التخطي إلى المحتوى الرئيسي

إذا كنّا نريد أن ننهض...؟



        لله در الشابي رحمه الله حين قال: ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر.... وكم تساءلت هل نحن نريد أن ننهض حقيقة؟ ولا يتبادر إلى الذهن أنني أقصد أن نشيد البنايات الضخمة والمصانع العملاقة والطرقات الفسيحة والقصور المشيدة. فما هذه إلاّ بعض مظاهر للعمران والبناء وليست النهضة الحقيقية.
نريد نفوساً كبيرة تحب صعود الجبال ولا ترضى من الحياة أن تعيش وتشترك في الخصائص المعروفة مع الكائنات الحية حتى زعم زعيم عربي-القذافي-ذات يوم بقوله "إن العرب يعيشون حياة بيولوجية." وكأن سيادة الزعيم يعيش حياة مختلفة أو إنه ليس أحد أسباب هذه الحياة البيولوجية.
نريد نفوساً لا يحدها فضاء الأكل والشرب وبقية الخصائص التي تميز الكائن الحي سواء كان من ذوي الخلية الواحدة أو كائنات ملايين الخلايا. وما أعظم الآيات القرآنية التي نعت على الذين يعيشون حياة هامشية (نحيا ونموت وما يهلكنا إلاّ الدهر) بل يهلكهم خمولهم ونومهم ودعتهم وتخلفهم. يهلكهم أنهم لا يعرفون الحياة الحقيقية.
فما النهضة الحقيقية إذن؟ لقد كتبت الدكتورة عزيزة المانع في أحد مقالاتها عن بعض شروط النهوض فبدأت بشرط لا يراه الكثيرون مهماً أو خطيراً ألا وهو المحافظة على الكرامة البشرية. فهذا عنصر أساسي في نهوض الأمم. إن الذي يفتقد كرامته لا يمكن أن يبدع إنه يعمل كالعبد أو كالآلة. فالعبد يحسن بعض الأعمال مثل الحلب والصر (حبس اللبن في ضرع الشاه أو الناقة) حتى قال عنترة حينما طلب منه أن يكر فقال:" العبد لا يحسن الكر ولكن يحسن الحلب والصر"
وقد ذكروا أن اليونانيين أبدعوا النظام الديموقراطي ولكن أية ديموقراطية تلك التي كانت محرومة من قدرات وعقول أكثر من ثلثي الشعب حيث كان العبيد مستبعدين من الدخول إلى مجال السياسة بل هم للخدمة والتسلية.
ما الكرامة البشرية؟ هل هي شيء محسوس ملموس؟ أم هي أفكار مجردة تعيش في مخيلة فئة من الناس تحب الكلام والفلسفة؟ الكرامة البشرية شيء كبير وخطير إنه أهم من الأكسجين الذي يتنفسه الإنسان لقد بلغت المبالغة بالشاعر أن قال
لا تسقني كأس الحياة بذلة بل                 فاسقني بالعز كأس الحنظل

الكرامة أن يحس الإنسان أن حياته لها قيمة ومعنى. نعم هي أمر ينبع أساساً من نفس الإنسان فالذي لا يستشعر كرامته عليه أن لا ينتظر الآخرين أن يستشعروها.
ومهما قلنا عن مسؤولية الفردية عن تحقيق الكرامة والدفاع عنها فإننا يجب أن لا ننسى أن الإنسان يفقد كرامته أحياناً تدريجياً. وكما قالوا الوظيفة قيد، الوظيفة سجن، إن توظفت فلا تنتظر أن يكون لك كرامة حتى إن أحد الأمثلة الشعبية التي لا يليق ذكرها يصر على أنك في الوظيفة يجب أن تقبل كل ما يأتي من الرئيس.
إن الكرامة الإنسانية لم يحققها شيء كما حققها الإسلام ولذلك وجدنا كيف استعذب المستضعفون من المسلمين كل ألوان العذاب عندما وجدوا أن الإسلام قد حقق لهم الكرامة الإنسانية الحقيقية. إن من أشهر قصص التعذيب ما نال بلال بن رباح رضي الله عنه من إخراجه في شمس مكة الحارقة ورمضائها ووضع الصخور الكبيرة على بطنه وهو يئن تحت التعذيب فلا يزيد على قول (أحد أحد) فيزيد الكفار غيضاً وحنقاً.     
 إن الكرامة البشرية حينما حققها الإسلام لأتباعه ولمن دخل في ذمة المسلمين جعلت الجندي المسلم يدخل إلى كسرى فيريد أن يجلس معه على عرشه فلمّا أرادوا أن يبعدوه قال للحاكم الفارسي تلك القولة العميقة (التي دونها فلسفة الفلاسفة ومنمقات الحكماء):" كنّا نظنكم أولي أحلام تتساوون فيما بينكم فإذ بكم يستعبد بعضكم بعضاً، إننا لا نقبل مثل هذه العبودية إلاّ حينما كنّا في جاهلية وكان الرجل يقاتل الرجل فإن قدر عليه استعبده، أما بعد أن جاءنا الإسلام فقد تحققت لنا المساواة التي لا تعرفونها"
فإن أردنا أن ننهض حقاً فلنسع إلى تحقيق الكرامة الإنسانية.

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب منهج البحث التاريخي للدكتور د. حسن عثمان

الطبعة: الرابعة. الناشر: دار المعارف بالقاهرة (تاريخ بدون). عدد صفحات الكتاب: 219 صفحة من القطع المتوسط. إعداد: مازن صلاح المطبقاني في 6 ذو القعدة 1407هـ 2 يوليه 1987م بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة : يتحدث فيها المؤلف عن معنى التاريخ، وهل هو علم أم فن، ثم يوضح أهمية دراسة التاريخ وبعض صفات المؤرخ وملامح منهج البحث التاريخي. معنى التاريخ: يرى بعض الكتاب أن التاريخ يشمل على المعلومات التي يمكن معرفتها عن نشأة الكون بما يحويه من أجرام وكواكب ومنها الأرض، وما جرى على سطحها من حوادث الإنسان. ومثال على هذا ما فعله ويلز في كتابه "موجز تاريخ العالم". وهناك رأي آخر وهو أن التاريخ يقتصر على بحث واستقصاء حوادث الماضي، أي كل ما يتعلق بالإنسان منذ بدأ يترك آثاره على الصخر والأرض.       وكلمة تاريخ أو تأريخ وتوريخ تعنى في اللغة العربية الإعلام بالوقت، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته ودقته الذي ينتهي إليه زمنه، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة. وهو فن يبحث عن وقائع الزمن من ناحية التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحواله الم...

رسالة إلى الشيخ محمد الصالح رمضان واستشارة علمية

    أستاذي الجليل الشيخ محمد الصالح رمضان    حفظه الله ورعاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فهذه أول رسالة أكتبها إليكم بعد لقائنا الذي تم قبل أربع سنوات تقريباً حين كنت أجمع المادة العلمية لبحثي حول الدور الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين لقد أكرمني الله بإنجاز البحث وإهداء نسخة منه إليكم، وأرجو ان تكون قد نالت رضاكم فكم كان بودي أن أسمع وأيكم في ذلك العمل. أستاذي الكريم         لما وجدت أن ما لدينا من كتابات حول الجزائر قليلة بل نادرة، عزمت بعون الله أن أقدم ترجمة للشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في سلسلة أعلام المسلمين التي تنشرها دار القلم بدمشق. وكما تعلمون فالكتابات عن حياة ابين باديس رحمه الله كثيرة في الجزائر، ولكن شخصيته المتعددة الجوانب والثرية تشجع دائماً على الكتابة عنها.        أمّا سؤالي فهو: ما هي الجوانب التي ترون أنه لم يتطرق إليها البحث بصبوره موسعة؟ وما هي الإضافات التي يمكن أن نتحدث عنها؟ أرجو أن تحدثوني عن نشاطاته رحمه الله، وعلاقاته بأفراد المجتمع الجزائري ا...

حوار مع المستشرق برنارد لويس

               عندما شرعت في إعداد بحث الدكتوراه حول منهج المستشرق برنارد لويس كان لا بد من الإعداد للقائه، وقد زرته في مكتبه في جامعة برنستون التي كان قد تقاعد منها ولكنه كان يحتفظ بمكتب فخم كبير. وأجريت معه لقاءً مطولاً قدمت له فيه عدة أسئلة فأجاب عنها وسجلتها في آلة التسجيل ثم نسخت المادة وبعثتها إليه لتوثيقها. وتأخر كثيراً في توثيق الحوار وفي الأخير أرسل الحوار مطبوعاً كله ومعه رسالة اعتذار يبدي فيها أسفه للتأخر في الرد ولو لم أزعجه بالتعقيب لما اعتذر.        وفيما يأتي الأسئلة وإجابات لويس ثم تعليقي على الإجابات. وعلى الرغم من أنني ناقشت تلك الإجابات في طيات رسالتي للدكتوراه لكني هنا جمعت تلك التعليقات في مكان واحد. الأسئلة والإجابات:        لهذا الحوار قصة طريفة، فقد سبقه مراسلات بين الباحث والمستشرق، وقد اتسم رد لويس بالتردد والممانعة. كما إنه كال التهم جزافاً للباحثين والمؤرخين في دول العالم (غير الحر) من حيث عدم تمتعهم بما يتمتع به الباحثون في (العالم الحر) من حرية الرأي، وأن بح...