السبت، 25 فبراير 2017

مقدمة الطبعة الثانية الغرب في مواجهة الإسلام

                                                بسم الله الرحمن الرحيم

            الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً وبعد:
        فقد بدأت مجلة "المجتمع " الكويتية قبل سبع سنوات تقريباً بنشر سلسلة من المقالات بعنوان "الإسلام والكونجرس" بلغت أربعاً وخمسين حلقة أو زيادة.وكانت هذه المقالات ترجمة لأجزاء من تقرير أصدره الكونجرس الأمريكي عام 1405(1985) وهو عبارة عن محاضر جلسات الكونجرس في أواخر تلك السنة بعنوان " الأصولية الإسلامية في العالم الإسلامي" وكان الباحث الأرمني  الأصل الأمريكي الجنسية (ريتشارد هرير دكمجيان) قد أصدر كتاباً بعنوان (الإسلام في ثورة :الأصولية في العالم العربي" وقد صدرت ترجمة هذا الكتاب في مصر في الوقت الذي كانت فيه مجلة " المجتمع " تنشر مقالاتها([1]).وقد قدّم دكمجيان في كتابه دراسة لاثنتين وتسعين جماعة إسلامية . وقد أصدر طبعة ثانية عام 1996 تناول فيها مائة وثمان جماعات إسلامية.
لقد تركز الحديث في هذين المصدرين حول موضوع واحد وهو خطر الأصولية الإسلامية في العالم الإسلامي أو العالم العربي. وكانت منطلقاتهما متشابهة إلى حد بعيد مما شجعني على إعداد بحث عن الموقف بين الغرب والإسلام، وجعلت عدداً من صفحات كتاب دكمجيان ملاحق لكتابي.
و هاأنا بعد تسع سنوات أعيد طباعة هذا الكتاب فما ذا استجد في الأمر في المواجهة بين الغرب والإسلام ، وهل الأمر أمر مواجهة أو إن الأمر أكبر من ذلك؟. عندما عقد الكونجرس جلساته كانت الشيوعية لم تلفظ أنفاسها تماماً ولكنها كانت قريبة من ذلك وما أن حلّ عام 1410هـ(1990) حتى سقطت الشيوعية في معقلها الأول في روسيا . وقيل بأن الغرب بدأ يوجه اهتمامه كلَّه إلى العالم الإسلامي وتوالت الدراسات والبحوث والمقالات الصحافية والأفلام والتقارير وغير ذلك من وسائل الإعلام في الاهتمام بالإسلام .
        هل صحيح أن الغرب ازداد اهتمامه  بالإسلام بعد سقوط الشيوعية؟ قد يكون الإعلان عن ذلك قد ازداد ولكن حقيقة الأمر أن الغرب لم يغفل يوماً عن الاهتمام بالإسلام ، ولعلنا نُخْدَعُ إن صدقنا أن هذا الاهتمام إنما هو نتيجة سقوط الشيوعية وأن الغرب كان قبل ذلك غافلاً عن الإسلام أو كان لا يعطيه أهمية كبيرة، أو كما قال قسيس أمريكي من معهد هارتفورد اللاهوتي بـولاية كندكت بالولايات المتحدة الأمريكية (هل يصبح الإسلام الشبح الجديد؟) في تعليقه على ازديـاد الكتابات الغربية حول الخطر الإسلامي بعد سقوط الشيوعية في أوروبا الشرقية([2]).
       ولعل مما يؤكد أن هذا الاهتمام كان قوياً باستمرار هو وجود ذلك العدد الكبير من مراكز البحوث وأقسام دراسات الشرق الأوسط والأقسام العلمية الأخرى  التي بلغت الألوف في الجامعات الغربية التي كانت ترصد وما تزال كلَّ حركة في العالم الإسلامي.  وإلاّ فما ذا نسمى كتاب مورو بـيرجر ( العالم العربي اليوم ) وكتاب ريتشارد ميتشلRichard Mitchael عن الإخوان المسلمين ( رسالته للدكتوراه) وكتاب مانفرد هالبرن Manfred Halpern :" سياسات التغير الاجتماعي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا."(1963) وعشرات أو مئات غيرها من الكتب والبحوث والتقارير والدراسات ؟
        نعم تعالت الأصوات المهتمة بشأن الإسلام الذي أطلقت عليه وسائل الإعلام الغربية ب "الأصـولية " أو "الإسلام السياسي " أو "الإسلام المتطرف " أو غيرها من الأسماء . ومن الجهات التي دخلت إلى مجال الاهتمام بالإسلام ولاسيما ما يطلق عليه "الأصولية الإسلامية" الاستخبارات الغربية وربما لم يكن دخولها مفاجئاً فطالما أشير إلى الصلة بين الاستخبارات الغربية والاستشراق. وذكر  أحد الباحثين المسلمين أن وكالة الاستخبارات المركزية قد موّلت أكثر من مائة مؤتمر وندوة لدراسة الصحوة الإسلامية .([3]) ويعلق الدكتور مانع الجهني (الأمين العام للندوة العالمية للشباب الإسلامي في دراسته القيمة بعنوان( الصحوة الإسلامية :نظرة مستقبلية) على ذلك بقوله:" من الواضح أن أسباب اهتمام الدوائر الخارجية بالصحوة الإسلامية تعود إلى الشعور السائد بأن عودة المجتمعات المسلمة إلى الإسلام تشكل خطراً على مصالحها الحيوية في العالم الإسلامي .بل قد ترى -على المدى البعيد- الخطر الذي كان قد هدّد أوروبا واكتسح العالم القديم في فترة زمنية قياسية."([4])
        ولكن هذه الصلة أصبحت علنية منذ العام 1414هـ(1994م)حتى إن إحدى الصحف العربية التي تصدر في لندن نشرت في إحدى صفحاتها الأولى خبر الندوة الشهرية التي تعقدها وكالة الاستخبارات الأمريكية لدراسة أوضاع الصحوة الإسلامية أو (الأصولية)وقد انقسم المنتدون  إلى موقفين أحـدهما يرى أن تُعامل الحركات الإسلامية بمعيار واحد وهو محاربتها بينما يرى الفريق الآخر أنه ينبغي التمييز بين الحركات التي تدعو إلى العنف وتلك التي تتسم بالبعد عن العنف.([5])
        وقد ظهر موقف الغرب من الإسلام في أكثر من موقع فهذه البوسنة والهرسك تواجه التحالف الصربي الصهيوني لإبادة المسلمين تحت سمع وبصر أوروبا وأمريكيا وبتأييد من روسيا واليونان وغيرها من دول أوروبا فلا تحرك ساكناً حتى إذا أبطل الله عز وجل كيدهم في تلك المؤامرة الخبيثة تدخلت الولايات المتحدة لتفرض صيغة من السلام لكن لا أحد يدري متى يتفجر الحقد الصربي مرة أخرى. وحدث في الشيشان قريباً مما حدث في البوسنة وكان صندوق النقد الدولي يضخ الأموال في المالية الروسية الخاوية بآلاف الملايين وأبطل الله كيدهم بوقوف الشعب الشيشاني وقفة المجاهدين المخلصين حتى أخرجوا القوات الروسية من بلادهم . وظهر موقف الغرب الحقيقي من الإسلام والمسلمين في الصومال وفي الجزائر وفي السودان.
        وإزاء هذا الاهتمام علينا أن نتيقظ لما يكتب عن الإسلام والمسلمين في العالم وأن ننتقل من ردود الأفعال إلى الأفعال فنملك من وسائل الإعلام ما يمكننا من الوصول إلى العالم أجمع.فقد أصبح الإعلام أداة خطيرة في العصر الحاضر في اتخاذ القرار السياسي وفي تكوين الرأي العام. ومن الواضح أن الغرب ما زال يمتلك أكثر من ثمانين في المئة مما يبث في وسائل الإعلام في العالم أجمع.
         وفي هذه الأثناء يجب أن نتذكر مع الأستاذ محمد صلاح الدين أن الاهتمام بالإسلام وأن التعاون الصهيوني الغربي في مواجهة الإسلام والمسلمين لم يعد سراً وبخاصة بعد أن ازداد النفوذ الصهيوني في إدارة الرئيس الأمريكي ولا سيما في الفترة الثانية لرئاسته.ففي مقالته في 21محرم 1418 بعنوان ( ما وراء الستار) أشار إلى النفوذ اليهودي الصهيوني في بريطانيا وروسيا وتحكم اليهود في مجالات المال والإعلام والسياسة وخلص إلى النتيجة :" قد يصح القول بأن الأصابع الصهـيونية موجودة وبقوة وراء الستار في مراكز القوة والنفوذ في العالم ، لكن واقع الأمر يؤكد أنّ شيئاً لم يعد وراء الستار على الإطلاق."([6])
        وينبغي أن نتوقف قليلاً عند ما يجب أن يكون عليه موقف العالم الإسلامي في العلاقة بين الإسلام والغرب عموماً. وهذا الموقف لا بد أن يستند إلى أسس شرعية فالأمة الإسلامية أمة الدعوة وعلينا أن نتحمل مسئوليتنا في الدعوة إلى هذا الدين { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}(النحل125)ولكننا في الموقف مع الغرب ندرك أن أهل الكتاب ليسوا على موقف واحد فالله عز وجل يصفهم بقوله { ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قانتة يتلون آيات الله }(آل عمران 113). ومن الأمثلة على  الغربيين الذين يخالفون حكوماتهم في محاربة الإسلام والمسلمين الباحث الفرنسي فرانسوا بورغات الذي كتب وحاضر كثيراً عن موقف بلاده ضد الإسلام والمسلمين حتى إنه صرّح ذات مرّة للإذاعة البريطانية بقوله ( لو لم يكن اسمي فرانسوا لكنـت في السجن منذ زمن بعيد لأنني أواجه حكومتي بمواقفها المتعصبة ضد الإسلام والمسلمين) ولا بد أن ندرك أنه يمكن التعامل مع الغرب وفقاً لقوله تعالى : {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقـاتلونكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتُقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنّما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولّهم فأولئك هم الظالمون }(الممتحنة 8-9) ولا بد أن ندرس مواقف الدول الغربية  بعناية ومدى اشتراكها مثلاً في مؤامرة إخراج المسلمين من فلسطين ومن غيرها من البلاد الإسلامية أو غير ذلك من المواقف التي تضر بمصالح الإسلام والمسلمين .([7])
        وأختم بأن على المسلمين أن يلتفتوا إلى علاج أوضاعهم الداخلية والعودة إلى الإسلام كما جاء صافياً نقياً أو كما تركنا عليه صلى الله عليه وسلم ( تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك) مع اليقظة التامة لما يدور حولنا فما كاد الرسول صلى الله عليه وسلم يستقر في المدينة المنورة حتى بدأ بإرسال العيون والسرايا لمعرفة تحركات قريش ضد الدولة الإسلامية الفتية فهل نعود إلى تلك اليقظة والله الموفق.



[1] - ريتشارد هرير دكمجيان .الأصولية في العالم العربي. ترجمة عبد الوارث سعيد .(المنصورة: دار الوفاء ، 1409) صدرت طبعة ثانية مصوّرة من الطبعة الأولى.
[2] - مازن مطبقاني ." لماذا يخوفون الغرب بالإسلام؟" في المسلمون .عدد307، 4جمادى الآخرة 1411(21ديسمبر 1990)وكان المقال تعليقاً على نشرة صادرة من مكتب العلاقات النصرانية الإسلامية بقلم القس مارستون سبايت R. Marston Speight وقد أشار في مقالته إلى الكاتب اليهودي تشارلز كروتهامر Charles Krauthammer وحملته المحمومة ضد ما أطلق عليه الخطر الكوني للإسلام .
[3] ا أحمد بن يوسف .الإسلام السياسي وتحولات الفكر المعاصر. (انديانا :رابطة الشباب العربي المسلم 1988)ص63.
[4] -مانع بن حمّاد الجهني .الصحوة الإسلامية نظرة مستقبلية .(الرياض: الندوة العالمية للشباب الإسلامي.)بدون تاريخ ، ص 50.
[5] - الشرق الأوسط .عدد 5666،24ذو الحجة 1414هـ( 3يونيه 1994م)
[6] -محمد صلاح الدين ." ما وراء الستار." في المدينة المنورة .ع 12461، 21محرم 1418(27مايو 1997م)
[7] -جعفر شيخ ادريس . " موقف الإسلام من الأديان والحضارات الأخرى ." في المحاضرات والأمسيات الشعرية -المهرجان الوطني للتراث والثقافة الحادي عشر.(الرياض :الحرس الوطني 1417هـ-1997م)ص.ص 103-138.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق