الخميس، 26 يناير 2017

من طرائف رحلاتي العلمية (الرحلة الأولى)


بعدما سجلت رسالة الدكتوراه بعنوان: (منهج المستشرق برنارد لويس في دراسة الجوانب الفكرية في التاريخ الإسلامي) وافق مجلس القسم ومجلس الكلية على أن أقوم برحلة علمية إلى كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية لأجمع المادة العلمية ولأجري لقاءً مع المستشرق برنارد لويس في مقر إقامته بمدينة برنستون بولاية نيوجرسي بالولايات المتحدة الأمريكية.
ودارت بيني وبين لويس مرسلات عدة كان يبدو فيها متردداً أن يوافق على مقابلتي لأنني قادم من جامعة محمد بن سعود الإسلامية، ومن كلية الدعوة ومن المدينة المنورة، فكان متخوفاً ألاّ أكون موضوعيا -بزعمه- ولا بد أن يقرأ فصلاً مما كتبت. فقمت بترجمة خطة البحث وتخفيف لهجتها في المواضع التي تنتقده بشده، وأرسلتها إليه. ولكنه أصر على قراءة فصل مما كتبت. وهنا أدركت أنه لن يعطيني موعدا، فلأذهب إليه وأفاجئه بحضوري. ورتبت سفري، وأعددت ما لدي من مال للإقامة شهرين. كما اتصلت بالمشرف الدكتور جميل المصري رحمه الله، فأملي عليّ بعض الأسئلة ثم كان لي لقاء بعميد الكلية الدكتور عبد الله الرحيلي فأملى علي أسئلة أخرى أو كتبها بخط يده. ولأطمئن من سلامة الأسئلة وأنها تصلح لطرحها على المستشرق ذهبت إلى الدكتور أكرم ضياء العمري- أستاذ التاريخ الإسلامي بالجامعة الإسلامية- غادرها لأن السعودة كانت مهمة في نظر بعض المسؤولين-
وتعجب الدكتور أكرم من الأسئلة وفجاجتها، وأنها هجوم مباشر على المستشرق، فحذرني من أن أقدم تلك الأسئلة للمستشرق وإلاّ طردني وغضب مني، فقلت لأذهب وهناك أرى رأيي فيها.
وكان للرحلة جانب آخر، فكنت محاضراً بالجامعة وكان من المفروض أن تكون رحلتي انتداباً أو على الأقل أن يحسب لي مكافأة معقولة للبقاء شهرين في برنستون ولندن. ولكم أن تتخيلوا المكافأة وكان هذا عام 1408هـ(1988م) لقد كانت المكافأة ألفين وستمائة ريال شهرياً بالإضافة إلى مصروفات التنقل من مدينة لأخرى أو النسخ. وكان المبلغ تافهاً يصرف لبعض المسؤولين في أيام وليس في شهرين. وأخبرني الأستاذ الدكتور نعمان السامرائي أن الجامعة كانت ترسل بعض الأساتذة للدعوة في بعض الدول الأفريقية (رخيصة نسبياً ، وربما حصلوا على الضيافة) وتدفع لهم ألف ومائتي ريال يومياً بالإضافة إلى الإركاب في الدرجة الأولى، وبعضهم لا يغادرون فنادق الخمس نجوم، وهذا ما يسمى دعوة فنادق النجوم الخمسة، ولكن كانت وسيلة لاستصناع البعض ومكافأتهم على الولاء للإدارة...
المهم ألفان وستمائة ريال شهرياً لا تكفي ، بل إن أحقر غرفة في مدينة برنستون، وهي بالمناسبة مدينة للأثرياء ولأبناء الأثرياء فجامعتها من الجامعات الكبرى والباهظة التكاليف. نعم نزلت في فندن (بيكوك Peacock) –وهو الفندق الذي نزل فيه ألبرت إنشتاين عندما زار برنستون. هذا الغلاء جعلني أخاطب العميد: يا سيادة العميد كان ينبغي أن أحمل معي كيس خبز جاف، وخيمة وأقيم في إحدى الحدائق العامة؟ أهذا مبلغ يعطى لباحث في الولايات المتحدة الأمريكية.(ذهب زملاء لي في رحلة شبيهة ولكنهم اتصلوا بمعهد العلوم الإسلامية والعربية التابع للجامعة فتمت استضافتهم.)
لن أتحدث عن لقائي ببرنارد لويس، ولكن أتحدث أنني عدت من تلك الرحلة لأؤلف وأنشر عدة كتب هي
1-    من آفاق الاستشراق الأمريكي المعاصر
2-    الغرب في مواجهة الإسلام
3-    من أصول التنصير في الخليج العربي (ترجمة لرسالة ماجستير ، قدمت في جامعة برنستون) وجدتها على الرف فأبحت لنفسي أخذ نسخة منها، وسألت عن صاحبها وعنوانه وراسلته لأستأذنه في ترجمتها فعادت إلي الرسالة.
4-    نبش الهذيان من تاريخ جورجي زيدان لأمين بن حسن الحلواني المدني، تحقيق.
وشاء الله أن أبيع نسخاً من هذه الكتب لوزارة الإعلام وبسعر متواضع (لم أكن أعرف اللعبة) ولكن الله عوضني ما أنفقته في تلك الرحلة.
أما في لندن فتيسر لي الاتصال بأحد الاخوة الذين كانوا يدرسون في لندن، فاتصل بدار الرعاية الاجتماعية ليسمحوا لي بالإقامة لديهم، وفي غرفة فيها ست أو سبع أسرّة وأجرة السرير سبعة جنيهات وتقع الدار في شمال لندن، ولكن يمكن الوصول إليها في قطار الأنفاق. وكانت فرصة عظيمة أن لقيت اثنين من الزملاء من جامعة الإمام ومن قسم التاريخ بالرياض هما عبد اللطيف الحميد وعمر العمري. ولم يكن هناك صعوبة في لندن بل تيسر لي الحصول على مادة علمية لطيفة.

كنت أسير في أحد الممرات ومعي الأخوين العمري والحميد فمر بنا رجل عجوز فسلمت عليه وسألته أتعرف برنارد لويس، قال نعم، قلت له أريد أن أعرف الرسائل العلمية التي أشرف عليها خلال تدريسه في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية. قال نعم من الممكن أن تحصل على هذه المعلومات في كتيب اسمه (التقرير السنوي للهيئة المشرفة على مدرسة الدراسات الشرقي والأفريقية) وبالفعل حصلت على التقارير لهذه المدرسة للسنوات من عام 1938 وحتى عام 1974م. وهذا التقرير يقدم معلومات رائعة عن نشاطات الأساتذة من محاضرات عامة وحضور مؤتمرات ومشاركات إذاعية أو تلفازية وما كتبوه صحفياً أو كتب عنهم. إنه رصد رائع للنشاط وتقديراً للكفاءات والمواهب. كما علمت من هذا التقرير السنوي ما قامت به المدرسة في بعض الأعوام من تدريب عدد من الطلاب العرب والمسلمين على الإعداد للمؤتمرات وتنظيمها والمشاركة فيها. وهو فن يتقنه الأوروبيون وما زلنا نتعلم في هذا المجال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق