الجمعة، 18 نوفمبر، 2016

صدام الحضارات ما أصل المصطلح؟ وموضوعات أخرى





نشرت جريدة " المدينة المنورة يوم 25 محرم 1418 مقالة طويلة بعنوان (المؤرخ العالمي (يقصد برنارد لويس)دون ذكر كاتب المقالة يكشف جهل "صموئيل هنتنجتون" وفيها حديث طويل يدافع عن هذا المستشرق الخطير ويضفي عليه هالة من الإنصاف والاعتدال بالرغم من أنه أمضى أكثر من  نصف قرن يهاجم الإسلام بضراوة وبعنف ويدافع عن إسرائيل والصهيونية . وله من المؤلفات ما يربو على الثلاثين كتاباً ومئات المقالات والبحوث والمحاضرات والندوات. وإنني إذ أكتب عن هذا المستشرق فلأن رسالتي للدكتوراه كانت حول كتاباته ، وقد لقيته مرتين الأولى في أثناء إعداد بحث الدكتوراه ، والثانية بعد إنجاز البحث واطلاعه على بعض العروض للرسالة.
       أما في المرة الأولى فكان معارضاً جداً أن يسمح لي بمقابلته لأنني أنتمي إلى جامعة إسلامية وهو يخشى أن أكـون متعصباً ومتحاملاً وأن أكون بعيداً عن الموضوعية والنزاهة في كتابتي حوله. ولكني غامرت فرحلت إلى برنستون حيث كان يعمل وأقنعت زملاءه بأنه من الضروري أن يقابلني وأن أتحدث إليه.
      أما المقابلة الأخرى فكنت ضيفاً على برنامج الزائر الدولي وكان ذلك بعد سبع سنوات من اللقاء الأول، وتقابلنا في جامعة برنستون في اللقاء الأسبوعي لقسم دراسات الشرق الأدنى ولما قمت إليه مسلماً وعرّفته بنفسي أشاح بوجهه بطريقة بعيدة جداً عن الأدب والذوق واللياقة مما دفع مرافقي الأمريكي إلى لومي على الاهتمام بشخص يفتقد الذوق واللياقة مع (خصومه).
       أما قصة هنتنجتون و برنارد لويس فالأول تلميذ الثاني فقد كتب لويس كتابه ( العرب في التاريخ ) عام 1957، وتحدث في أحد فصوله عن الإسلام والغرب. وذكر فكرة الصراع بين الحضارات في فصل بعنوان (تأثير الغرب) وهذا ما قاله في الصفحة 177 :" إن الإسلام اليوم يقف وجهاً لوجه مع حضارة غريبة تتحدى كثيراً من قيمه الجوهرية و تستميل بإغراء كبير  كثيراً من أتباعه…. والتحدي الذي تقدمه الحضارة الغربية أنها الحضارة الغالبة وليست الحضارة المغلوبة التي واجهها المسلمون في بداية ظهور الإسلام." وقد قال بهذا الـرأي بصراحة في كتابة ( الإسلام والغرب)(النسخة الإنجليزية ) (1963) في الصفحة135 :"سيكون فهـمنا أفضل للوضع (بين الإسلام والغرب) إذا نظرنا إلى حالات عدم الرضى  في الشرق الأوسط بأنها ليست صراعاً بين دول أو قوميات ولكن على أنها صراع بين حضارات."
     وقد أجاد أخي الكاتب المتميز الدكتور عبد الرحمن العرابي في تفنيد هذا المقال مجهول الهوية وأود أن أضيف معلومات حصلت عليها (غير منشورة) بأن لويس يمضي شهرين كل عام في شقته في تل أبيب ولذلـك فإن تلاميذه اليهود يرونه كل عام. وقد أوصى بأن تعطى مكتبته  الخاصة (وهي مكتبة كبيرة) إلى مركـز موشي ديان لدراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد احتفل هذا المركز قبل أشهر ببلوغ لويـس الثمانين من عمره في ندوة دامت يومين ، وقد أعد المركز كتيباً  بهذه المناسبة ظهر فيها لويس مع عدد من الشخصيات الإسرائيلية من بينها شمعون بيزيس . فهل يستحق منّا لويس كل هذا الاحتفال؟
البرامج الثقافية واللون الواحد:
   نشرت عدة صحف خبراً مفاده أن جامعة أمريكية طلبت من إحدى القنوات الفضائية العربية حلقات برنامج ثقافي. لم يكن الأمر غريباً بالنسبة لي فمن خلال متابعتي  لنشاطات أقسام الدراسات العربية و الإسلامية في كثير من الجامعات الغربية وجدت أنهم يهتمون بصنف خاص من الكتاب العرب والمسلمين وهم الذين تأثروا بالفكر الغربي ، ويتناولون في كتاباتهم القضايا العربية الإسلامية من منظور غربي. ومن الأدلة على ذلك أن ترجمات قصص نجيب محفوظ وأدونيس ونوال السعداوي وعبد الرحمن المنيف ومحمد شكري وغيرهم وعدد لا حصر له من هؤلاء بينما لا تكاد تهتم أقسام دراسات الأدب العربي بما كتبه نجيب الكيلاني أو أحمد علي باكثير.
     والبرنامج الثقافي الذي اهتمت به الجامعة الأمريكية لا يخرج عن عرض هذا اللون الواحد، فلو كان برنامجاً متزناً يهتم بالاتجاهات المختلفة في دراسة الأدب العربي لما اهتمت به هذه الجامعة أو سواها. وإذا قيل لنا بأنه لا يوجد غزو فكري فإن الرد جاهز فمثل هذا البرنامج -ذي اللون الواحد- من أخطر أنواع الغزو الفكري . وليقرأ من شاء عن مصطلح " إفساد الذائقة الأدبية" فيما كتبه محمود شاكر في كتابه (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا).


مصر : كولاج "…القبلات.
هذا عنوان خبر قصير نشر في جريدة الحياة من محمد دياب بالقاهرة (21محرم 1418) وأعتذر للقارئ العزيز أنني لن أعيد تفاصيل الخبر حتى لا أكون ممن يشيعون الفاحشة. فالخبر حول فيلم تسجيلي أنتجه (صندوق التنمية الثقافية ) حول أشهر القبلات في السينما المصرية. وما هي إلاّ قبلات حرام في حرام . ألم يجد الصندوق مشروعاً آخر يقوم بتمويله؟
وفي الحديث عن القبلات - ولا حياء في الدين- فقد أمر القرآن الكريم الرجل أن يقدم لنفسه إذا أراد وصال أهله. وفُسّر التقديم بأنه القبلة. وقد ورد في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بقبل أهله وهو صائم وهو أملك لإربه ، وهذه قبلة في نهار رمضان أو في أثناء عبادة روحية ليست ناتجة عن غريزة وإنما عن حب واحترام وتقدير ومودة.وشتان بينها وبين القبلات التي ظهرت في الفيلم المذكور أو القبلات التي يسترقها الرجال في الغرب من النساء في الشوارع وفي القطارات وفي السيارات قبلات محمومة تحكمها الغريزة وليس الحب، فالحب الحقيقي لا بد أن يكون نظيفاً عفيفاً شريفاً. 
        حاضرنا السياسي مع محمد رضا نصر الله: لهذا الكاتب حضور كثيف في الساحة الثقافية في الممـلكة وفي إحدى القنوات الفضائية العربية ، كما شاهدته في أثناء مهرجان الجنادرية مع عدد من الأدباء العرب. وأقرأ له بين الحين والآخر في جريدة " الرياض" ولن أكيل له الثناء كما فعل مشعل السديري- ففي جريدة الرياض الصادرة في 23 محرم 1418 تحدث عن الواقع السياسي مبتدئاً من مقولة عفا عليها الزمان واستخدمها المستشرقون والباحثون الغربيون في التاريخ الإسلامي الحديث. وهذه العبارة أو المصطلح هو " الإسلام السياسي." فمن قال بأن الإسلام يمكن تقسيمه إلى سياسي وغير سياسي ؟ وهل هذا الذي أطلق عليه "الإسلام السياسي لم يظهر إلاّ بعد فشل المشروعات القومية العربية ( أو كما يقولون 2القوموية العروبية).
      ليس في الواقع شيء اسمه إسلام سياسي وآخر إسلام للمسجد وإسلام لأحكام الطهارة . إن الإسلام يحكـم حياة المسلم منذ استيقاظه في الصباح إلى أن يأوي إلى فراشه ليلاً. وعجيب أمر المستشرقين أو المتغربـين من أبناء هذه الأمة الذين قبلوا أن يقسموا إسلامنا هذه التقسيمات الزائفة . أما الزعم بأن الدعـوة إلى تحكـيم الإسلام في حياتنا سياسياً واقتصادياً واجتماعياً تعود إلى ما بعد فشل المشروع القومي سنة 67م. فأمر غير صحيح ذلك أن العالم الإسلامي لم يخرج من الاحتلال إلاّ بفضل الله عز وجل ثم بفضل حركات التحرر التي نادت بالجهاد ضد المحتل الأجنبي فتسلط على الشعوب العربية الإسلامية من أطلق عليهم (سُرّاق الثورات).
       و هذه المملكة العربية السعودية منذ قيامها على يدي جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله قامت على تحكيم شرع الله عز وجل في جميع المجالات ، ولم يعرف عنها يوماً ما التفريق بين السياسة والحياة . ولو أردت أن أسرد الشواهد على ذلك لاحتاج الأمر إلى مقالات ومقالات. ومن النماذج التاريخية القريبة اهتمام الصحافة الإسلامية في الجزائر الشقيقة قبل حرب التحرير بكل ما يمت بصلة  إلى الإسلام سياسياً واجتماعياً واقتصاديا، وناقشت موضوع المرأة وغير ذلك. ولكن تسلم الحكم في الجزائر غداة رحيل فرنسا من نادى بالاشتراكية والتأميم ، وكانت خطة محكمة لإفساد الجهود الإسلامية.
خيرية هذه الأمة حتى لو لم يرض تركي الحمد: تركي الحمد من الكتاب المثيرين للجدل، وله نشاط كبير، وثمة من يركز عليه الأضواء فليكن. ولكن نحمد الله عز وجل أن هذه البلاد بلاد الإسلام والخير فيها من الأقلام الصادقة الكثير والكثير جداً . وإنني من المعجبين بالأستاذ عبد الله فراج الشريف الذي لا تمر أيام حتى يكون له رد إما في الشرق الأوسط أو في المدينة المنورة أو في الأربعاء.
      صرح تركي الحمد أنه لا يرى أن هذه الأمة هي خير الأمم -وإن كان حاول أن يبرر ما قاله فيما بعد - ولكن ما نقله الأستاذ عبد الله عمر خياط( عكاظ،22محرم 1418) يدل على تفكير يحتاج إلى كثير من النقاش مع صاحبه أو مع أصحابه حتى يعرفوا الإسلام معرفة حقيقية وأنه لا قيام لهذه الأمة دون العودة الحقيقية لهذا الدين. فمن الأفكار التي عرضها في ورقته في (ندوة مستقبل الثقافة العربية)-من حضر الندوة، ومن الذي يتحدث عن مستقبل الثقافة العربية؟_ أن من المعوقات " الغلو في تديين الدنيا ،والتقديس الاختزالي للتراب ، والمعادلة المقلوبة في العلاقة بين حلقات الزمن الثلاث."
أولاً :ما التدين الذي يراه الدكتور زائداً عن الحد المطلوب؟ ينبغي أن نعرف معنى التدين أولاً والدكتور أستاذ جامعي يدرك أن تحديد معاني المصطلحات ينبغي أن يأتي قبل النقاش. والتدين هو معرفة هذا الدين معرفة حقيقية  من مصادره والتمسك بأركانه الأساسية في السياسة والاقتصاد والاجتماع …الخ. والتاريخ يحكي لنا أن هذه الأمة حينما كانت متدينة -بالرغم من وجود بعض الانحرافات التي لا يخلو منها مجتمع بشري- كانت في القمة في العالم وما زلت أذكر كلام الشيخ الغزالي رحمه الله -في مناظرته لفؤاد زكريا وجماعته- إننا كنّا "العـالم الأول" خمسة قرون لا يشاركنا أحـد في الأولية. في هذه الأثناء كتب أحد ملوك أوروبا- إلى الخليفة المسلم في الأندلس- يمتدح ما عرف عن بلاد المسلمين من رقي وازدهار واهتمام بالعلم والعلماء ، ويستأذنه في أن يرسل أبناءه للدراسة في مـدارس المسلمين. ووقع خطابه ب (خادمكم المطيع).
       فتدين هذه الأمة هو الذي قاد  أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقف في وجه القبائل العربية التي ارتدت عن بكرة أبيها ولم يكن معه سوى ثلاث مدن ( المدينة ومكة والطائف). وهو الذي قاد  عمر بن الخطاب رضـي الله إلى أن يفتح بيت المقدس ويكتب العهد الذي لم يعرف العالم حتى اليوم تسـامحاً وعدلاً أعظم منه.  هـذا التدين هو الذي جعل عمر بن الخطاب يجري أول استفتاء في التاريخ الإسلامي حينما رأى أن يبقي أرض  السواد في أيادي أهلها ولا يقسمها بين الجيش الفاتح. وخالفه من خالفه فلم يكن عمر ليجبر أحداً من المسلمين على الرأي الذي رآه.وهو الذي جعل عمر بن عبد العزيز يرسل قاضياً ليحقق في شكوى أهالي سمرقند حينما دخلها الجيش الإسلامي مخالفاً ما توصل إليه من اتفاق مع أهالي تلك المدينة . وحكم القاضي المسلم على الجيش بالخروج لتدخل المدينة في الإسلام ويصبح لها شأن وأي شأن.
        والتدين هو الذي أبعد الأمة الإسلامية عن أن تكون دولة استعمارية تُسَخِّرُ الشعوب الأخرى وتَسْخَرُ منها ، وتستغلها وتنهب خيراتها وثرواتها . التدين الذي لم يجعل العلم والعلماء حكراً على منطقـة واحدة بل انتشر في مشارق الأرض ومغاربها. التدين الذي جعل الأمة الإسلامية قوية مرهوبة الجانب دون تطوير لأسلحة جرثومية وبيولوجية ولا ذرية ولا هيدروجينية. ولكن مادام الآخرون قد امتلكوها فوجب على المسلمين في العصر   الحاضر أن يمتلكوها عملاً بقوله تعالى {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم }(الأنفال 60)
       والتدين هو الذي جعل جوستاف لوبون- رغم نظرته العنصرية القائلة بتفوق العنصر الأوروبي- يمتدح الفتوحات الإسلامية ويصرح بأن التاريخ البشري لم يعرف فاتحاً أرحم من المسلمين. وهو الذي جعل زيغـرد هونكه تكتب كتابها ( شمس الله تشرق على الغرب) توضح فيه إنجازات العالم الإسلامي في مجالات الطب والفـلك والكيمياء والفيزياء، والصناعة.  ويمكن للقارئ أن يعود إلى كتاب الدكتور مصطفى السباعي -رحمه الله تعالى- ( من روائع حضارتنا) ليعرف كيف كان التدين هو الذي قاد هذه الأمة إلى الإخلاص في القول والعمل.
    والتدين أيضاً هو الذي أبدعت من خلاله هذه الأمة العظيمة نظام الحِسْبة فيكفي أن يدرس الإنسان هذا النظام ليعلم أن اهتمام الغرب بالمواطن وبالحق والعدل والصدق في التعامل سبقهم المسلمون فيه بأكثر من ألف سنة. ليس العيب في التدين ولكن العيب في أننا لا نعرف معنى التدين الصحيح. فليس التدين بعض المظاهر التي يتظاهر بها البعض -مع اهتمام الإسلام بالمظهر-التي يزعم البعض أنها  تغني عن الجوهر. والإسلام دين الجوهر ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم ( إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى القلوب التي في الصدور) وجاء في الآية الكريمة ( إلاّ من جاء بقلب سليم )
        أما قضية الزمن والفهم المقلوب أو المعادلة المقلوبة. نعم قد يكون فينا من يتمسك بالحديث عن الماضي من باب الفخر والاعتزاز ولكنه لا يعمل بما في هذا الماضي من قيم ومبادئ فليس هذا عيب في الماضي أو البحث عن الماضي . إن أوروبا حينما بدأت نهضتها وأخذت أسس النهضة من العالم الإسلامي أصرت على جذورها اليونانية الرومانية . وما زلت أذكر مواد تدرس في جامعة أريزونا الحكومية تهتم بما كتبه أرسطو حتى إنه بالنسبة لهم قد كتب في جميع المجالات فهناك أرسطو والأدب وأرسطو التربية الخ.ولا يمكن أن يكون الأديب فيهم أديباً ما لم يعرف آداب اليونان والرومان ، وما لم يعرف آداب عصر النهضة ففي الإنجليزية لا بد أن يكون قد قرأ شكسبير وميلتون وتشوسر ولا بد أن يعرف كوليردج ووردزورث ولورد بايرون وشيلي وغيرهم . ولا بد أن يعرف كتابهم المقدس. وتقدم الجامعات الأمريكية مادة في آداب "الكتاب المقدس". 
        ومن نقدهم لتمسك المسلمين بالماضي أن نعتوا هذا الاهتمام بلفظ مشبع بالسخرية والتهكم - وما هكذا تورد الإبل يا حمد- فيسمون المهتمين بماضي هذه الأمة بالماضويين أو يسمون هذا الاهتمـام بالماضوية. ولمـاذا هذه الصيغ ؟ لقد فسّر أحد الماركسيين وهو الدكتور صادق جلال العظم ذلك بقوله إنهم ابتدعوا هذه  الصيغ ليؤكدوا قناعتهم بعدم  قداسة اللغة. فما  الماضوية ؟ فما العيب في الماضوية إذا كانت  السير على منهـج الكتاب والسنـة وما كان عليه الخلفاء الراشدون في السياسة والاقتصاد والاجتماع ومحاولة السير على هـذا النهج الذي قال فيه صلى الله علـيه وسلم (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك)    أما حديثه عن خيرية هذه الأمة فقد كفاني الأستاذ عبد الله خياط الرد عندما استشهد بما جاء  في تفسير ابن كثير وكذلك ما جاء في كتاب سيد قطب ( في ظلال القرآن) الذي أكد فيه أن هذه الأمة عليها  أن تكون هي التي تعطي الأمم الأخرى في الاعتقاد وفي السياسة وفي الاقتصاد وفي الاجتماع …
       إكمالاً للحديث الموجز لما ورد في الأسطر الماضية  فإنني سأتناول فيما يأتي قراءة  في كتاب (مصادر غير موثوقة ) صدر في الولايات المتحدة قبل عدة سنوات لمؤلفـيه مارتن لي Martin Lee ونورمان سولومونNorman Solomon .عن مجموعة كارول للنشر. وقد قرأت الكتاب وكـنت أنوي تقديم   ثلاث حلقات عن الكتاب ولكن حالت دون  ذلك موضوعـات أكثر  إلحاحاً حتى قرأت خبراً نشر في 6صفر 1418( الشرق الأوسط ، ع 6770)   عن كتاب صدر في فرنسـا بعنوان ( تي اف 1 سلطة) ويقول الخبر أن الكتاب عبارة عن دراسة  علمية موثقة مكون من سبعمائة صفحة. ويشير الكتاب إلى انتشار الرشاوى والضغوط والمساومات والفساد بأنواعه. ويقدم الكتاب وثائق عديدة بعضها عبارة عن صور فوتغرافية لشخصيات إعلامية من القناة التلفازية مع بعض الشخصيات السياسية أو الاقتصادية.
    ويضيع تأثير هذه الأخبار أنها تظهر مرة واحدة و لا يقرؤها إلاّ عدد قليل من الناس ، أما الذين لم يقرؤوها- وهم الغالبية-  فيستمرون في مشاهدة تلك القناة ويتأثرون بما تنقله من أخبار  أو ما تبثه من أفكار أو ما تحجبه من قضايا .
    أما كتاب (مصادر غير موثوقة) المكون من ثلاثمائة وعشرين صفحة فيحتاج إلى أكثر من مقالة لاستعراضه ، ولكني سأعرض بعض الأفكار التي طرحها المؤلفان. فقد أشار المؤلفان في بداية الكتاب إلى أسطـورة أن الإعلام ملتزم وفوق ذلك كله يبحث عن الحقيقة ويعلنها مهما كان الثمن تواجه تـحدياً من الواقع الذي يؤكد أن الإعلام شركة مساهمة ومعظم وسائل الإعلام يتم تمويلها عن طريق الإعلانات أو ممولين فمن الذي يدفع لوسائل الإعلام سبعين بليوناً كل سنة في الولايات المتحدة الأمريكية. بل إن شركات الإعلام هي نفسها من الشركات التي تدر الملايين أو البلايين سنوياً.
    ويذكر الكاتبان إلى أن الشركات التي تقدم الأخبار هي نفسها تشارك في صياغة الأخبار قبل أن تصبح أخباراً بالرغم من أن شركات الإعلام لا تعترف بهذا. والدليل على ذلك أن شركة إن بي سي NBC تملكها شركة جنرال الكترك General Electric التي تعد واحدة من أكبر المتعهدين العسـكريين في الـولايات المتحدة حيث تقوم هذه الشركة بتصميم وصناعة أو تزود بقطع الغيار تقريباً كل أنظمة الأسلحة الأمريكية.
       ومن الجوانب الأخرى في الإعلام الأمريكي أنه تسيطر عليه التسلية والترفيه التي يغلب عليها طابع العنف والجنس والتلاعب المتعمد في التغيير السريع -أجزاء من الثانية- للصور والأصوات بحيث لا تترك للمشاهد الفرصة للتفكير. وطغيان التسلية على الاهتمام بالأمور الجدية -مع عوامل أخرى- إلى أن  أصبح الطفـل   الأمريكي أقل مستوى في الرياضيات من أمثاله في كوريا الجنوبية  أو كندا أو اسبانيا  أو بريطانيا أو   إيرلندا . وعرف عن التلفزيون مثلاً الاهتمام بقضايا صغيرة وجعلها هي القضية الرئيسة في كل نشرات الأخبار مثل قصة الطفلة التي وقعت في بئر بينما يهمل التلفزيون أو لا يعطي الاهتمام الكافي لقضايا أكثر أهمية مثل : سوء التغذية أو المشردين أو الأمراض المستعصية ومن ذلك أن خمس أطفال أمريكا يعيشون دون حد الفقر.
      ومن الأمور التي أوردها المؤلفان عن الصحافة الأمريكية خضوعها لشركات التبغ مثلاً أو الشركات الـتي تضع إعلاناتها في الصحف والمجلات. فليس المعيار أهمية المقال أو الباب الثابت أو صلاحية النشر بقـدر ما يدر الموضوع من أموال الإعلانات. ومن الشركات التي لها سيطرة واضحة شركات التبغ فمعظم الصحف والمجلات نادراً ما تنشر مقالات جادة ضد التدخين.
      وقد أشار الكاتبان إلى التغطية الصحفية أو التلفزيونية أو الإذاعية للأخبار وأن هذه التغطية تميل إلى جانب وجهة النظر الحكومية -حتى إنهما أحصيا ما ينتجه البيت الأبيض من أشرطة وأفلام فوجدا انه يتفوق على هوليوود- ففي دراسة قام بها المؤلفان على كل من صحيفتي الواشنطن بوست والنيـويورك تايمز (2850مقالة) وجدا أن ثمان وسبعين في المئة من الأخبار مصدرها مسؤول رسمي. وقد نقل المؤلفان عن والتر كارب Walter Karp من مجلة هاربر Harper`s Magazine قوله أن الغالبية العظمى من القصـص الإخبارية مبنية على مصادر رسمية ؛ أي معلومات مصدرها رجال الكونجرس أو مساعدو الرئيس أو سياسيون. وصرح دونالدسون من شركة إي بي سي ABC بأننا كقاعدة إن لم نكن خدم لدي السلطة فإننا على الأقل أخوة دم … وفي نهاية النهار ننتهي بقصة قريبة من رواية البيت الأبيض.
      وثمة نقطة أخيرة في هذا العرض السريع أن الصحف تقوم بين الحين والآخر بإيقاف بعض كتابها لأنهم أزعجوا بعض المسؤولين فمن ذلك أن صحيفة نيويورك تايمز قد أعلنت أن  الكاتب سيدني سكانبرج Sydney Schanberg الذي كان يكتب مقالتين أسبوعياً في صفحة الرأي قد طلب إليه قبول مهمة أخرى في الصحيفة لم يتم تحديدها بعد. وقد شرح أحد الصحافيين الأمر بأن سكانبرج كان يتناول موضوعات مثل: المشردين والجرحى والإصابات التي تحدث في صفوف العمال بسبب طمع المقاولين الكبار والمصرفيين وأعمدة السلطة الأخرى. وقد أزعجت مقالاته بعض المسؤولين في الصحيفة كما أنّ من جعلهم هدفاً لنقده صاحوا بصوت مرتفع ، وبدون إنذار وفي أحد أيام شهر أغسطس 1985 أُمر الكاتب بالتوقف.
       الكتاب يستحق الدراسة لما فيه من حقائق عن الإعلام الغربي (الأمريكي) الذي طالما ملأ الدنيا ضجيجاً بأنـه أفضل إعلام في الدنيا وأنه إعلام حر. فهل ظهر في الغرب من ردّ على مثل هذا الكتاب. لأننا يجب أن لا نسلم بكل ما فيه ، ولكنه على الأقل بحث علمي يحتاج إلى متخصصين لفحصه ودراسته.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق