الجمعة، 26 مايو، 2017

النهضة في القرآن الكريم


      من الناس من يقرأ القرآن الكريم فلا يفهم نصوصه الاّ فهما ظاهرياً فيكون هذا الفهم متعثراً. ولكن الله عز وجل يهب من يشاء من عباده عقلاً واعيا وفهما عميقا وإدراكاً . ومن هؤلاء الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله تعالى (1307 -1358)(1889-1940م) وقد أمضى الشيخ عبد الحميد من عمره أكثر من عشرين سنة يفسر آيات الكتاب الحكيم ، ثم ينشر بعض هذه الدروس في مجلة الشهاب الجزائرية.
     وكان الشيخ ابن باديس رحمه الله يعيش تحت الاحتلال الجزائري الذي يحارب العلماء المسلمين ويراقبهم بدقة ، ولكن الشيح استطاع بفطنته وذكائه أن يفلت من هذه المراقبة ويتحدث في موضوعات لا ترضى عنه إدارة الاحتلال ، ومن هذه الموضوعات الإسلام والنهضة.
     وتأتي أهمية الحديث عن النهضة أن الاستعمار وأعوانه من المستشرقين وتلاميذهم كانوا يروجون أن الإسلام هو سبب تأخر الأمة الإسلامية ، لذلك توقف ابن باديس عند بعض الآيات القرآنية الكريمة ليستنبط دعوة القرآن الكريم للنهضة . ومن هذه الآيات قول الله عز  وجل{أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين ، فاتقوا الله وأطيعون}
   وتحدث الشيخ عن هذه الآية قائلاً:" والآية على كل حال بناء عظيم يدل على عظمتهم وقوتهم وما زالت عظمة البناء تدل على عظمة الباني ، ولم ينكر عليهم نبيّهم نفس البناء الذي هو مظهر القوة ، وإنما أنكر عليهم الغاية المقصودة لهم من ذلك البناء الشامخ فمحط الإنكار قوله{تعبثون} ولا شك أن كل بناء شامخ لا يكون لغاية شريفة محمودة فهو عبث ولهو باطل .
     وكان لابن باديس وقفة أخرى مع كلمة {مصانع} يقول فيها:" والذي أفهمه ولا أعدل عنه هو أن المصانع جمع مصنع من الصنع كالمعامل من العمل، وأنها مصانع حقيقية للأدوات التي تستلزمها الحضارة ويقتضيها العمران. وهل كثير على أمة توصف بما وصفت فيه في الآية أن تكون لها مصانع بمعناها العرفي عندنا؟ بلى وإن المصانع لأول لازم من لوازم العمران و أول نتيجة من نتائجه."
         وليست المصانع للفخر بها ولكن لا بد لها من أهداف فهي أحيانا تشيّد على القسوة كما يقول بن باديس" والقسوة لا تحمد في مبدأ ولا رعاية" وقال عن المصانع في أوروبا :" وأي عاقل يرتاب في أن المصانع اليوم هي أدوات عذاب لا رحمة ووسائل تدمير لا تعمير ، فهل يحمدها على عمومها ...ومن محامد المصانع أن تشاد لنفع البشر ورحمتهم ، ومن لوازم ذلك أن تراعى فيها حقوق العامل على أساس أنه إنسان لا آلة."


العرب كان لهم نهضة:

     ولا شك أن الذي يقرأ آيات القرآن الكريم بتمعن وتدبر يجد أن القرآن الكريم ذكر بعض الشعوب العربية في الجزيرة العربية وما كانوا عليه من حضارة ورقي وعمران ، وكل ذلك لشحذ الهمم للبناء والتعمير . وكذلك نجد القرآن الكريم يوجه الأنظار إلى السير في الأرض والبحث عن تاريخ الأمم السابقة. ومن الحديث عن الأمم السابقة قول الله عز وجل:{ إرَمَ ذاتِ العِماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الأوتاد} فقال ابن باديس :" ومدنية هذه أوصافها لا تشيدها إلاّ أمة لا نظير لها في القوة وآثار الحضارة ... ولو ائتمرت الأمم الإسلامية بأمر القرآن الكريم لنشأ فيها رواد يرودون الجزيرة ويجوبون مجاهلها ، ولو فعلوا لأمكن أن يعثروا على آثار هذه المدنية أرض عاد وهي معروفة ويجمعون بين الرؤية البصرية والرؤية العلمية، وبين العلم والاتعاظ."

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق