وفيما أنا (أخربش) في أثناء رحلتي الإسبانية
(البرشلونية) تجمع لدي عدد من الملاحظات التي لم أجد لها مكاناً ضمن المقالات
السابقة ولذلك أقدمها هنا تحت عنوان متفرقات. وفكرة المتفرقات جاءت من أيام عملي
في الخطوط السعودية أنه قد تجتمع عدة معاملات لا تدخل تحت تصنيف معين فتوضع في
المتفرقات، وهناك من يطلق عليها أيضاً في باب الميزانية "نثريات" وهي
كما يأتي:
الأساتذة العرب في
الجامعات الغربية:
يفرح
بعض العربان أنهم يعملون في الجامعات الغربية ويتقاضون رواتب لا يمكن مقارنتها
بالفقر المدقع لأساتذة جامعاتنا (حتى مع مكافأة الجلسات التي تضاعفت حتى أصبح
للأقسام جلسة كل أسبوع، بعد أن كانت شهرية، والسؤال: على من يضحكون؟) أو غيرها من
المكافآت التي لا تسمن ولا تغني من جوع. يفرح العربان بأنهم يدرّسون أبناء
الغربيين، ولكن الغرب أذكى منهم حيث يشجعهم ويحثهم على بحث موضوعات لا يقدر أن
يقوم بها الأجانب. وقد اطلعت في المؤتمرات المختلفة التي حضرتها على نماذج عجيبة
من البحوث، وبعض هذه البحوث لا يفكر فيها حتى إبليس نفسه، ولا أريد أن أضرب أمثلة
حتى لا أكشف أحداً بعينه. وقد كاشفهم إدوارد سعيد حين قال لهم: لا تفرحوا أنكم
تدرسون أبناء الغربيين فإنما أنتم مخبرون صغار عند الغرب".
إبداعات مدير جامعة
الإمام محمد بن سعود الإسلامية:
تصفحت دليل المشاركين في المؤتمر لأتعرف
من جاء من السعودية، وأول طريقة أن أبدأ من (أل) التعريف، فوجدت اسم سليمان بن عبد
الله أبا الخيل، فتعجبت ومتى كان مدير الجامعة يحضر مثل هذه المؤتمرات ولغتها
الأساسية الإنجليزية والفرنسية، وهو لا يتقن أيّاً منهما، فقلت في نفسي لعله تشابه
أسماء. وفي اليوم الأخير كان من المقرر أن أحضر ندوة حول العلاقات بين الإسلاميين
واليساريين يشارك فيها عزام التميمي فرغبت في حضورها ولكني وجدت أنها قد ألغيت، فعزمت
على حضور جلسة أخرى فإذ بالجلسة التي يشارك فيها سليمان أبا الخيل، فدلفت إلى
القاعة وفوجئت أن الحضور لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة بالإضافة إلى
المشاركين. وانتظرت أن أرى سليمان بن عبد الله أبا الخيل، فما رأيته وإنما رأيت شيخاً
ذا لحية سوداء كثة (ولحية الشيخ فيها بياض، ولم تعد كثّة) فتحدث المشارك الأول حول
موقف الأديان من أتباع الأديان الأخرى في قضية الخلاص ودخول الجنة والقبول عند
الله، سبحانه وتعالى. وكان صاحب اللحية الكثة يكتب في أثناء إلقاء الورقة الأولى
مما يدل على أنه يعرف اللغة الإنجليزية. وما أن انتهى حتى أعلن رئيس الجلسة أن
المتحدث الثاني هو مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الأستاذ الدكتور
سليمان بن عبد الله أبا الخيل الأستاذ في الفقه المقارن، وإنّه سوف يقرأ عليكم
ملخص الورقة حول (التسامح في الإسلام) وأعطى رئيس الجلسة الورقة للمتحدث الأول
ليقرأها. فتعجبت لماذا لم يقرأها الشخص الذي حملها من الرياض؟ ولماذا يرسل مدير
الجامعة ورقة عن التسامح في الإسلام، وليس في جامعة الإمام. فخرجت مهرولاً.
وهنا تمنيت لو استشارني معالي المدير
لأشرت عليه بما هو أجدى من ورقة تقرأ في جلسة لا يحضرها إلّا القليل ولا تحقق
العائد الإعلامي المطلوب. لو أن معاليه اختار عدداً من الأساتذة من جامعته، أو من
جامعته وجامعات أخرى ليشاركوا في جلسات مخصصة ويعلن أنها من تنظيمه، لكان أجدى. أو
لو أنه قدم دعماً ماليّاً للمؤتمر يوازي تكاليف إرسال شخص يحمل ورقته (كان
بالإمكان إرسالها بالبريد الإلكتروني، ومعذرة إن كان هذا يحرم شخصاً من زيارة
برشلونة والحصول على الانتداب) لقدمت ورقته في جلسة من الجلسات المهمة، ولو أنه
طلب من شخص أن يقرأ الورقة في رسالة صوتية أو شريط فيديو لكانت الدعاية أوقع. لقد
فعلوا هذا الشيء في شريط أرسله المفوض السامي لتحالف الحضارات رئيس البرتغال السابق
سمبايو وبثت في واحدة من أهم الجلسات التي احتشدت بهم إحدى أكبر القاعات حتى كان
الجالسون على الأرض أكثر من أربعين شخصاً.
وهنا تذكرت المثل العربي القديم
أوردها
سعد وهو مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل
فهل يتنبه معاليه في
مؤتمر قادم وليته يجعلني له مستشاراً في مثل هذه القضايا وربما رفضت.
التوقف عن حضور هذه
المؤتمرات والمشاركة فيها:
تعاودني وتراودني فكرة التوقف عن حضور هذه
المؤتمرات التي تبحث في كل شيء في حياتنا وتجعلنا كأننا حيوانات المعمل عند القوم،
ولا تزال تعشعش في أذهانهم فكرة أننا متخلفون ولا نفهم ويقوم عليها في الغرب قوم
من الأوروبيين الاستعماريين ذوو عقول الهيمنة والسيطرة والاستعلاء، ويشاركهم
تلاميذ لهم أوفياء وتابعون ومحبون حتى يمكن القول "أذناب" يخرج من
المؤتمر بضع ورقات قوية بذل فيها جهد حقيقي. فهل هذه المؤتمرات كما قال طالب
الدكتوراه المغربي في جامعة لايدن الهولندية، تجارة أي تحقق مكاسب مادية ومصالح
لعدد من القائمين عليها. ولا أعتقد أنهم ينفقون كل ذلك الوقت دون أن يكون لهم
مكافأة مجزية تمكن أحدهم من شراء سيارة (مرسيدس أو بي إم دبليو) جديدة، كما يحدث
في بعض مؤتمراتنا المترفة.
الشنب في إسبانيا: تنازل
الأوروبيون والغربيون عموماً عن الشنب أو الشارب ولحقتهم شعوب الأرض، من الصين حتى
أمريكا الشمالية والجنوبية ولحقناهم نحن العرب والمسلمون. ولكن الشنب أو الشارب لا
يزال موجوداً في إسبانيا وإن كان قليلاً، فلماذا يحتفظ البعض بالشارب؟ هل يعتقدون
أنه من مظاهر الرجولة؟ هل هو أنسب لوجه حامله؟ هل هو إرضاء للحبيبة أو الزوجة؟
ويقال الأمر نفسه عن اللحى المحدودة الموجودة عندهم.
آلات الفليبرز في المقاهي
الإسبانية:
كدت اعتقد أنّ الشعب الإسباني بريء من إدمان
الفليبرز لأني رأيت عدداً قليلاً منها هنا وهناك، ولكن عندما أمعنت النظر وجدتها
ذات رواج لا بأس به حتى إني وجدت صالتين ضخمتين تحتشدان بتلك الآلات التي تتضمن
ألعاب الحروب وألعاب سباقات السيارات والدراجات، والحقيقة لم أستقص تلك الألعاب.
وكنت أعتقد أن تلك الألعاب تنتشر مع الغنى والترف، ولكني تذكرت أنه حين سمح بها في
بلادنا انتشرتِ انتشارَ النار في الهشيم حتى أصبحت مقلقة أمنيّاً أو اجتماعيّاً
فاتخذت السلطات قراراً صارماً بمنعها، وإني أخاف أن تعود في موجة الفتاوى بالإباحة
التي بدأت تغزونا منذ مدة.
إسبانيا والمشاعر
الحزينة والسارة:
لإسبانيا في النفس مشاعر حزينة وأخرى
سارة، وأما الحزينة فهي أن العرب المسلمين مكثوا في هذه الديار وجعلوها قمة العالم
ثمانية قرون، حتى إذا قويت شوكة الإسبان وطردوا المسلمين منها ارتكبوا في حقهم، على
الرغم من المعاهدات والأمان، أبشع الجرائم، ولاأزل أذكر من أيام طفولتي قراءة قصة
إحدى محاكم التفتيش مع واحد من المسلمين في مجلة "الحديقة" لمحب الدين الخطيب،
رحمه الله، التي تسببت لي بعدد من الكوابيس مدة طويلة. ولم يكتفِ النصارى بوحشيتهم
مع البشر حتى مارسوها مع تراث المسلمين فكم حرقوا ودمروا من تراث المسلمين وآثارهم
الفكرية والعلمية.
أما المشاعر السارة فإن من الإسبان من
يحمل الدماء العربية، فلا بد أن تكون فيه بعض الصفات والخصائص التي تجمعنا بهم.
كما أنه مما يسر أن بعضهم بدأ يدرك عظمة الحضارة الإسلامية ويدافع عنها، حتى إن
متحفاً ضخماً أقيم في إسبانيا للآلات والأدوات التي كان يستخدمها المسلمون في
العلوم. كما أن عودةً إلى الإسلام قد بدأت ولعلها تزداد بجهود الدعاة من أبناء
الجاليات المسلمة ومن الإسبان أنفسهم.
متفرقات أخرى
تعليقات
إرسال تعليق