الخميس، 25 مايو 2017

الأم الوطن في منتدى جامعة الإمام

السؤال:
المرأة هي الوطن الأول لكل العالم ، لذلك ُتطلق عبارة (الوطن الأم) كناية على أن الأم هي الوطن الأول لكل مولود، ماذا تأمل من المرأة المسلمة ؟
الإجابة
كنت أستمع لمحاضرة للأستاذ عبد الحليم خفاجي صاحب كتاب حوار مع الشيوعيين في أقبية السجون، والداعية الإسلامي في ألمانيا منذ أكثر من عشرين سنة، وصاحب كتاب (المستقبل للإسلام في أوروبا) عن المرأة المسلمة، وذكر امرأة تدعى أم أحمد نذرت نفسها في عهد جمال عبد الناصر لرعاية أسر المسجونين في سجون عبد الناصر الذي زعموا لنا أنه الذي أعاد للأمة العربية كرامتها وأنه الذي رفع رأس العرب وأنه وأنه إلى ما نهاية من الألقاب. هذا الرجل الذي سجن عدداً كبيراً من خيرة المصريين لأنه قالوا ربنا الله بزعمه الباطل أنه كانوا يتآمرون عليه وعلى حكمه وأنه رجعيون متخلفون يريدون للإسلام أن يحكم حياة الشعب المصري. أم أحمد هذه كانت تقوم برعاية عشرات أو مئات أو حتى الألوف من الأسر المصرية في أثناء سجن عائل تلك الأسر. لقد كانت هذه الأسر معرضة للضياع والدمار والتشرد لولا أن الله عز وجل ساق إليهم أم أحمد. ولو كانت أم أحمد في شعب غير الشعب العربي لخلدوا قصتها بعشرات الأفلام والروايات والقصص. انظر إلى الغرب ما فعل بالأم (عندهم) تريزا ، لقد خلدوا اسمها حتى على فرش الأسنان التي نستعملها في العالم العربي حتى تجد هذه الفرش في كل المحلات وبأشكال كثيرة جداً وبنوعية ممتازة حتى لا يكاد يخلو بيت مسلم من تريزا.
تحدث الخفاجي عن أم أحمد واحدة وأنا على يقين أن هناك عشرات من النساء من كنّ مثل أم أحمد  وربما أكثر تضحية  وشهامة وكرم. وانظري إلى أن التاريخ لم يذكر اسمها ولا أين كانت تسكن، لقد قامت امرأة واحدة من الإخوان الذين دخلوا السجون بالعشرات ليجدوا اليوم هجوماً لم تعرفة فئة أو طائفة أخرى. هؤلاء الذين كانوا قد قدموا للشعب المصري والعربي والمسلم في كل مكان أنموذجاً رائعاً من التضحية. كم منهم من قتله الطاغية وكم منهم من مات تحت التعذيب. ليتنا نسمع بعض خطب الشيخ كشك عمّا كان يجري في تلك السجون. وليت تلك المحاضرات التي كان يلقيها الأستاذ محمد قطب في قاعة المحاضرات بجامعة الملك عبد العزيز دونت كتابياً لنعرف ما عانت الأسرة المصرية طوال عهد عبد الناصر وما تزال تعانيه إلى اليوم لأن الحكم العسكري لم ينتهي من مصر حتى اليوم.
المرأة المسلمة يا أختاه لم تغب عن الساحة الجهادية والساحة الدعوية والساحة الفكرية في العالم الإسلامي. لقد سئل جنرال فرنسي عن سبب هزيمة فرنسا في الجزائر، فقال المرأة الجزائرية. حين انشغل الرجال سبعة أعوام بأيامها ولياليها في قتال فرنسا ومعها الغرب كله من كان يرعى المقاتل الجزائري ومن كان يقوم بأدوار مباركة في المعركة مثل المرأة والطفل الجزائري. لئن ظهر فيلم أو فيلمين عن الثورة الجزائرية فإنها والحق يقال يجب أن يستمر الحديث عنها.
وللمرأة الفلسطينية مكانة بارزة في جهاد شعب فلسطين منذ الاحتلال وإلى اليوم. ولست هنا لأكتب تاريخا ً للمرأة المسلمة، ولكن لأقول إنني لم أفقد ثقتي بمكانة المرأة المسلمة لا في القديم ولا في الحديث، ودعك من الفضائيات وعشرات المغنين والمغنيات والسهرات الخليعة التي تبثها القنوات الفضائية الماجنة، فهذه فئة محدودة وإن كثر عددها لكن الخير كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم (الخير فيّ وفي أمتى إلى أن تقوم الساعة) ومهما طال أمد الفساد واستشرى فإن الأمة بخير وإلى خير. ولا أقول هذا حتى نستكين وننام بل أمام المرأة المسلمة عمل كبير وكثير ومهمة تحتاج إلى جهود ضخمة، وهي قادرة عليها.
أعجبني كلمة تقول (المرأة نصف المجتمع وتلد نصفه) فإذن كأن المرأة المجتمع كله. وقد أكد القرآن على مكانة المرأة حيث ضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون ومريم ابنة عمران. وانظري إلى الآية العظيمة (يا مريم إن الله اصطفاك وطَهَّرك واصطفاك على نساء العالمين) وخص النساء بعدد من السور ، سورة مريم وسورة النساء، وسورة الطلاق، وسورة التحريم. وكانت سورة النساء تتحدث في موضوع تلوكه الألسنة الجاهلة أو المتعصبة ضد الإسلام ألا وهو الميراث وكأن جعل سورة النساء لتوضيح تشريعات الميراث للرد العملي على ما للمرأة من مكانة.
المرأة يا سيدتي كانت من آخر ما تحدث به الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وفاته حين قال: (استوصوا بالنساء خيراً) ويكفي قوله صلى الله عليه وسلم (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) وتصف عائشة رضي الله عنها الرسول في بيته فتقول (كان صلى الله عليه وسلم في مهنة أهله....) وكم توقفت عند (في مهنة أهله) لم تقل كان يساعد أهله في أعمال المنزل.. وكان يمكن أن يكون هذا الأمر صحيحاً ولكن وصفها أعظم وأدق من بعض الأعمال المنزلية ، وحين تقول (في) وهذا في عرف اللغويين (الاستغراق).
لقد زرت مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورجتاون (اليسوعية) والذي ينال تبرعات سخية من العرب ومن أبناء المملكة بصفة خاصة فكان لي لقاء مع رئيسة المركز البروفيسورة باربرا ستوواسر. فقدمت لي نسخة من كتابها ( المرأة في القرآن والسنة والتقاليد أو التراث) فقلت لها أريد أن أعطيك صورتين من صور تعامل الإسلام مع المرأة قبل أن أقرأ كتابك، أما الصورة الأولى فهي: كان صلى الله عليه وسلم يُقبّل نساءه وهو صائم وهو أملك لِإرَبِه) وعلقتُ هذه قبلة في أثناء عبادة روحية تدل على المحبة والمودة والحنان والعاطفة الصادقة، وهي ليست مثل قُبل رجالكم للنساء في الشوارع والطرقات وفي السيارات وعند محطات القطار والباصات أو المطارات، التي تنم في الغالب عن الغريزة والشهوة، فأيهما أكثر احتراماً وتقديراً للمرأة؟ ما عندنا أو ما عندكم؟ أما الصورة الثانية فتقول السيدة عائشة رضي الله عنها أن أول شيء كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته أن يتسوك، يريد أن يكون بأبي هو وأمي في أطيب رائحة وأزكاها (ومن أطيب منه رائحة وأزكى) بينما رجالكم في الغرب يتسوكون بعد الاستيقاظ من النوم وبعد الطعام وقبل الخروج إلى موعد، فأيهما أكثر احتراماً وتقديراً للمرأة؟ فذهلت البروفيسورة ستواسر وسألت مرافقي: هل هذا الشخص من السعودية أو هل هو من المدينة المنورة حقاً؟
وبعد ذلك وجدت صوراً أخرى في جمال هذه الصورة وروعتها ومنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يخرج رأسه وهو معتكف في العشر الأواخر من رمضان فترجله السيدة عائشة رضي الله عنها.وأتعجب هل ترجيل الشعر هو المقصود أو الحديث والمؤانسة؟ وفي صورة أخرى تقول السيدة عائشة رضي الله عنها (طيّبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الطيب المطيب بأبي هو وأمي لإحرامه قبل إحرامه) فمنْ من النساء من تطيب زوجها اليوم؟ يمسك المسكين بقارورة البخاخ فيبخ على نفسه عدة بخات ويمضي.. وهل ترى المرأة زوجها طيب الرائحة وهل هو طيب الرائحة والروح فعلاً؟

على المرأة المسلمة دور كبير وما أجمل نصيحة تلك المرأة المسلمة التي قدمتها لابنتها قبل زواجها وحمّلتها المسؤولية الأولى عن نجاح البيت حين قالت (كوني له أرضاً يكن لك سماء، كوني له مهاداً يكن لك عمادا، كوني له أمة يصر لك على الفور عبداً) ولا أريد أن أكمل بقية النصيحة التي ليتنا نعلمها لبناتنا حين يتزوجن حتى لا يعدن بعد أيام. وليتنا نعلم أبناءنا كيف يكونون رجالاً حقاً يكرمون المرأة ويستوصون بها خيراً كما أمر سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق