المبحث الأول
عندما غزا العراق الكويت عام
1410هـ(1990م) تحدثت الصحف حينذاك عن فيلم أمريكي كان قد عرض في دور السينما قبل
فترة من هذه الحرب يتناول غزو العراق للكويت، وتجمع قوات دولية لإنقاذ الكويت من
العراق- وهو ما حدث تقريباً فيما بعد- وفي يوم 6 نوفمبر 1998م أطلقت شركة فوكس
القرن العشرين فيلم "الحصار" بطولة بروس ويليز Bruce
Willis و
دنزل واشنطن Denzel Washington الذي يتناول هجوم بعض "الأصوليين الإسلاميين" على مدينة
نيويورك، وإعلان الجيش الأمريكي حالة الطوارئ القصوى وبدء حملة اعتقالات واسعة في
صفوف العرب والمسلمين مما يذكّر بمعسكرات الاعتقال التي أقيمت في الحرب العالمية
الثانية ضد اليابانيين.
ألا يحق للإنسان أن
يتساءل عن العلاقة بين هذه الأفلام والواقع؟ هل هوليوود بخاصة والإعلام عموماً هم
من يصنع الأحداث؟ أو إن جهة ما لها اتصال بهوليوود وبوسائل الإعلام تقدم لهم الأفكار والصور، ثم
تطلب منهم أن يصنعوا تلك الأفلام حتى إذا كان الواقع كان قريباً مما تخيّلَه
الإعلام؟
كثيرون بحثوا في
الصور النمطية، ووضعوا لها التعريفات، وبحثوا في جذورها، وخاضوا كثيراً في البحث
عن حلول لها؛ ففي دراسة صدرت في الرياض عام 1990م([1])
سعى فيها عبد القادر طاش إلى الربط "بين هذه الظاهرة وسياقاتها الفكرية
والنفسية، والسياسية والاجتماعية، فيستكشف جذورها التاريخية والنفسية ويحلل
أبعداها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويحاول -في ضوء ذلك- أن يقدم تفسيراً
علمياً يضع هذه الظاهرة في إطارها الصحيح"([2]).
ويرى طاش أن الصورة
النمطية إنما هي "تعميمات مؤسسة على الشائعات والآراء التي لا تستند إلى
براهين عليمة تجريبية([3])
أو أنها "صور تبنى على أوهام أو معلومات غير دقيقة أو خيالات ذاتية تكونت لدى
الإنسان أو الجماعة من خلال التجارب السابقة والخبرات وعن طريق التلقي من وسائل
الاتصال والإعلام([4])
، وهناك تعريفات أخرى ترى أن الصورة
النمطية هي : الصورة الذهنية الثابتة والتي تتسم بالجمود والتبسيط المفرط ويرى
أسعد رزق أنها " الشيء المكرر على نحو مطرد وعلى وتيرة واحدة لا تتغير ويسمى
نمطاً، والنمط يطلق على الصورة العقلية التي يشترك في حملها واعتقادها أفـراد
جماعة معينة."([5])
ويرى ديفيز بأن الصور
النمطية " تمثل رأياً مبسطاً، أو موقفاً عاطفياً، أو حكماً متعجلاً غير مدروس،
وتتسم بالجمود وعدم التغير ، وحدد ديفيز أثر الصور النمطية فذكر أنها عندما نكونها
عن شعب معين، فإن هذا يعني عدم اكتراثنا به، وأنه ليس جديراً منّا بالاهتمام
الكافي لفهمه وإقامة علاقات معه.([6])
وتوالت الدراسات حول
القولبة والنمطية وغيرها. ومن آخر ما صدر باللغة العربية كتاب (قولبة الآخر) لراشد
بن سعيّد، والذي يقول فيه: إنّ دراسته تصل إلى أنّ "المسلم ظل يحتل مكانة النقيض
و الآخـــر والمختلف في الفكر الغربي، كما عبرت عن ذلك حركة
الاستشراق. ولا تزال الصور الاستشراقية القديمة سائدة في الخطاب الإعلامي الغربي
الذي يقدم المسلمين والعرب بشكل يفتقر إلى التوازن والإدراك والعمق"([7]).
وكان إدوارد سعيد قد
أصدر كتابه القيم (تغطية الإسلام) عام 1981م، وأكد فيه ما دعا إليه في كتابه
(الاستشراق) إلى حاجة الولايات المتحدة الأمريكية إلى رأي عليم خبير حول الإسلام، وأن قوة عظمى-
كالولايات المتحدة- بحاجة إلى مثل هذا الرأي البصير، وليس الرأي المشوب بالاتجاهات
السياسية أو الميول الأيديولوجية..([8]).
وعن جذور الصور
النمطية للعرب والمسلمين يرى معظم الباحثين أن هذه الصور إنما تكوّنت في المخيلة
الأوروبية والأمريكية عبر قرون عديدة منذ بداية الفتوحات الإسلامية ثم الحروب
الصليبية، وبدأ اهتمام أوروبا بالإسلام بأوامر كنسية حتى يتم الحد من تقدم هذا الدين
وتنفير النصارى منه. وقد أوضح كل من ريتشارد سوذرنRichard
Southern ونورمان دانيال Norman Daniel حقيقة صورة
الإسلام والمسلمين في العقلية الأوروبية في القرون الوسطى. وقد كتب هشام جعيط حول عدد من الكتّاب
الأوروبيين من أمثال فولتير؛ حيث ذكر أن نظرته إلى الإسلام كانت مبنية على أنه
التطرف واللاإنسانية والتطلع إلى القوة([9]).
وأخذت أقسام دراسات
الشرق الأوسط والأدنى والدراسات الإقليمية والأقسام الأخرى التي تهتم بالعالم
الإسلامي -كأقسام الأديان، وعلم الاجتماع وعلم الإنسان- ترسخ هذه الصور النمطية
التي جاءت عبر القرون من القرون الوسطى الأوروبية، وبرع في نشرها مستشرقون كبار من
أمثال جولدزيهر المجري اليهودي، ومارجليوث، وهاملتون جيب، وبرنارد لويس، وغيرهم
كثير. ولئن قال البعض بانتهاء الاستشراق، فعليه فقط أن يزور هذه الأقسام، ويطلع
على فقرات المناهج التي يدرسها الأساتذة هناك، ثم ليزر المكتبات الجامعية التجارية
ليرى أن الكتب المنهجية لا تزال تهتم بهؤلاء المستشرقين وتدرس كتاباتهم؛ ففي جامعة
جورج تاون مازال كتاب (الدعوة إلى الإسلام) هو القراءة المطلوبة في أحد المناهج
وغيره كثير([10]).
ولا شك أن قروناً
عديدة من الكتابات حول الإسلام والمسلمين قد تركت في الذاكرة الجماعية الأوروبية
والأمريكية صوراً قبيحة جداً للعرب والإسلام. وقد جاء الإعلام المعاصر ليزيد الأمر
انتشاراً، ويستخدم الصورة والصوت والمؤثرات الدرامية لتأكيد هذه الصورة.
ولخطورة الإعلام أحب
أن أنقل ما قاله الرئيس علي عزت بيجوفيتش(رحمه الله تعالى)– وهذا ربما لا يعجب
الإعلاميين، وينبههم لخطورة مهمتهم. إننا إذا كنّا نخشى على الشعوب في الماضي من
ديكتاتورية الحكومات واستبدادها، فإننا نخشى عليهم في العصر الحاضر من استبداد
وسائل الإعلام، وبخـاصة التلفزيون ([11]).
وقد أكد علي بيجوفتش أن الدول الاستبدادية ليست بحاجة إلى قوات خاصة أو إرهاب من
نوع معين للسيطرة على الجماهيرP فإن علم نفس الجماهير- والتلفزيون أهم أدواته- يقوم بالمهمة أحسن
قيام، فهو يسيطر على الفكر والغرائز والشعور حتى إن الدولة المستبدة ما عليها إلاّ أن تقدم الرأي وتكرر عرضه
حتى يقتنع به الجمهور ويدافعوا عنه كأنهم أصحاب هذا الرأي([12]).
وتؤكد سهير بركات بأن
وظيفة الإعلام لا تنحصر في نشر الصور النمطية فحسب، بل كذلك بالقيام بتضخيمها
" بدرجة كبيرة، وبطبعها بقوة في أذهان المتلقين إلى الحد الذي يشعر فيه أنه
التقى فعلاً بالشخصيات التي تناولتها وسائل الإعلام([13]).
ومع هذه الدراسات
الأكاديمية القوية، فإنه يفيدنا أن نتذكر ما قاله الممثل المشهور مارلين براندو عن
هوليوود، وسيطرة اليهود عليها، وتشويه صورة الشعوب والأمم الأخرى –وأضيف حتى
الأمريكيين أنفسهم- وكيف قامت قيامة اليهود وهددوه بالويل والثبور حتى عاد نادماً
يطلب الصفح، ويعتذر كما اعتذر النابغة الذبياني في اعتذارياته المشهورة.
وفي العام الماضي وفي
أبريل عام 2000م عقد مؤتمر حول العلاقات العربية الأمريكية في عمّان بالأردن تناول
فيه عدد من الباحثين العرب والمسلمين والأمريكيين الصور النمطية، وبخاصة ما تقدمه
هوليوود على أنه صورة العرب النمطية (صدر في كتاب بتحرير سامي خصاونة 2001م). ومن
عناوين بحوث هذا المؤتمر على سبيل المثال: "صورة العربي في الكرتون السياسي
الأمريكي." و"صورة العربي في السيـنما الأمريكية" و" صورة
العرب في الإعلام الأمريكي:خطوة نحو التغيير أم مراعاة"، التي يقول في
مقدمتها: "لقد دأب الإعلام الأمريكي على ترسيخ صورة منمطة بشعة للإنسان
العربي تنعته دائماً بأبشع الأوصاف، فهو الغني والغبي، الإرهابي، خاطف الطائرات ،
العنيد، الضال، الوسخ، الطامع، المتمرد، الشره، القاسي، الكاذب، المولع بالنساء
وحب الشهوات وغير ذلك من الصفات غير المحمودة"([14]).
ويرى سالم المراياتي الباحث المسلم في مدينة لوس
أنجلوس في مقالة له بأن الحملة ضد الإسلام والمسلمين الآن في الولايات المتحدة
الأمريكية تذكر بالحملة التي ظهرت في ألمانيا النازية ضد اليهود، وتحمل ملامحها نفسها،
وهي كذلك الحملة نفسها التي ظهرت في أوروبا في القرن التاسع عشر حتى ألّف أحدهم
كتيباً بعـــنوان (انتصار اليهودية على الألمانية) ([15]).
ويمكننا أن نقول: إن الواقع الذي يعيش فيه العرب والمسلمون
يتحمل جزءاً من المسؤولية لبعض الصور النمطية التي تنتشر عنّا في الغرب؟ ولا بد أن
هذه الصور تطورت بابتعاد بعضهم عن الطريق التي رسمها لهم دينهم الإسلامي الحنيف؛
فقد أصيبوا -إلى حد كبير- بفساد في الأخلاق وانحراف في السلوك مما
جردهم من قوتهم ورباطة جأشهم، فسهل اقتلاعهم من مراكز القيادة، ومات فيهم المسلم
القوي القويم، الذي طالما دافع عن دينه، وجاهد في سبيل نشره في مختلف بقاع العالم،
فأصبحوا منبهرين بالعالَم الآخر الذي أخذ بزمام الأمور، فسيطر على الميادين
الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعلمية، وحكم على العرب والمسلمين بأن يكونوا
الموفّر للمواد الأولية التي يحتاجونها لصناعتهم، والمستهلك لمنتوجاتهم.
هل يمكن أن نكون نحن اليوم مثل الجيل الذي كان
يعيش في عز وكبرياء ومكانة عالمية؟ هل المواطن العربي المسلم الذي يختفي كما تختفي
الإبرة في كوم من القش مثل المسلم الذي كان على الأمة الإسلامية أن تفتديه ولو
استنفدت كل ما في بيت مال المسلمين من أموال؟ هل نحن الذي كنّا نعطي أهل الذمة عهد
الله سبحانه وتعالى وعهد رسوله مثل الذين لا يجدون حقوقاً أقل من حقوق أهل الذمة
في عهد ازدهار الأمة العربية الإسلامية؟
نعم، الإعلام الغربي
الذي تعلم من الاستشراق وما زال يتعلم، والذي تحركه أيدٍ معروفة بحقدها على
الإسلام والمسلمين لو وجدت أمة قوية تحارب من أجل قيمها ومبادئها وعقيدتها لما
فعلت ما فعلت. في الوقت الذي كان بعض العلماء والكتاب والصحفيين ينادون بمقاطعة
ديزني لاند كان مواطن عربي مسلم يوقع عقد ترجمة عدد من مجلات ديزني لاند إلى
العربية، ويفتخر بذلك، بل وتصوره بعض صحفنا يبتسم ابتسامة بلهاء!! ألا نستحق أن
نصور ببعض تلك الصور؟
إننا إن أردنا أن
تتغير تلك الصور النمطية يجب أن نركز على بناء شخصية عربية إسلامية مختلفة عن
الشخصية الحالية المستسلمة الخانعة الذليلة، التي لا يهمها إلاّ حاجاتها الأساسية.
[1] - الصورة النمطية للإسلام والعرب في الإعلام الغربي. (الرياض:
دار الدائرة للإعلام)1990
[2] - المرجع نفسه ص 9.
[3] -المرجع نفسه نقلاً عن Sang-Chul Lee. The American
Image of Relations with
[4] - المرجع نفسه نقلاً عن :University of Michigan Press, 1956)pp 5-6
K.
E.Boulding, The Image.(
[5]-المرجع نفسه
[6] - أحمد بن راشد بن سعيّد. قولبة الآخر: قصة التشويه الحضاري
والاغتيال الإعلامي للمسلم والعرب (أبوظبي: المؤلف، 2001م) ص 19 نقلاً عن
Dennis
Davis. Mass Communication and Everyday Life.(New York:1982)
[7] - المرجع نفسه ص 11
[8] -Edward
Said. Covering Islam. (
[9] - Hichem
Djait. Islam And The West. ( Berkeley (Ca)University of California Press, 1985) p
21-22
[10] - مازن مطبقاني "تقرير عن الرحلة إلى أمريكا". في موقع
مركز المدينة المنورة لدراسات وبحوث الاستشراق.
www.madinacenter.com
قسم المؤتمرات
[11] - علي عزت بيجوفتش. الإسلام بين الشرق والغرب.(آخن،والكويت:
مؤسسة بافاريا للنشر ومجلة النور الكويتية، 1414هـ/يناير 1994م. ص 108-9، وفي النص
الإنجليزي ص 55 ومعلومات الكتاب هي
Alija
Ali Izwtbegovic. Islam between East and West. (
[12] - المرجع نفسه
[13]- طاش، الصورة النمطية، مرجع سابق، ص 21 نقلاً عن سهير
بركات، مجلة العلوم الاجتماعية، الكويت، عدد 1(8) 1980 ، ص 103-120)
[14] -علي عبد المحسن رزق "صورة العرب في الإعلام الأمريكية: خطوة
نحو التغيير" في وقائع مؤتمر العلاقات العربية الأمريكية: نحو مستقبل
مشرق، تحرير سامي خصاونة، (عمّان: الجامعة الأردنية، 2001م) ص 283.
[15] -
تعليقات
إرسال تعليق