السبت، 28 يناير، 2017

من إنجازات نادي المدينة الأدبي

        
            
قبل أكثر من عشرين سنة (ضرب 2) دعاني الأخ الصديق عبد المؤمن القين لحضور اجتماع لأسرة الوادي المبارك وكنت في ذلك الحين في المرحلة الثانوية ، وكان من بين الحضور الأستاذ عبد العزيز الربيع رحمه الله تعالى وأستاذي عبد الرحيم أبو بكر رحمه الله ، والدكتور محمد العيد الخطراوي(رحمه الله) والأستاذ محمد هاشم رشيد (رحمه الله) وقد كان النقاش حول كتاب أدبي لا أذكره الآن فقد كنت طالباً في القسم العلمي وقد قيل لنا ما لكم وللأدب فالأمم تحتاج العلم أكثر مما تحتاج الأدب.
وقد رأت الرئاسة العامة لرعاية الشباب أن تؤسس الأندية الأدبية في مناطق المملكة المختلفة لرعاية الحركة الثقافية والفكرية وتنشيطها، ولتخرج بها من الجهد الفردي إلى الجهد الجماعي ، وقدمت لها الدعم المادي والمعنوي. وتحولت أسرة الوادي المبارك إلى النادي الأدبي بالمدينة المنورة. وبدأ النادي نشاطه المبارك منذ أكثر من ست عشرة سنة في مجالات النشاط المنبري والنشاط الأسبوعي والنشر . وقبل سنوات بدأ النادي بنشر مجلة علمية محكمة هي مجلة العقيق.
وفي هذا النادي بدأت أولى خطواتي في المحاضرات العامة- وقد كنت حديث عهد بالحياة العلمية بعد أكثر من اثنتي عشرة سنة من العمل الإداري- وإن كنت قد شرعت في التدريس لكن طلاب المعهد العالي للدعوة الإسلامية ( كلية الدعوة حالياً) لم يتجاوزوا العشرين طالباً في القاعة الواحدة. وقدمت نص محاضرة إلى الأستاذ محمد هاشم رشيد وبعد أيام قال لي ندعوك لإلقاء المحاضرة الأسبوع القادم. فذهبت إلى الدكتور محمد كامل خطاب أسأله عن كيفية إلقاء المحاضرات العامة وأقرأ أمامه بعض الأسطر . وزودني بإرشادات كثيرة تبخرت في أول لحظة واجهت فيها جمهور النادي الذي كان منهم تلك الليلة الدكتور أحمد الخراط ، والدكتور أكرم ضياء العمري ،  والدكتور وجيه عبد الرحمن والأستاذ زهير الخالدي.
وقد كانت تجربة مفيدة جداً فقد قرأت نص المحاضرة وكنت أمسك بالأوراق كأنني أخشى أن تطير من الملف. وأخطأت أخطاءً كثيرة. ولكن حسبي أنني بعد المحاضرة اتفقت مع أحد الناشرين على إعداد أربعة كتب. فما أبرك تلك المحاضرة وما أبرك النادي الذي ألقيت فيه.
واستمرت صلتي بهذا النادي المبارك في بعض المحاضرات العامة التي حضرتها وإن كانت قليلة_ ولكن النادي استضاف شخصيات  علمية بارزة من أبناء هذه البلاد المباركة بالإضافة إلى شخصيات إسلامية عالمية منهم الشيخ أبو الحسن الندوي والشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي وغيرهما.
وفي هذه المقالة أود الحديث عن كتاب صدر حديثاً عن النادي وهو دراسة مقارنة بين الأدبين العربي والغربي للدكتور عاصم حمدان. وقد سبق للنادي أن أصدر ثلاثة كتب للدكتور عاصم حمدان هي: المدينة المنورة بين الأدب والتاريخ ، وحارة المناخة، و شارع العنبرية. وهي كتب رائعة قدمت صوراً من الحياة الاجتماعية والثقافية لمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم في القرن الماضي. ومن كالدكتور عاصم يبدع في تقديم هذه الصور فقد عاش في المدينة المنورة يعرف شخصياتها وشخوصها ويعرف شوارعها وأحواشها. ويحمل لأهل المدينة المنورة من المحبة والاحترام والوفاء ما يجعلنا نطالبه بالمزيد من الكتابات حول طيبة الطيبة.
أما هذا الكتاب الذي فهو مجال لا يدعي الدكتور عاصم التخصص فيه ولكنه بذل جهداً عليماً مباركاً في القضايا التي تناولها . وقد كان تقديم الدكتور عادل محمد عطا إلياس إضافة متميزة حيث أكد على الجهد العلمي المتميز الذي بذله الدكتور عاصم في هذا الكتاب. لقد أكد الدكتور عاصم أن الأدب الغربي أفاد وتأثر بالأدب العربي بدون شك وقدم لذلك أدلة وحجج لا يمكن أن ينكرها إلاّ من لا يريد أن يعترف لأمتنا بالتفوق في أي مرحلة من مراحل تاريخها. إننا حين نذكر هذا التفوق ليس لمجرد الفخر والاعتزاز ولكن شحذاًَ للهمم وأننا باستطاعتنا متى ما تمسكنا بهويتنا الثقافية والحضارية أن نقدم للأمم الأخرى ما تحتاج إليه من قيم.
لقد كتب تشارلز دكينز عن المجتمع البريطاني الذي كانت تسوده الطبقية البغيضة وأن الذي يولد حداداً يجب أن يكون أولاده وأحفاده حدادين أو نجارين أو غير ذلك من المهن، أما التعليم والعلم والوظائف الراقية فهي حكر على طبقة النبلاء والأشراف. وقد كان العرب في جاهليتهم كذلك إلى حد ما ولما جاء الإسلام وأخطأ أحد المسلمين بتعيير آخر بأصله فما كان من الرسول الكريم إلاّ أن قال غاضباً (لقد طفّ الكيل ، طفّ الكيل. أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية.)
وأتوقف عند بحثه المعنون ( أنثوبولجيا "جيمس فريزر " وشكلانية ليفي شتراوس "من منطلق نقدي أوروبي) وفيه أتوقف عند كلمات جاك بيرك المستشرق الفرنسي المعروف-للأدباء العرب بأن يتمسكوا بثقافتهم المحلية وأن لا يعلقوا الآمال على الجوائز العالمية. ويدهشك الدكتور عاصم وهو الخبير- بعمق معرفته بالنظريات الأدبية الأوروبية التي يتشدق بها بعض أنصاف المثقفين ويقلدونها بعد أن تصبح بضاعة بائرة عند القوم.
وقد أشار الدكتور عاصم في المقارنة بين الأدبين العربي والغربي إلى نماذج من كتابات يزعمون أنها أدب وهي كتابات أمثال محمد شكري ويستحق الدكتور عاصم الإعجاب لدقة ملاحظاته وعمق معلوماته وغوصه وراء الأحداث وعدم الاكتفاء بالظواهر. فقد التبس على الكثيرين أن محمد شكري أديب وما هو بأديب.

إن الموضوعات التي قدمها الدكتور عاصم حمدان في كتابه إنما هي مقدمات لموضوعات تستحق بحوثاً وجهوداً أكبر، ومن هذه البحوث بحث (من يرسم الصورة العربية في المخيلة الغربية ؟) فإن هذا البحث يستحق أن يكون أكثر من كتاب. فإن اليهود الصهاينة استطاعوا أن يجعلوا من أنفسهم أوصياء على تقديم صورة العرب المسلمين للغرب. وقد كتب الأستاذ سالم المراياتي- أحد المسؤولين في المركز الإسلامي بلوس أنجلوس-  أن العرب المسلمين يواجهون حملة قوية صدهم تشبه الحملة التي قام بها النازيون ضد اليهود في ألمانيا. وقد أثبت أن الحملة الصهيونية اليهودية تتبع أساليب النازية نفسها.  فشكراً للدكتور عاصم حمدان على هذا الجهد العلمي، وشكراً لنادي المدينة الأدبي لنشره هذا البحث الذي يعد إضافة مهمة للبحث العلمي .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق