الأربعاء، 28 ديسمبر، 2016

لقاء في صحيفة الاقتصادية يوم كنت مرغوباً

أكّد أن التفكير الأحادي سبب تخلف المسلمين د. مازن مطبقاني لـ "الاقتصادية":
باحث أمريكي تساءل: لماذا لإسلام قسّم الناس إلى أقسام كثيرة؟
الجمعة الموافق 18 إبريل 2008 العدد 5303
أكد الدكتور مازن مطبقاني الأستاذ في جامعة الملك سعود أنه طالب بدراسة الغرب منذ عاد من دراسته في التسعينيات الهجرية (السبعينيات الميلادية) وقال إن الغرب درس العالم العربي والإسلامي وشكل فريقا مدعوما من الحكومات ولذلك تقدم وعرف كل شيء عنا ونحن لم نتقدم خطوة للأمام، وأوضح أن العلماء الغربيين عندما يجدون من يقارعهم بالحجة يتراجعون عن أفكارهم والتصورات التي علقت في أذهانهم ولذلك كان لي مع بعضهم مناقشات مفيدة. وتحدث المطبقاني عن أمور أخرى متعددة وركز على ضرورة الاهتمام بالجانب البحثي من قبل الجهات ذات الاختصاص في العالم العربي والإسلامي فإلى الحوار:
نشاطات هائلة
دكتور مازن عندما يقلب أي شخص النظر في سيرتكم الذاتية يرى ما شاء الله كمّاً هائلاً من النشاطات والأعمال في المجالات العلمية والعملية وصولاً إلى الإعلامية. كيف بعد توفيق الله سبحانه وتعالى تحقق لكم ذلك؟
كما ذكرت أن أول أمر هو توفيق الله عز وجل، فإن الإنسان إن ركن إلى اجتهاده فربما يكون اجتهاده هو الذي يقضي عليه. فالتوفيق ثم التوفيق هو أهم أمر أعتقد أنه قادني إلى القيام بهذه الأعمال التي يمكن أن تراها كثيرة، ولكني في الوقت نفسه أراها إنجازات متواضعة جداً.
ولكني أقول إن الإنسان المسلم عليه أن يدرك أنه يحمل مسؤولية كبيرة، وعليه أن يبذل الجهد ليؤدي هذه المسؤولية. وأريد أن أبوح لك وللقراء بأمر ربما لا يعرفه الكثيرون وهو أنني بعد أن حصلت على درجة الدكتوراة بدأت في الكتابة إلى الأندية الأدبية أعرض عليهم رغبتي في إلقاء محاضرات لديهم، وكان من هذه الأندية نادي مكة المكرمة، نادي جازان، نادي جدة، نادي الباحة، نادي الرياض، ونادي حائل. أما أندية أبها والمنطقة الشرقية فقد تعرفت إلى إخوة كرام يعملون فيهما فطلبت إليهم أن يسعوا لدى الإدارة لتوجيه الدعوة لي لتقديم محاضرات. أما نادي المدينة المنورة الأدبي فقدمت فيه محاضرة قبل حصولي على الدكتوراة وبناء على اقتراح منّي. أما لماذا استخدمت هذا الأسلوب فالأمر بسيط: المسؤولون في هذه الأندية لا يعرفون من مازن مطبقاني، وأنا في حاجة للبحث والدراسة فكل محاضرة كانت تصبح بحثاً أكاديمياً يصلح للنشر في أي مجلة علمية محكمة. بل إنني سعيت لإلقاء محاضرة في المجمع الثقافي في أبو ظبي عن طريق الأخ الدكتور محمد الركن.(فكّ الله أسره)
مواقف في الجامعة
لكم تجربة ثرية في مجال الاستشراق فهل هناك موقف معين دفعكم للدراسة في هذا المجال؟
ليس الأمر مرتبطا بموقف واحد معين، ولكنها مجموعة مواقف، ربما كان أولها رغبتي الشديدة إلى السكنى في المدينة المنورة لأكون في مدينة الحبيب، صلى الله عليه وسلم، وثانياً لأكون بجوار والدي لعلي أكسب رضاهما.(رحمهما الله) ولما أتيحت لي الفرصة للالتحاق بكلية الدعوة في المدينة المنورة قسم الاستشراق لم أعرف عن دراسات تناولت الاستشراق بعمق وتفصيل، ولكن كان الكتاب المقرر علينا في التاريخ الإسلامي في السنة الأولى في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، قسم التاريخ هو كتاب الدكتور حسن إبراهيم حسن تاريخ الإسلام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. فوجدت كثيراً من آراء المستشرقين مبثوثة في الكتاب يعزوها المؤلف لأصحابها أحياناً وأحياناً ينتحلها لنفسه. وقد كتبت عشر ورقات أنتقد فيها الكتاب، ما تزال مسودتها لدي، وكان ذلك في عام 1394هـ. والذي قادني للوعي بانتقاد المستشرقين أو الحس النقدي أنني ابتعثت إلى الولايات المتحدة بعد حصولي على الثانوية عام 1388هـ، وكان لدي بعض الحس النقدي فقوي هناك لما يعرف عن المناخ العلمي والفكري والسياسي في أمريكا وأوروبا عموماً.
وشاء الله أن ألتحق ببرنامج الماجستير في قسم التاريخ في جامعة الملك عبد العزيز أيضاً عام 1399/1400هـ فكان معظم الأساتذة ممن درس في الجامعات الغربية فكانوا يبثون الاهتمام والاحترام لكتابات الغربيين.
طمس الهوية العربية الإسلامية للجزائر
ثم كان اختياري لموضوع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية فكان عليّ أن أقرأ صحف الجمعية ومجلاتها وكتابات أصحابها فاطلعت على أثر المستشرقين في توجيه الحياة الفكرية والثقافية في الجزائر، وكان من ذلك جهودهم الحثيثة لطمس الهوية العربية الإسلامية للجزائر، ومحاربة المعتقدات الجزائرية، والطعن في القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهرة. فلم تكن قراءاتي في أدبيات الجمعية فقط لإعداد البحث ولكن تثقفت بالوضع الثقافي والفكري والاجتماعي لهذا البلد العربي المسلم العظيم. وكان مما قرأت ردود الشيخ عبد الحميد بن باديس وصحفه ومجلاته على كتابات المستشرقين، وتوجيه النقد إليهم لارتباطهم بالحكومة الفرنسية والعمل على خدمة أهداف الاستعمار.
كما أفادني في توجيه اهتمامي بالاستشراق أنني بعد أن عدت من الولايات المتحدة وبدون شهادة كنت أبحث عن وظيفة فأفدت من الوقت بالقراءة في بعض الكتب التي كان يقرؤها كثير من الشباب مثل كتب أبي الحسن الندوي ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، وكتب أبي الأعلى المودودي وكتب محمد محمد حسين حصوننا مهددة من داخلها، والإسلام والحضارة الغربية، وكتب يوسف القرضاوي حتمية الحل الإسلامي، وكتب محمد قطب ، وسيد قطب ، وكتب محمد سعيد رمضان البوطي، وسعيد حوى وغيرهم. أفادتني هذه الكتب بأن الإسلام والمسلمين يتعرضون لهجوم شرس من الغرب الذي احتل البلاد وعبث بمناهجها الدراسية، وشجع الابتعاث إلى دياره ليربي عدداً من أبناء المسلمين على عينه ليكونوا له عوناً وسنداً.
وبالفعل لمّا أنشئ قسم الاستشراق عام 1403هـ لم يكن هناك اهتمام بالاستشراق اهتماماً مؤسساتياً إلاّ بجامعة الإمام حيث أنشئت وحدة الاستشراق والتنصير في مركز البحوث في الرياض وعمل بها أساتذة كبار من أمثال الدكتور محمد فتحي عثمان وقاسم السامرائي والسيد محمد الشاهد. وأنتجت بعض الأعمال المهمة في هذا المجال. وكانت هناك كتابات متفرقة مثل ما جاء في كتاب الدكتور محمد البهي "الفكر الإسلامي الحديث" وصلته بالاستعمار الغربي حيث ترجم البهي مقالة عبد اللطيف الطيباوي "نقد المستشرقين الناطقين باللغة الإنجليزية" وقدم تصنيفاً للمستشرقين. وكانت هناك جهود متفرقة في مجلة "الرسالة" وبعض مشايخ الأزهر. وكان أبرز جهد هو ما قام به الدكتور مصطفى السباعي ـ رحمه الله ـ في كتابه السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ولو كان للدكتور السباعي تلاميذ أخذوا عنه هذا الاهتمام لسبقتنا سوريا بعشرات السنين، ولكن شاء الله أن يدخر هذا الفضل لهذه البلاد بتأسيس هذه المؤسسات الكبيرة.
يعاني العالم الإسلامي من الإهمال في الدراسات الأكاديمية في مختلف المجالات وخصوصاً في مجال الدراسات الإسلامية والاستشراق حيث لا تتوافر الحوافز المناسبة للباحثين سواء من الجانب المادي أو المعنوي ولا يتم تقديم التقدير المناسب للعمل البحثي إلى ماذا تعزو ذلك؟
دون شك أننا في حاجة إلى الاهتمام بالبحوث والدراسات في شتى المجالات وجامعاتنا من المستحسن أن تكون لها مشاركة فاعلة في هذا الجانب والمساهمة في سد هذا العجز خصوصا أن البحوث العلمية والدراسات تعيشان معاناة كبيرة في العالم العربي والإسلامي أسوة بالمعاناة في المجالات المختلفة. ولعلي استشهد بكلام نفيس من كتاب الدكتور فاروق حمادة وعنوانه أسس العلم وضوابطه في السنّة النبوية، وقد تناول المؤلف فيه أهمية العلم في الإسلام منذ نشأته في المدينة المنورة، وقال ما نصّه:" إن الأمة الإسلامية في بدء أمرها سادت بالعلم والتمسك بهذا المفهوم وإعلاء شأنه، وفي انحدارها انتكست بتنحيته والإعراض عنه، وهاهي تدفع ثمن المعرفة والعلم غالياً؛ فهي مستهلِكة لسلعة غيرها بأبهظ الأثمان ولا بد من إعادة مفهوم السيادة العلمية والمعرفية لشرايين الأمة الميتة لتدب فيها الحياة من جديد، ولا بد من إشاعته وجعله مقياساً أسمى في حياة الأمة وعطائها".
وقد مررت بتجارب شخصية وجدت أن العلم والاجتهاد يواجهان بالعقبات والعراقيل والاستهزاء والسخرية، ويعدان نوعاً من التمرد وهذا والله فهم سقيم للنظام فمدير جامعة صرح ذات مرة لأحد أعضاء هيئة التدريس قائلاً:" لا تظن أن التفرغ العلمي من حقك، بل هو أمر تمنّ به الجامعة عليك." فكيف تظن أن أستاذاً يبدع في هذه الأجواء. والحقيقة أن بلادنا حين أتاحت فرصة الدراسات العليا الابتعاث كانت ومازالت تهدف إلى الإفادة من طاقات أبنائها، وتنتظر منهم أن يسهموا في نهضة البلاد وتقدمها العلمي لا أن يتقوقعوا ويعيشوا في بروج عاجية أو يستسلموا لفهم عقيم للنظام.
حوارات مع المستشرقين
هل كانت لكم حوارات مع بعض المستشرقين الغربيين في المؤتمرات التي تحضرها ؟
من الصعب الحديث عن النفس، ولكني سأذكر أن المستشرقين يتطلعون إلى مشاركاتنا في مؤتمراتهم وندواتهم، وهي في الغالب مشاركة ضعيفة وتخضع في كثير من الأحيان للمجاملات، وتكون ضعيفة أحياناً حين نختار الأشخاص الذين تنقصهم الكفاءة لتقديم بحوث علمية متميزة أو لإجراء حوار حقيقي. فقد شهدت مؤتمراً في هولندا شارك فيه عدد من العلماء من بلد عربي لم يكن أحد منهم – تقريباً - يتقن أي لغة أجنبية. وحتى لو كان المستشرقون يعرفون العربية فكثير منهم معرفتهم لا تسمح لهم بالنقاش والحوار الطويل باللغة العربية.
وقد كنت أتحدث ذات مرة مع الدكتور أحمد الخراط فأشار علي بتدوين بعض مشاهداتي في هذه المؤتمرات. ولكني سأذكر بعض هذه الأحداث دون تعليق. في مؤتمر لمعهد بيروت للاتصال بالجامعة اللبنانية الأمريكية تحدث باحث أمريكي من جامعة سياتل في ولاية واشنطن (أقصى غرب الولايات المتحدة) عن التنميط في الإسلام فأشار إلى أن الإسلام قسّم الناس إلى أقسام كثيرة منها المرأة والرجل والصغير والكبير أو البالغ والقاصر، والحر والعبد، والحاضر والباد وغير ذلك. فكان لي حوار معه أن هذا التقسيم إنما قصد منه تحديد الحقوق والواجبات وتنظيم أمور المجتمع، أما الإسلام فإنه يحارب التنميط الذي يؤدي إلى التمييز والتفرقة والتحيز وهضم الحقوق، وأشرت إلى الحادثة التي وقعت بين أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وبلال بن رباح رضي الله عنه، وكيف عيّر أبو ذر بلالاً بأمه، فما كان من الرسول، صلى الله عليه وسلم، إلاّ أن غضب وقال:(أعيّرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية)، فما كان من أبي ذر إلاّ أن وضع خده على الأرض ليطأ عليه بلال اعتذاراً وندماً. وسمعت زوجتي التي كانت تحضر المؤتمر معي كيف أن البعض كان مسروراً بهذا الكلام عن الإسلام. وبعد يوم من تلك الجلسة تقدم إلي أستاذ علم الاجتماع في الجامعة نفسها ليقول إنه وتلاميذه خصصوا محاضرة كاملة للحديث عن تعليقي. أما المستشرق فقد أشاد بتخصصي في الاستشراق وقبل ما قلت.
وفي مؤتمر علمي في بولندا انتقد أحد المستشرقين الباحثين المسلمين أنهم يلجأون إلى الدفاع التبريري وامتداح الإسلام، وأشار إلى أن علينا أن يكون لدينا حس نقدي لنقد الإسلام وأوضاع المسلمين. فقلت له وأنتم أيها المستشرقون هل منكم من ينتقد الاستشراق وأهدافه وارتباطه بالمصالح السياسية والاقتصادية والثقافية لبلادكم. انظر إلى الفرنسيين كانوا يطلقون على الجزائريين في فترة الاحتلال أنهم يكرهون الأجنبي. فقلت له هذا الأجنبي الذي يعيش في أجمل الأحياء ويعيش في القصور وفي ترف بينما كان معظم الشعب الجزائري يعاني من المرض والفقر والجهل. ألا يحق له أن يكره هذا الأجنبي. ثم إن الفرنسي إن أحضر خادمة إلى بيته أطلق عليها (فاطمة) وإن أحضر خادماً رجلاً أسماه محمداً، إلا يحق للجزائريين أن يكرهوا الفرنسيين؟ فسكت المستشرق.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق