قدمت الصفحات الماضية مشاهدات وملاحظات
وقراءات حول الولايات المتحدة الأمريكية التي ارتحلت إليها أول مرة عام 1388هـ
الموافق 1968م. فكانت هذه الرحلة بعد الهزيمة المدوية التي عاناها العالم العربي
بعد حرب الستة أيام أو الستة ساعات. كان الكثيرون من الطلاب العرب مازالوا يعيشون
أوهام القومية العربية التي ستنتصر يوماً ما على إسرائيل وعلى أعدائها، وستحقق
للأمة العربية المجد والسؤدد. كانت الرحلة الأولى التي استمرت خمس سنوات حاولت
فيها البحث عن تخصص علمي أدرسه ولكني لم أعثر على التخصص، غير أنني قرأت كثيراً
وقرأت أكثر في واقع الحياة الأمريكية.
كان من المفيد في العيش في أمريكا أنك إن
أردت أن تتعلم وتتثقف فالمجالات مفتوحة إلى أقصى حد إن أردت أن تفيد منها، فأولها
الجامعة والمواد الدراسية المختلفة، ثم الأندية الطلابية ونشاطاتها، ثم نشاطات
الطلاب العرب وجمعيتهم –رغم غموض في قياداتها في جامعة ولاية أريزونا في الفترة
التي عشت فيها- ثم هناك القنوات التعليمية التي كانت تبث من الجامعة. وكانت القناة
التعليمية في جامعة أريزونا تبث بعض البرامج التي لا يهتم بها معظم الطلاب لأن
طابعها الأساسي هو الطابع الجدي التعليمي.
وكانت رحلتي الثانية في أثناء إعداد بحثي للدكتوراه
حيث تركزت زيارتي في إحدى الجامعات العريقة والثرية بل المترفة أيضاً وهي جامعة
برنستون فتعلمت الكثير كيف تكون الجامعات، وكيف تدار النشاطات داخل الجامعات
وبخاصة في قسم دراسات الشرق الأدنى.
وكانت الرحلة الثالثة بدعوة من وكالة إعلام
الولايات المتحدة الأمريكية في القنصلية الأمريكية بجدة- ألغيت الوكالة الآن، وضم
عملها إلى الملحق الثقافي- وكان الهدف منها الاطلاع على أقسام دراسات الشرق
الأوسط، ومراكز البحوث والمعاهد المتخصصة في العالم العربي الإسلامي، كما زرت بعض
مراكز البحوث والمعاهد الأمريكية العامة مثل معهد بروكنجز، ومعهد الولايات المتحدة
للسلام، ومكتبة الكونجرس، ومؤسسة راند.
إذا كانت أمريكا ليست المناظر الثرية
المترفة التي تظهر في أفلام هوليود من شوارع شيكاغو الضخمة وناطحات سحابها، وليست
القصور الفخمة التي يعيش فيها الممثلون والممثلات في هوليود، وليست الأحياء
الفقيرة المعدمة في الشوارع الخلفية لنيويورك أو لوس أنجلوس أو غيرها كما يقول
مؤلفا كتاب (فخ العولمة)؛ فأمريكا أيضاً هي الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات
العلمية التي يجتمع الباحثون من جميع أنحاء العالم ليقدموا نتائج بحوثهم
ودراساتهم، وأمريكا أيضاً المصانع الضخمة من صناعة السيارات إلى صناعة الطائرات
إلى صناعة الملابس والأزياء والعطور.
وأمريكا كما أنها ليست السجون التي تؤوي
المجرمين والقتلة والمدمنين على المخدرات والمسكرات، فهي ليست فقط البلد التي
ترتفع فيه نسبة الطلاق ويصل الشاذون إلى مناصب مهمة، حتى إن كلينتون كان قد وعد
الشاذين أن يكون لهم مكان في الجيش- لا أدري هل نفذ وعده أو أن الجيش كان أقوى
منه-
يمكننا أن نتعلم الكثير من أمريكا، وما
زالت أمريكا تقدم نماذج رائعة في دعم البحث العلمي وتقدير العلماء وتقدم للعالم
منتوجات لا مثيل لها في غيرها من الدول. ولكنها في الوقت نفسه تقدم العبرة والدرس
في بعض الأمور مثل تفكك الأسرة وانحدار مكانة المرأة وضعف التربية وغيرها من العبر
والدروس.
أرجو أن تكون الصفحات الماضية قد قدمت ما
يفيد ويمتع، وأن يكون مثل هذا الجهد المتواضع محاولة لدراسة الغرب من الداخل وأن
يكون المعيار الذي نحكم به على الأمور هو المنهج الذي ارتضاه الله عز وجل للبشرية
ألا وهو الإسلام فلا نرى جميلاً إلاّ ما جمّله الشرع ولا نرى قبيحاً إلاّ ما كان
قبيحاً في الشرع. والحمد لله رب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق