التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامعة الأمريكية وكتاب رودنسون



      أثارت الصحف المصرية قضية تكليف أحد أساتذة الجامعة الأمريكية الطلاب بقراءة كتاب المستشرق الفرنسي (الشيوعي) مكسيم رودنسون كمتطلب لإحدى المواد الدراسية. ووصلت القضية إلى أعلى المستويات مما جعل الجامعة تعتذر عن هذا الأمر وتسحب الكتاب من الطلاب. وقد أصبحت هذه القضية من القضايا التي تناولتها الصحف المختلفة وبخاصة العربية الدولية التي تصدر من بريطانيا.
ولما كنت متخصصاً في الدراسات الإسلامية عند المستشرقين، فقد لفت انتباهي الطريقة التي أثيرت بها هذه القضية والحلول التي قدمت لإنهاء المشكلة. وتساءلت هل القضية قضية كتاب؟ هل لو أبعدنا هذا الكتاب لم يعد في الجامعة الأمريكية ما يُنتقد؟ وهنا أقول رحم الله مالك بن نبي في كتابه صراع الأفكار في البلاد الاستعمارية حيث أشار إلى خطط الاستعمار- وهل رحل حقيقة؟- في السيطرة الفكرية على العالم الإسلامي، وكيف يقوم بالحركات والمناورات العجيبة لنشر فكره وثقافته.
لنترك الكتاب وشأنه فهل تكلف الأمريكيون بفتح جامعة أو جامعات في بلادنا العربية الإسلامية لنشر الثقافة والفكر الإسلامي؟ أو إن هذه الجامعات هي في الأساس لنشر الفكر والثقافة الغربية عموماً والأمريكية خصوصاً . يذكر لنا تاريخ هذه الجامعات أنها بدأت بتمويل ودعم من الهيئات التنصيرية التي  تسعى إلى تنصير المسلمين، فإن لم تستطع فليكن الهدف إخراج المسلمين من دينهم وجعلهم علمانيين لا يؤمنون بدين أو عقيدة.
لقد نشأت مع الجامعة الأمريكية في القاهرة وبيروت واسطنبول وغيرها من المدن العربية الإسلامية العديد من المدارس الأجنبية من أمثال كلية فيكتوريا والجوزويت والليسية والمدارس الألمانية وغيرها من المدارس ومن يريد معرفة حقيقة هذه المدارس فليرجع إلى كتاب (حصوننا مهددة من داخلها) للدكتور محمد محمد حسين رحمه الله تعالى. إن إحدى هذه المدارس كانت وربما لا تزال تحرِّم الحديث باللغة العربية بين جنباتها ، وكان كل من يُمْسك متلبساً بالحديث بها يغرم مبلغاً من المال. كما أن الصلاة لم يكن لها مكان في تلك الكلية لولا أن بعض الطلاب من المملكة درسوا فيها فاضطروا إلى أن يخصصوا لهم مكاناً لذلك.
وما زلت أذكر كلمات الشيخ محمد السعيد الزاهري عن المدارس العربية الإسلامية التي أنشأتها فرنسا في أثناء احتلالها للجزائر حيث وصف طلاب هذه المدارس بأنهم لا يتكلمون فيما بينهم إلاّ اللغة الفرنسية ، وأنهم لا يصومون ، ولا يصلون ولا يعرفون ديناً ومن عجب أن يطلق عليها المدارس العربية الإسلامية.
لا أشك أن غالبية أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الأجنبية –ومنها الأمريكية- هم ممن يتبنون الفكر الغربي ويحاربون الإسلام والمسلمين، وإن كتاباتهم تدل عليهم فهذا سعد الدين إبراهيم على سبيل المثال من الذين تهتم بهم الدوائر العلمية والسياسية الغربية ليحدثهم عن الحركات الإسلامية والإسلاميين وكيف يمكن مواجهتهم. أليس الدكتور إبراهيم هو الذي أنشأ معهد ابن خلدون الإنمائي بأموال مشبوهة كما ذكرت الصحف العربية –من أمثال الشرق الأوسط- التي لا يمكن اتهامها بمعادة الدكتور سعد الدين. وهو المعهد الذي كان ينوي عقد ندوة عن الأقليات في العالم العربي ولما لم يسمح له نقل المؤتمر إلى قبرص.
هل الجامعة الأمريكية في القاهرة هي كتاب رودنسون وحده؟ هل الجامعة مقررات ومناهج أو هي أكثر من ذلك؟ هل الضجة التي أقيمت حول هذا الكتاب بعد تدريسه عدة سنوات تستحق أن نغفر للجامعة الأمريكية مهما فعلت بعد أن سحبت الكتاب؟ أرجو أن لا نكون ساذجين. إن الأمر يستحق أن ينال اهتماماً أكبر من مجرد الحديث عن كتاب وأستاذ. يجب علينا أن ننظر في المناهج التي تدرسها هذه الجامعات والجامعات المثيلة وأن ننظر في الندوات والمؤتمرات التي تعقدها: ما موضوعاتها ، ومن الذي يحضرها .كما يجب أن ننظر في مطبوعاتها. فهل نحن فاعلون؟


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب منهج البحث التاريخي للدكتور د. حسن عثمان

الطبعة: الرابعة. الناشر: دار المعارف بالقاهرة (تاريخ بدون). عدد صفحات الكتاب: 219 صفحة من القطع المتوسط. إعداد: مازن صلاح المطبقاني في 6 ذو القعدة 1407هـ 2 يوليه 1987م بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة : يتحدث فيها المؤلف عن معنى التاريخ، وهل هو علم أم فن، ثم يوضح أهمية دراسة التاريخ وبعض صفات المؤرخ وملامح منهج البحث التاريخي. معنى التاريخ: يرى بعض الكتاب أن التاريخ يشمل على المعلومات التي يمكن معرفتها عن نشأة الكون بما يحويه من أجرام وكواكب ومنها الأرض، وما جرى على سطحها من حوادث الإنسان. ومثال على هذا ما فعله ويلز في كتابه "موجز تاريخ العالم". وهناك رأي آخر وهو أن التاريخ يقتصر على بحث واستقصاء حوادث الماضي، أي كل ما يتعلق بالإنسان منذ بدأ يترك آثاره على الصخر والأرض.       وكلمة تاريخ أو تأريخ وتوريخ تعنى في اللغة العربية الإعلام بالوقت، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته ودقته الذي ينتهي إليه زمنه، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة. وهو فن يبحث عن وقائع الزمن من ناحية التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحواله الم...

رسالة إلى الشيخ محمد الصالح رمضان واستشارة علمية

    أستاذي الجليل الشيخ محمد الصالح رمضان    حفظه الله ورعاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فهذه أول رسالة أكتبها إليكم بعد لقائنا الذي تم قبل أربع سنوات تقريباً حين كنت أجمع المادة العلمية لبحثي حول الدور الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين لقد أكرمني الله بإنجاز البحث وإهداء نسخة منه إليكم، وأرجو ان تكون قد نالت رضاكم فكم كان بودي أن أسمع وأيكم في ذلك العمل. أستاذي الكريم         لما وجدت أن ما لدينا من كتابات حول الجزائر قليلة بل نادرة، عزمت بعون الله أن أقدم ترجمة للشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في سلسلة أعلام المسلمين التي تنشرها دار القلم بدمشق. وكما تعلمون فالكتابات عن حياة ابين باديس رحمه الله كثيرة في الجزائر، ولكن شخصيته المتعددة الجوانب والثرية تشجع دائماً على الكتابة عنها.        أمّا سؤالي فهو: ما هي الجوانب التي ترون أنه لم يتطرق إليها البحث بصبوره موسعة؟ وما هي الإضافات التي يمكن أن نتحدث عنها؟ أرجو أن تحدثوني عن نشاطاته رحمه الله، وعلاقاته بأفراد المجتمع الجزائري ا...

استعراض تاريخي موجز للتهديد الذي واجهته اللغة العربية

  المحور الأول استعراض تاريخي موجز للتهديد الذي واجهته اللغة العربية      لم يكن الاستعمار الغربي للعالم العربي مجرد احتلال عسكري يهدف إلى استغلال الأرض والموارد، بل كانت أهدافه أكثر من ذلك بكثير. كان يعني ربط هذه الدول بالغرب برباط أبدي من خلال مهاجمة الهوية ومكوناتها المختلفة. لأنني أمضيت سنوات عديدة في بحثي في تاريخ الجزائر الحديث وخاصة جمعية العلماء الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية بقيادة عبد الحميد بن باديس، اخترت الجزائر لتكون مجال الدراسة. (دراسة الحالة)      بذلت فرنسا جهوداً كبيرة لأكثر من مائة وثلاثين عاماً لإلغاء الهوية الجزائرية (وكذلك المغربية والتونسية) بوسائل عديدة سأعرضها بإيجاز في النقاط التالية. أما بالنسبة لمحاربة اللغة العربية فالأدلة كثيرة لدرجة أن الأمر يتطلب منا مئات الصفحات للتقرير. ومع ذلك سأقسم هذا القسم إلى الترجمات التالية: • استيعاب الإسلام وشيطنته • إلغاء السياسات الحكومية والعربية • فرق تسد أولاً: استيعاب الإسلام وشيطنته       يمكن اعتبار فرنسا رائدة في هذه السياسة في التاريخ الحديث. ما...