السبت، 21 مايو، 2016

من حائل أحدثكم وعنها


     تلقيت قبل فترة طويلة دعوة من الأستاذ أو الشيخ عبد اللطيف العامر من أهل حائل ومن المسؤولين في فرع وزارة الشؤون الإسلامية بحائل دعوة للمشاركة في معرض وسائل الدعوة أو كن داعياً بمحاضرة عن خطبة الجمعة وأهدافها، وقد فهمت أنه رجع إلى برامج معارض كن داعيا السابقة ووجد أنني شاركت في أحد هذه المعارض بورقة كيف تقدم بحثاً أو فن الإلقاء وليس عن خطبة الجمعة فهذا أمر لا أتقنه ولكني أحضر الجمع ولي رأي في خطب الجمعة التي بعضها يستجلب النوم ولو كان نائماً قبلها عشرين ساعة وبعضها تريد أن تضرب الخطيب على أخطائه اللغوية أو تفصيلاته المملة ولكن مع ذلك لن أزعم أنني أفهم في خطبة الجمعة وكيف تقدم، ولكن أزعم أنني أفهم قليلاً في إلقاء المحاضرات واعتلاء منصات المحاضرات كما يقال.
المهم رغبت في تلبية الدعوة فاشتريت تذكرة وقمت بالحجز وأبلغت الشيخ عبد اللطيف الذي تفضل مشكوراً فاستقبلني في المطار وأخذني بعد الوصول إلى مكان يسمى المطل يشرف على حائل كلها وهو منظر رائع وتنتظر بلدية حائل أن يشتريه أحد المستثمرين فيطرد الناس أو لا يأتيه إلا بأن يشتروا شيئاً فما كان ملكية عامة يصبح ملكية خاصة وتلك مصائب البلديات التي لا تريد أن تترك الأماكن الجميلة للناس.
وذهبت إلى حائل وهي بلدة أكبر من القرية ودون المدينة أو هذا ما عرفته من جولتي القصيرة فيها.
ماذا في حائل؟
كنت أسير في شارع الملك خالد في اتجاه وسط المدينة فإذ بأحد الشباب واسمه الأستاذ خالد الشبرمي (أستاذ الاجتماعيات في إحدى مدارس حائل) يقول لي أتحتاج من يوصلك مكاناً قلت نعم أريد أن أذهب إلى برزان (ليس برزان التكريتي) ولكن السوق في وسط حائل اسمه كذلك فقال أنا أوصلك فاستعجلت وقلت بكم؟ فقال عيب أنت ضيفنا.. وبعد أن ركبت معه سيارته التي كانت مليئة بالصحف وعرف أنني أستاذاً جامعياً ومن المدينة المنورة قال أتعجب لكم أيها الحجازيون كم أنتم متواضعون أستاذ جامعي يمشي على قدميه إن الواحد هنا لو كان مجرد أستاذ في مدرسة لبحث عن سيارة فخمة ولما مشى على قدميه،
وكانت أول محطة في الطريق المرور بالقشلة، وهو قصر قديم مبني من الطين المخلوط بالتبن ويشبه إلى حد ما قصر المربع بالرياض ولكنه جميل في محافظتهم عليه،بينما زال القديم في مناطق أخرى بالمملكة ومنها المدينة المنورة فسبب حزناً وألماً لا ينتهيان، وذكرني هذا بالقشلة في مكة التي أتخيل أنها بناء ضخم من الحجر وهي مقر للحامية العثمانية أو مقر للشرطة (من يعرف معنى القشلة) والبناء متكامل من حيث الغرب والمسجد وهناك مكان تحت الأرض لو اشتدت الأمطار والبرد، وفي القشلة ساحة ربما كانت لتدريب الجند...وأعطونا بعض الصور للمكان ثم ذهبنا إلى المعهد العلمي التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لأن عم الأستاذ خالد الشبرمي هو رشيد الشبرمي وكيل المعهد أو مديره وشربنا القهوة وتحدثنا قليلاً ثم انطلقنا إلى السوق.
وكان في ذهني أن أشتري الزيتون الأخضر لأخلله في البيت، واشتريت كمية بسبعين ريالاً وتركتها في المحل ثم أكملت جولتي فرأيت الزيتون في مكان آخر وسألت عن السعر فكان خمساً وأربعين فاشتريت ورجعت إلى التاجر الأول لأرجع ما اشتريت فقال يا عم لعلك وجدته أرخص قلت نعم قال إذن أعيد لك نقود.
واشتريت الكليجا الحائلية وهي ألذ من كليجة القصيم وأحبها هاشم وفاطمة فهي ألين وليس فيها بهارات كما في كليجة القصيم. كما اشتريت رمان حائل وإن كان رمان الطائف ألذ.
حائل بلد الجبال فيحدها من الغرب جبال أجا ومن الشرق جبال سلمى ولكن جبال سلمى بعيدة نوعاً ما...
ولحائل تاريخ طويل فحولها عدد من المدن التي كان لها تاريخ عريق وفيها ثروات تاريخية وآثار ومن تلك الأماكن قرية فيد التي لم يتسنى لي زيارتها...
ورجع الأستاذ خالد فأخذني إلى بيته شربنا القهوة ودعاني إلى الغداء فاعتذرت أني ضيف الوزارة ولا يمكنني أن أقبل دعوته، والضيف كما تقول العرب "إذا أقبل أمير وإن حل أسير، وإن لفا (غادر) شاعر"،
وكان من أجمل ما وفق الله إليه في هذه الزيارة القصيرة أن قضيت بعض الوقت مع الدكتور عبد الرحمن السميط ودارت بيننا أحاديث كثيرة عن التنصير وعن العمل الإسلامي في أفريقيا ويكفي أن تكون بجانب الدكتور السميط إنها روعة وروعة وروعة وكما يقال لا نزكي على الله أحداً ولكن الرجل يحب في الله حباً جماً ...
وفي أثناء زيارة معرض كن داعياً مررنا بجامعة حائل فبدأ بعض الشباب بحماسة يشرح لنا عن الجامعة وإنجازاتها وأنها بدأت تحت مظلة جامعة البترول وأن التعليم بها باللغة الإنجليزية فلم أتمالك نفسي أن ألقي عليهم محاضرة بأنها مأساة أن يكون التعليم باللغة الإنجليزية إن أمما صغيرة وضعيفة ووضيعة استطاعت أن تعلم العلوم كلها بلغتها وليست كاللغة العربية حتى إن اليهود أحيوا لغتهم التي ماتت وجعلوها لغة العلم فما بالنا، وقلت إن الأمر يحتاج إلى قرار سياسي من أعلى مستوى لفرض اللغة العربية، وذكرت تجربة الدكتور زهير السباعي في تعليم الطب باللغة العربية وأن المصطلحات اللاتينية أو الإنجليزية لا تحتل سوى واحد في المائة فلماذا نصر على تعليم العلوم بالإنجليزية، وأخبرتهم أن الطالب يحتاج إلى فهم نص من نصف صفحة باللغة الإنجليزية إلى ساعة أو ساعتين ولو كان باللغة العربية لفهمه في عشرة دقائق فكم نضيع من طاقات أبنائنا ومجهوداتهم لنعلمهم بلغة أجنبية، ليس عندي مانعاً أن نتقن لغة أجنبية ولكن نتنازل عن لغتنا ونفتخر باللغة الإنجليزية عيب ومصيبة كبرى، ثم ضربت المثل عندما كان ابني يدرس التقنية الطبية ففي درس عن بناء المعامل كان الحديث عن مواصفات المعمل وتجهيزاته فالكلام كما يأتي: لا بد أن تكون مساحة المعمل كذا متر في كذا متر وأن تكون جدرانه مطلية بكذا وأرضيته وغير ذلك وهذا كله يمكن أن يقال باللغة العربية ولكن ليفهم ابني باللغة الإنجليزية يحتاج إلى عدة ساعات فيا لها مصيبة.
      وعدت من حائل ولم ألق لا محاضرة ولا ندوة ولكني وزعت كتيب (احذروا خطر الاستشراق) وكتاب (الغرب من الداخل دراسة للظواهر الاجتماعية)، ولا أدري من حصل على النسخ ولكن أرجو أن يفيد من حصل عليه. ويمكن أن يكون قد أبعد من المعرض لأن صاحبه لم يحصل على إذن بتوزيع الكتاب والله أعلم.
        حائل بلد جميل جميل وفيه طبيعة خلابة وأرجو أن تتاح لي الفرصة لأزوره مع أم هاشم وهاشم وفاطمة وأن تكون مثل الرحلة البرية فيتاح لي أن أمارس هواية الطبخ وإشعال النار والطبخ على الحطب... ولكم التحية
       أما معنى يا بعد حيي فهي الدعاء بطول العمر حتى لو مات كل الناس تبقى أنت حياً، وتقال للأحباب وتقال حتى للأعداء، ولكنها مثل ما يقول العراقيين (عيني ) أو كما يقول السوريون تئبرني (لن أترجمها) (ولن أفسر كلمة النجديين: أبك) فقد فهمت أنها وإن تظهر لطيفة لكنها خطيرة فمن يفسرها؟
اللقاء بالدكتور عبد الرحمن السميط رئيس منظمة العون العالمية الخيرية
         عندما أرى الدكتور عبد الرحمن السميط أشعر أن ذلك فضل من الله ومنّة فأشعر بانشراح الصدر والرضا فلهذا الرجل في نفسي محبة كبيرة، وقد التقينا عدة مرات وتحدثنا عن هموم العمل في أفريقيا وعن عرض الإسلام على غير المسلمين وكذلك كيفية محاورة الغربيين. وكم من مرة حدثني عن مشروعاتهم في أفريقيا وبعض نجاحاتهم، وأسمع منه قصصاً. فذكر لي أنه في بلد إفريقي يدعى لزيارة السجون والحديث للمساجين ويشاء الله أن يكتب الهداية لبعض عتاة المساجين، فعجب الدكتور عبد الرحمن من لطف المسؤول الأمني فأستفسر عن رغبته في أن يسلم، أو إن إسلامه أصبح قريباً، فقال له بحزم لا أحب الإسلام أو أكرهه ولا أحب الإسلام حتى تحب الأرض الدم، فقال له ولماذا تساعدنا؟ فقال المسؤول أنتم الذين تساعدونني أنا أعطيك مائة دولار عن الزيارة ونتائج زيارتك توفر علي مئات أو آلاف الدولارات حين يتحول عتاة المجرمين إلى أشخاص طيبين أو وديعين. فأنت المتفضل ولست أنا.
وذكر لي عن إنشاء ثلاث جامعات في كينيا وفي إثيوبيا وربما في دولة إفريقية أخرى لم أحفظ اسمها، وأن هذه الجامعات نشأت من الصفر ولم يكن عندهم أية أموال ومن توفيق الله أن هذه الجامعات نالت الاعتماد واعتراف الدول، وذكر لي عن مناهجهم أنها تتطلب إتقان اللغة العربية وإتقان الإنجليزية والإنجليزية تتيح لهم الفرصة للعمل في الدولة ومعرفة العربية تتيح لهم معرفة مصادر دراسة الإسلام وقراءة القرآن. وأكد أن الطلاب بعد سنة يتقنون اللغتين، بينما طلاب الأزهر أو طلاب الجامعة الإسلامية على وجه الخصوص لا يتعلمون اللغة الإنجليزية وحين ذكرت له أحد طلاب الأزهر الذين درسوا باللغة الإنجليزية أنه كان متفوقاً قال هذا استثناء وليس الأصل. وقمت بجولة معه في معرض وسائل الدعوة وتحدثنا كثيراً وكان من حديثه عن طريقة دعوة غير المسلمين إلى الإسلام فقد كان الدكتور يلقي محاضرة عن الإسلام في كندا وعادة ما توجه إليه الانتقادات أن الإسلام يتيح للرجل أن يتزوج أكثر من واحدة وفي ذلك إهانة للمرأة بزعمهم، فكان يرد معتذراً أن الأمر ليس مطلقاً وهناك شروط كثيرة للسماح بالتعدد، فقالت له امرأة كندية مسلمة إن الكنديين لا يحبون من يتحدث إليهم باعتذار ففي مرة أخرى كان يتحدث عن الإسلام فجاء ذكر التعدد أو الزواج مثنى وثلاث ورباع فلما سمع النقد نادى زوجته (نسيت أم صهيب) فقالت كم أنا أقول للدكتور أن يتزوج فأنا بحاجة إلى بعض الراحة وقالت لو كنا زوجتين لاستطعت أن أتناوب مع الزوجة الثانية على إحضار المقاضي أو أي أعمال أخرى ولكن الدكتور مصر أن لا يتزوج.. وهكذا يسكتون.. ولكن عندما يخرجان من المحاضرة تلتفت له أم صهيب (أرجو أن يكون صحيحاً) وتقول له لا تصدق كثيراً ما قلته للنساء الكنديات.
      وحكى لي عن جهود النصارى في الإنفاق على الطلاب الأفارقة في التعليم الثانوي (لأن التعليم الثانوي داخلي في كينيا) وكانوا يفرضون على الطلاب أن يدخلوا الكنيسة ويصلوا يوم الأحد وأن يقرؤوا الإنجيل، ولكن بعد مدة أصر بعض الطلاب على رفض هذه الشروط وتمسكوا بإسلامهم فطرد أحد عشر طالباً وتمكن المسلمون من تمويل ثلاث منهم، ولم يستطيعوا أن يتولوا الجميع حتى لا يفتحوا جبهة مع النصارى في تلك الديار.
الجلوس أو الحديث مع الدكتور السميط يتعلم منه الإنسان الحكمة والمرونة وكيفية التعامل مع النصارى كما يشعر بالفرح لسماع أخبار نجاحات المسلمين على الرغم من قلة الإمكانات، فلو وفرنا قيمة عقد لاعب أجنبي وأنفقنا ذلك على الإسلام في أفريقيا لكان في ذلك خيراً كثيراً ..فمن هنا أقول ادعموا جهود الدكتور بارك الله فيه وفيكم وإلى لقاء من خلال مجلته الكوثر التي أدعوكم للاشتراك فيها لأنه ينفق عليها من جيبه الخاص وكم خسر بسبب المجلة فمن يستمع ويجيب وفقكم الله.

ملاحظات وتعليقات القراء
وبعد نشر المقالة في عدد من المنتديات تلقيت بعض التعليقات والملاحظات وكان منها الملاحظات الآتية:
·       ما شاء الله وصفٌ ... جعلني أعايش وقائع رحلتك. سافرنا معك..استمتعنا بوصفك
·       يتميز أهل حائل بالكرم..كحاتم، العجيب أن كرمهم مفرط حتى لو كان الواحد من ميسوري الحال ..وجنى على نفسه، فقوانينهم تقول الضيف ثم الضيف ثم الضيف ثم نفسك وعيالك وهذه ظاهرة

·      أحلى ما في رحلاتها التخييم في الربيع فهذه غاية المتعة، من الأشياء التي لن تذقها إلا هناك غير الكليجا..الباذنجان الحايلي..والتين الأصفر الصغير ..يختلف مذاقهما عن أي بذنجان أو تين تأكله في أي مكان آخر،ومن الكلمات الدارجة والتي تستعمل كناية عن الحب والتقدير غير يا بعد حيي..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق