السبت، 10 سبتمبر، 2016

أين إنتاجك العلمي؟؟؟

                                       
بينما كنت أتصفح أحد أعداد مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود وجدت  بحثاً يتناول إنتاجية الأستاذ الجامعي في الجامعة، ففرحت أن أحداً تناول هذه القضية وانتقلت بسرعة إلى الخاتمة التي يقول فيها الباحثان:"وأوضحت النتائج أن هناك انخفاضاً في الإنتاجية العلمية لأعضاء هيئة التدريس {بجامعة الإمام، وغيرها ربما لا يكون أفضل كثيراً}؛ حيث بلغ معدل الإنتاج السنوي 43و. بحثاً لكل باحث وذلك بسبب عوائق جامعية واجتماعية وشخصية..." (أحمد البنيان و إبراهيم البلوي مجلة الجامعة عدد36)
لم تفاجئني نتائج البحث الذي قدمه الزميلان حيث مررت بتجارب شخصية أكدت لي بعدنا الحقيقي عن الإفادة من طاقات أساتذة الجامعات ومن هذه المواقف أن زميلاً تقدم للانتقال من جامعة إلى أخرى فكان من بين الأسئلة التي وجهت إليه: أين إنتاجك العلمي؟ ماذا قدمت من محاضرات عامة أو من مشاركات في مؤتمرات وندوات في تخصصك؟ فحكّ المسكين رأسه وتذكر زميلاً لا ينفك يحضر المؤتمر بعد المؤتمر ويقدم المحاضرات العامة ويعقد الدورات المتخصصة في مجاله ولكن هذا تسبب في غضب الكلية عليه وكثرة التقارير التي ترفع ضدّه. وبعد قليل من الهدوء تذكّر أنه قدّم ذلك الزميل في محاضرة عامة، فكان هذا هو النشاط العلمي الوحيد الذي قام به.
أما الزميل الآخر فإن جامعته رأت أنه بعد أن حصل على الدكتوراه من أحد فروعها أرادت منه الانتقال إلى مركزها الرئيسي فأصرت الكلية التي سينتقل إليها على إجراء مقابلة معه تسأله فيها عن علمه وعن نشاطاته العلمية وكان السؤال: ما نشاطاتك العلمية؟ أين وأين وأين؟ فصرح بفخر أنه أعد بحثين بعد حصوله على الدكتوراه لم ينشرا بعد.
تساؤلي في هذه المقالة هو لماذا السؤال عن الإنتاج العلمي؟ هل هؤلاء الذين يسألون يعيشون في إحدى الدول الأوروبية أو أمريكا؟ هل يجهلون الواقع الذي نعيش فيه أو إنما هو سؤال تقليدي يجب عليهم أن يسألوه حتى وإن كانت الإجابة سلبية ومخجلة وحتى فاضحة.
في الدول التي تعنى حقيقة بالبحث العلمي تُعِدُّ الأستاذ الجامعي منذ مرحلة الدراسات العليا ولقد اطلعت على ورقيات قدمها أحد أساتذة جامعة بريطانية لطلاب الدراسات العليا يوضح لهم الطريقة المثلى للمشاركة في المؤتمرات والندوات، وأن يكون البحث المقدم يصلح أن يرسل إلى مجلة علمية محكمة، ويوضح لهم أيضاً ما يجب أن يتضمنه البحث المقدم للمؤتمر وكيف يستطيع تقديمه في عشرين دقيقة- يعجز كثير من الأساتذة العرب والمسلمين الالتزام بالعشرين دقيقة كأنما هم مصابون بمرض المايكروفون-   وحتى لو غامر طالب الدراسات العليا عندنا في الكتابة والتأليف فإنه يقال له لماذا تكتب وتنشر الآن انتظر حتى تأخذ رتبة أستاذ مساعد ثم تنشر ما تريد حتى يساعد هذا في الحصول على الترقية. بل إن العميد مثلاً قد يتضايق من شهرة طالب الدراسات العليا وبخاصة إن كان يكتب في وسائل الإعلام – وقد صرّح أحد العمداء ذات مرة لأستاذ مشرف على طالب دكتوراه نشط : "لا نفتح أي صحيفة محلية حتى نرى صورة فلان؟؟"
ويغمط حق الطالب من ذكر أي إنتاج له حين يتقدم للمناقشة كأنه ارتكب كبيرة من الكبائر، فالمشرف يخجل أو يرفض أن يقول إن الطالب حضر مؤتمر كذا وكذا ونشر بحثاً أو كتاباً أو كتباً أو قدم ترجمة أو ظهر في برنامج إذاعي أو تلفازي. ولو أراد أن يشير في بحثه للدكتوراه بوجود جهد علمي له سابق للدكتوراه لقال له باللهجة الصريحة:" ألا تستح يا غلام وتقول إن لك إنتاجاً علمياً) وقد وجدت أن المستشرق مونتجمري وات جعل ذكر أحد بحوثه مرجعاً في بحثه للدكتوراه.
أما في الجامعات الغربية فكما أسلفت إن طالب الدراسات العليا يعد لكتابة البحوث وحضور المؤتمرات والندوات، وقد اطلعت ذات مرة على بعض التعليمات التي كتبها أحد الأساتذة في جامعة بريطانية لطلابه في الدراسات العليا لطريقة كتابة بحث علمي للمشاركة به في مؤتمر أو ندوة وكان من بين النصائح أن البحث المقدم لندوة أو مؤتمر يجب أن يكون مستواه مقبولاً للتحكيم والنشر في أي مجلة علمية. ثم يقدم الأستاذ بقية التعليمات. ومن ذلك كيف يستطيع تقديم بحث في عشرين دقيقة بينما يعجز أساتذة كبار عندنا عن تلخيص بحوثهم في مثل هذه المدة وكأنهم مصابون بمرض الميكرفون.
نعم طلاب الدراسات العليا يحضرون المؤتمرات العلمية العالمية والمحلية ويقدمون البحوث – أحياناً يكونون أفضل من كبار الأساتذة الذين قد يحضرون للترفيه ولقاء الأصدقاء كما صرح بعضهم- ومن ذلك على سبيل المثال ما شاهدته في مؤتمر عقد في بيروت قبل عدة سنوات فكان أكثر من عشرين بالمائة من البحوث لطلاب الدكتوراه في عدد من الجامعات الأمريكية أو الجامعة اللبنانية الأمريكية وكانت بحوثاً متميزة بل كان بعضها أفضل مما قدمه الأساتذة الكبار. بل إن أكبر المؤتمرات الدولية التي تعقد في أوروبا وأمريكا يكون لطلاب الدراسات العليا وجوداً محسوساً فيها ومن هذه المؤتمرات مثلاً (المؤتمر العالمي الأول حول دراسات الشرق الأوسط الذي عقد في مدينة مينز في الفترة من 1-67 رجب 1423( 8-13 سبتمبر 2002)
وأعود إلى البحث الذي نشر في مجلة جامعة الإمام فأجد أن من بين أبرز العوائق عدم وجود الندوات والمؤتمرات العلمية داخل الجامعة؟ نعرف أن للمؤتمرات الدولية عوائقها ولكن لماذا لا تكون مؤتمرات أو ندوات على مستوى الجامعة لتدريب طلاب الدراسات العليا وحتى الأساتذة ليقدموا إنتاجهم العلمي في جو علمي يساعدهم على صقل مواهبهم وتجاربهم، بل إن المؤتمرات والندوات فرص حقيقية لإعداد البحوث والحصول على الترقية ولو أجريت دراسات على ترقيات أعضاء هيئة التدريس السعوديين لوجدنا أنه من النادر أن يحصل الأستاذ السعودي على الترقية في المدة النظامية
أما الإذن لحضور المؤتمرات الخارجية فقد يكون الرفض بسبب رأي اللجنة الداخلية بأن موضوع المؤتمر خارج عن تخصص الباحث دون أن تدرك اللجنة أنه لم تعد هناك حدوداً فاصلة بين التخصصات بل لعل أبرز سمة الآن في البحث العلمي التداخل بين التخصصات. ألا يمكن إعادة النظر في هذه الترتيبات لأنها وضعت في وقت ربما كان ثمة حاجة إليها أما اليوم فإن العالم يحرص على نشر فكره وثقافته من خلال المؤتمرات العالمية وقد لفت انتباهي أن عدد الحضور من جامعة واحدة في مؤتمر عالمي فاق الحضور من المملكة العربية السعودية بجامعاتها الثمانية.
وتقف العوائق المادية أحياناً كثيرة في سبيل حضور عضو هيئة التدريس المؤتمرات الدولية ولكن من الممكن أن يتم الحصول على تبرعات من جهات معينة لتغطية مثل هذه الأمور أو الحصول على تخفيضات معينة من شركات الطيران لأعضاء هيئة التدريس أو إعطاء الباحث تذاكر بالدرجة السياحية وبعض المصروفات التي تساعده على الحضور. ويمكن حل المسائل المالية بإعادة النظر في مخصصات البحث العلمي في الجامعة وترشيد بعض النفقات التي تثقل كاهل ميزانية الجامعة من انتدابات وغيرها من احتفالات.
فلقد شهدت في السنوات الماضية عدداً من المؤتمرات والندوات في الجزائر والمغرب ولبنان ومصر فوجدت أن هذه المؤتمرات فرصة أساسية لأعضاء هيئة التدريس في الجامعات التي تعقد فيها المؤتمرات أو الجامعات المجاورة للمشاركة، ومن الأمثلة على ذلك المؤتمر العلمي الثامن لكلية الإعلام بجامعة القاهرة العام الماضي فكان مؤتمراً محلياً لم يشارك فيه من خارج مصر سوى باحثان أو ثلاثة.
إن السؤال عن الإنتاج العلمي ما فائدته إذا كان الباحث يكتب ويرسل وينتظر سنوات قبل أن يرى بحثه منشوراً. ثم بعد كل هذا الانتظار تحتاج البحوث تحكيماً جديداً في الترقية وما العائد المادي من البحث العلمي فالرواتب في وضعها الحالي ليست مغرية فهناك من يرى أن على الأستاذ أن يبحث عن فرصة لزيادة دخله حتى لو كان الأمر فتح محل لإصلاح إطارات السيارات وتغيير الزيوت وغيرها.
ونظراً لأن طبيعة البحوث العلمية –في الغالب- أن تبقى حبيسة في مجلة علمية متخصصة فإنني في هذه المقالة أود أن أنقل بإيجاز العوائق التي ذكراها وهي كما يأتي:
1-   " عدم التشجيع على حضور الندوات والمؤتمرات {أحياناً يأتي الإذن بعد انتهاء المؤتمر أو الندوة}
2-   "زيادة الأعباء التدريسية والإدارية للعضو" فيكلف الأستاذ أحياناً بأكثر من نصابه أو إنه يكلف تدريس مواد ليست ضمن تخصصه مما يضطره إلى أن يقضي وقتاً أطول في التحضير والإعداد.
3-   عدم توافر مساعدي البحث والفنيين {هذه المزية تتيح للباحثين الغربيين على سبيل ال ونواصل في هذه المقالة الحديث عن العوائق التي تحول دون تطور البحث العلمي فنقول إذا كانت هذه العوائق الثلاث تؤثر في بعض الباحثين فإن ثمة عوائق أخرى تؤثر في غيرهم، وتجعل الأستاذ الجامعي يمضي سنوات وسنوات بعد حصوله على الدكتوراه وهو لم يقدم محاضرة عامة ولم يشترك في ندوة علمية ولم يدخل الإذاعة لا معداً أو مقدما ًولا حتى ضيفاً. إن هؤلاء كثر بيننا مرت عليهم عشرات السنين دون أن يفكروا في التقدم للترقية العلمية أو لا يعرفهم أحد خارج قاعات المحاضرات.
4-   وأول هذه العوائق زيادة الأعباء التدريسية فهناك الأستاذ الذي يكلف بتدريس أربعة إلى خمسة مقررات في الفصل الواحد ويكون عدد الطلاب عنده بالمئات حتى إن من الطرائف أن الأستاذ قد يحتاج إلى سيارة نقل لحمل أوراق امتحانات بعض المواد. وليت الأمر يتوقف عند هذا الأمر فإن الأستاذ يكلف أحياناً أن يدرس مواد في غير تخصصه، وكأن الدكتوراه معناها القدرة على تدريس أي شيء.
5-   ومن عوائق البحث العلمي الرئيسة عدم توفر المراجع والكتب الحديثة، فكم كتب الأساتذة من قوائم بالكتب الحديثة التي يرغبون أن تتزود بها مكتبة الجامعة (في أكثر من جامعة) ويمضي العام والعامان ولم يصل من الكتب شيء. وحتى مع وجود الإنترنت فلا بد من الاستعانة بالأساتذة المتخصصين للإرشاد إلى الكتب التي تستحق الاقتناء. ويأتي مع الكتب التزود بالدوريات فإن البحث العلمي الحقيقي لا يمكنه الاستغناء عن الدوريات فأين الدوريات في مكتباتنا الجامعية؟ وأين الاشتراك فيها عن طريق الإنترنت؟
6-         ومن عوائق البحث العلمي استنفاد طاقة الأستاذ الجامعي في بعض جامعاتنا بأعمال إدارية أو مراقبة الطلاب في الامتحانات حتى إن الأستاذ ليكلف أحياناً بالمراقبة ثمانية أيام يضطر للوقوف ثلاثة ساعات في كل يوم بالإضافة إلى الوقت المهدر في الحضور إلى الكلية والعودة يومياً، وقد كتبت ذات مرة عن هذا الأمر في صحيفة المدينة المنورة  بعنوان: "إننا نهدر وقت الصفوة" فهل المراقبة عشرين ساعة بالإضافة إلى وقت المواصلات وغيرها مما يفيد البحث العلمي؟
7-   إننا بحاجة ماسة للاهتمام بالبحث العلمي فإن الأمة لا يمكن أن تنهض بجد إن لم تستفد من طاقات علمائها والمتخصصين فيها. كما أن السؤال عن أين إنتاجك العلمي ينبغي أن يتأخر قليلاً أو لا بد أن نوفر الظروف المناسبة للأستاذ لينتج ثم نسأله أين إنتاجه؟
8-   ولا بد أن أذكر أن من أخطر معوقات البحث العلمي الفاقة أو الحاجة التي يعيشها كثير من أساتذة الجامعات عندنا. لا أريد أن أعيد  تفاصيل ما كتبه الدكتور سالم سحاب قبل أكثر من عامين عن رواتب المدرسين وكيف أنها ضئيلة بالمقارنة برواتب المدرسين في الدول المجاورة. فيكفي أن نجري دراسة على ما يسمى التسرب من الجامعات إلى خارجها لوجدنا أننا أمام معضلة حقيقية. وقد كتب سلفنا الصالح عن مهمات الدولة فذكروا منها أن توفر لكل صاحب مهنة من يخدمه أو يساعده فتذكرت حال الأستاذ الجامعي عندما يشرع في بحث علمي كم يحتاج من مساعدة و لا يجدها في الغالب. بل إن بعض الأقسام لا توفر الخدمات الأساسية من مراجعة بعض الدوائر الحكومية أو إرسال بريد الأستاذ الخاص وغير ذلك من الحاجات الأساسية.
9-   ومن معوقات الإنتاج –الذي يسأل عنه الأستاذ- توفير المنح البحثية والموافقة عليها إن حصل عليها الأستاذ. فقد علمت من أساتذة جامعات في مختلف البلاد العربية يحصلون على منح من جامعات أجنبية وحتى جامعة الملك فهد توفر لأساتذتها مثل هذه الفرص بينما تحرم جامعات أخرى أساتذتها من هذا الأمر.
10-                   وأختم هذا المقالات بالتأكيد على أسلوب التعامل بين المسؤولين في الجامعات وأعضاء هيئة التدريس فمن العيب أن يكتب الأستاذ لمسؤوله عدة خطابات ولا يرد عليه أو يطلب موعداً للقائه فيقال له احضر مع الجمهور ألا يعلم المسؤول أن هذا المنصب ليس ثابتاً وقد يحتاج إلى زميله الذي رفض مقابلته أو الرد على رسائله بل ربما صرّح مسؤول أن من حقنا أن لا نرد، فيالها من غطرسة؟؟؟ بل قال أحدهم إن عدم الرد معناه عدم الموافقة!!!



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق