الأربعاء، 24 مايو 2017

الموجة الاستعدائية في الغرب وأذنابه ضد الإسلام

        بسم الله الرحمن الرحيم


نحن والغرب نعيش في عصر تقاربت فيه المسافات حتى تكاد تتلاشى لما استحدث الغرب من وسائل اتصال عملاقة ، وإن هذا العصر إن أريد إطلاق اسم عليه فهو بحق عصر تفجر المعلومات. والجميل في الأمر أن هذه الثورة المعلوماتية متيسرة للجميع في الشرق والغرب والشمال والجنوب وإن كان حجم الإفادة منها واستخدامها يتفاوت بيننا وبين الغرب كثيراُ.
      ولهذا الأمر جوانبه الإيجابية والسلبية فمن إيجابياته على سبيل المثال أننا نستطيع استخدام وسائل التقنية الحديثة في الاتصالات في نقل وجهة نظرنا إلى العالم وتبصيره بالإسلام وقضاياه والرد على الحملات التي جعلت الإسلام هدفها.
        وأما سلبيات هذه الثورة المعلوماتية فهي أنها ما تزال في أيدي الدول الغربية تستخدمها في نشر الفكر والثقافة الغربيين . ففي الوقت الذي دخلت فيه الدول العربية الإسلامية مجال البث الفضائي نجد أن الاعتماد ما يزال إلى حد كبير على الإنتاج الغربي .وتقول الإحصائيات بأن أكثر من خمسين بالمئة من البث الفضائي تستورده هذه القنوات والقنوات العادية من الغرب ويأتي سبعين في المئة من هذه النسبة من الولايات المتحدة الأمريكية.
        وتتجلى هذه السيطرة في مجال تبادل الأخبار حيث تستأثر وكالات الأنباء الغربية بمعظم التبادل الإخباري ويسيطر الغرب على 80بالمئة من موجات الأثير وكذلك الأمر في مجال الصحافة وفي مجال الكتاب وغيره من مجالات التبادل الثقافي.
        إذا كانت هذه هي حقائق التدفق الإعلامي والفكري في العصر الحاضر الذي يستند إلى تاريخ طويل من المواجهة بين الشرق والغرب أو بتعبير أدق بين الإسلام والغرب النصراني فإن من المطلوب من الطرفين إذا أرادا تجاوز هذه المواجهة إلى الحوار أن يعترفا بحقيقة هذا التاريخ وهذا الواقع قبل الانتقال إلى مرحلة الحوار.
        عندما ظهر الإسلام وكان العالم موزعاً بين الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية لم يقبلا بالمنـافس الجديد كما تصوراه فتحركت جيوشهما للمواجهة ولكن كان المسلمون في ذلك الحين قد أدركوا أن انتظار هجوم العدو عليهم في عقر دارهم سيجعل الغلبة له لذلك تحركت جيوش الفتح الإسـلامي . وكانت بلا شك رحمة للعالم من الأنظمة التي كانت تحكمه عن طريق الاستبداد والظلم والطغيان مما جعل الشعوب التي كانت خاضعة لهاتين الإمبراطوريتين تقبل على الدخول في الإسلام وتقبل بحكم الدولة الإسلامية لما نشرته من العدل والحرية الحقيقية.
        ولكن الكنيسة الغربية أدركت أن عليها أن تتحرك لتمنع سقوط مزيد من الأراضي النصرانية فكان أن شجعت ترجمة معاني القرآن الكريم وتحريفه وشجعت كل ما من شأنه تنفير الشعوب النصرانية من الإسلام . وكانت الكنيسة تدرك أن معرفة النصارى بالإسلام سيفقدها سيطرتها لأنه ليس في الدين الإسلامي مؤسسة مماثلة للكنيسة التي كانت تستبد بأوروبا في النواحي  العقدية و السياسية والاقتصادية والثقافية .وكانت هذه بداية للدراسات الاستشراقية ولكنها لم تتحول إلى مجال معـرفي وعلم قائم بذاته له فروعه وتخصصاته المختلفة حتى القرن الثامن عشر حين أنشأ سلفستر دي ساسي ( مدرسة اللغات الشرقية الحية في باريس ) والتي أصبحت كعبة للمستشرقين من جميع أنحاء أوروبا.
    واستطاعت أوروبا منذ نهاية الحروب الصليبية وحتى بداية حملات الكشوف الجغرافية وما تلاها من حركة استعمارية أن تعود إلى البلاد الإسلامية بعد أن استطاعت أوروبا أن تبني نهضتها العلمية والثقافية والصناعية وهي في هذه الأثناء أبدعت نظريات فلسفية جعلتها هاديها ودليلها للسيطرة على الشعوب الأخرى وتتلخص هذه النظريات في نظريات التفوق العرقي أي تفوق الأجناس البيضاء على الشعوب الأخرى ، وابتدعوا فكرة أن من مهمات الرجل الأبيض تحضير بقية شعوب العالم.
     ولا شك أن جذور هذه النظريات تعود إلى عقدة وعقيدة أوروبية راسخة وهي عقدة النظرة الآحادية أو عقدة التفوق والتعصب. فالإمبراطورية اليونانية عندما احتلت البلاد الأخرى قامت بفرض اللغة اليونانية والثقافة اليونانية مما أطلقت عليه" أغرقة " الشعوب الأخرى ، وهو ما يطلق عليه  في العصر الحاضر " التغريب " بصفة عامة وإلاً فأن الفرنسيين وهم أشد الأوروربيين تمسكاً بفلسفة الأغرقة يطلقون على صبغهم مستعمراتهم واستمرار صبغ الدول التي كانت مستعمرة بالفرنسة.
        وورث الرومان الفلسفلة اليونانية ثم جاءت الدول الأوروبية القومية فقامت بحركات الاحتلال التي أطلقت عليها الاستعمار فسعت إلى محو اللغات المحلية ومحو الشخصية والهوية لهذه الدول بحجة تحضيرها ،وأطلقت على هذا الأمر التحديث وإن كان التحديث في معناه اللغوي ليس بالأمر السيئ وكذلك مصطلح التحديث بمعنى الإفادة من معطيات العصر ليس مرفوضاً لكن صبغ الشعوب بالصبغة الغربية الأوروبية أمر يرفضه المسلمون.
        والدليل على التعصب الأوروبي ما كتبه الدكتور محمد عمارة في كتابه ( الغزو الفكري وهم أم حقيقة ) من أن انتشار النصرانية في شمال أوروبا كان بقوة السلاح حيث خرجت جيوش الدولة الـرومانية تجتاح الشعوب المتبربرة الشمالية لنشر النصرانية، كذلك ما حدث في مجمع نيقية عام 325 ميلادية من إقرار أربعة أناجيل واعتبار الأناجيل الأخرى باطلة أو مزيفة وهو قرار اتخذ بقوة السلطة الرومانية. وقد بلغات هيمنة السلطة الرومانية على العقيدة النصرانية ان قال المستشرق المشهور مونتجمري وات في آخر كتبه ( حقيقة الدين في عصرنا) أن النصرانية تأورمت أكثر مما تنصرت الإمبراطورية الرمانية. ويؤكد هذا التعصب الأوروبي الحروب الدينية التي قامت بعد ظهور حركة مارتن لوثر وزيفنغلي وكالفن وغيرهم حيث استمرت هذه الحروب عشرات السنين . وعرفت أوروبا ما أطلق عليه ( محاكم التفتيش ) التي استخدمتها اسبانيا في اضطهاد المسلمين .
    وهكذا فإن أوروبا منذ بدأت حملات الاحتلال وهي تحاول فرض مبادئها وقيمها على الشعوب الأخرى حتى وصلت إلى استخدام هيئة الأمم المتحدة في ذلك في منظماتها المختلفة وتجلى ذلك واضحاً في المؤتمرات العالمية الأخيرة ومنها: مؤتمر السكان والتنمية الذي عقد في القاهرة في سبتمبر 1994 ومؤتمر التنمية الاجتماعية في كوبنهاجن ثم أخيراً وليس آخراً مؤتمر المرأة العالمي الرابع في الصين في سبتمبر 1995.  
        وكان من اخطر الوسائل التي اتخذها الاستعمار بالتعاون مع التنصير إنشاء المدارس في البلاد المستعمرة وفرض النظم الغربية في مجال التعليم بحث تم تقسيم التعليم إلى تعليم ديني وتعليم علماني مادي. وشارك في هذه الجهود التنصير بمدارسه المختلفة وكلياته وجامعاته. وحصل الغرب على الفرصة لفرض التغريب عن طريق البعثات العلمية إلى ديار الغرب فاستطاعوا أن يجتالوا عدداً من هؤلاء المبتعثين عقدياً وفكرياً وأخلاقياً.
        وقد حرص الاستعمار الغربي بعد رحيله عن البلاد العربية الإسلامية أن يترك فيها السيطرة للتوجه العلماني المادي الغربي ومكّن لهم ، وهذا ما وصفه الأستاذ محمد قطب بقوله " خرج المستعمر الأبيض وترك خلفه المستعمر الأسمر".
        ولكن أمة الإسلام في خير دائماً وإلى خير فنهضت الشعوب الإسلامية تطالب بالعودة إلى الشريعـة الإسلامية لتحكم حياتها في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتعليم وفي جميع شؤون الحياة. وكانت هذه الحركات قد بدأت بذورها قبل رحيل الاستعمار فحاربها المحتل الأوروبي بشتى الوسائل. وتسلم الزمام بعد رحيل الاستعمار حكومات جربت النظم الغربية والشرقية في الحكم فكان للاشتراكية والشيوعية والنظم الرأسمالية مكانها في حياة الأمة الإسلامية ولما ثبت فشل هذه النظم جميعاً في تحقيق النهضة الحقيقية للبلاد الإسلامية نهضت الحركات الإسلامية من جديد وهذه تركيـا التي بذل فيها مصطفى كمال وأنصاره من دعاة العلمانية و التغرب كل جهودهم لربط تركيـا   بأوروبا حتى إنني ما زلت أذكر أن مرشداً سياحياً كان يشرح أمراً على خريطة تركيا فقال " نحن  الدولة الرابعة في أوروبا من حيث المساحة." فتعجبت من ربطه تركيا بأوروبا ولكن هاهي تركيا يفوز فيها حزب الرفاه الإسلامي بأعلى نسبة من المقاعد في البرلمان التركي .
        واعتقد الغرب خطأً أن الصحوة الإسلامية تهدد مصالحه في المنطقة فانبرى يحاربها من هذا المنطلق ومن المنطلق العقدي التعصبي الذي أشرنا إليه آنفاً. فكان من وسائل الحرب أن تخصص منه عدد من الباحثين لدراسة الصحوة الإسلامية دراسة عميقة فعقدوا المؤتمرات والندوات لدراسة هذه الصحـوة. وأصدروا الكتب والدراسات والبحوث . واستخدم الغربيون  في دراساتهم هذه كثيراً من  رموز العلمانية في العالم العربي الإسلامي. وكان الخطأ هنا في أنهم قبلوا من أعداء الصحوة الإسلامية أو من تلاميذ الغرب المتغربين أن يقدموا لهم المعلومات عن هذه الاتجاهات التي يعادونها مثلهم.
        وأخذت الحرب ضد الحركات الإسلامية شتى الوسائل ومنها حرب النعوت والألقاب. ولا يظن ظان أن هذا أسلوب جديد ابتدعه الغرب فقد فعل الكفار والمشركون مثلهم مع جميع الرسل والأنبيـاء ومن ذلك نعت الأنبياء بالجنون وأنهم الأراذل وأنهم سحرة وغير ذلك من الألقاب والنعوت . أما في العصر الحاضر فمن هذه النعوت التي أطلقت على الحركات الإسلامية أو التوجه الإسـلامي أو النهضة الإسلامية : التطرف ، والتشدد ، والحركات المسلحة، والإرهاب والأصولية. وقد كتب الدكتور سعيد بن عبد الله سلمان من كلية عجمان التقنية بحثاً بهذا الخصوص أوضح أن "الأصولية" مثلاً التي ينعتون بها الحركات الإسلامية إنما هي حركة يهودية ونصرانية ( مجلة الباحث عدد 60، تشرين أول 1993) وفند حججهم في هذه الحرب الظالمة .وقد اشترك في هذه الحرب معظم المجلات الغربية حتى التي تزعم لنفسها الابتعاد عن الموضوعات الجدلية مثل مجلة ( المختار) Readers Digest .
        ويزعم الغرب أن الحركات الإسلامية تعادي الغرب وتعادي النهضة والتحديث( مر معنا القصد من التحديث) ومما يدحض هذه الفرية الواقع التاريخي للأمة الإسلامية التي لم تنهض إلاّ حينما كـانت متمسكة بالإسلام حتى إن الملك جورج الرابع بعث أبناءه وأبناء إخوته إلى الأندلس ليـدرسوا في المعاهد الإسلامية وذيّل خطابه إلى الحليفة المسلم  بعبارة ( خادمكم المطيع). ويدحضها ما في القرآن الكريم من إشارة إلى أن الإنسان مستخلف في الأرض لعمارتها ، وقد أوردت آيات  القرآن الكريم الكثير من الصور للحضارة والمدينة . ومما يشجع على العلم والتفكر أن عبارات ( تعقلون ويعقلون وتتفكروا ...تؤكد بوضوح على أن الإسلام دين العلم والفكر حتى إن الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله أصدر كتاباً بعنوان ( التفكير فريضة إسلامية) .
        هذه الموجة الاستعدائية للإسلام والمسلمين ليست قاصرة على الحركات الإسلامية بل تطول الشأن الإسلامي كله وقد كتب الأستاذ محمد صلاح الدين - وهو من الكتاب الإسلاميين المرموقـين _ في جريدة " المدينة المنورة" (عدد 11986،في 9رمضان 1416) يشير إلى موقف رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية المسيو فيليب ساجان من الحجاب الإسلامي وتشبيهه بعادة حمل الصليب الذهبي فكان مما كتبه الأستاذ محمد صلاح الدين :" هذا تفكير غريب دون شك ومنطق أغرب ،فأنت تمنع تقليداً موجوداً ويمارس منذ زمن على نطاق واسع لمجرد منع تقاليد أخرى لا وجود لها من الظهور. وهذا تصرف انتقائي واستعدائي لا يدفع إليه غير التحيز والتمييز." وأشار الكاتب في مقالته إلى موقف بريطانيا من عزم مؤتمر وزراء العدل الأوروبيين على إصدار قانون أروبي ضد التمييز وطـالبت  بريطانيا في وثيقة سرية ألاّ يتضمن القانون أي مادة تدعو إلى منع الإهانة أو إشاعة الحقد أو التمـييز على أسس دينية. وأشار الأستاذ محمد صلاح الدين إلى أن الدوافع خلف هذه المذكرة هو الخوف من تعرض سلمان رشدي للمحاكمة على هذا الأساس. وتساءل الأستاذ محمد صلاح الدين عن الدوافع البريطانية لهذا الموقف بقوله:" هل هو الحب المفرط لسلمان رشدي الذي يدفع بريطانيـا لمعاداة الإسلام وشعوبه بمعارضة توفير حماية قانونية أوروبية ضد التمييز والإهانة على أساس الدين أم هو ضعف وهوان المسلمين؟"
        وكتب الأستاذ محمد صلاح الدين أيضاً مقالة رائعة حول قضية المسلمين في اليونان وفي تراقيا وحول الخلاف بين تركيا واليونان على جزيرة صخرية في بحر إيجه ووقوف اللجنة الأوروبية في صـف اليونان دون دراسة حقيقية للموقف سوى أن اليونان عضو في الاتحاد الأوروبي بينما تركيا دولة مسلمة. وكان مما كتبه :" إن ما حدث ويحدث للمسلمين الأوروبيين سواءً كانوا سلافيين أو أتراكاً أو يونانيين هو شهادة دامية مؤسفة على إخفاق الحضارة الغربية الأخلاقي المروع، وازدواجيـة معاييرها وسلوكها ، كما إنه شاهد على ضعف الأمة وهوانها على نفسها وعلى الناس." كما أوضح الأستاذ محمد صلاح الدين الجهود التي بذلها اليونانيون والقبارصة اليونانيون أيضاً في دعم الصرب في حربهم الوحشية ضد المسلمين في البوسنة حتى إن الكنيسة الأرثوذكسية فرضت ضريبة تقتطع من رواتب القبارصة اليونانيين لدعم الصرب.( المدينة المنورة عدد 12006في 29رمضان 1416)
        ولا يكتمل الحديث عن هذه المواجهة دون الإلمام بالجانب الإيجابي الذي يتزعمه بعض المفكرين والساسة الغربيين ــ وإن كانوا يسبحون ضد التيارــ فقد ظهر الأمير تشارلز أمير ويلز وولي العهد البريطاني في محاضرة عامة في مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية قبل عامين تقريباً ليطالب الغرب بالتوقف عن الحملات الظالمة ضد الإسلام وطالب بمحاولة فهم الدين الإسلامي فهماًَ صحيحاً ، وأشار إلى فضل الحضارة الإسلامية على الغرب. وكان موقف الرئيس الألماني من تقديم جائزة السلام للباحثة الألمانية آنا ماري شميل موقفاً إيجابياً. وفي الباحثين الأمريكيين وغيرهم من الأوروبيـين من له كتابات جميلة عن الإسلام ومن هؤلاء على سبيل المثال البرفسور جون اسبوزيتو. وهناك أيضا من الباحثين الغربيين المعاصرين من لم يتأثر بالعداء التقليدي للإسلام في الغرب.
        ويطيب لي أن أستشهد بما كتبه الأستاذ عبد الحليم خفاجي في كتابه (مستقبل الإسلام في أوروبا) بان الإسلام سيشهد مستقبلاً مشرقاً في أوروبا وذلك لما توفره وسائل الاتصال وكذلك الأنظمة العلمانية التي تكفل حرية التدين لجميع رعاياها .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق