الثلاثاء، 22 نوفمبر 2016

وصحبة ماجد أو غير ماجد - من أروقة المؤتمرات


يقول المثل العامي (معرفة الرجال غنيمة) وأود أن أضيف (معرفة الناس تجارة) والشافعي جعل صحبة ماجد أحد فوائد السفر  الخمس، وهناك من جعلها سبع، ولكن هاهي الخمس:
تغرب عن الأوطان في طلب العلا           وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفريج هم واكتساب معيشة                    وعلم وآداب وصحبة مـــــــاجد
وفي أحد المقالات التي تقدم نصائح لمن يحضر المؤتمرات أن يكون الباحث أو الأستاذ جريئاً في الحرص على التعرف على الآخرين فهم قد جاؤوا لمثل هذا الهدف. وعلى الرغم مما أجده في نفسي من خجل في التعرف إلى الآخرين وبخاصة حين أكون الوحيد من جامعتي أو من العالم العربي فأضطر إلى المشي وحيداً وإلى الجلوس في صالة الطعام وحيداً حتى يشاركني غيري. ولكن أجد نفسي جريئاً في مواقف أخرى، ففي أحد المؤتمرات كانت هناك نزهة بحرية أو نهرية وجلست مع زوجتي وكان بالقرب منّا طاولة يجلس إليها عدد من الأساتذة الأمريكيين فسمعت طرف الحديث وكان يهمني فقمت إليهم وقلت إن ما تتحدثون به هو جزء من اختصاصي فهل تسمحون لي بالاشتراك معكم؟ وقدمت نفسي ورحبوا وكان حديثاً شيقاً وتبادلت بطاقات الزيارة مع عدد منهم.
وفي هذ المؤتمر تعرفت إلى عدد من الأساتذة الذين يجمعهم بعض الأمور المشتركة وهي الانتقال إلى العمل في اليابان وكيف أن المقام قد طاب لهم في تلك الديار. وأولهم أستاذ إثيوبي متخصص في الاقتصاد درس في بريطانيا في جامعة لندن وفي مدرسة الاقتصاد والعلوم السياسية، كما درس في جامعة أكسفورد فحصل على فرصة التدريس في اليابان وهو مقيم في اليابان منذ خمس سنوات.
وفيما أنا استمع إلى المذياع في صبيحة يوم الجمعة في الرياض عندما كنت ذاهباً لشراء صحن فول إذ بالبرنامج مع رواد الثقافة للدكتور سعد القحطاني وكان الضيف أستاذ تونسي أتيحت له الفرصة للتدريس في السنغال ثم في جزر القمر حيث أمضى في جزر القمر ثلاث سنوات، فوقع في نفسي الغبطة لهؤلاء الذين أتيحت لهم الفرصة للعمل في عدة دول والإفادة من الاحتكاك بشعوب مختلفة. ولكني تذكرت أنني أيضاً أتيحت لي الفرصة للعمل في الخطوط السعودية والسفر إلى أنحاء كثيرة من العالم، صحيح أنه لم تتح لي الإقامة إلاّ في إكستر عدة أشهر ولكني حصلت على فرص طيبة وأحمد الله عز وجل على توفيقه،  وأحب أن أتذكر دائماً قول الله عز وجل (وما بكم من نعمة فمن الله)
ومن الأشخاص الذين قابلت في المؤتمر أستاذ أمريكي وهو إم جي شلفتول M. G. Sheftall وهو أستاذ مشارك في جامعة شيزوكا في كلية المعلوميات University of Shizuoka فسألته ماذا تدرس اليابانيين قال، نظرية الاتصال ، قلت أهي نظرية أو نظريات؟ قال نظريات ولكن أطلق هذا المصطلح على المادة، قلت وهل تدرّس مواد أخرى؟ قال نعم. تاريخ اليابان الحديث، فأسرعت إلى القول من "من وجهة النظر الأمريكية؟" قال: لا من وجهة نظري الخاصة فقد عشت في هذه البلاد ، خمس وعشرين سنة أي أكثر من أعمار بعض طلابي. وأعرف من الحقائق الكثير عن تاريخ اليابان الحديث. وتعجبت كيف يعيش أمريكي كل تلك السنين في اليابان، ولكني تذكرت أستاذاً ألمانياً متخصصاً في العلوم السياسية قابلته في جامعة طوكيو حينما كنت ضيفاً للمؤسسة اليابانية ودعينا لمحاضرة للسفير البلجيكي حول الاتحاد الأوروبي والنظريات التي تنادي بتوسيع الاتحاد والنظريات الأخرى المطالبة بعدم التوسع في عضوية الاتحاد. وكان من بين الحديث مع السفير البلجيكي عن انضمام تركيا، فقال من المستحيل أن يقبل الاتحاد الأوروبي تركيا، فهي بالإضافة إلى كونها دولة مسلمة ولكنها تأتي بتاريخ طويل وهو الدولة العثمانية والنفوذ في العالم التركي وهي معظم جمهوريات آسيا الوسطى التي تشترك مع الأتراك في العرق واللغة. وكان الأستاذ الألماني الذي يدرّس الطلاب اليابانيين أيضاً قد أقام في اليابان ما يزيد على عشرين سنة.
وأعرف نموذجاً ثالثاً وهو الدكتور سمير  عبد الحميد المتخصص في لغات وآداب شبه القارة الهندية وبخاصة الأردو واللغة الفارسية، أتيحت له الفرصة للعمل في اليابان فتزوج امرأة يابانية وأتقن اللغة اليابانية وقد بلغ أولاده الآن سن الجامعة فعاد إلى اليابان ليعيش فيها من جديد.
كما قابلت باحثين آخرين من عدة جامعات أوروبية وأمريكية وهم متخصصون في الدراسات الأسيوية فهذه باحثة مجرية أعدت رسالة الدكتوراه حل المنظمة الأسيوية التي تسمى آسيان وقد كتبت على بطاقتها (بطاقة الزيارة) مستشرقة ومؤرخة وباحثة) وتقول إنه ليس عندها وظيفة في الوقت الحاضرة فكتبت تلك التعريفات.
وكان لي لقاء مع موظف العلاقات العامة ببنك التنمية الأسيوي، وكذلك مندوبة الرابطة النوردكية للدراسات الأسيوية ومن ضمن الحديث معها تناولت مشروعها في إصدار كتاب حول (كيف تنشر كتابك؟) ويتناول الكتاب أيضاً أن يقوم المؤلف بنشر كتابه بنفسه بعيداً عن دور النشر. ودار الحديث أيضاً حضور المؤتمرات وأهميتها. وقلت لها يوجد لديكم رابطة لدراسات الشرق الأوسط تعقد مؤتمراً سنوياً ، فقالت إنه لا علم لها بمثل هذه الرابطة وكان لدي ورقة فيها إعلان عن المؤتمر، ففرحت بالمعلومة وأخبرتني أنها ستفيد من هذا الأمر لتعرض كتاباً نشرته رابطة الدراسات الأسيوية على رابطة دراسات الشرق الأوسط لبيعه من خلالهم وفي مؤتمرهم القادم.
وتساءلت هل عيب أن نهتم بشؤون العالم؟ وهل خطأ أن نغيب حين يحضر الآخرون؟ لماذا نحضر؟ ولماذا نغيب؟ وقد ذكرت أنه كان من المقرر أن تعقد أكثر من جلسة حول موضوع جوانب من الإسلام ولكن نظراً لغياب الباحثين فقد تم دمج الجلسات كلها في جلسة واحدة. فأتساءل أين الجمعية السعودية لعلوم العقيدة والمذاهب المعاصرة؟ وأين الجمعية الجديدة التي أعلنت في القصيم قبل عدة أشهر عن الإسلام والقضايا الفكرية، وأين الجمعيات الأخرى مثل جمعية العلوم السياسية وجمعية الجغرافيين وجمعية كذا وجمعية كذا؟
لقد لفت انتباهي التهافت العجيب على مؤتمرات في بلاد سياحية مثل ماليزيا ومصر والأردن . وعلى الرغم من أن قضية اللغة في المؤتمرات الدولية قد تكون عائقاً ولكن لدينا والحمد لله جيش من الأساتذة الذين درسوا في الغرب ويتقنون اللغات الأجنبية فلماذا لا يحضرون؟ هل حضور الأستاذ مقابل انتداب محدود لا يغري الأساتذة للتعب من أجل حضور المؤتمرات في الدول الأجنبية بينما رأيتهم يتسابقون على مؤتمر في إحدى الجامعات المصرية، ورأيت أستاذاً سعودياً أو أكثر وهو يرتدي المشلح في أروقة المؤتمر كأنه في حفلة عرس وليس في محفل علمي. ورأيت أحدهم كيف يحرص على أن يكون له من يستقبله ومن يودعه، بل إن أحد هؤلاء رفض أن ينزل في الفندق الذي ينزل فيه الضيوف وإنما أصر على النزول في فندق أفخم.
وقابلت آخرين في ردهات المؤتمر ومنهم البروفيسور الهندي المتخصص في علوم السياحة وهو ساتيندرا باتنيك Satyendra Patnaik  ويعمل مدير تنسيق التخطيط ومدير معهد السياحة وإدارة الضيافة في جامعة KIIT بمدينة أوريسا بالهند Orissa وأشار إلى استعداده للتعاون مع كلية الآثار والسياحة بجامعة الملك سعود أو أي كليات للسياحة بالمملكة وأضاف إنه على استعداد للتعاون المجاني.

وفيما أنا أهم بالعودة إلى الفندق بعد نهاية جلسات اليوم الثاني وقفت أنتظر سيارة أجرة وفجأة جاء عدد من الأساتذة فركبنا سوياً إلى الفندق وسمعت حديث أستاذ أمريكي متخصص في الصين وأنه كان يزور الصين مرة كل عام حتى قررت السلطات الصينية عدم منحه التأشيرة ولا يدري ما الأسباب وقد حاول أن يكتشف تلك الأسباب ولكن دون جدوى، فقرر أن يتحول إلى دراسة كوريا، وكان في السيارة أيضاً باحثة أسترالية مهتمة بالشأن الأسيوي وبخاصة بماليزيا. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق