التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أيامي في جدة 3

 


        ذكرت أن من نشاطاتي في جدة حضور المحاضرات العامة ومنها كنت حريصاً على حضور محاضرات الأستاذ محمد قطب رحمه الله (منهج التربية الإسلامية) ودخلت القاعة في المحاضرة الأولى فلم أجد مقعداً فوقفت في الممر الجانبي وبيدي آلة التسجيل الكاسيت وسجّلت المحاضرة، وحرصت في المحاضرات التالية أن أحضر مبكراً لأجد مقعداً في القاعة.

كان يعجبني الأستاذ محمد قطب رحمه الله في محاضراته أنه لا يقرأ من نص مكتوب أو ورق أمامه، لكنه كان يتدفق بسلاسة وعذوبة وبلاغة وانسياب، ولا تخلو محاضراته من بعض حكايا سجون عبد الناصر ولا تخلو من طرفة هنا وهناك. حتى إذا شاء الله وصرت محاضراً قيل إنني أشبهه وإن كنت أرى نفسي أقل كثيراً من أن أكون شبيهاً له.

وبعد زمن من حضور المحاضرات والدراسة المتواصلة حتى وصلت إلى أربع وعشرين سنة نلت بعدها الدكتوراه ولكني في آخرها مارست الكتابة الصحافية والمحاضرة. وحدث أن كنت في الفندق نفسه الذي ينزل فيه ضيوف مهرجان الجنادرية وكنت قريباً من أحد المصاعد إذ يطل علينا الأستاذ محمد رحمه الله فأذهب للسلام عليه فيقول لي رحمه الله (أنا لم آت إلّا لأقول لك هدّي اللعب شوية، لقد أزعجتهم، وفي أثناء الحديث قال لي مازحاً أنا مش أدّك، ومن طرائف تواضعه رحمه الله أنه إن سأله أحد عن الاستشراق قال له اذهب إلى مازن مطبقاني، ولم أكن سوى تلميذ تلامذته.

لا بد أنه كان في جدة علماء آخرون فضلاء لقيتهم وتعلمت منهم ومنهم الأستاذ التربوي الكبير السيد محسن أحمد باروم رحمه الله الذي تعرفت إليه حين طلب مني نسخة من كتابي المتواضع من آفاق الاستشراق الأمريكي المعاصر، واستمرت صلتي به حتى اطلع على معظم ما كتبت وحين أنجزت رسالتي للدكتوراه قدّم لي عرضاً أن ينشر رسالتي للدكتوراة وكتب لها مقدمة جاء فيها:  

لا أريد أن أطيل حديثي حول هذا الجانب من جوانب الكتاب وإنما أريد أن أنوه بالجهد العلمي الضخم الذي بذله مؤلفه في بقية أبواب الكتاب التي استرضت مختلف نواحي الحياة العلمية لبرنارد لويس ومواقفه الفكرية من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وسيرة الرسول الكريم، وعقيدة الإسلام التي ينجو في النظر إليها منحي أسلافه المستشرقين المتعصبين ضد الإسلام وحضارته وثقافته"

ثم عرضت علي مكتبة الملك فهد الوطنية نشر الرسالة فاعتذرت منه واحتفظت بتقديمه ولكن المكتبة أخطأت في استبعاد التقديم. وأذكر أنني كتبت مقالة أقدم عرضا ًلأحد كتبه وهو

من أعلام التربية والفكر في بلادنا،289صفحة من القطع المتوسط، صدر عن عالم المعرفة للنشر والتوزيع،1420-1999.

قلت فيه:

"جاء في الحديث الشريف (إنما بعثت معلماً) وجاء أيضاً (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ولله در السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها حينما وصفت الرسول صلى الله عليه وسلم بتلك الكلمات العظيمة (كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصدق الحديث وتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل وتعين على نوائب الحق) فما أجملها من صفات اتصف بها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. وقد عُرِف وفاؤه لها صلى الله عليه وسلم.

وفي هذا الكتاب نلمس هذا الخلق الإسلامي الأصيل في ترجمة أستاذنا الشيخ محسن أحمد باروم لسبع عشرة شخصية تربوية وفكرية في بلادنا أصدره في هذا العام يقدم فيه نموذجاً متميزاً للإنسان الوفي لدينه الإسلام حيث حرص حفظه الله أن يقدم لنا الشخصيات التي أسهمت في نهضة هذه البلاد الفكرية والتربوية".

وكتبت مقالة أتحدث عن صلتي به بعنوان (تواضع الكبار) جاء في المقالة ما يأتي

قبل سنوات صدر لي كتاب بعنوان (من آفاق الاستشراق الأمريكي المعاصر) فكلمني أخ كريم قائلاً إن السيد محسن باروم يريد الاطلاع على هذا الكتاب. وكنت في زيارة لجدة فحملت إلى الأستاذ الفاضل نسخة من هذا الكتاب وربما من كتبي الأخرى. وبالرغم من أن الأستاذ الفاضل يعرف الاستشراق والغرب أكثر مني بمراحل لكن تواضع العلماء دعاه أن لا يترك الفرصة حتى يطلع على هذا العنوان الذي اعتقد أنه يستحق القراءة.

ومن هنا بدأت الصلة بيني وبين الأستاذ الكبير محسن باروم فعرفت أنه على اطلاع كبير في مجال الاستشراق وذلك أنه كان موجهاً تربوياً (أو مفتشاً) منذ أكثر من ثلاثين سنة فقد انتدبته وزارة المعارف في عهد الملك فيصل لزيارة المنطقة الشرقية والتعرف إلى احتياجات المنطقة التعليمية فكان من نشاطه هناك أن اتصل ببعض المسؤولين الأمريكيين في شركة أرامكو وحضر بعض جلسات برنامج تسجيل التاريخ الشفوي للمنطقة ومن هذه الجلسات ما كان يقوم به جورج رنتز وجون ديوك أنتوني من تسجيل بعض الأحاديث مع بعض كبار السن في المنطقة. وقد عرض عليه هؤلاء المسؤولون أن ينتقل إلى العمل في أرامكو وأنه سيعطى صفة كبار الموظفين. فوعد أن يفكر في الموضوع"

وقد عرفت الأستاذ محمد صلاح الدين عندما علمت مدة أسبوعين في صحيفة المدينة المنورة وكان هو حينها مديراً للتحرير كما عرفته من خلال زاويته في صحيفة المدينة المنورة (الفلك يدور) وقد كتبت ذات مرة إن هذه الزاوية تستحق أن تنشر في جميع الصحف العربية ذلك أنها ليست مجرد كلمات ولكنها رسالة قوية تدل على حماسة صاحبها لقضايا أمته وأنه لا يلقي الكلام على عواهنه بل يقوم بالبحث الدقيق مما يدهش القارئ ويعلمه. ويتميز أسلوبه بانه أسلوب عالٍ يرقى بلغة الصحافة إلى أعلى مستوى ممكن.

وتتعدد اهتمامات الأستاذ الكبير محمد صلاح الدين فليس هو كاتب صحافي يومي فقط بل استمر يكتب أسبوعياً لمجلة اقرأ مدة طويلة ثم هو ناشر حيث قامت دار النشر التي كان يشترك في ملكيتها بنشر أرقى الكتب في شتى مجالات المعرفة. ولكنه أسهم في وقت من الأوقات في محاربة دعاة القومية والشيوعية والاشتراكية في الوقت الذي كان لهذه المبادئ الضالة من يدعمها في العالم العربي فكان لهذا البلاد الزعامة في محاربة المبادئ الهدامة في العالم العربي الإسلامي.

ويكتب الأستاذ محمد صلاح الدين بالموضوعية والعلمية التي يتميز بها الأكاديميون فهو أيضاً أكاديمي عريق حيث كان يعد رسالة الدكتوراه في العلوم السياسية في جامعة ميتشيجان بالولايات المتحدة الأمريكية ولولا مشاغله العلمية والفكرية لانتهى منها منذ زمن بعيد.

وكم من حديث دار بيني وبينه خلال تلك الأسبوعين ولا زلت أذكر حين ذكرت قوة اليهود وسيطرتهم ونفوذهم في أنحاء العالم فقال لي رحمه الله: نحن نبالغ في قوة اليهود ونفوذهم ولكنهم بشر يخططون ويعملون ولا بد أن لهم أخطاء فلماذا لا نخطط ونعمل ولكنها حرب نفسية نجحوا فيها إلى درجة بعيدة.

وفي مكتبتي في المدينة المنورة أحتفظ بعشرات القصاصات من مقالاته كما بعث لي هو رحمه الله مجموعة كبيرة من مقالاته في مجلة اقرأ.

وحين انتقلت إلى المدينة المنورة كان من أول اهتماماتي أن أتعلم التجويد وقراءة القرآن الكريم قراءة صحيحة فطلبت من الشيخ إبراهيم الأخضر أن يعلمني التجويد فبدأنا بكتاب تحفة الإخوان للشيخ حسن الشاعر ثم أضاف إلى ذلك أن أملاني أبياتاً حول مخارج الحروف وأخرى حول صفات الحروف وكنت أقرأ يومياً صفحة من المصحف ليصحح لي التلاوة وكانت صحبتي إياه من قبل صلاة المغرب حتى المغرب وكنت ألتقي به أحياناً بعد صلاة الفجر وامتدت صحبتي إياه أكثر من سنة قرأنا بعد تحفة الإخوان في التجويد الآجرومية في النحو.

وكانت صحبتي للشيخ إبراهيم الأخضر كالمريد لشيخه وفي قصتي مع المعهد العالي للدعوة بعد أن اشتدت الأزمة قال لي هذين البيتين

وأوسع الأمر ما للمرء في هوى    سَمُّ الخياط مع الأحباب ميدان

وأضيق الأمر ما للمرء فيه جوى   صدر الجنان مع الأعداء نيران

وكنت أصلّي في مسجد بلال صلاة الجمعة بصحبة والدي رحمه الله وكان الشيخ إبراهيم هو الخطيب وكان حريصاً أن لا تتجاوز خطبته ثمان دقائق، وقد ذكر لي أن طلب وضع ساعة كبيرة أمام المنبر حتى لا يتجاوز الوقت ويطيل الخطبة.

ومن طرائف صحبتي الشيخ أنني زرته في شعبان من عام 1406هـ برفقة أخي عبد الكريم رحمه الله فسألت الشيخ متى تصبح إماماً في المسجد النبوي فقال دعواتك وبالفعل أراد الله أن يبدأ الإمامة بصلاة الفجر في ذلك العام وكذلك في التراويح والقيام. وقد كتبت مقالة عن الشيخ إبراهيم الأخضر وها هي

   هذا العَلَم هو الشيخ إبراهيم الأخضر بن علي القيم الذي ولد في المدينة المنورة عام 1364هـ.تلقى تعليمه الابتدائي في كل من دار الحديث المدنية، ومدرسة النجاح الأميرية، والمعهد العلمي في المدينة المنورة. ثم انتقل للدراسة في الثانوية الصناعية متخصصاً في مجال الميكانيكا. حصل على بعثة دراسية إلى مصر حيث واصل دراسته في هذا المجال في الفترة من 1380-1382ه ـ (1960-1962) ثم حصل على بعثة للدراسة في إيطاليا في الفترة من 1386-1387هـ(1967-1968م)

        اتجه بعد عودته من إيطاليا لدراسة العلوم الشرعية حيث بدأ حفظ القرآن الكريم على الشيخ عمر الحيدري رحمه الله مع عدد من الطلاب منهم السيد شهاب وأحمد رضوان والأستاذ باتع ونوري حسن وإحسان صديق وأحمد دردير. ثم واصل دراسته لعلوم القرآن الكريم حيث قرأ على الشيخ حسن الشاعر رحمه الله القراءات السبع في أربع سنوات. ثم أكمل القراءات العشر على الشيخ عبد الفتاح القاضي. ومن أبرز مشايخه – وهم في الواقع أبرز المشايخ في هذا المجال في العالم الإسلامي في العصر الحاضر- الشيخ عامر بن السيد عثمان والشيخ أحمد عبد العزيز الزيات. ويقول الشيخ إبراهيم عن ذلك:" اجتمع لي بفضل الله تعالى مجموعة لم يحظ بها أحد وهم أكبر القراء علماً وسنّا"

      لا شك أن من يحصل على هذه الشهادات في مجال كالقرآن الكريم لا بد أن يمارس التدريس عملاُ بقوله صلى الله عليه وسلم (خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه) وبدأ التدريس في حلقة شيخه الشيخ حسن الشاعر وهي من وسائل استمرار العمل أن يحرص الشيخ على أن يستخلص من طلابه من يأخذ علمه ويواصل مسيرته. فعهد إليه الشيخ أولاً بأن يقوم بالتدريس حين غيابه واستمر في هذا الأمر حتى أصبح هو المسؤول عن الحلقة عندما اعتزل الشيخ التدريس قبل وفاته بعامين.

        ولم يكتف الشيخ بالتدريس في الحلقة في المسجد النبوي الشريف بل قام بالتدريس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عدداً من السنين، كما قام بالتدريس في المعهد العالي للدعوة الإسلامية. أما تلاميذه فيعدون بالألوف وقد ذكر الشيخ منهم الشيخ محمد مكي هداية الله والشيخ فؤاد مصطفى والدكتور عبد الله جار الله والشيخ عبد المحسن بن قاسم إمام وخطيب المسجد النبوي الشريف.

  وبالإضافة إلى تمكن الشيخ إبراهيم من حفظ القرآن الكريم والتعمق في علومه وقراءاته فإنه يمتلك صوتاً جميلاً رائعاً وهذا ما دعا المسؤولين إلى تقدير علمه ومواهبه فعين إماماً في المسجد الحرام لصلاتي الفجر والعصر واستمر في ذلك ثلاثة أشهر ونصف. وغلبه حبّه للمدينة المنورة فعاد إليها. ثم تمّ تكليفه بالإٌمامة في المسجد النبوي الشريف لصلاة الفجر والمشاركة في إمامة المسلمين في صلاة التراويح والتهجد في رمضان مدة تسع سنوات. ولا أنسى ما قاله وزير الشؤون الدينية الجزائري الشيخ عبد الرحمن شيبان "لقد استطعنا أن نفهم بعض الآيات القرآنية فهماً أفضل حينما سمعناها بقراءة الشيخ إبراهيم الأخضر"

 إن عمق معرفة الشيخ إبراهيم الأخضر بالقرآن الكريم وجمال صوته وأدائه الرائع في قراءة القرآن الكريم حتى إن المستمع له يفهم معاني الآيات من خلال الطريقة التي يقرأ بها. وما زال الشيخ إبراهيم – حفظه الله وأمد في عمره ومتّعه بالصحة والعافية- يواصل مشوار في التدريس كما أنه يقوم بالتدريس في مدراس تحفيظ القرآن الكريم لكبار الطلاب. فهنيئاً للمدينة المنورة بعالمها الفاضل.

 ومن العلماء الذين صحبت في المدينة المنورة الدكتور المستشار علي جريشة رحمه الله وكانت لي معه ذكريات جميلة وهذا ما كتبته ذات يوم:

رحم الله شيخي وأستاذي الدكتور علي جريشة فهذه ذكريات غالية على قلبي والحمد لله أن يسّر لي رفقة الأخيار في مدينة المختار صلى الله عليه وسلم

     أكرمني الله عز وجل بمعرفة الدكتور علي جريشة رحمه الله وكنت أتردد إلى بيته بين الحين والآخر ومن هذه المرات أن أصحبه إلى المسجد النبوي أو إلى مسجد قباء أو في أي مشوار آخر. كنت أجد لديه الغَيْرة على الأمة الإسلامية والحرص عليها والعمل من أجل رفعة هذه الأمة ونهضتها. وكان يحكي لي كثيراً عن أوضاع البلاد الإسلامية ويحرص على الإشادة بالمخلصين والعاملين، كما عرفت منه شيئاً من سيرته الشخصية وعمله في ألمانيا وفي جامعات مختلفة.

     ونظراً للعلاقة القريبة معه كنت أعرض عليه بعض ما أكتب حتى إنه كتب لي مقدمة كتابي المغرب العربي بين الاستشراق والاستعمار، كما أذكر أنني عرضت عليه مشاركتي في مؤتمر في تونس وكان الوقت المخصص للكتابة قصيراً فكان رأيه مشجعاً لي للمشاركة في ذلك المؤتمر.

       كان بين الحين والآخر يناقش معي بعض مشروعاته العلمية ومن ذلك رغبته في إعداد تفسير للقرآن الكريم ووقف عند آيات سورة البقرة التي تصف المنافقين من قوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) ويتساءل لماذا خصص القرآن ثلاث عشرة آية لهم؟ وقد علمت أنه أتمّ التفسير وكان من وصيته طبع هذا التفسير 

    حدثني ذات مرة عن أستاذه الدكتور محمد أبو زهرة وطريقته في مناقشة الرسائل العلمية بأن يحفظ أرقام الصفحات وما يراه فيها من ملاحظات وقد حاول هو أن يفعل مثله

     كان رحمه الله قريباً من طلابه وأحبابه ومريديه فرحمه الله رحمة واسعة

      وقال لي يا مازن ليس عندنا حرية تعبير ولكن حق التعبير (فليغيّره) ثم أوضح أن ما يسميه الغرب الحقوق هي حرمات مقدسة في الإسلام فالدين جاء للحفاظ على هذه الحرمات الخمس: الدين والعقل والعرض والمال والنفس

       رحم الله الدكتور علي جريشة فقد دار حديث بيني وبينه يوماً عن خطر النفاق ولماذا خصّهم القرآن بثلاث عشرة آية من سورة البقرة وأعجبته إجابتي لخطورة النفاق.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

       

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب منهج البحث التاريخي للدكتور د. حسن عثمان

الطبعة: الرابعة. الناشر: دار المعارف بالقاهرة (تاريخ بدون). عدد صفحات الكتاب: 219 صفحة من القطع المتوسط. إعداد: مازن صلاح المطبقاني في 6 ذو القعدة 1407هـ 2 يوليه 1987م بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة : يتحدث فيها المؤلف عن معنى التاريخ، وهل هو علم أم فن، ثم يوضح أهمية دراسة التاريخ وبعض صفات المؤرخ وملامح منهج البحث التاريخي. معنى التاريخ: يرى بعض الكتاب أن التاريخ يشمل على المعلومات التي يمكن معرفتها عن نشأة الكون بما يحويه من أجرام وكواكب ومنها الأرض، وما جرى على سطحها من حوادث الإنسان. ومثال على هذا ما فعله ويلز في كتابه "موجز تاريخ العالم". وهناك رأي آخر وهو أن التاريخ يقتصر على بحث واستقصاء حوادث الماضي، أي كل ما يتعلق بالإنسان منذ بدأ يترك آثاره على الصخر والأرض.       وكلمة تاريخ أو تأريخ وتوريخ تعنى في اللغة العربية الإعلام بالوقت، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته ودقته الذي ينتهي إليه زمنه، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة. وهو فن يبحث عن وقائع الزمن من ناحية التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحواله الم...

رسالة إلى الشيخ محمد الصالح رمضان واستشارة علمية

    أستاذي الجليل الشيخ محمد الصالح رمضان    حفظه الله ورعاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فهذه أول رسالة أكتبها إليكم بعد لقائنا الذي تم قبل أربع سنوات تقريباً حين كنت أجمع المادة العلمية لبحثي حول الدور الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين لقد أكرمني الله بإنجاز البحث وإهداء نسخة منه إليكم، وأرجو ان تكون قد نالت رضاكم فكم كان بودي أن أسمع وأيكم في ذلك العمل. أستاذي الكريم         لما وجدت أن ما لدينا من كتابات حول الجزائر قليلة بل نادرة، عزمت بعون الله أن أقدم ترجمة للشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في سلسلة أعلام المسلمين التي تنشرها دار القلم بدمشق. وكما تعلمون فالكتابات عن حياة ابين باديس رحمه الله كثيرة في الجزائر، ولكن شخصيته المتعددة الجوانب والثرية تشجع دائماً على الكتابة عنها.        أمّا سؤالي فهو: ما هي الجوانب التي ترون أنه لم يتطرق إليها البحث بصبوره موسعة؟ وما هي الإضافات التي يمكن أن نتحدث عنها؟ أرجو أن تحدثوني عن نشاطاته رحمه الله، وعلاقاته بأفراد المجتمع الجزائري ا...

استعراض تاريخي موجز للتهديد الذي واجهته اللغة العربية

  المحور الأول استعراض تاريخي موجز للتهديد الذي واجهته اللغة العربية      لم يكن الاستعمار الغربي للعالم العربي مجرد احتلال عسكري يهدف إلى استغلال الأرض والموارد، بل كانت أهدافه أكثر من ذلك بكثير. كان يعني ربط هذه الدول بالغرب برباط أبدي من خلال مهاجمة الهوية ومكوناتها المختلفة. لأنني أمضيت سنوات عديدة في بحثي في تاريخ الجزائر الحديث وخاصة جمعية العلماء الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية بقيادة عبد الحميد بن باديس، اخترت الجزائر لتكون مجال الدراسة. (دراسة الحالة)      بذلت فرنسا جهوداً كبيرة لأكثر من مائة وثلاثين عاماً لإلغاء الهوية الجزائرية (وكذلك المغربية والتونسية) بوسائل عديدة سأعرضها بإيجاز في النقاط التالية. أما بالنسبة لمحاربة اللغة العربية فالأدلة كثيرة لدرجة أن الأمر يتطلب منا مئات الصفحات للتقرير. ومع ذلك سأقسم هذا القسم إلى الترجمات التالية: • استيعاب الإسلام وشيطنته • إلغاء السياسات الحكومية والعربية • فرق تسد أولاً: استيعاب الإسلام وشيطنته       يمكن اعتبار فرنسا رائدة في هذه السياسة في التاريخ الحديث. ما...