الخميس، 26 يناير 2017

ميامي وألمانيا عن طريق المدينة المنورة


ما أن عدت من الولايات المتحدة الأمريكية حتى أدركت أنني بحاجة إلى زيارة والدتي فقد وصلت الثلاثاء مساءً على الخطوط الألمانية، وكانت سيارتي في الصيانة فذهبت قبل صلاة الظهر لتسلمها، وفي طريقي إلى البيت فكرت بالاتصال بأمي لأعتذر لها عن القدوم لأنني متعب من السفر ثم عزمت أمري وقررت السفر ثم فكرت في أثناء الطريق أني مسافر إلى ألمانيا الأسبوع القادم فلا بد من زيارتها قبل سفري إلى ألمانيا، وهنا عدت إلى البيت لإعداد بعض مستلزمات الرحلة مثل القهوة المركزة (الاسبرسو) حتى لا أشتري من الطريق ولا تكون بجودة القهوة التي أعدها في البيت، وبعض المكسرات لأنني من المدنين على الفصفص حتى كنت أقول لأحد الباعة لا بد من تأليف جمعية لمكافحة الإدمان على الفصفص. وأخذ ملابسي وركبت السيارة إلى المدينة المنورة، ويبلغ طول الطريق ثمانمائة كيلو متر وثلاثين أو عشرين أو قريباً من ذلك، وبدأت المشوار: قرأت دعاء السفر وربطت الحزام وملأت خزان الوقود
وقصتي مع المدينة المنورة أنني أتشرف بالانتساب إلى هذه المدينة العظيمة، وهل تأملنا لماذا أطلق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم اسم (المدينة)، إنه لأمر عجيب فكل مدينة في الدنيا لها اسم والمدينة هي المدينة، أي أنها علم على المدن فلا يشاركها في اسمها مدينة أخرى ولا يمكن، حتى اسم مكة استخدم ليدل على المكان الذي يأتي إليه الناس ويحجون أما المدينة فهي المدينة وكفى. وانتسابي إلى المدينة المنورة ليس انتساب ميلاد ونشأة ونسب فقد ولدت في الكرك بالأردن وعشت فيها ثنتي عشرة سنة من حياتي ولكني أحب الانتساب إلى المدينة حباً وولاءً وإخلاصاً وتعظيماً وقناعة. أحاول أن أكون ممن يستحق النسبة لهذه البلدة الطيبة الطاهرة وأحاول التشبه والتقليد لأولئك القوم الذين عاشوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فأهل المدينة في القديم والحديث ألين جانباً وأطيب معشراً وألين عريكة، فهم الذين وصفهم الحق سبحانه وتعالى ( والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبل يحبون من هاجر إليهم ولا يجدوا في أنفهسم حاجة مما أوتوا ولو كان بهم خصاصة)
وأعود إلى السفر إلى المدينة التي يبدأ طريقها بالمرور بالقصيم وهو الجزء الأصعب من الطريق على الرغم من أنه الجزء الأكثر أنسا وحركة وأقصر. ولكن ما يزعج في الطريق إلى القصيم أن كثيراً من السيارات تسير بسرعة جنونية، ولا يريدون أن يعطوك الفرصة لتترك لهم المسار الأيسر بل إنهم يصرون بالنور العالي والاقتراب الخطر وكأن كل واحد من هؤلاء معه الزر النووي أو إنه ذاهب لإكمال تجاربه النووية التي لا يمكن أن تتأخر ثانية. وتتحمل وتبحث عن فجوة في المسار الأوسط لتهرب منهم وفي بعض الأوقات أؤشر لهم بيدي هذه الطريق أمامكم فلا تتأخروا وأحياناً أتكلم معهم وهم لا يسمعوني بكلمات تنفس عما بداخلي من هذا السلوك الهمجي وكأنهم لم يقرؤوا حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم في النهي عن ترويع المؤمن. وكنت أعتقد أن هذه السرعة الجنونية ليست من التحضر في شيء بل إن السرعة الجنونية التي يكون فيها مضايقة لرفقاء الطريق تدل على الهمجية والتوحش وأحياناً يخطر لي أن أطالب إدارة المرور بمنع هؤلاء من السفر براً، وليكن لديهم طائرات خاصة أو عليهم بالسفر جواً إن كانوا مستعجلين إلى هذه الدرجة. ومن الأفكار الجنونية أن بعض هؤلاء يستحق التعزير ولو كانت لدي درة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لهويت بها على رؤوسهم. ومرة قلت لأحد المستعجلين يا أخي تحتاج إلى ونانات تسير أمامك؟ لماذا كل هذه العجلة؟
وصلت المدينة المنورة بعد سبع ساعات ونصف تقريباً فأول منظر يصدم القادم إليها الجسور المعلقة، لا أقصد المعلقة في الهواء ولكن المعلقة في الإنجاز فترى الجسر وليس ضخماً ولا طويلاً ولا معقداً ولكنه جسر بسيط يربط بين نقطتين مسافة لا تزيد على نصف كيلو متر ولا يستغرق في بلاد العالم أكثر من بضعة أشهر ولكنه في المدينة المنورة يستغرق سنوات وسنوات. بل إن أحد الجسور بدأوا بتشييد الجزء الصاعد منه وتوقفوا لأن قضية نزع الملكيات وقطع النخيل لم تحل بعد. ويتساءل المرء لماذا لم تحل هذه المسائل قبل الشروع في بناء الجسر؟ ولكل جسر قصة في المدينة المنورة ولو كان لدي الوقت والمزاج لكتب رواية بعنوان (قصة جسر)، أتحدث فيها عن مشروعات الجسور في المدينة المنورة وكم استغرق كل جسر ومن المقاول وكم قيمة كل مقاولة وكم جسراً تبني بدلاً من جسر أو جسرين أو أكثر. لكتبت كثيراً عن فن بناء الجسور في التاريخ الإسلامي وكيف أننا ربما كنّا أكثر تقدماً من زمننا هذا.
وفي المدينة المنورة أيضاً هناك قصة أرصفة شارع قباء التي بنيت وهدمت وأعيد بناؤها مئات المرات، فقد كنت أسير في طريق قباء متجهاً من الجنوب إلى الشمال، أي من جهة قباء إلى المسجد النبوي الشريف وقبل نهاية الطريق أو عندما ما كان يسمى (باب قباء) إذ بالأرصفة مهدمة أو مدمرة وهناك مقاول يقوم بإعادة بناء الجسر وفكرت من جديد في أن أرصفة قباء هذه تستحق أن يكتب فيها كتاب أو أكثر. يبدأ الكتاب بتاريخ الشارع متى افتتح وكيف كان أول رصيف له، كم كان عرض الرصيف من الجهتين وكم بقي للشارع، ولماذا لشارع قباء شارعان أحدهما صعوداً إلى قباء والثاني نزولاً إلى المسجد النبوي الشريف؟ وبعد الرصيف الأول متى كان هدم هذا الرصيف، ولكن لا بد أن ندرس الرصيف الأول من حيث مواصفاته طولاً وعرضاً والمواد التي بني منها، وكم كانت التكلفة، وكم عدد العمال الذين عملوا في بنائه، ومن كان رئيس البلدية حين ذاك ومن المقاول؟ ثم متى كان أول هدم لأول رصيف ونعيد المعلومات نفسها، ومتى كانت المرة الثالثة والرابعة والخامسة والعاشرة؟
وأمضيت في المدينة يومين رجعت بعدها لأستعد للسفرة التالية بعد أن قررت أن يكون غيابي فرصة للطلاب لحل اختبار الكتاب المفتوح في مادة مجتمع الأمة الإسلامية (سلم 454) ومادة فقه السيرة النبوية (437سلم) ومادة أسس النظام السياسي في الإسلام (سلم 104) وأعطيت الطلاب الأسئلة وشرحت لهم معنى الأسئلة وما يمكن أن يكتب في الإجابة حتى إن أحد الطلاب لحقني بعد المحاضرة ليقول أستاذ أنا أحب مادتك فهي حيوية ومفيدة.
وفي المدينة ذهبت إلى مقهى الباشا لأشرب الشاي الأخضر أو الأتاي المغربي ولأمر بصالون الحلاقة فلا يضيع وقت الانتظار هدراً أقوم ببعض الترجمة (وقد ترجمت كثيراً في هذا المكان) وتساءلت ما معنى لقب (باشا) فهو لقب تشريفي تركي كان السلطان ينعم (!) كما يقولون على بعض الناس لقاء خدماتهم للدولة (قيل أصبح يشترى فيما بعد، وهكذا حال الدول في آخر أيامها) وبين الصالون المقهى محل اسم (مغاسل المستقبل) وتساءلت عن معنى الاسم، أي مستقبل يحتاج إلى الغسيل؟ أو إن الأدوات التي يتسخدمها أصحاب المحل جاءت من المستقبل؟
أما لفظ الباشا فقد أصبح دارجاً عندنا فعندما نريد أن نظهر احترامنا للشخص أو نتلطف في ندائه فنقول له (يا باشا) وتساءلت هل في العالم العربي مثل هذه الألقاب؟ أو إن العرب عزفوا عن الألقاب ومع ذلك فقد وجدت أننا نقول:جلالة الملك المعظم، ومعالي الوزير ، وسعادة المدير العام وسماحة الشيخ ، وفضيلة الشيخ، وأخيراً ينال بعضنا عبارة المكرم وهي أدنى عبارات التبجيل، وربما حتى المكرم فيقولون (السيد فلان) وبدون أن نناقش معنى كل عبارة أتوقف عند (المكرم) التي كانت تبدأ بها خطابات كثيرة أعرفها –لا أقول موجهة لمن- فالمكرم في الخطاب يهان ويذل ويشتم وتجرح كرامته أو تذبح من الوريد إلى الوريد وبعد ذلك وقبله هو (المكرم) فهل هي كما عرف العرب أسماء الأضداد حين كانوا يطلقون على الجمل الأجرب السليم، فهل يقصدون بالمكرم العكس؟ لا أدري وهنا توقف مازن عن الكلام المباح...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق