم الرجل وربما زيادة؟

    وكيف يميز الاسلام بين الكفاءات وهذا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم يحذر من أن يوضع الرجل في غير المكان المناسب له( إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة) ،فقيل وكيف تضيع الأمانة ؟قال:( إذا وسّدت الأمور الى غير أهلها) اليس هو صلى الله عليه وسلم الذي أمر بلالاّ رضي الله عنه أن يعلو الكعبة ليؤذن ، ويغتاظ من قريش من لم يروا بلالاً أهلاً لهذا المكان ، وهو الذي كان بالأمس عبداً رقيقاً عندهم  لايحلم بأقل من هذا بكثير؟

    هل يجهل الدكتور العظمة هذا ؟ أو أصابه داء بعض المستشرقين الذين لا يفهمون ما يقرأون أو يفهمونه كما يشاؤون؟ لقد وفّى الدكتور عمارة في ردوده على العظمة ،ولكنّي أتساءل لماذا تهتم المعاهد الغربية باستقطاب هؤلاء الذين يسيؤون للإسلام ولا يمثلونه ، وتقدم لهم المراكز العلمية البارزة حتى إذا قالوا سُمِع لقولهم ؟ وللحديث صلة بإذن الله.

     استضافت إذاعة لندن (القسم العربي) الدكتور عزيز العظمة الباحث في معهد الدراسات العليا بمدينة بون الألمانية ليتحدث عن الإسلام والديموقراطية في برنامج (الرأي الآخر) .وقد تناولت في مقالة سابقة اتهامه بان الإسلام لا يصلح أن يكون أساسا لنظام الحكم بزعمه أن الأيديولوجيات الدينية لا تصلح لذلك لأنها لا تترك للناس مجالاً للتطور .وأوضحت له أن الإسلام ليس كالأيديولوجيات الدينية التي يعرفها الدكتور العظمة ذلك أنه تشريع جاء من لدن حكيم خبير، فقد قامت دولة الإسلام منذ أن أنشأها رسولنا صلى  الله عليه وسلم في المدينة المنورة على أسس من هذا الدين القويم ،وهي بلا شك تتفوق على أي نظام وضعه البشر من عند أنفسهم .

     وفي هذه المقالة أتناول عبارة أخرى من عبارات الدكتور العظمة وهي قوله :"إن الشورى مسألة تاريخية لا تخرج عن كونها استشارة قبلية(من قبيلة) ، ولا يمكن الاستفادة من هذه التجربة لأنها لم تكن أكثر من استشارة كبار العشائر والقبائل ،ولا أعتقد أنه بالإمكان نقل هذه التجربة من موضعها العربي القديم."

   وأجاب الدكتور عمارة -بما سمح به الوقت- قائلاً:" إن الديموقراطية الغربية المعاصرة لإنما هي نبت يوناني من المجتمعات القديمة،وهي بالتالي أكثر قدماً من تجربة الشورى الاسلامية" ، وتساءل الدكتور عمارة:لماذا يكيل الغرب بمكيالين في مسألة الحداثة والقدم؟

   وعودة الى مفتريات عزيز العظمة فهل يدرك العظمة أن الاسلام قد وضع قواعد الدولة منذ بيعة العقبة الثانية على أسس تختلف كلياً عن النظام القبلي. وقد بنيت الشورى في دولة الاسلام الأولى كما يقول محمدكرد علي في كتابه( الاسلام والحضارة الغربية)على استشارة "أهل الرأي والبصيرة ، ومن شهد له بالعقل والفضل ،وأبانوا عن قوة إيمان وتفان في بث الدعوة ، وهم سبعة من الماهجرين وسبعة من الأنصار منهم حمزة وجعفر وأبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وسليمان وعمّار وحذيفة وأبو ذر والمقداد وبلال".رضي الله عنهم أجمعين.

   أما الشورى العامة فلها امثلة كثيرة منها ما حدث في غزوة بدر حين قال الرسول صلى الله عليه وسلم :" أشيروا عليّ أيها الناس." وتحدث كبار المهاجرين ،وعاد الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : " أشيروا عليّ أيها الناس." ففهم الأنصار أنهم المقصودون بذلك؟ واستشار المسلمين بعد غزوة بدر فيما يفعل بالأسرى .وفي غزوة أحد استشار الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين وكانت استشارة عامة، وقد رأى الشباب والذين لم يتح لهم ان يحضروا بدراً ضرورة الخروج لملاقاة قريش خارج المدينة المنورة.ولما كانت الشورى طبعاً أصيلاً في الحياة الاسلامية فلم يحتج المسلمون في تاريخهم الى مؤسسات تشبه المؤسسات الغربية،ومع ذلك فقد كان الفرد المسلم أكثر إيجابية من الفرد الغربي في أداء واجبه بالتعبير عن رأيه في القضايا العامة لأن المسلم يرى ان ذلك من واجباته التي فرضها عليه الاسلام.

      إنه من العيب على رجل يعمل في جامعات الغرب ويفترض فيه أن ينقل الى الغرب صورة الاسلام صحيحة نقية ،فإذا به أشد تشويهاً لها من الحاقدين على الاسلام من الغربيين أنفسهم ،وهذا هو ما يسمى تفوق التلميذ على أستاذه.وها هو العظمة في جامعات الغرب التي من المفترض -كما يرى البعض- ان نتعلم منهم أصول البحث العلمي فإذ بهذا الرجل ومن على شاكلته من المستشرقين أشد مخالفة للمنهج العلمي وبخاصة حينما يتعلق الأمر بالاسلام.

     وإذا كان الغرب يرى أن نظامه الديموقراطي هو أفضل الأنظمة التي وضعها البشر فليقرأ عزيز العظمة ومن يحمل مثل أفكاره ما كتبه علماء الغرب ومفكروه حول عيوب الديموقراطية؛ذلك النظام الذي أضحت الأصوات فيه تباع وتشترى ،وتخضع لصناعة الإعلام المعقدة.ولعله سمع بكتاب( بيع الرئيس)(the Selling of the President ). وهذا الاعلام كما يقول الرئيس علي عزت بيجوفتش في كتابه القيم( الإسلام بين الشرق والغرب) أصبح مسيطراً على حياة الشعوب الغربيةحتى قيل فيه:" كنّا نخشى على الشعوب من الدكتاتورية السياسية في الماضي ، اما في العصر الحاضر فيجب أن نخشى على الشعوب من ديكتاتورية الاعلام ووسائلة المختلفة". اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وارنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. والحمد لله رب العالمين.

الأحد، 28 أكتوبر 2012

الأمثال الشعبية بعضها يكرس الذل والخضوع


 

الحرية مطلب غال، والحرية أمر يؤخذ ولا يعطى، فمن أراد الحرية الحقيقة فعليه أن يعرف أن ثمنها قد يكلفه الكثير. وعجيب أن أول وأبرز من عرف طعم الحرية الحقيقية في الإسلام بلال بن رباح رضي الله عنه، الذي كان يقول عنه عمر رضي الله عنه (أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا)، نعم عرف طعم الحرية الحقيقية فلم تؤثر فيه سياط كفار قريش ولا لهيب مكة والعذاب تحت شمسها الحارقة. والعجيب أن رسول الجيش الإسلامي أما ربعي بن عامر لرستم "ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضِيق الدنيا إلى سعَتَها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإِسلام". ولكن مع مرور الزمن وتخلفنا وتراجعنا عن فهم الدين فهماً صحيحاً وما دخل اعتقاداتنا من شوائب أكثرنا من الأمثلة التي تدعو إلى الخنوع والخضوع

وانظروا إلى هذه الأمثال

·       ألف مرة جبان ولا مرة واحدة الله يرحمه

·       امشي الحيط الحيط وقول يا رب السترة عليك

·       الطاقة اللي يجيك منها الريح سدها واستريح

·        اللي ما يخاف ما يخوف

·       اللي يتزوج أمنا هوا عمنا

·        ابعد عن الشر وغني له

·        اردباً ما لك لا تدخل كيله تتغبر دقنك وتتعب في شيله (حمله)(رحم الله أمّي رحمة واسعة، كم كانت تردده)

       هذه نماذج من الأمثال الشعبية التي تكرس الخوف، وقد درسنا في المرحلة المتوسطة وفي كتاب التوحيد أن الخوف نوع من أنواع العبادة، ولذلك لا يصح أن يجتمع في قلب عبد خوفان، والذي يخاف من البشر ولا يخاف من الله فقد أشرك مع الله. وإذا خفنا واعتقدنا أن رزقنا في الوظيفة أو في الخضوع لاستبداد الرئيس أو المسؤول فقد نقص إيماننا بأن الله عز وجل هو الخالق الرازق المحيي المميت.

       لن أطيل عليكم ولكن متى نخرج الخوف من قلوبنا ومن بلادنا،فإن كلمة الحق لا تقدم الأجل ثانية والخوف من الموت لا يؤخر الأجل ثانية، فلن يموت أحد قبل أوانه، ألم نسمع قول المصطفى صلى الله عليه وسلم (لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها) أين نحن (وفي السماء رزقكم وما توعدون) أين نحن (نحن نرزقكم وإياهم) وفي آية أخرى (نحن نرقهم وإياكم) وقوله تعالى (وكأيّن من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم)

       وهنا يعجبني من سيرة العز بن عبد السلام رحمه الله حين سئل ألا تخاف من الحاكم أو السلطان، قال: أتذكر عظمة الله فيظهروا أمامي كالقطط. ولما جاءه مندوب السلطة متوشحاً سلاحه وخرج العز بلا سلاح، قال له ابنه ألا تخافهم يا أبي ألا تخاف أن يقتلوك، قال يا بني إن أباك أقل من أن يموت شهيداً، (الشهادة في نظرهم مرتبة عالية، لا ينالها إلاّ من عرف الله عز وجل صدق قلبه

أين نحن من الشاعر الذي يقول

جنة بالذل لا أرضى بها وجهنم بالعز أطيب منزل

والشاعر الذي يقول

عش عزيزاً أو مت وأنت كريم بين طعن القنا وخفق البنود

ألا نطالب بحريتنا وكرامتنا ولا نخاف إلاّ الذي ينبغي أن نخافه: الحق سبحانه وتعالى

وكم أردد إننا نموت قبل أن نموت، ولكن لنتذكر لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية.

 

 

المؤتمر العلمي الثامن لكلية الإعلام بجامعة لقاهرة الإعلام وصورة العرب والمسلمين"


 

 

28-29صفر 1423هـ

( 11-12مايو 2002م)

 

 

 وكان من محاور المؤتمر:

الخطاب الإعلامي الإسلامي في ظل المتغيرات الجديدة" وشارك فيها كل من:

 

- د. حامد طاهر نائب رئيس جامعة القاهرة

- د. حسن حنفي الأستاذ بكلية الآداب – جامعة القاهرة

- د. مازن مطبقاني الأستاذ بقسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة

- د. محمود يوسف الأستاذ بكلية الإعلام بجامعة القاهرة.

 

وقد أكدت هذه الندوة على أن الإعلام الإسلامي أمر موجود حقاً نستطيع أن نستند إلى وجوده من خلال آيات القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. فقد أبدع الدكتور محمود يوسف في هذا الجانب حيث بدأ حديثه بأن الاهتمام بالإعلام أصبح ضرورة حياتية ودينية في الوقت نفسه واستشهد بقوله تعالى ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن) وقوله صلى الله عليه وسلم (ما يمنع الذين نصروا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بسيوفهم أن ينصروه بألسنتهم) وأكد على ضرورة الخطاب الإعلامي الإسلامي داخلياً وخارجياً وأن يكون الخطاب لغير العرب بلغاتهم عملاً بقوله تعالى {وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومه}، وكيف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتعلم العبرية فتعلمها في خمسة عشر يوماً) وأشار إلى ضرورة أن يرتكز الخطاب على فهم طبيعة الجمهور وفهم التاريخ وضرورة أن يستخدم الخطاب الإعلامي كل الوسائل الموجودة وتساءل الباحث أين هو الفيلم العربي؟ وتحدث الباحث عن أن العنف والحرب والشدة أحوال طارئة وأن الإسلام يدعو إلى رفع الظلم ورد العدوان.

 

وتحدث الدكتور حسن حنفي مستعرضاً العلاقات التاريخية بين العالم العربي الإسلامي والغرب التي مرت بعدة مراحل منها الحروب الصليبية والاستعمار والهيمنة الغربية ودور الاستشراق في رسم صورة العرب والمسلمين. ودعا إلى تحديث الخطاب الإسلامي للآخر وأنه بالإمكان أن ننقل الإسلام إلى الآخرين دون الاستشهاد بالآيات والأحاديث الشريفة لأنهم لا يؤمنون بها. كما دعا إلى ضرورة أن يهتم المسلمون بدراسة الغرب وأن يكون الغرب موضعاً للدراسة والعلم وليس مصدراً للعلم كما هو الحال في الوقت الحاضر. وأشار الدكتور حنفي إلى أن عداوة الغرب للإسلام والمسلمين وجود نهضة إسلامية وصحوة فعّالة تمثل خطراً حقيقياً على قيم ومبادئ الحضارة الغربية في حين أن اليابان والصين اهتمتا بالأمور الاقتصادية والقوة المالية فقط.

 

وتحدثت في هذه الجلسة فقلت إن عنوان الندوة يقسمها إلى قسمين هما: الخطاب الإعلامي الإسلامي والثاني المتغيرات الحديثة. ويمكننا أن نتساءل هل يوجد خطاب إعلامي إسلامي حالياً؟ وهل يمكن أن يوجد إعلام إسلامي أم إن الإعلام ليس له انتماء وعلينا أن نتعلم هذا العلم من الذين يجيدونه، ثم هل نستطيع أن نبدع فيه؟

 

وأبدأ أولاً بالخطاب الإعلامي الإسلامي فأقول يمكننا أن نقسمه إلى قسمين

 

خطاب إعلامي داخلي

 

وخطاب إعلامي خارجي

 

أما الإعلام الداخلي فيمكننا أن نجد فيه الملامح الآتية

 

- عبادة الأشخاص

- الترفيه

- إضاعة الوقت

- غياب الحرية أو الحرية المقيدة جداً

- غياب بعض القيادات الفكرية عن الإعلام إما غياباً متعمداً أو بسبب الجهل باستخدام وسائل الإعلام

 

أما الخطاب الإعلامي الخارجي فإعلامنا أما إعلاماً رسمياً أو غير رسمي

 

والإعلام الرسمي يهتم بالداخل أساساً أما غير الرسمي ففي معظمه يميل إلى الرسمية لأن ملكيته تعود إلى بعض الشخصيات المتنفذة في العالم العربي والإسلامي بل إن أحد المتحدثين أشار إلى أن الإعلام غير الرسمي حمل لواء الإفساد وأشار إلى شبكة من الشبكات لديها العديد من القنوات المشفرة التي تبث سموماً ضد العرب والمسلمين وزيادة على ذلك تبث سموماً عقدية وفكرية وأخلاقية.

 

الخطاب الإعلامي الإسلامي ينبغي أن تنطبق عليه الآية الكريمة ( الذين إن مكنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) يجب أن يسعى الخطاب الإعلامي الإسلامي إلى ما يأتي

 

- أمانة الكلمة

- تحقيق العدل في الأرض

- نشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة

- نشر الجدية

 

وعلى الخطاب الإعلامي الإسلامي أن لا يكون رد فعل لما يقال في وسائل الإعلام الغربية ولكن علينا أن ننتقل من رد الفعل إلى الفعل.