الأربعاء، 19 يوليو، 2017

الأيام الأولى في عمّان


خرجت من الحدود وإجراءاتها إلى الطريق الضيق وكانت السرعة محددة ب100كم/ساعة ويمكن للسائق أن يتجاوزها فترات قصيرة يكون فيها بعيداً عن عيون الشرطة ، والطريق قاحل ماحل وأرض بلقع ليس فيها سوى شجيرات قليلة متفرقة هنا وهناك وأعشاب على الرغم من اعتدال الجو وربما كان السبب قلة الأمطار أو شحها ولو توفرت المياه لكان حياة وحضارة كما قال الحق سبحانه وتعالى (وجعلنا من الماء كل شيء حي)
ومضينا في طريقنا حتى اقتربنا من عمّان فزادت الخضرة وازداد العمران فكانت أولى الملاحظات كثرة صورة الملك وقلة اللوحات الإرشادية أو عدم كفايتها، فضعنا حوالي الساعة أو زيادة، وكانت الطريق خالية من الناس فصعب علينا أن نجد من نسأله. وأتذكر دائماً (والسؤال مذلّة ولو عن جادة الطريق) وبعد أن أرهقنا البحث أوقفت سيارة أجرة فسألته عن الطريق بل طلبت منه أن يقودنا إلى المكان الذي نريد وننقده الثمن، ولم يكن كبيراً فما تزال أجرة سيارات الأجرة معقولة في عمّان
وبعد جهد جهيد وصلنا إلى الشقة التي قام باستئجارها لنا ابن ابنة عمتي الدكتور باسم المجالي وهي في حي تلاع العلي الشرقية أو الرابية ومكونة من غرفتين والأجرة ستمائة وخمسين ديناراً على أن ندفع الكهرباء والماء والغاز. والشقة واسعة غير أن بعض أثاثها في حالة سيئة وغير نظيف وأخبرنا المالك ولم يفعل شيئاً سوى إحضار بعض القدور (الطناجر) والملاعق والسكاكين.
ما أن وضعنا الرحال حتى استسلمنا للنوم بعد يوم شاق إلى حد ما. وفي صبيحة اليوم التالي خرجت على الساعة السادسة صباحاً أبحث عن مقهى أزاول فيه هواية الكتابة، فلم أجد فالمنطقة لا تفتح مقاهيها قبل العاشرة صباحاً ولكن كان هناك بعض المحلات الصغيرة أو الأكشاك أو العربات تبيع القهوة وبعض الأطعمة فاشتريت فنجاناً من القهوة السادة (بدون سكر وبلا حليب بالطبع) وبدأت جولتي في المنطقة المحيطة حتى وصلت إلى البوابة الجنوبية للجامعة الأردنية وعرفت أن الشارع الرئيسي القريب من السكن هو شارع وصفى التل من دوار الواحة حتى دوّار الشميساني عند متجر السيفووي المشهور، ثم عدت إلى نقطة الانطلاق وجلست إلى مقعد على الرصيف تحت شجرة التقطت لها صورة للتذكار وبدأت أخربش.
وفي اليوم التالي ازددت شجاعة وجرأة فسرت في الطريق المؤدية إلى وسط المدينة حيث المسجد الحسيني ووسط عمان القديم، وكنت عقدت العزم أن أعود من الطريق نفسه ولكن ما إن وصلت إلى وسط المدينة حتى وجدتني في طرقات لا علاقة لها بالطريق الذي جئت منه، فكان لا بد من المغامرة لأعود إلى البيت قبل أن يستيقظ الأولاد وقد أحضرت الحليب والخبز والفول والحمّص. ونجحت في العودة دون مشقة كبيرة في السير سوى المشقة النفسية والفكرية والخوف من الضياع.ووسط عمّان لا يمكن الوصول إليها إلاّ بسيارة أجرة بسبب الازدحام أولاً وثانياً صعوبة وجود موقف للسيارة.
والنزول إلى وسط المدينة نزول فعلاً فعمان تقع على سبعة قمم كما أذكر
-جبل عمّان وجبل الحسين، وجبل الجوفة، وجبل المصدار، وجبل الهاشمي أو جبل خنيفسة (الاسم القديم) وجبل اللويبدة. وكما في عماّن جبال ففيها وديان بعضها سحيق يكاد بعضها يشبه وادي حنيفة ومن هذه الوديان: وادي عبدون و يمر إلى الشرق من منطقة عبدون، ووادي الملفوف ويـمر إلى الغرب من جبل عمّان، و وادي صقرة و يمتد بين جبلي عمّان و اللويبدة، ووادي الحدّادة و يمتد بين جبلي الحدّادة و القصور، ووادي الرمم ووادي السلط و يمتد بين جبلي اللويبدة و الحسين، ووادي ماركا يمتد إلى الجنوب من ماركا الجنوبية، ووادي الذراع و يمتد بين جبلي نزال و راس العين، ووادي المربط و يمتد بين الهاشمي الشمالي و الهاشمي الجنوبي.
عندما وقفت أمام أحد المتاجر الصغيرة لطلب القهوة فإذ بالشاب العامل فيه مصري وكذلك كان العمّال في المتاجر المجاورة كما أنني حين طلبت الطعام في أحد المطاعم المشهورة الشعبية (جبري) كان معظم العمال من مصر  ومن الطريف أنني سألت الشاب المصري هل تأكل المليحية (الوجبة الأكثر شهرة في الأردن وهي جزء من المنسف) فقال لا ولا أحبها. والعجيب أن كلمة المنسف مشتقة من نسف ينسف وهي مفردة قرآنية حيث يقول سبحانه وتعالى (يسألونك عن الجبال قل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعاً صفصفا لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا) فالشباب المصري يعمل في الأردن في المهن التي لا يقبل عليها الشباب الأردني أو حتى ما يطلق عليه المهن الوضيعة، فلماذا اضطر الشباب المصري إلى هذه الأعمال؟ هل لأن النظام المصري السابق البائد حرمهم من التعليم ومن فرص العمل فذهبوا في شتى بقاع الأرض يبحثون عن لقمة العيش وفي بلادهم يجري نهر النيل العظيم وفي بلادهم البترول والغاز.  ورحم الله الشيخ عبد الحميد كشك كم كان يردد قول الشاعر
عجبت لمصر تهضم الليثَ حقّه    وتُسرف للسنّور ويحك يا مصر
سلام على الدنيا سلام على الورى   إذا ارتفع العصور وانخفض النسر
أيعطى لزيد ما يشاء من المنى  ويُحرم حتى من ضروراته عمْرو؟
إذا العدل والإنصاف في الأرض لم يقم   فمن أين يأتي أهلها العز والنصرُ؟
وقد وجدت هذه الأبيات في مذكرات الشيخ العلاّمة يوسف القرضاوي فنقلتها هنا ولكن يبقى للشيخ كشك رحمه الله قصب السبق في الاستشهاد بهذه الأبيات.
وأعود إلى العمالة المصرية والسؤال لماذا يعزف الأردنيون عن هذه المهن المتواضعة وهو سؤال كبير يسأله الأردنيون باستمرار فهل ارتفعت تكاليف المعيشة (وهي مرتفعة لكثرة الضرائب عليه) حتى لم يعد يستطيع المواطن أن يعيش بكرامته لو عمل فيها، ولكن إن شكى الأردنيون من البطالة وكثرة الاستعانة بالعمالة الأجنبية أو العربية وجهت سهام الاتهام للشباب الأردني أنه غير جاد في العمل يكثر الغياب والأعذار وغير ذلك وهو أمر نعرفه في السعودية. فما حقيقة هذه الأمور وهل لدينا جهات علمية تبحث الأمر بحثا ً علمياً دقيقاً وتستخلص النتائج.
أنفقت اليوم الأول والثاني مع خديجة والأولاد في شراء مستلزمات البيت وكان أبرز ما استمتعنا بشرائه الفواكه الطازجة التي يختلف طعمها عن الفواكه التي نأكلها في السعودية حتى المحلية منها. ومن الفواكه التي اشتريناها: التين والعنب والمشمش والبطيخ وكعب الغزال والخوخ والتوت والدراق أو البرقوق (مع اختلاف في بعض الأسماء) وكثرة الفواكه تخالف ما علمني أبي رحمه الله حيث كان يقول نوعان من الفاكهة يكفي فإن زادت فهو إسراف، ولكن أبي لم يعش افتقاد الفاكهة الذي نعاني منه، وعن اختلاف الطعم قال لي شاب هندي أو باكستاني لقد أكلت الموز في بلادكم فلم أجد له طعماً.
وعمّان مثلها مثل غيرها من البلاد التي تطبق الاقتصاد الحر أو ما يسمّى الحر ففتحت الأبواب للشركات الأجنبية فغزاها كارفور وسيفوي وبعض أسواقها يحمل أسماء أجنبية مثل سي تاون وسيتي مول. ومن فتح أسواقها أنهم يشربون ماءً من صحراء الجزيرة العربية وأتتهم كوكاكولا فقوررت مياههم وباعتهم إياها وكذلك ببسي ولم يكتفوا بذلك فدخلت نستلة سوق المياه فعبأت المياه وشاركت أحد الينابيع الشهيرة قريباً من البترا. فلا حول ولا قوة إلاّ بالله وإني أعلم أولادي أن يتجنبوا هذه الشركات ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا . وقد وجدت شبيهاً لهذا الموقف من شاب بولندي لقيته في كراكوف قبل أعوام.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق