التخطي إلى المحتوى الرئيسي

النهضة في القرآن الكريم


      من الناس من يقرأ القرآن الكريم فلا يفهم نصوصه الاّ فهما ظاهرياً فيكون هذا الفهم متعثراً. ولكن الله عز وجل يهب من يشاء من عباده عقلاً واعيا وفهما عميقا وإدراكاً . ومن هؤلاء الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله تعالى (1307 -1358)(1889-1940م) وقد أمضى الشيخ عبد الحميد من عمره أكثر من عشرين سنة يفسر آيات الكتاب الحكيم، ثم ينشر بعض هذه الدروس في مجلة الشهاب الجزائرية.
     وكان الشيخ ابن باديس رحمه الله يعيش تحت الاحتلال الفرنسي الذي يحارب العلماء المسلمين ويراقبهم بدقة، ولكن الشيح استطاع بفطنته وذكائه أن يفلت من هذه المراقبة ويتحدث في موضوعات لا ترضى عنها إدارة الاحتلال، ومن هذه الموضوعات الإسلام والنهضة.
     وتأتي أهمية الحديث عن النهضة أن الاستعمار وأعوانه من المستشرقين وتلاميذهم كانوا يروجون أن الإسلام هو سبب تأخر الأمة الإسلامية، لذلك توقف ابن باديس عند بعض الآيات القرآنية الكريمة ليستنبط دعوة القرآن الكريم للنهضة. ومن هذه الآيات قول الله عز  وجل{أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين ، فاتقوا الله وأطيعون}
   وتحدث الشيخ عن هذه الآية قائلاً:" والآية على كل حال بناء عظيم يدل على عظمتهم وقوتهم وما زالت عظمة البناء تدل على عظمة الباني، ولم ينكر عليهم نبيّهم نفس البناء الذي هو مظهر القوة، وإنما أنكر عليهم الغاية المقصودة لهم من ذلك البناء الشامخ فمحط الإنكار قوله{تعبثون} ولا شك أن كل بناء شامخ لا يكون لغاية شريفة محمودة فهو عبث ولهو باطل .
     وكان لابن باديس وقفة أخرى مع كلمة {مصانع} يقول فيها:" والذي أفهمه ولا أعدل عنه هو أن المصانع جمع مصنع من الصنع كالمعامل من العمل، وأنها مصانع حقيقية للأدوات التي تستلزمها الحضارة ويقتضيها العمران. وهل كثير على أمة توصف بما وصفت فيه في الآية أن تكون لها مصانع بمعناها العرفي عندنا؟ بلى وإن المصانع لأول لازم من لوازم العمران و أول نتيجة من نتائجه."
         وليست المصانع للفخر بها ولكن لا بد لها من أهداف فهي أحيانا تشيّد على القسوة كما يقول بن باديس" والقسوة لا تحمد في مبدأ ولا غاية" وقال عن المصانع في أوروبا: "وأي عاقل يرتاب في أن المصانع اليوم هي أدوات عذاب لا رحمة ووسائل تدمير لا تعمير ، فهل يحمدها على عمومها ..ومن محامد المصانع أن تشاد لنفع البشر ورحمتهم، ومن لوازم ذلك أن تراعى فيها حقوق العامل على أساس أنه إنسان لا آلة."
العرب كان لهم نهضة:
     ولا شك أن الذي يقرأ آيات القرآن الكريم بتمعن وتدبر يجد أن القرآن الكريم ذكر بعض الشعوب العربية في الجزيرة العربية وما كانوا عليه من حضارة ورقي وعمران، وكل ذلك لشحذ الهمم للبناء والتعمير. وكذلك نجد القرآن الكريم يوجه الأنظار إلى السير في الأرض والبحث عن تاريخ الأمم السابقة. ومن الحديث عن الأمم السابقة قول الله عز وجل:{إرَمَ ذاتِ العِماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الأوتاد} فقال ابن باديس:" ومدنية هذه أوصافها لا تشيدها إلاّ أمة لا نظير لها في القوة وآثار الحضارة ..ولو ائتمرت الأمم الإسلامية بأمر القرآن الكريم لنشأ فيها رواد يرودون الجزيرة ويجوبون مجاهلها، ولو فعلوا لأمكن أن يعثروا على آثار هذه المدنية أرض عاد وهي معروفة ويجمعون بين الرؤية البصرية والرؤية العلمية، وبين العلم والاتعاظ."

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب منهج البحث التاريخي للدكتور د. حسن عثمان

الطبعة: الرابعة. الناشر: دار المعارف بالقاهرة (تاريخ بدون). عدد صفحات الكتاب: 219 صفحة من القطع المتوسط. إعداد: مازن صلاح المطبقاني في 6 ذو القعدة 1407هـ 2 يوليه 1987م بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة : يتحدث فيها المؤلف عن معنى التاريخ، وهل هو علم أم فن، ثم يوضح أهمية دراسة التاريخ وبعض صفات المؤرخ وملامح منهج البحث التاريخي. معنى التاريخ: يرى بعض الكتاب أن التاريخ يشمل على المعلومات التي يمكن معرفتها عن نشأة الكون بما يحويه من أجرام وكواكب ومنها الأرض، وما جرى على سطحها من حوادث الإنسان. ومثال على هذا ما فعله ويلز في كتابه "موجز تاريخ العالم". وهناك رأي آخر وهو أن التاريخ يقتصر على بحث واستقصاء حوادث الماضي، أي كل ما يتعلق بالإنسان منذ بدأ يترك آثاره على الصخر والأرض.       وكلمة تاريخ أو تأريخ وتوريخ تعنى في اللغة العربية الإعلام بالوقت، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته ودقته الذي ينتهي إليه زمنه، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة. وهو فن يبحث عن وقائع الزمن من ناحية التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحواله الم...

رسالة إلى الشيخ محمد الصالح رمضان واستشارة علمية

    أستاذي الجليل الشيخ محمد الصالح رمضان    حفظه الله ورعاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فهذه أول رسالة أكتبها إليكم بعد لقائنا الذي تم قبل أربع سنوات تقريباً حين كنت أجمع المادة العلمية لبحثي حول الدور الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين لقد أكرمني الله بإنجاز البحث وإهداء نسخة منه إليكم، وأرجو ان تكون قد نالت رضاكم فكم كان بودي أن أسمع وأيكم في ذلك العمل. أستاذي الكريم         لما وجدت أن ما لدينا من كتابات حول الجزائر قليلة بل نادرة، عزمت بعون الله أن أقدم ترجمة للشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في سلسلة أعلام المسلمين التي تنشرها دار القلم بدمشق. وكما تعلمون فالكتابات عن حياة ابين باديس رحمه الله كثيرة في الجزائر، ولكن شخصيته المتعددة الجوانب والثرية تشجع دائماً على الكتابة عنها.        أمّا سؤالي فهو: ما هي الجوانب التي ترون أنه لم يتطرق إليها البحث بصبوره موسعة؟ وما هي الإضافات التي يمكن أن نتحدث عنها؟ أرجو أن تحدثوني عن نشاطاته رحمه الله، وعلاقاته بأفراد المجتمع الجزائري ا...

حوار مع المستشرق برنارد لويس

               عندما شرعت في إعداد بحث الدكتوراه حول منهج المستشرق برنارد لويس كان لا بد من الإعداد للقائه، وقد زرته في مكتبه في جامعة برنستون التي كان قد تقاعد منها ولكنه كان يحتفظ بمكتب فخم كبير. وأجريت معه لقاءً مطولاً قدمت له فيه عدة أسئلة فأجاب عنها وسجلتها في آلة التسجيل ثم نسخت المادة وبعثتها إليه لتوثيقها. وتأخر كثيراً في توثيق الحوار وفي الأخير أرسل الحوار مطبوعاً كله ومعه رسالة اعتذار يبدي فيها أسفه للتأخر في الرد ولو لم أزعجه بالتعقيب لما اعتذر.        وفيما يأتي الأسئلة وإجابات لويس ثم تعليقي على الإجابات. وعلى الرغم من أنني ناقشت تلك الإجابات في طيات رسالتي للدكتوراه لكني هنا جمعت تلك التعليقات في مكان واحد. الأسئلة والإجابات:        لهذا الحوار قصة طريفة، فقد سبقه مراسلات بين الباحث والمستشرق، وقد اتسم رد لويس بالتردد والممانعة. كما إنه كال التهم جزافاً للباحثين والمؤرخين في دول العالم (غير الحر) من حيث عدم تمتعهم بما يتمتع به الباحثون في (العالم الحر) من حرية الرأي، وأن بح...