الأحد، 11 سبتمبر، 2016

الاستشراق في ثوبه الجديد

                   
ذكرت في مقالتي السابقة أن الغرب استغنى عن مصطلح "الاستشراق" أو كما صرّح أحدهم بأنهم ألقوه في مزابل التاريخ.وتساءلت وما هذه الأقسام العلمية ومراكز البحوث والمؤسسات التي  جعلت العالم الإسلامي ميداناً لبحوثها ودراساتها. وفي هذه المقالة أقوم بجولة سريعة في جامعتين من  الجامعات الأمريكية التي تضمان  مركزين  لدراسات الشرق الأوسط.
       أولاً:جامعة كاليفورنيا -بيركلي، وهذه الجامعة من الجامعات المرموقة في الولايات المتحدة، وتأتي في قمة ترتيب الجامعات في العديد من التخصصات .وقد بدأ اهتمام الجامعة بدراسة الشرق الأوسط منذ عام 1894، وهي الآن من بين ثلاث عشرة جامعة تحصل على معونة من وزارة التعليم الأمريكية . ويبلغ عدد أعضاء هيئة التدريس في هذا المجال خمساً وثمانين أستاذاً. ويبلغ عدد طلاب الدراسات العليا 150طالباً ،و 5000 طالب في المرحلة الجامعية يدرسون حوالي 200 مقرر دراسي موزعة بين 18 عشر قسماً علميا وست مدارس متخصصة.
        ويقوم المركز بالتنسيق بين جميع هذه الأقسام للقيام بالنشاطات الآتية:أولا: التدريس والبحث حيث يوفر المركز التمويل اللازم للأساتذة الزائرين والبحث العلمي والرحلات العلمية للأساتذة وطـلاب الدراسات العليا وتمويل تزويد المكتبة بالكتب والمراجع. وثانياً: تعليم لغات الشرق الأوسط حيث يعد إتقان اللغات هو الأساس في دراسات الشرق الأوسط ، ولذلك فالمركز يهتم بتوفير المصادر اللازمة من تمويل الأستاذة والفصول والزمالات وغير ذلك.وثالثا: المحاضرات العلمية : ينظم المركز أكثر من خمسين محاضرة موزعة تحت مجموعات من الموضوعات تتعلق بدراسة الشرق الأوسط ، وهذه المحاضرات مفتوحة لأعضاء هيئة التدريس والطلاب والجمهور.
    وأما الأقسام الثمانية عشرة التي تتوزع بينها دراسة الشرق الأوسط فمن أهمها: الزراعة ، وعلم الإنسان (الأنثروبولوجي) ، والعمارة وتاريخ الفن ، والآداب المقارنة ،والاقتصاد والجغرافيا ، والتاريخ، والقانون، واللغويات ، والموسيقى والفولكلور ، والعلوم السياسية ، وعلم الاجتماع ، والخطابة ، ودراسة المرأة.
   وفي بيركلي كان لي لقاء مع نائب رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط البرفسور لورانس ميشيلاك Laurence O. Michalak المتخصص في علم الإنسان الثقافي والاجتماعي . وقد عمل منسقـاً لمركز دراسات الشرق الأوسط ،وعمل باحثاً ميدانياً في مجال علم الانسان في تونس ، وكـان هذا البحث من أجل الحصول على درجة الدكتوراة. وعمل أيضاً في منظمة السلام الأمريكية مديراً مساعداً لها في تونس حيث تقوم هذه المنظمة على جهود المتطوعين من طلاب الجامعات ، وكان عدد الطلاب في تونس 100إلى 150 طالباً، وتركزت نشاطات ميشيلاك على تدريب المدرسين التونسيين  وتخطيط المناهج ووضع الكتب المنهجية لتعليم اللغة الإنجليزية.ومن مؤلفاته (الأسواق الأسبوعية وتغيراتها في تونس ) ، وله العديد من المقالات ومراجعات الكتب ، والأحاديث الإذاعية و التلفازية.بالإضافة إلى حضور المؤتمرات والندوات حول قضايا الشرق الأوسط.ويلاحظ أن ميشيلاك تخصص في العامية التونسية.
ثانياً : جامعة كليفورنيا -لوس أنجلوس ، ويطلق على مركز دراسات الشرق الأوسط مركز جوستاف فون جرونباوم ، وهو مستشرق نمساوي هاجر إلى الولايات المتحدة وله الكثير من الكتابات حول الإسلام وتاريخه. وكانت زيارتي لهذه الجامعة في اليوم الأخير قبل بدء الإجازة بعد الدراسة الصيفية ، ولكن تمكنت من مقابلة نائب رئيس المركز البرفسور جوناثان فريدلاندر وهو يهودي من نيويورك.
    وتشبه جامعة لوس أنجلوس جامعة بيركلي في التخصصات الكثيرة التي يستطيع دراستها الطالب الذي يرغب التخصص في العالم العربي الإسلامي . وجامعة كاليفورنيا -لوس أنجلوس من الجامعات التي تتلقى دعم الحكومة الفدرالية لهذه البرامج . وتصدر الجامعة مجلة يطلق عليها ( جسور) وهي الأحرف الأولى من اسمها باللغة الإنجليزية وهي مجلة فصلية تهتم بقضايا العالم العربي الإسلامي.
      ومن الموضوعات التي نالت اهتمام البروفسور فريدلاندر الجالية العربية اليمنية في الولايات المتحدة وكذلك الجالية الإيرانية وقد أعد مع مجموعة من الباحثين كتابين حولهما ، وقد زود الكتابان بالصور .
        ومن الأقسام المهمة التي تهتم بالعالم الإسلامي قسم العلوم السياسية ، وقسم الأديان ، وقسم التاريخ . ومن الأساتذة المشهورين البرفسور ليونارد بايندر Leonard Binder. من قسم العلوم السياسية الذي أشرف على تحرير كتاب بعنوان (الدراسات الإقليمية) وفيه تقويم لهذه الدراسات .
    فكيف نستطيع أن نطلق مصطلح الاستشراق على كل هذه الدراسات وهذه التخصصات المتشعبة والكثيرة جداً ؟ أعتقد أنه يكفي أن نقول الدراسات العربية والإسلامية في الغرب ثم نحدد المجال الذي يدرسونه . ولا أمل من التكرار أنه قد آن الأوان للتفكير الجدي في دراسة الغرب بالطريقة التي يدرسنا شريطة أن يكون لنا منهجنا وأهدافنا الخاصة بنا والتي يمكن أن تعقد عدة ندوات لبلورتها ووضعها موضع التنفيذ.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق