الخميس، 26 يناير 2017

عرض لكتاب كارل أرنست (على نهج محمد صلى الله عليه وسلم)(إعادة التفكير في الإسلام في العالم المعاصر)



تأليف كارل إرنست Carl Ernest ترجمة حمزة الحلايقة
مراجعة وتحرير : مركز التعريب والبرمجة، الناشر بيروت: الدار العربية للعلوم
أول ما يتبادر إلى الذهن حين تقرأ العنوان أن الكاتب مسلم يقدم لك سيرة الحبيب صلوات الله وسلامه عليه لتسير على نهجها وخطاها، ولكن ما أن تبدأ في القراءة حتى يقول لك المؤلف إنه ليس مسلماً وإنما أراد أن يكتب عن الإسلام والمسلمين في زمن انتشرت فيه ظاهرة شتم الإسلام والانتقاص منه وتحذير الناس من الإسلام والمسلمين وهي الظاهرة التي أطلق عليها ظاهرة التخويف من الإسلام. وهنا انبرى نفر من الغربيين يريدون أن يوضحوا لقومهم أن الإسلام لا يخاف منه وأن المسلمين بشر من البشر لهم وجودهم وكيانهم وتاريخها وأوضاعهم السياسية والاقتصادية، ولِمَ الخوف منهم. ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر جون اسبوزيتو أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة جورج تاون ومؤسس مركز التفاهم الإسلامي النصراني في جامعة جورجتاون بعد انتقاله من معهد هارتفورد اللاهوتي ومستشار مركز الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي النصراني.
قلت إذن ثمة خطأ في ترجمة العنوان فهو في اللغة الإنجليزية معناه الأقرب (اتّباع محمد، إعادة النظر في الإسلام في العالم المعاصر) فكيف اعتقد المترجم أنه يقصد على خطى محمد صلى الله عليه وسلم. لنترك العنوان ونأتي إلى المترجم فلا شك أنه بذل جهداً طيباً في الترجمة هو ولجنة المراجعة والتحرير ولكنه وحتى المراجعون ليسوا متخصصين في كتابات الغربيين حول الإسلام والمسلمين، بل لم يفهموا تاريخ هذه الدراسات ووضعها الحقيقي. لذلك أشاد المترجم وأطنب في الإشادة بالكتاب دون أن يدرك حقيقة ما قصده المؤلف أو ما أراده.
ودلفت إلى النص كما يقولون لتصدمني عبارات عجيبة في الحديث عن أهداف المؤلف من تأليف الكتاب فهو يقول أن هدفه الأساس هو التوضيح بأن المسلمين "عبارة عن كائنات بشرية بمعنى أن لهم تاريخاً وأنهم يعيشون أوضاعاً اجتماعية وتاريخية متعددة معرّفة من خلال الطبقة الاقتصادية والمعرفة والجنس بالإضافة إلى جميع العوامل التي لا بد للناس الطبيعيين أن يتعاملوا معها، وبصراحة أشعر شخصياً أنني مجبر على إثبات هذه الفرضية البسيطة وذلك بسبب العلاقات الإنسانية العميقة التي أقمتها مع المسلمين عبر السنين" فهل نفرح أن المؤلف قرر أن يمنحنا شرف الانتساب إلى البشر والإنسانية؟ هل هذه رسالة المسلم والمسلمين في الأرض؟ لقد وصل الاستعلاء بالغربيين في وقت من الأوقات وحتى اليوم أن ينظروا إلى الأمم الأخرى بأنهم أقل شأنا، وأنهم القادرون على الحكم على البشر، وكانت رسالة الرجل الأبيض كما زعموا تحضير الشعوب والأمم الأخرى. هل نحن فقط بشر كما يريد لنا المؤلف العزيز؟ ألسنا أمة تحمل رسالة هداية وصلاح للبشرية جمعاء منذ بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ ألم يقل ربعي بن عامر رضي الله عنه لملك الفرس (إن الله جاء بنا وابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الواحد الأحد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة"؟ ألم نحقق هذه الرسالة حين كنّا نعيش بالإسلام وللإسلام؟
ويقول المؤلف في موضع آخر إن من أهدافه "الكشف عن الوجه الإنساني للإسلام" فهل الوجه الإنساني للإسلام بحاجة إلى من يكشف عنه؟ إن الذين يزعمون أنهم اخترعوا علماً أسموه علم الإنسان ما دروا أن في القرآن سورة كاملة جميلة (وكل سور القرآن الكريم جميلة) اسمها (الإنسان)(هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً، إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج فجعلناه سميعاً بصيراً، إنّا هديناه السبيل إمّا شاكراً وإمّا كفوراً)
وتحدث المؤلف في فصل جعل عنوانه (الإسلام في عيون الغرب) شكى فيه من جهل الأمريكيين بالثقافات الأخرى، ولكن لم يتساءل لماذا يجهل الأمريكيون العالم من حولهم؟ ولماذا أمريكا عندهم هي كل العالم؟ ألم يتساءل لماذا يسعى الإعلام الأمريكي بقنواته التي تفوق الحصر جاهلاً بكل ما حوله؟ لماذا حاربت وربما لا تزال الحكومة الأمريكية تحارب فهم الأمريكيين للشعوب والأمم الأخرى من خلال فرض حصار على الشعب الأمريكي. وثمة قصة طريفة لطالب سعودي أراد في الستينيات أو السبعينيات الميلادية أن يشتري مذياع بموجات قصيرة فلم يجد حتى دلوه على شوارع خلفية في مدينة لوس أنجلوس ليشتري ذلك المذياع وكأنه يشتري مخدرات أو ممنوعات. وهل رأيتم في حياتكم راديو أمريكي فيه غير الموجة إي إم وإف إم. وقد فاجأني الدكتور هيث لوري (رئيس قسم دراسات الشرق الأدنى بجامعة برنستون عام 1995م بقوله أنتم محظوظون بمشاهدة السي إن إن الدولية، أما السي إن إن الأمريكية فهي لا تهتم إلاّ بالشأن الأمريكي. ومن الأمثلة على إغراق المواطن الأمريكي بالقضايا المحلية أن جعلت محاكمة إ وجي سمبسون محاكمة القرن، والمرأة التي قطعت عضو زوجها بطلة قومية وربما علموا أفلاماً حول القضية ، وما إلى ذلك من القضايا المحلية التي ينطبق عليها (صناعة محلية واستهلاك محلي)
ومع ذلك فأصر لماذا لا يعرف الأمريكيون العالم أو يعرفوه معرفة مشوهة؟
وتحدث المؤلف في كتابه عن المرأة واتهام الإسلام والمسلمين باضطهاد المرأة وأشار إلى أن المرأة المسلمة سبقت الغربية في نيل كثير من حقوقها ومن ذلك الحق المالي أن جعل الإسلام للمرأة ذمة مالية مستقلة. ولم يشر إلى أن المسلمين حين يضطهدون المرأة فإنما يكونون مخالفين للإسلام الذي يأمر بالإحسان إلى المرأة والرفق بها (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) وتقول عائشة رضي الله عنها ( كان صلى الله عليه وسلم في مهنة أهله (وفي تدل على الاستغراق كما يقول اللغويون):كان يرقع ثوبه ويخصف نعله ويحلب شاته) وأما المرأة الغربية فإن العنف ضدها أضعاف أضعاف ما عندنا واكتب في جوجل عبارة (العنف ضد المرأة )باللغة الإنجليزية وانظر ملايين الصفحات والقوانين والقرارات. فأينا أكثر تقديراً للمرأة نحن أم هم؟
وتحدث عن تطبيق الشريعة الإسلامية ولم يوف الموضوع حقه بل تناول السعودية بشيء من المعلومات الخاطئة والأفكار المسبقة بأن ذكر الوهابية وهذه تسمى في البحث العلمي التعميمات الجارفة. ولو أدرك حقيقة المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية لعرف أننا نريد أن نعيش حياة فيها صدق وأمانة وشفافية وأن يكون الرجل المناسب في المكان المناسب، وأن يراعي الحاكم أحوال أمته (من ولي من أمر المسلمين شيئاً فشق عليهم إلاّ شق الله عليه) ويريد المسلمون من تطبيق الشريعة الإسلامية أن يكون في الأمة محاسبية وشفافية ومن أين لك هذا، ويريد المسلمون أيضاً أن يكون الرجل المناسب في المكان المناسب لا أن توسد الأمور إلى غير أهلها فنكون قد وصلنا إلى قرب يوم القيامة.
وفي فصل آخر تحدث عن مفهوم الدين عند المسلمين ولكنه غرق في تعريف القارئ بمعنى كلمة الدين عند أساطين العلماء النصارى والفلاسفة. وكان الأولى أن يبدأ بالتعريف اللغوي للدين عندنا من معاجمنا لو كان يعرفها، ولو رجع إلى آيات القرآن الكريم التي أوردت لفظ الدين في أكثر من موضع، ومنها (إن الدين عند الله الإسلام) وفي آية أخرى (هو سمّاكم المسلمين). بل وقع المؤلف فيما وقع فيه قبله المستشرقون بأن زعم أن مصطلح الدين مصطلح غامض واستشهد بنقل عبارات طويلة من المستشرق الخطير ويلفرد كانتول سميث لأن القارئ العربي ربما لا يعرف هذا المستشرق ولأن مثل هؤلاء المستشرقين هم العمدة عنده.
وفي الحديث عن مصادر الإسلام وأشار إلى أن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم هي أحد هذه المصادر وإن كان قد اعترف بأنها دونت خيراً مما دونت سيرة عيسى عليه السلام ولكنه عاد ليقلل من شأن هذا التدوين بقوله:" بينما يبدو للوهلة الأولى أن حياة محمد صلى الله عليه وسلم موثقة بدرجة أكبر بكثير من خلال مصادر معاصرة (من عصر النبي) إلاّ أنه مع تعمق في الفحص يجد أن فصل محمد التاريخي عن محمد الإيماني هو بالدرجة نفسها من الصعوبة" ولا أدري كيف يكون الفصل بين محمد التاريخي ومحمد الإيماني؟ ولكنه قرن ذلك بما عند النصارى من فرق بين عيسى عليه السلام تاريخياً وإيمانياً.
وأورد حديثاً عن توضيح الرسول صلى الله عليه وسلم لأسس الإسلام في الحديث الصحيح الذي درسناه في الأربعين النووية وفيه (عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال بينما كنّا جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر وليس عليه أثر السفر ولا يعرفه منّا أحد فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم .. وسأله عن الإسلام وعن الإيمان وعن الإحسان) ويقول المؤلف في هذا الحديث: "يصف لنا لقاء بين محمد (صلى الله عليه وسلم) وشخصية مبهمة كانت عبارة عن الملك جبريل) فلماذا يروي الحديث بهذه الطريقة؟
وأختم بعبارة لفت نظري إليها أحد الطلاب أن المؤلف زعم أن المستشرقين أو المتخصصين في الدراسات العربية والإسلامية الغربيين لم يكن هدفهم في دراساتهم للإسلام خدمة الاستعمار أو الأهداف السياسية. فهذا من العجب العجاب فالأغلبية منهم في وقت من الأوقات عملوا في خدمة أهداف بلادهم السياسية والاقتصادية والثقافية ومازال كثير منهم يعمل لتلك الأهداف. كان على المؤلف أن يبتعد عن مثل هذه العبارات التي تنزه مجالاً معرفية ما وجد إلاّ ليحارب الإسلام ومازال.
نعم جامعة شمال كارولاينا لها مزايا وإيجابيات ولكن لن يكفينا كتاب واحد ولا معلومات سريعة وإنما نحتاج إلى أن نراجع كل تلك الدراسات ونتساءل كم عدد المسلمين في الجامعات الغربية الذين يدرسون مادة الإسلام أو يدرّسون عن الإسلام؟ ولماذا لا يستقطب للعمل في الجامعات الغربية إلاّ من كان عنده الجرأة وربما حتى الوقاحة في نقد الإسلام وتراثه ولا يسمح لمعتدلين من أبناء المسلمين أن يدرسوا الإسلام ولماذا يصرون على اختيار كتب معينة ويتجاهلون كتباً قيمة ألفها مسلمون وهي كثيرة؟









ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق