السبت، 28 يناير، 2017

حارة المناخة


حارة المناخة: صورة أدبية للمدينة المنورة في القرن الرابع عشر الهجري
تأليف د. عاصم حمدان ، عرض مازن مطبقاني
        يقولون إن الماضي لا يعود لأن قوانين الفيزياء تقوله بأنه لا يمكن لجسمين أن يحتلا حيزاً واحداً، ولا شك أنّ هذا صحيح في عالم المادة والجمادات، ولكن هذه القاعدة لا تنطبق على عالم الفكر والروح؛ فالماضي يعود رغم أن الزمن يسير في طريقه إلى الأمام.
        وها هو كتاب "حارة المناخة: صور أدبية للمدينة المنورة في القرن الرابع عشر الهجري" للدكتور الأديب المبدع عاصم حمدان يعيد ماضي مدينة الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم القريب بمشاهدات رائعة في حقيقتها، ورائعة في تصويرها.
        ليست هذه هي المرة الأولى التي اعيش فيها مع أبداعات صديقي الدكتور عاصم قد منّ الله عليه بإصدار كتابه الأول "المدينة المنورة بين الأدب والتاريخ" فمزج الدب بالتاريخ وتناول قضيايا أدبية وأخرى تاريخية بأسلوب علمي أدبي رفيع وقد كان هذا الكتاب مفتاحاً لبحوث علمية لو صادفت همة الشباب الجامعي والأساتذة الموجهين.
        وجاء كتابه الثاني "حارة الأغوات" لنعيش من جديد قرب المسجد النبوي الشريف، ونتجول في أطهر البقاع على الأرض فنتعرف إلى جيران المصطفى صلى الله عليه وسلم وهم يمضون حياتهم بطمأنينة وسكينة، ونسير في سكك المدينة وأزقتها وأحواشها.
        ويأتي كتاب "حارة المناخة" ليبدأ بموقعها وأهميتها، وما كان يجري فيها من نشاط منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ إنها ساحة إعداد المسلمين لتحمل أعباء الدعوة، إنها التربية العسكرية الرياضة ذات الهدف وليست رياضة التسلية والترفيه، رياضة البناء وليست رياضة الهدم، إنّه جيننا الحنيف الذي ينادي بأنّ "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف" ويشير إلى مسجد السبق المكان الذي كان يتخذه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم للإشراف على هذه النشاطات ، بل كان يمارس بعضها أحياناً
        ولئن كان الكتاب صوراً أدبية كما يشير مؤلفه لكن الأدب ليس رصف كلامات وتزيين القول ففي صفحات الكتاب جولات في تربية النفس وتزكيتها.
        إن النماذج التي يختارها الدكتور عاصم وإن كانت- في معظمها –لأناس عاديين لكنهم بلغوا درجات عالية من الطهر والنقاء والصفاء ، لد تغلبوا على الحقاد والإحن والحزازات – ما أروع الاختيار ، هذا الذي فتح أبواب بيته للناس من طلبة علم وغيرهم وذلك الذي طالما مشى في ساحات المدينة باحثاً عن قلوب كسيرة ليداوي جراحها بذلك البلسم الذي هداه الله إليه؛ إنّه الإيمان.
        واستمع إليه يحدثك عن هذا الرجل بحديثه إليه : كنت تضع بين أيديهم كل ما تحمله من زاد ولا بأس عليك إذا ظللت جائعاً وشبع الآخرون، ولا ضير عليك إذا دبت ليلاً إلى دارك ويدك خالية من الدراهم، لقد كنت أعجب كل العجب كيف يتأتي لنفس أن تؤثر الآخرين على نفسها مثل هذا الإيثار ويأتينا السبب بدرس بليغ في تزكية النّفس ولكنك اكتسبت هذا وغيره بما كان يردده لسانك وقلبك معاً من ذكر الله الباقي، والتدبر في ملكوته العظيم والذكر والتدبّر يقودان إلى الحقيقة؛ والحقيقة أن البقاء لله وحده وما سواه فانٍ.
        وما زلت أذكر منذ قرأت الكتاب في "الأربعاء"تلك القصة التي تشبه الأساطير خيالاً؛ ذلك الرجل من أهل طيبة الطيبة الذي لم يخف الموت ، بل كان يدرك أنه إذا جاءه الموت سيكون ثابت الجأش راضي النفس فوصفه الدكتور عاصم بقلمه المفعم بالعواطف والخيال؛ كيف خرج من بيته يوم الجمعة متطهراً متطيباً وفي منتصف الطريق" عاد إلى البيت ثانية، ولم يكن في الدار إلّا السيّدة الكريمة زوجته ودّعها من أسفل بكلمات مقتضبة ثم تمدّد على الأرض متوجهاً إلى القبلة وقرأ شيئاً من القرآن ونطق بالشهادتين وعندما وصلت زوجته من الجزء العلوي من الدار حيث كانت تجلس كان صاحبنا قد ودّع الحياة ودّعها في طمأنينة وهدوء"
        كثيرة هي المواقف والصور في هذا الكتاب التي تستحق أن نستعيدها ونبدي إعجابنا بها ولكن لا بد من اختيار بعضها فالدكتور عاصم يطعّم كتابة بين الحين والآخر بمناوشات يستدعيها المقام، فهو يذكر قصيدة محمد علي النجّار التي مطلعها
                لطيبة ميثاق عليّ قديم      إذا ذُكرت يوما لديّ أهيم
فهذا شعر جميل ورصين وهكذا كان شعراء المدينة وما لايزالون –إلّا من انحرف، وهم قلة- وقد ظهرت موجة الشعر الذي لا يستحق أن يسمى شعراً، واستشهد الدكتور عاصم بكلام نزار قبّاني الذي سمّى هذا الشعر بالشعر "الهيروغليفي"
        أما أصحاب هذا الشعر فقد كان لعلّامة الجزائر الشيخ البشير الإبراهيمي –رحمه الله – رأي مفاده أن اللغة العربية تضيف واو نوناً لجمع المذكر السالم، وألفاً وتاء لجمع المؤنث السالم وهو سيضيف لهم واواً ونوناً وألفاً وتاء بحيث يوصفون بأنهم "مجددونات" أما اسم هذا الجمع الجديد فهو جمع "المخنث السالم"
        وتناول الدكتور عاصم في صفحة 66 ما زعم أحد "الطاهات" الجدد (نسبة إلى طه حسين) الذي عاد من بعثة دراسية وهو يحمل شهادة (دكتوراة) زعم فيها أو طعن فيها في فصاحة قريش ووجد من يسانده في ساحتنا الأدبية، فوجّه الدكتور عاصم سهام نقده بقوله: "ومع هذا فقد ارتفع في الساحة الأدبية بيننا صوت نشاز يدّعي أن لغة قريش لم تكن فصيحة ورأيت أقوماً يشايعونه، وآخرين يتملقونه ونسي الذين يشايعونه وأولئك الذين يجاملونه لأسباب  لاأفقهها أن الطعن في فصاحة لغة قريش هو الطعن في لغة القرآن"
        ولقد قرأت هذا الكلام وتمنيت حينها أن ينازل الدكتور عاصم هؤلاء المفتونين بالغرب ونظرياته الألسنية والأرجلية ببحث علمي رصين ويسمّيهم بأسمائهم فهؤلاء لا يغنى معهم التلميح (فالتلميح تفهمه ذوو الألباب) ولو كان لهؤلاء ألباب لما قالوا ما قالوا؛ لأن فضح هؤلاء واجب إسلامي لأنهم مصرّون على باطلهم وانحرافهم ولا بد من حماية أبنائنا الطلاب من سمومهم.
        شكراً للدكتور الحبيب عاصم حمدان على لمسات الوفاء لجيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ولدعوته الصادقة لتزكية النفس وتطهيرها وتهنئة له على هذا النجاح الكبير وأسأل الله أن يزيده توفيقاً وأن يعينه على الاستمرار في هذا العمل المبارك.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق