أُثيرت ضجة في القاهرة وفي الصحافة
العربية الدولية قبل أشهر حول قيام أستاذ في الجامعة الأمريكية في القاهرة بتكليف الطلاب بدراسة كتاب المستشرق الفرنسي
(والشيوعي سابقاً) ماكسيم رودنسون عن الرسول صلى الله عليه وسلم وفي الكتاب الكثير
من الطعن والتجني على سيرة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. ووصل أمر هذه الضجة إلى
وزارة التعليم العالي في مصر وقام مدير الجامعة بالاعتذار عن الأمر وإلغاء تكليف
الطلاب بقراءة الكتاب. وكنت قد كتبت حينها متسائلاً هل الأمر انتهى بمجرد إلغاء
قراءة هذا الكتاب؟ هل هذا هو الكتاب الوحيد السيئ الذي يقرؤه الطلاب في تلك
الجامعة؟ ما نوع الأساتذة الذين يلقون المحاضرات في هذه الجامعة أو الجامعات
الشبيهة؟
وقد دعوت في مقالتي تلك (المدينة
المنورة 26ربيع الأول 1419هـ) أن نوجه أنظارنا لدراسة أوضاع هذه الجامعات وذلك أن
خريجيها هم من أكثر الناس حظوة في الحصول على الوظائف. ومن المعروف أن لهؤلاء
الطلاب رابطة قوية تربطهم حيث تجدهم على صلة بعضهم ببعض حتى بعد التخرج ويقدم
بعضهم لبعض المساعدة حتى يصلوا إلى أعلى مراكز التوجيه في المجتمعات العربية
الإسلامية. والدليل على هذه الصلة ما نشرته جريدة الحياة (4رمضان
1419/22ديسمبر 1998م) عن الحفل الذي أقامته جمعية خريجي الجامعة الأمريكية ببيروت
التي تأسست عام 1923م لتكريم خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت في الفترة من 1925إلى
1963 وكذلك لتكريم خريجي سنوات أخرى مثل خريجي عام 1973 الذين مر على تخرجهم ربع
قرن.
ولا يقتصر هذا الأمر على خريجي الجامعة
الأمريكية فإن المؤسسات الغربية تحرص على أن يصل خريجوها إلى أعلى المناصب وقد عرف
هذا مثلاً عن خريجي كلية فيكتوريا فهؤلاء لهم رابطتهم الخاصة ويحرصون أن يكونوا
على صلة قوية بعضهم ببعض وقد قال أحد المشهورين عن هذه المدرسة أنها كانت أجمل سني
حياته تلك التي قضاها في فيكتوريا مع أنه كان محرم عليهم أن يتحدثوا باللغة
العربية، ولم يكن في المدرسة مكان لأداء الصلاة لولا التحاق بعض الطلاب السعوديين
في المدرسة في وقت مبكر في الأربعينيات من هذا القرن. وفي هذه المدرسة لُقّن
الطلاب أن الزعيم الذي حارب كل مظاهر الإسلام وألغى الخلافة وفرض كتابة اللغة
التركية بالأحرف اللاتينية وحرص على إخراج الكلمات العربية من اللغة التركية
بطريقة كارثية (كما سمّاها المستشرق اليهودي المتخصص في الدراسات التركية جيفري
لويس (الإصلاح الكارثة) أنه زعيم عظيم وأنه المؤسس الحقيقي لتركيا الحديثة وأنه أب
الأتراك؟
ونبهت في مقالتي تلك إلى أن مثل هذا هو
ما عناه الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله في كتابه الصراع الفكري وهو أن تثار ضجة حول كتاب واحد لنسكت عن الكل…. كما ظهر كتاب أو أكثر للدفاع عن ماكسيم رودنسون ليقول لنا إن
صاحب هذا الكتاب الذي أثرتم الضجة حوله هو إنسان حقيق بالاحترام والتقدير وقد اهتم
بقضايانا ودافع عنها. وظهور الكتاب في هذا الوقت ليس مصادفة ولكن حتى لا يستمر
الغضب ضد الاستشراق والاختراق الثقافي.
وهاهو الأستاذ عبد الله فراج الشريف
يكتب عن أستاذة الأدب العربي التي قررت دراسة كتاب الخبز الحافي لمؤلفه محمد شكري (المدينة المنورة ، 1ذو القعدة 1419هـ) هذا الأمر الذي أزعج عدداً
من طلاب وطالبات الجامعة مما جعلهم يتوجهون بالشكوى إلى المسؤولين لإيقاف تدريس
الكتاب أو تكليف الطلاب بقراءته لأن الكتاب عبارة عن مذكرات رجل فاسد خلقياً جمع
فيه كل أنواع القصص عن فسقه وفجوره والمحرمات التي ارتكبها منذ طفولته. فليس
الكتاب أدباً ولكنها إباحية وفساد وقلة أدب وذوق بالإضافة إلى أنه لا يملك الأسلوب
الأدبي في الكتابة غير سهولة السرد والتشويق الذي يصاحب عادة مثل هذه الحكايات.
أما هذه المسألة فيمكن أن ينظر إليها من
أكثر من زاوية وسأبدأ بالجانب المتفائل فقد مضى على تأسيس الجامعة الأمريكية
بالقاهرة ثمانون سنة (أسست عام 1919) وظلت بمنأى عن النقد بله الهجوم إلاّ قليلاً
وهاهي في السنة الأخيرة تتعرض للنقد في أكثر من قضية.
بدأت الحديث في الأسطر السابقة عن بعض
الجوانب الإيجابية فيما حدث في الجامعة الأمريكية في القاهرة فذكرت أنها لم تتعرض
لأي هجوم قوي منذ تأسيسها (فيما أعلم) ولكن كتابي رودنسون و محمد شكري أطلقا
الأقلام لمناقشة هذه الجامعة في توجهاتها. وثمة جانب إيجابي آخر وهو أن قناة
(اقرأ) الفضائية ستجري حواراً مع أحد أساتذة الجامعة وهو الدكتور جلال أمين وأشار
الخبر إلى أن أبرز محاور الحوار الذي يديره الدكتور محمد بركات اتهام الدكتور بأنه
مندوب الغرب في مصر (وما أكثر المندوبين
في العالم العربي الإسلامي؟) ويتناول الحوار أيضاً المعارك الفكرية التي خاضها
جلال أمين مع العديد من المثقفين العرب.(الاقتصادية 1ذو القعدة 1419هـ) فهل تحاور
القناة أيضاً الدكتور سعد الدين إبراهيم وهو المعروف بولائه للفكر الغربي ومحاربة
الاتجاهات الإسلامية في الجامعة وفي خارجها؟ وهل تحاور غيره من أساتذة الجامعة
وخريجيها؟ وهل تكون فرصة لهذه القناة الرائدة في الإعلام الهادف أن تعد تقارير
تلفزيونية عن مراكز الدراسات العربية والإسلامية في الغرب لنتعرف على هذه المعاقل
من الداخل؟
ومن الإيجابيات أيضاً في هذه القضية
أنها كشفت خبيئة البعض في دفاعه عما يزعمون أنه حرية الفكر وحرية الرأي بأن يسمح
للأساتذة أن يختاروا ما يشاؤون من الكتب.وتبلغ الجرأة بهذا الكاتب في الحياة أن
يعد غَيْرَة الطلاب على الخلق والدين وشاية يجب على الجامعة أن لا تستمع إليها.
وهو ما ذكره الأستاذ عبد الله فراج الشريف حين ذكر الدفاع الذي تولاه أحد كتّاب
جريدة الحياة. كما نتعرف من خلال ذلك على اتجاهات بعض الصحف التي تزعم لنفسها
الموضوعية والحيادية بينما هي عكس ذلك تماماً.
وثمة جانب آخر إيجابي في هذا الهجوم على
الإسلام وثوابته من بعض الأساتذة أو من خلال المناهج والمقررات التي تستبعد
الثقافة الإسلامية الأصيلة من ثقافة الطلاب الذين يتلقون الدراسة في الجامعات
الأمريكية في العالم العربي أن بعض الطلاب قد تستيقظ فطرهم وحماستهم لدينهم فيهبون
للدفاع عن الإسلام فيشرعون في دراسة الإسلام وقراءة القرآن الكريم. وقد تعرفت إلى
أستاذ فاضل درس في الجامعة الأمريكية في بيروت فأصبح من علماء التربية المرموقين
المعتزين بإسلامهم وإيمانهم. بل لم يقتصر الأمر على أستاذ واحد بل هناك العديد من
الأمثلة. ولكنها حالات استثنائية وكما يقال الاستثناء الذي يثبت القاعدة.
أما الجانب الآخر فهو أنني أتساءل هل
الذين ينفون وجود الغزو الفكري لا يدركون أن هذا الكتاب لمحمد شكري أو كتاب
رودنسون وعشرات الكتب المقررة للدراسة أو الاطلاع أو القراءة الإضافية إنما هي
أدوات للغزو الفكري؟ ولعل ما هو أخطر من الغزو الفكري أن يكون الأستاذ أو الأستاذة
نفسها من ضحايا الغزو الفكري والذين فقدوا اعتزازهم بالإسلام ومسلماته وثوابته.
وبعض هؤلاء الأساتذة على درجة عالية من الكفاءة العلمية والقدرة على اجتذاب الطلاب
والتأثير فيهم فيكونون أخطر ألف مرة من الكتب والمقررات والمناهج.
ومن المعروف عند أساتذة الجامعات وربما
المراحل التي قبل هذا أن هناك ما يسمى المنهج غير المكتوب الذي يلقيه الأستاذ على
تلاميذه. فحتى لو طلبنا من هذه الجامعات أن تعيد النظر في طريقة التدريس والمناهج
والخطط الدراسية فهل نستطيع أن نختار نحن الأساتذة الذين يدرّسون فيها؟ وليست الجامعة
كتب ومقررات فحسب. فهناك الندوات والمؤتمرات وحلقات البحث التي تعقد في رحاب
الجامعة كم منها يتسم بالعلمية والموضوعية؟
كما أن للجامعة دور آخر خطير وهو القيم
التي يتم نشرها والفكر والسلوك اللذان يتم غرسهما في نفوس الطلاب في هذه السنوات
التي تسمى سنوات التكوين ولا يكاد ينجو منها إلاّ القليل. فهناك الحفلات والسهرات
المختلطة وكذلك الرحلات التي تنظمها الجامعة لزيارة الدول الغربية.
حبذا لو عقدت ندوات وأجريت البحوث حول
هذه المراكز الاستشراقية ونشاطاتها وما قامت (وتقوم) بنشره من بحوث وكتب، وذلك من
خلال دعم قسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة وإنشاء أقسام جديدة. وحبذا
لو اهتم الدعاة بهذه الجامعات ووجهوا إليها نشاطهم فهؤلاء أبناؤنا لماذا لا نتوجه
إليهم بالحوار معهم وتوجيههم التوجيه الصحيح.
تعليقات
إرسال تعليق