وفي المدينة المنورة حرصت على التعرف
ومصاحبة بعض العلماء فكان منهم الشيخ الدكتور عبد العزيز عبد الفتاح القارئ (رحمه
الله) خطيب مسجد قباء، فقد كنت أحضر خطبه الجمعية وبخاصة تلك التي كانت حول سورة
يوسف ومن شدة إعجابي بتلك الخطب قمت باستنساخ بعضها من أشرطة الكاسيت وكانت خطبته
الأولى بعنوان رسالة إلى الكتاب وحملة الأقلام ومما كتبته في تقديم تلك الخطبة ما
يأتي
دخلت المسجد بعد صلاة العصر أستمع إلى درس
في السيرة كان يلقيه أحد المشايخ على طلبة لم يتجاوزوا العشرين من العمر، فسمعت
عجباً كان يحذّرهم ويشدد في التحذير من قول سيدنا محمد في الصلاة الإبراهيمية. كان
يحاول إقناعهم بالعقل والمنطق فعجبت من هذا الأسلوب وقلت في نفسي: لو علّمهم الحب
أولاً لتعلموا الاتباع والاقتداء ولعلموا أن للصلاة الإبراهيمية نصّاً يجب عليهم
أن يلتزموه دون أن نخطئ من يقول سيدنا.
تذكرت هذه القصة عندما سمعت فضيلة الشيخ
الدكتور عبد العزيز عبد الفتاح قارئ رحمه الله يخطب حول محبة الرسول صلى الله عليه
وسلم وتحدث عن المحبة أنها درجات وأن للحب مقامات وبين كيف أن محبة الرسول صلى
الله عليه وسلم لربه كانت في أعلى درجة، وقارن ذلك بمحبة الأنبياء لربهم -سبحانه
وتعالى وتحدث عن الصحابة الكرام ومحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كانت
متفاوتة بحسب قربهم ومعرفتهم بالرسول، ومثّل لذلك بموقف الصدّيق رضي الله عنه حين
وفاة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
خرجت ووالدي رحمه الله من المسجد ونحن
نتعجب من هذا الكلام، فقد كنّا نعتقد أن الحديث بهذا الأسلوب من الأمور التي اختصت
بها الصوفية مع علمنا بما لدى بعض الصوفية من انحرافات بعضها خطير جداً. لكن الشيخ
يتحدث عن الحب مستشهداً بالقرآن والسنة فتعلمنا أن الحب من أسس هذه العقيدة: حب
الله وحب رسوله، وقد صحّح الشيخ في خطبته كثيراً من المفاهيم.
منذ تلك الخطبة أحببت الشيخ عبد العزيز
وأحببت بلاغته وبيانه وإن النفس لتطرب للأسلوب البديع وقد أوتي الشيخ من ذلك
الكثير ولا زلت حريصاً على سماع خطبه ليس لبلاغتها فحسب ولكن لقدرته العظيمة على
اختيار الموضوعات المناسبة وفهمه الدقيق لمعاني القرآن الكريم واستنباطاته
البديعة.
وظل هذا حالي معه حتى بدأ
في تفسير سورة يوسف ففاتني حلقاتها الأولى وفي يوم كان يتحدث عن المترفين فكنت
أحدّث نفسي أنني يجب أن أتخطى الصفوف لأقبّل جبين الشيخ على حديثه الذي لم أسمع
مثله من قبل، رغم أنني والحمد لله أقرأ هذه الآيات الكريمات وأعلم كم عاب القرآن
الكريم على المترفين انحرافهم وانحلالهم وميوعتهم وظلمهم، ولكن الشيخ أوتي أسلوباً
خاصّاً وتمنيت أن أحصل على تسجيل لهذه الخطب لأنقلها إلى الورق؛ فإنّ الكلمة
المكتوبة لها سحر يكاد يساوي سحرها بصوت الشيخ.
وكان مما قاله في تقديمه
للدروس من سورة يوسف قوله رحمه الله:
"إن هذه السورة
الكريمة تتحدث عن قصة تتعلق بشخصية كريمة لنبي من الأنبياء وما واجهه هذا النبي في
حياته من حوادث ووقائع وابتلاءات ومحن، منذ أن رأى الرؤيا ثم أُلقي في الجب ثم
تقلّب في الرق ثم هو يواجه محنة الإغراء والفتنة ثم هو يواجه محنة السجن ثم وقد
خرج من الشدة إلى الرخاء فإذا بالسلطان بين يديه وإذ به المتحكم في الرقاب وفي
الأرزاق في رقاب الرعيّة وأرزاقهم.
إنها قصة نبي كريم منذ أن
رأى الرؤيا إلى أن تحقق تأويلها فرفع أبويه على العرش ورفع التثريب عن إخوته الذين
كادوا له.
إنها قصة الصدّيق نبي
الله يوسف عليه السلام، وكيف ثبت بعقيدته وبنقاء نفسه وبطهارة ثوبه أمام مختلف
المحن والابتلاءات التي مرت به، فإذ به يخرج منها منتصراً بصلابة عقيدته وثبات
إيمانه ونقاء نفسه وطهارة ثوبه".
وكانت الخطبة الثانية عن
الحسد وقد استنسختها ونشرت في ملحق التراث بصحيفة المدينة المنورة في 6 شعبان 1412هـ، ونسخت خطباً أخرى وما زالت في ملفاتي تنتظر من
يخرجها.
وكنت عادة ألتقي
الشيخ بعد صلاة الجمعة لأسلّم عليه وأبدي بعض الملاحظات ففي إحدى الخطب قلت له يا
شيخ الخطبة باردة اليوم كأنها درس فقهي في الجامعة، وفي مرة من المرات قلت له علمت
أن هناك بعض القضاة لهم سلوك غير سوي مع النساء فقال مازن أعرف ولا أستطيع أن أقول
شيئاً فرأسي مليء بالضربات أو الخدوش أو الضربات
ومن صحبتي للشيخ
أنه كان يتحدث في جولة على آثار المدينة وكانت حرب الخليج واحتلال العراق للكويت
فوقفنا في مسجد المستراح وغزوة أحد فشرح لنا كيف التف خالد بن الوليد من وراء جبل
أحد (وهو على الشرك يومئذ) وتحدث عن كثير من آثار المدينة المنورة حديث الخبير
العارف.
ومن العلماء
الذين تعرفت إليهم وجلست إليهم عدة مرات الشيخ الوزير حسن الكتبي رحمه الله وقد زرته
في بيته قرب المسجد النبوي الشريف وكتبت عنه وكان بيننا مراسلات على الرغم من أننا
في مدينة واحدة:
وللقائي به قصة طريفة فقد أكرمني الله عز
وجل قبل رمضان بأيام بأن التقي الشيخ في المدينة المنورة بناء على توصية من أخي
الدكتور عاصم حمدان رحمه الله الذي أشار عليّ بأن أقدم نسخة من كتابي الاستشراق
والاتجاهات الفكرية في التاريخ الإسلامي لأن الشيخ أشار إليه بأهمية كتابه نحن
والآخر وحاجتنا إلى عشرة كتب من هذا النوع، فما كان من الدكتور عاصم إلّا أن تقدم
بهذا الاقتراح الذي يدل على طيبة نفسه وكرمه فجزاه الله عني خير الجزاء
وكانت مقالتي التالية:
تزخر بلادنا
والحمد لله بالرجال العظام في العلم وفي الأدب وفي الفكر وفي الإصلاح. ونستطيع أن
نفخر بهؤلاء الرجال الذين وقفوا كالطود الشامخ في وجه المد الشيوعي الذي اجتاح
كثيراً من البلاد الإسلامي ابتداءً من الربع الأول من القرن الحالي (الماضي) حتى
كان قاب قوسين أو أدنى من أرض الحرمين الشريفين.
ولم تكن
الشيوعية هي الخطر الوحيد فقط ظهر معها وقبلها دعوات ضالّة كثيرة منها العلمانية
والصهيونية والقومية والوجودية والوطنية وغيرها.
قد يرى بعضنا أن
من أسباب تأخر تأثرنا بهذه التيارات الهدّامة تأخر الحركة التعليمية عندنا عنها في
البلاد المجاورة آنذاك. ولن هناك سبب أخر قلما تحدثنا عنه ولم ألتفت إليه حقاً حتى
يسّر الله عزّ وجل لي اللقاء بمعالي الشيخ حسن محمد كتبي الذي أدعو هنا إلى تكريمه
وغيره من الروّاد الذين كانوا بعد الله السبب في جعلنا بمنجى من هذه التيارات التي
حاولت بشتى الوسائل اقتحام بلادنا وفرض وجودها.
فقد قيّض الله
عز وجل لهذه البلاد رجالاً أفذاذا وعلماء أجلة عملوا في التصدي للمرجفين ومن هؤلاء
الرجال الأفذاذ الذين نسيناهم أو كدنا الشيخ أحمد محمد باشميل والشيخ محمود الصواف
والأستاذ محمد صلاح الدين والدكتور معروف الدواليبي والشيخ أحمد محمد جمال
والأستاذ صالح أحمد جمال والشيخ عبد القدوس الأنصاري رحمهم الله جميعاً وكثير من
الرعيل الأول من رجال الصحافة. وأود أن أؤكد بأن هذه البلاد لا تزال تقف سدّاً
منيعاً ضد التيارات الفكرية المنحرفة.
والوفاء خلق
إسلامي أصيل علمناه رسولنا صلى الله عليه وسلم فكم من الآيات التي جاءت في القرآن
الكريم تزخر بالثناء على الرسل والأنبياء وعلى المؤمنين. وقد خص القرآن الكريم
صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثير من المديح في مواضع عديدة. وقد قلّد
الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم كثيراً من صحابته أوسمة دونها أوسمة
الدنيا كلها تلك هي ما أطلق عليه علماء الحديث (المناقب) فلا يكاد يخلو كتاب من
كتب الحديث من (كتاب المناقب)
ولكن ما بالنا
ننسي من قدم لمملكتنا الحبيبة وللبلاد الإسلامية والعربية جهوداً ضخمة في الدفاع
عن مسلمات هذه الأمة وقيمها وعقيدتها والتصدي للمرجفين من شيوعيين وبعثيين وقوميين
وعلمانيين. وسأتحدث هنا بإيجاز عن معالي الأستاذ الشيخ حسن محمد كتبي (رحمه الله)
وسأذكر لمحة موجزة عن أعماله داعيا أولئك الذين عاصروا الشيخ وعملوا معه أن يكتبوا
عنه، وأتمنى أن تعود جائزة الدولة التقديرية التي قُدّمت عدة سنوات ثم توقفت فيكون
الشيخ أحد الذين تُقدّم لهم الجائزة. كما أدعو الجامعات أن تحث طلابها على إعداد
رسائل ماجستير ودكتوراه عن الشيخ وعن أمثاله ممن تصدى للهجمة على ديننا وعقيدتنا
وبلادنا.
لقد بدأت الشيخ
حياته العلمية بحفظ القرآن الكريم وتشرب علوم اللغة العربية وعلوم الحديث
والتفسير. ثم رأى الشيخ محمد على زينل أن يبتعث بعض التلاميذ النجباء ليتلقوا
مزيداً من العلوم والمعارف في الهند، فكان شيخنا الفاضل أحدهم، وكانت الدراسة كما
ذكر في كتابه هذه هي حياتي تتركز على اللغة العربية والعلوم الدينية وقليل من
اللغة الإنجليزية واللغة السائدة في الهند (الأوردو)، وكانت الدراسة على مستو عال
كأنها دراسات عليا بمصطلحنا في العصر الحاضر.
ودخل الحياة
العملية أولاً أستاذا للقضاء الشرعي في المعهد العلمي السعودي، ولم يطل به المقام
هناك فانتقل ليدير مدرسة في الطائف، وكان الشيخ رحمه الله يرى أن العمل في تلك
المدرسة أجمل فترات حياته لتناسبها مع طبيعته ومبادئه. وبالإضافة إلى الرسمية فقد
أدرك أهمية الكتابة وهو بلا شك ابن بجدتها أسلوباً وفكراً فكانت له إسهاماته
الغزيرة في الكتابة حول القضايا الاجتماعية والفكرية. ويقول الأستاذ أبو بكر حميد
حول أسلوب الكتبي: "يتميز "حسن كتبي" بأسلوب طلي بارع يمكنه
التعبير عن أدق الحقائق النفسية" ولئن فاتني أن أتتلمذ على مدرسته في الكتابة
فإنني قد شرعت في الاطلاع على أعماله. وألفت الانتباه بأن تكون هذه الكتابات مما
يدرسه طلبة قسم الصحافة في كليات الإعلام لدينا (أقصد أقسام الإعلام)
وكان الملك فيصل
رحمه الله عليماً بمعادن الرجال فاصطفاه للعمل معه في شتى المناصب حتى قلّده وزارة
الحج والأوقاف بالإضافة إلى المهمات الكثيرة التي كان يُكلّف بها. وكان من المهمات
الكبيرة أنه حين انتشرت دعوة القومية العربية التي ظاهرها وحدة الأمة العربية وحقيقتها
تمزيق الأمة الإسلامية انبرى الملك فيصل رحمه الله ورجاله يدعون إلى التضامن
الإسلامي ليس بالخطب والكلام بل انتقلوا إلى المجال العملي وكان من ذلك إنشاء
رابطة العالم الإسلامي وبنك التنمية الإسلامي والندوة العالمية للشباب الإسلامي
وغيرها من المشروعات التي أعادت للأمة الإسلامية ثقتها بنفسها وبوحدتها وأنها أمة
واحدة كما جاء في كتاب الله عز وجل (وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)
ونال الشيخ
الكتبي التقدير من لملك فيصل فقلده وشاح الملك عبد العزيز من الدرجة الثانية في
11/7/ 1393هـ، كما نال التقدير من الصين وكوريا ومنح شهادة الدكتور من أكبر
الجامعات في هاتين الدولتين. بالإضافة إلى الحفاوة البالغة التي كان يلقاها في كل
الدول التي كانت له صلة بها من خلال المهمات التي كلفه بها الملك فيصل رحمه الله.
وقد عرفت مؤسسة أمريكية للنشر تقوم بإعداد دليل للشخصيات العالمية التي لها
إنجازات مهمة مكانة الشيخ فطلبت منه أن يقدم لها سيرته الذاتية.
رحم الله الشيخ
الأستاذ حسن محمد كتبي على ما قدمه وأجزل له المثوبة
سيادة الأخ
الكريم الدكتور مازن صلاح مطبقاني
المحترم
السلام عليكم
ورحمة الله وبركاته
أشكركم على
زيارتكم التي أسعدتموني بها حيث التقيت بروح مغدقة.. مثمرة تتوفر لديها القدرة على
خدمة دينها ...ووطنها.. ومواطنيها بعلمها وكفاءاتها-
وأرجو أن تبلغوا
احترامي وحبي للأستاذ الندوي المجاهد العظيم- وأتمني أن يكون لي حظ اللقاء به في
المدينة المنورة- وآمل أن تقدموا له نسخة كتابي (الصفحات) وسأقدم لكم أخرى معنونة
بالإهداء لشخصكم الكريم،
وتقبلوا تحياتي،
21 شعبان 1416هـ
أخوكم
حسن
محمد كتبي
وهذه رسالة أخرى
14 رمضان 1416هـ
(4 فبراير 1996م)
سيادة الأخ
الدكتور مازن صلاح مطبقاني المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته- وبعد
أشكركم على البيان الذي تفضلتم بنشره في
جريدة المدينة عني، ولقد وجدتك تتحدث فيه بما أنت أحق به مني، فإن الجهد الذي
بذلته في المواضيع الهامة التي جاءت في كتبك ومقالاتك التي أسعدتني بالاطلاع عليها
يعتر من أعظم كفاح- في قضايا تشغل رأي المهتمين بسلامة الكيان العربي والإسلامي
وقد انفردت بذلك...
فتقبل أخي شكري
فيما قدمت عني وتقديري لما عرفت عنك والله يحفظكم
أخوكم
حسن
محمد كتبي
وصحبت في
المدينة المنورة عالم فاضل جليل هو أستاذي الدكتور علي الغمراوي رحمه الله فقد كان
يتقن عشر لغات أوروبية ورأيت لديه كراس صغير يتدرب على اللغة الروسية يحاول أن لا
ينساها، وكان عالماً بالأقربازين (علم الأدوية) بالإضافة إلى علمه العميق بالتاريخ
الأوروبي في قرونه الوسطى وبالحضارة الغربية، وكان حريصاً أن أتمم رسالة الدكتوراه
لأنه كان يرى ما عشت فيه من ظلم واضطهاد وكان يقول "خذ الدكتوراه وعندئذ
تتساوى، ولذلك علّقا في مكتبتي في البيت (إذا وقف الجواد سبقته البراذين) وكان
قوياً في الحق فلمّا رأى أعضاء القسم يطيلون النقاش في خطط البحوث للماجستير
والدكتوراه صرخ فيهم قال إنما هي خطة مبدئية لعمل بحث وليست خطة صناعة القنبلة
الذرية فخففوا النقاش يرحمكم الله.
وأذكر أنه قال
لي يا مازن العيش في بلادنا أفضل من العيش في الغرب حيث تحوّل الفرد إلى مجرد رقم
وهو متابع وملاحق منذ استيقاظه من النوم، ولكنه رحمه الله لم يكن يتصور أننا في
الطريق إلى أن نكون مثلهم وربما زدنا عليهم
تعليقات
إرسال تعليق