السبت، 10 سبتمبر 2016

أهمية الدراسات الروسية لتطوير العلاقات بين البلدين



أمام هذا الجهد الممتاز لم يخط العالم العربي الإسلامي أي خطوات مشابهة لمعرفة الأمم والشعوب الأخرى وإن وجدت مثل هذه الخطوات فلم تصل  بعد إلى أقسام وكليات تهتم بتفاصيل حياة الأمم الأخرى، ولا شك أن الجامعات المصرية سبقت غيرها من الجامعات العربية والإسلامية في دراسة الأمم الأخرى ولكنها لم تصل بعد -فيما أعلم-  إلى عمق التجربة الأوروبية والأمريكية في دراسة العالم العربي الإسلامي.
وفي هذا الورقة أحاول أن أقدم تصوراً حول أهمية إنشاء علاقة بين روسيا والمملكة السعودية وذلك بدءا بإنشاء قسم أو أقسام للدراسات الروسية في المملكة العربية السعودية التي تحتل مكانة القلب في العالم الإسلامي لأنها تضم بلاد الحرمين الشريفين مكة المكرمة والمدينة المنورة ولأن بناء العلاقات بين الأمم والشعوب يجب أن يسبقه العلم ويتبعه العلم ويرافقه العلم. فبدون العلم الحقيقي لا قيمة لأي علاقة بين أمة وأخرى. ومما يشجع على الدعوة إلى إقامة هذه الأقسام في المملكة العربية السعودية ما تملكه هذه البلاد من ثروات تجعل من الواجب إنفاقها في مجال حيوي كهذا ولتكون قدوة لغيرها من الدول.
تأتي أهمية الدعوة إلى إنشاء أقسام للدراسات الروسية في الجامعات السعودية إلى خصوصية العلاقات بين الدولتين فروسيا لها تاريخ طويل وعريق مع العالم الإسلامي، وكان المسلمون جزء من تكوين الدولة الروسية وهؤلاء المسلمون تربطهم وشائج قوية مع المملكة العربية السعودية التي تضم الحرمين الشريفين. ومما يؤكد على أهمية هذه العلاقة أن روسيا من أقرب الدول الأوروبية إلى الجزيرة العربية. وكذلك فإن الزعامة الروحية والمكانة السامية التي تحتلها المملكة بين دول العالم يقابلها مكانة مهمة لروسيا في عالم النصرانية حيث الكنيسة الشرقية وزعامتها في روسيا. كما أن القدرات الاقتصادية للدولتين تتطلب وجود تعاون مثمر بينهما لاستغلال الثروات الطبيعية في المملكة العربية السعودية وإن النهضة التي تشهدها المملكة العربية السعودية تجعلها بحاجة إلى معرفة تجارب الأمم الأخرى في المجالات المختلفة.
إذا كنا ندعو في هذه الورقة إلى قيام أقسام للدراسات الروسية في الجامعات السعودية فلا بد أن نذكر بإيجاز أن الاستشراق الروسي له جذور قديمة كما ذكر ذلك نجيب العقيقي حيث يذكر أنه بالرغم من أن العلاقات بين العالم الإسلامي وروسيا بحدودها الواسعة بدأت منذ الخلافة العباسية إلاّ أن الدراسات الاستشراقية كفرع معرفي مستقل لم يبدأ إلاّ في بداية القرن التاسع عشر –هذا إذا استثنينا بعض النشاطات الفردية-فيذكر العقيقي أن أول كراس لدراسة اللغة العربية قد أنشئت كراس للغة العربية في الجامعات الروسية في العام 1804 في جامعة خاركوف(العقيقي ج3، ص 53) ومن الجامعات التي ظهرت فيها هذه الدراسات جامعة قازان وجامعة موسكو وكلية لازاريف وجامعة بطرسبرج وغيرها. وكانت اهتمامات الاستشراق الروسي تتركز على اللغة العربية وتراثها والتاريخ الإسلامي
ولم يكن قيام النظام الشيوعي ليوقف الاهتمام الروسي بالعالم الإسلامي بل استمر هذا الأمر حيث يمكننا أن نشير بإيجاز إلى بعض الخطوات العملية التي اتخذتها حكومة الاتحاد السوفيتي ( سابقاً) لدراسة العالم الإسلامي ومنها على سبيل المثال لا الحصر إنشاء المعهد المركزي للغات الشرقية الحية في موسكو عام 1920 وكذلك إصدار مجلة الشرق الجديد عام 1922 بتعاون العديد من المؤسسات الاستشراقية الروسية.
أما معرفة روسيا في المملكة العربية السعودية فكانت عن طريقين أحدهما المسلمون الذين هربوا من مواجهة المد الشيوعي وما نقلوه من تجاربهم الشخصية بالإضافة إلى جهود المملكة العربية السعودية في مواجهة المد الشيوعي من خلال ما صدر من مؤلفات عن الشيوعية وبخاصة في عهد الملك فيصل رحمه الله حتى إن بعض هذه الكتب كانت توزع مجاناً في موسم الحج، وبعض هذه الكتب تزيد صفحاته عن الثلاثمائة ومنه على سبيل المثال كتاب حقيقة موقف الشيوعية من خلق إسرائيل واستمرارها للدكتور عمر حليّق (الدار السعودية للنشر بجدة)، أو من خلال بعض العرب والمسلمين ممن كانوا يعتنقون الشيوعية وكانوا يعملون في القطاعات المختلفة في المملكة وبخاصة في حقل التدريس أو من خلال دراسة بعض أبناء المملكة في الدول الغربية حيث اعتنق بعضهم المبادئ الشيوعية والاشتراكية وتحمسوا للتجربة الشيوعية في روسيا.
ولكننا في الوقت الحاضر أشد ما نكون حاجة إلى معرفة روسيا من جميع الجوانب وحتى بعض موظفي السفارة السعودية في روسيا يمكن للمرء أن يتساءل وكم يعرفون عن روسيا أم إن هؤلاء يلجأون إلى المترجمين أو إلى اللغة الإنجليزية للتفاهم مع الروس؟
وقد أدركت قيادة المملكة العربية السعودية أهمية العلاقات بين الدولتين فكان اختيار الدكتور عبد العزيز خوجة كأول سفير سعودي في روسيا، وقد أنشأت المملكة العربية السعودية كرسي الأمير نايف للدراسات الإسلامية وقدمت له دعماً مهماً، وهناك جهود كبيرة من أجل تحسين العلاقات بين البلدين.
ولكننا بالرغم من كل تلك الجهود فنحن بحاجة ماسة لإنشاء أقسام الدراسات الروسية لأن المعرفة الحقيقية المبنية على أسس موضوعية وعلمية هي السبيل الوحيد والأمثل للمعرفة الحقيقة التي لا بد أن تقود إلى تفاهم حقيقي وإلى تعاون. كما أننا في الوقت نفسه مطالبون بأن نعرف ما يدور في أقسام الدراسات العربية والإسلامية في روسيا لتصحيح بعض المفاهيم التي توارثت منذ القرون الوسطى في أوروبا عن الإسلام والمسلمين أو ما يمكن أن تنقله الدراسات الحديثة التي قد تحكم على الإسلام من خلال واقع المسلمين وتصرفاتهم وهو أمر غاية في الخطأ.
وهذا المعرفة يمكن استثمارها في تقوية العلاقات بين الطرفين من خلال فهم عميق للغة الطرف الآخر وآدابه وتاريخه وتراثه وعقائده وواقعه المعاصر. قد يلجأ السعوديون في كثير من الأحيان بل ربما معظم الأحيان إلى الاستقاء من مصادر أخرى أوروبية أو أمريكية للتعرف على ما روسيا وما يدور فيها بدلاً من أن يكون ذلك بصورة مباشرة.
ومما يؤكد أهمية الدراسات الروسية أننا نستطيع أن نطبق بعض توصيات واستنتاجات اللجنتين البريطانيتين :لجنة سكاربورو (1947م) ولجنة سكايتر 1961م اللتان أكدتا أن الدراسات العربية الإسلامية ضرورية للإمبراطورية البريطانية في المجالات الآتية:
1-   السياسة والدبلوماسية
2-   الاقتصاد والتجارة
3-   الإعلام بوسائله المختلفة من إذاعة وصحافة وتلفاز فكم عدد المراسلين السعوديين في روسيا الذين يتقنون اللغة الروسية أو الذي يتقنون لغات البلاد الأخرى بدلاً من اللجوء إلى بعض الأشخاص المقيمين في تلك الدول الذين ربما تأثرت آراؤهم بسبب طول إقامتهم في تلك البلاد.
4-   الجامعات
ويمكننا أن نضيف أن معرفة روسيا مفيدة في مجال ربما لم تذكره اللجنة البريطانية ولكنه موجود لدى الطرفين وهو الدعوة عندنا والتنصير عندهم. فكيف للداعية أن يعرف الطريقة المثلى لنقل رسالة الإسلام دون أن يعرف لغة المدعويين وتاريخهم وتراثهم وآمالهم وآلامهم؟
الخطوات العملية لإنشاء القسم
أعرف جيداً أن التفكير في إنشاء قسم للدراسات الروسية أو أقساماً للدراسات الروسية ونحن لم ننشئ بعد أقساماً للدراسات الأمريكية والأوروبية أو حتى أقساماً لدراسات بعض البلاد العربية السعودية أمر صعب أو مستحيل. فمن الغريب أن يكون في المملكة العربية السعودية عشرات الألوف الذين يتقنون اللغة الأردية مثلاً ويتكلمونها في بيوتهم وفي الأسواق ومع ذلك لمّا احتاجت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية متخصصاً في اللغة الأردية تعاقدت مع أستاذ مصري. وقد يقال الأمر نفسه عن لغات إسلامية أخرى كالتركية فأنا أعرف كثيرين يتكلمون هذه اللغة بطلاقة ولكنهم اكتسبوها من والديهم أو اكتسبها البعض من العمل مع الحجاج ولكن هل أصبحت هذه اللغة أداة للعمل الأكاديمي فهو الأمر الذي لم نعرفه.
ومع كل هذا فهذه الورقة تطالب بإنشاء قسم للدراسات الروسية يتضمن في البداية على تعليم اللغة الروسية وآدابها على أن يتطور هذا القسم إلى عدة أقسام فيما بعد لدراسة روسيا من جميع النواحي العقدية والتاريخية والاجتماعية والقانونية والثقافية وغيرها. ولنأخذ هذه الأقسام قسماً قسماً:
معهد اللغة الروسية   
يمكن لهذا المعهد أن يبدأ بمعونة من بعض الجامعات الروسية بتوفير أساتذة يتقنون العربية ولديهم القدرة على تدريس اللغة الروسية كلغة أجنبية فتعليم اللغات الأجنبية أصبح علماً متخصصاً، كما يمكن الاستعانة بعدد من الأساتذة العرب الذين عاشوا في روسيا ردحاً من الزمن وأتقنوا اللغة الروسية. وأدعو إلى أن يكون عدد الطلاب في هذا القسم  لا يقل عن عشرة طلاب. وحبذا لو كان هؤلاء الطلاب من ذوي الأصول الروسية الذين هاجر أهاليهم إلى المملكة منذ عشرات السنين واستقروا بها فهؤلاء أقدر على فهم الروسية وكذلك العقلية الروسية مما يجعلهم مؤهلين لدعم العلاقات بين الدولتين. وقد لاحظت أن عدداً من طلاب برامج دراسات الشرق الأوسط هم من أبناء الجيل الثاني أو الثالث من المهاجرين العرب والمسلمين إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
ويجب أن نبدأ في الوقت نفسه بتكوين مكتبة أو مكتبات تضم أبرز ما كتب في اللغة الروسية في مجال اللغة والأدب حتى يستطيع الطالب أن يقرأ باللغة الروسية مباشرة .
معهد الدراسات الروسية أو قسم الدراسات الروسية
منذ سنوات قامت الجامعات الأمريكية بتوزيع الاهتمام بالعالم العربي والإسلامي على مختلف الأقسام وجعلت من قسم دراسات الشرق الأوسط كما في جامعة برنستون مثلاً أو معهد الشرق الأوسط كما في جامعة كولمبيا أو جامعة كاليفورنيا بمدينة بيركلي وهذا القسم والمعهد يقومان بالتنسيق بين قسم دراسات الشرق الأوسط والأقسام العلمية المختلفة فهناك طالب متخصص في الاجتماع ويرغب في تطبيق ما تعلمه في هذا العلم على بلاد الشرق الأوسط وكذلك الأمر في علم الاقتصاد  أو علم الإنسان وغيرهما من العلوم.

أرجو أن يجد هذا الاقتراح آذاناً صاغية في العالم العربي الإسلامي الذي ينقصه الكثير في المجال الأكاديمي وحتى يمكن أن يكون لنا مشاركات أكثر فاعلية في المؤتمرات الدولية حول العالم العربي والإسلامي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق