الأربعاء، 31 مايو 2017

الأمن الوظيفي في الإسلام

                                بسم الله الرحمن الرحيم
                                   
     إن اهتمامي بالمقارنة بين النظم الإسلامية والنظم الغربية في أثناء قيامي بتدريس مادة (مدخل إلى النظم الإسلامية) بكلية الدعوة بالمدينة المنورة (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) قادني إلى محاولة التعرف على النظم الغربية وأوضاع تلك المجتمعات ولا سيما أن الغرب حريص على أن تنتشر نـظمه في العالم فهو يرى أن الديموقراطية هي أفضل نظام توصل إليه البشر حتى الآن ولا بد للشعوب أن تأخذ بهذا النظام وأصبح الغرب يعد الأخذ بهذه الديموقراطية معياراً للتقدم والتأخر. وهذا ما قصده ميشال فوكوياما في كتابه عن نهاية التاريخ.
       ولما طُلِبَ إليّ أن أكتب لمجلة ( الأمن والحياة) تـذكرت أنني قرأت مقالة الدكتور سالم سحاب بعنوان ( الرأسماليون " القتلة " والأثرياء البررة) ( المدينة المنورة في 8ذي القعدة 1416) حيث تحدث الكاتب عن مقالة نشرت في مجلة نيوزويك الأمريكيةNewsweek  (فبراير 1996م) ذكرت فيه أن عدداً من الشركات الكبرى الأمريكية قامت بإرغام مئات الألوف من الموظفين في عدد من الشركات الأمريكية الكبرى على ترك وظائفهم لأسباب ليست وجيهة في الوقت الذي كان من الممكن الإبقاء على هؤلاء في وظائفهم أن تدريبهم للقيام بأعمال أخرى . وشبّهت المقالة الفصل من الوظيفة بالقتل.
       ولعل سائل يتساءل ما المقصود بالأمن الوظيفي؟ هل يعني هذا الحصول على الوظيفة؟ أو يعني الاستقرار في الوظيفة؟ أو أن يعمل الإنسان في المجال الذي يحسنه أو الذي أُعدّ للقيام به؟ وأن يأمن أنه لا يأتي الوقت الذي يطلب منه فيه التخلي عن العمل الوحيد الذي يتقنه ليعمل في مجال لا يحسنه أو لا يخدم بلاده من خلاله كما ينبغي. ولا بد أن ندرك أن المسلم يجب عليه أن يطيع ولي أمره في المنـشط والمكره وعلى أثرة منه وأن لا ينازع الأمر أهله . وأتذكر أيضاً حديث الرسول صلى الله علـيه وسلم الذي جاء فيه يمتدح الرجل الذي أخذ بعنان فرسه في سبيل الله لا يهمه أن يكون في  مقدمة الجيش أو في آخره ما دام أنه يجاهد في سبيل الله .(طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه فإن كان في الساقة كان في الساقة وإن كان في المقدمة كان في المقدمة).
       وأعود إلى الشركات الأمريكية والتفاصيل التي نشرها الدكتور سالم سحاب فقد ذكر د. سالم أن شركة إيه تي آند تي( AT&T) قد فصلت أربعين ألف موظف لتقليص النفقات من بداية عام 1996 بينما يتقاضى الرئيس التنفيذي للشركة راتباً سنوياً يزيد على ثلاثة ملايين وثلاثمائة دولار. كما قام رئيس شركة آي بي إم IBM بفصل ستين ألف موظف في يوليو 1993 بينما يحصل هو على راتب سنوي يزيد على المليونين والنصف دولار. وقام رئيس شركة بوينج Boeing بفصل ثمان وعشرين ألف موظف في الوقت الذي يحصل هو على راتب يزيد على المليون والنصف سنوياً.
    وقد ذكر تقرير المجلة الأمريكية بعض الجوانب الإيجابية في سلوك بعض الشركات الأمريكية التي عـانت بعض الصعوبات المالية فلم تلجأ إلى الفصل وإنما قامت بتخفيض  النفقات التي رأت أنها زائـدة بينما قامت شركات أخرى بتقديم منح دراسية لبعض موظفيها في المجالات التي تناسبهم وليس من الضروري أن تكون من المجالات التي تحتاجها الشركة في أعمالها حتى إذا اضطرت الشركة للاستغناء عن أحد منهم استطاع أن يجد له عمل آخر.
    وقد ذكر الدكتور سحاب النتائج السلبية لمثل هذه القرارات بقوله: "ولئن كان إطلاق مسمى (الرأسماليون القتلة) مجازاً لما يترتب على قرارات الفصل من معاناة للمفصولين خاصة وللمجتمع عامة، لأن الإسلام يرسم في المقابل صورة مشرقة للغني أو الثري المسلم الذي لا تغيب عن ذهنه أخلاقيات التاجر المسلم وحتى عندما تضعف لسبب أو آخر شعر بوخز الضمير وتأنيب الرادع في قلبه وبين جوانحه"
    وقد سبق الإسلام الأمم الأخرى في تحقيق الأمن الوظيفي بوسائل ذكرها الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه " مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام " كما يأتي:
1- " إن الدولة الإسلامية ستقوم بالإعداد الوظيفي والتدريب المهني اللازم لكل عامل حتى ينتج أكبر قدر مستطاع ".وها هي الجامعات والمدارس المهنية والتجارية والصحية والكليات التقنية في المملكة العربية السعودية  كلها تسعى إلى تحقيق هذا الإعداد حتى توفر في بلادنا قوة عاملة نفتخر بها.
2- " تضع كل عامل في مجال اختصاصه وفيما يحسنه ويتفوق فيه من الأعمال سعياً إلى أفضل النتائج."ويعود هذا الأصل إلى قول الله عز وجل على لسان يوسف عليه السلام {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} ولنا في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة في تكليف صحابته بالأعمال التي يجيدونها فكان له كتّاب للوحي وكتاب للأمور المالية ، كما كان له السفراء وغير ذلك من الأعمال.
3- " توفر له من الآلات ما يساعده على الإنتاج، واقتصاد الجهد والزمن". ولدينا في هذه البلاد الطيبة القروض الصناعية وغيرها التي تساعد على تحقيق ذلك، ومنها على سبيل المثال لا الحصر القروض التي تعطى للنساء لإنشاء مشاغل وغير ذلك.
4- " تكفل له من الأجر ما يعادل جهده وكفايته مهما يبلغ هذا الأجر كما تتيح له أن يملك ثمراته ، ويورثها لذريته"


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق