الاثنين، 2 مايو 2016

سقوط الغرب أو سقوط كاتب(*)


كاتب أقرأ له بعض الأحيان على الرغم من  أن قراءة ما يكتب تصيبني بالاشمئزاز والقرف والاستفزاز، ويرتفع الضغط لدي، وما إصراري على قراءة ما يكتب لأني أحب مثل هذه المشاعر فلا أحد يحب أن تعتريه هذه الأحاسيس غير أنني أشعر بمسؤولية للاطلاع على ما يقول هذا الكاتب أو ذاك. وفي مقالة لهذا الكاتب- الذي تنشر مقالاته الطوال في صحيفة (الرياض) كل خميس، وكانت صورته تظهر بدون عقال مع لحية كثّة، وكأنه أحد المشايخ المحترمين، غير أنه قرر أن يرتدي العقال مع بقاء اللحية كما هي- كتب في سلسلة مقالات "الإرهاب ..ذكريات التأسيس الثقافي" مواصلاً حملته ضد الاتجاه الإسلامي في المملكة العربية السعودية بخاصة وفي العالم الإسلامي بعامة.
وفي هذا المقالة أزعجني فيها عبارته التي يقول فيها:"هذا الغرب الذي تورمت به كتب محمد قطب، الأب الروحي لهذا وأمثاله يعبّر عن إفلاس معرفي خطير، لا من حيث كون هذا السقوط مستحيلاً....." ولكني رجعت إلى المقالة لأقرأها بتمعن فأول ما لفت انتباهي أن الكاتب المبجل لديه قاموساً غنياً ثرياً واسعاً من الشتائم والسباب يقذف بها أعداءه من السلفيين الأسلامويين التقليديين ...الخ.
وبدأت المقالة من أولها وهاهي الكلمات التي استخدمها – ومعذرة عن نقل هذا الكلام فناقل الكفر ليس بكافر، وأعرف أن من صفات حبيبنا سيد الخلق أجمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن سبّاباً ولا لعّانا ولا فاحشاً ولا بذيئاً.
وإليكموها:
- المهانة
- الحضيض الأوهد
- تمزق الأصولي
- تجعل كل حضارة مدّعاة في التاريخ (حتى الحضارة الإسلامية؟؟؟؟) أشبه بأضغاث أحلام (هل كانت الحضارة الإسلامية أضغاث أحلام؟)
- جعلهما يستشيران الصغار أمامها
-نظرهما المأزوم
- دونية الأنا.
- مشاعر عنصرية تتلبس الديني
- بقية الشوفينيات
- مهزلة الوعي الأصولي.
- الزمن الغفوي (كان يطلق عليه الصحوي)
-الأمنية الساذجة.
-الوعي الكسيح.
- القوة الوهمية.
- تورمت به كتب محمد قطب
- تكرارها الممل.
-المنطق الغفوي.
- جهل فاضح.
- إفلاس معرفي خطير
- الرؤية المتعصبة.
- حلم الإيديولوجيا الإسلاموية ا
وهذا الأسلوب في كيل الشتائم والنقائص في التفكير الإسلامي الذي يطلق عليه الآن الغفوي بعد أن كان يستخدم الصحوي والتقليدي وغيرها من الألقاب أسلوب قديم استخدمه المشركون في حربهم للرسول صلى الله عليه وسلم حيث كانوا ينعتونه بنعوت كثيرة ذكر القرآن الكريم بعضها مثل: شاعر ومجنون، وكاهن، وغيرها. وفي العصر الحاضر كتب الدكتور سعيد سلمان (رئيس جامعة عجمان سابقاً) عن حرب النعوت والألقاب بيننا وبين الغرب فذكر كيف أن "الأصولية" التي عندهم وتنادي بالتمسك بنصوصهم "المقدسة" بحرفية، والجمود على الماضي ورفض كل ما جاءت به المدنية المعاصرة تراهم نقلوا هذا الوصف وألصقوه بالحركات الإسلامية ووصموها بكثير من النعوت والألقاب فهي أصولية وهي تقليدية وهي عسكرية، ومسلحة، وجامدة، وهي صاحبة فكر محنط، وهي التي تريد أن تعيد الأمة إلى العصور الوسطى (عصورهم الوسطى كانت مظلمة، أما نحن فكانت تلك عصور ازدهارنا).
وفي هذه المقالة أضفى على الغرب والحضارة الغربية من الألقاب والصفات ما يجعلك تعتقد أنه عنصر أساسي في صناعتها أو إن هؤلاء الغربيين الذين صنعوا "الحضارة" إنما هو واحد منهم. وفيما يأتي بعض هذه الصفات:
-                            إنها حضارة تكتسح العالم، وتبهر الجميع وتجعل كل حضارة مدعاة في التاريخ أشبه بأضغاث أحلام.
-                            هذه الحضارة المعاصرة التي لا وجود للإنسان اليوم خارجها.
-                            هذا الغرب المتفوق الذي استولى على إعجاب العالم أجمع، وسارت البشرية في ركبه الحضاري طوعاً وكرهاً.
-                            أحدث الطائرات الأمريكية والأوربية واقتناء أحدث السيارات الألمانية والأمريكية، ولبس أغلى الساعات السويسرة
-                            انهيار الغرب ليس مجرد انهيار حضارة من الحضارات القديمة التي يطلق عليها مسمى حضارة مجازاً- هل الحضارة الإسلامية كذلك؟- وإنما هو انهيار للعصر بأكمله، وتراجع كوني يقصر فهم هؤلاء عن إدراكه. (سبحان موزع العقول!!)
          وأبدأ بالتساؤل لماذا هذا القاموس المتخم بالشتائم والسباب؟ هلا يمكن أن يكون النقاش مؤدباً ومهذباً وعفيفاً؟ هذا الذي درس في مدارس المملكة وقرأ القرآن وربما كان يحفظه ألم يقرأ قول الحق سبحانه وتعالى (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين)(سورة سبأ آية 24) وقد حاور الحق سبحانه وتعالى الملائكة عندما أعلمهم بأنه سيخلق بشراً يكون خليفة في الأرض، وحاور إبليس عندما أمره أن يسجد لآدم. فهل له أن يرجع إلى هذه الحوارات. وأذكر تعليق الدكتورة عزيزة هبري على الموقف الإبليسي في ذلك الحوار وإشارتها إلى الإمام أبي حامد الغزالي وتعليقه على القضية.
        فأول مطالبي لهذا وأمثاله أن يتخلوا عن قاموس الشتائم والسباب والنعوت إن كانوا يريدون حقاً أن يكون ثمة حوار في البلاد. وإني أدعو مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني أن يعقد لقاءاً خاصاً بين عدد من الكتاب الذين اشتهروا بهذا الأسلوب وبين بعض الإسلاميين الذين ربما استخدموا الأسلوب نفسه، أو أن يوجهوا الصحف إلى أن ترقى بلغة الخطاب فيها وذلك بإشارات لطيفة إلى أننا أبناء مجتمع واحد وأمة واحدة، فلا يليق أن نتراشق بمثل هذا الكلام.
        أما الأمر الثاني فإني أدعوه وأمثاله لإعادة قراءة القرآن الكريم وإن كنت أعتقد أن تخصصه في الأدب العربي والنقد يجعله قريباً من هذا الكتاب العظيم حيث إنه لا يمكن لدارس للغة العربية أن يكون بعيداً عنه. ولكن لتكن القراءة واعية ومهتدية ومنصفة. ألم يكن هذا الكتاب هو الأساس لبناء الحضارة الإسلامية بالعقيدة الصافية الخالية من التعقيدات، والتي حررت العقل البشري منذ أن نزلت أول كلماته (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق)
        وأدعوه أيضاً لإعادة قراءة التاريخ الإسلامي وتراثه الضخم ليرى حقاً هل الحضارة التي بناها المسلمون كانت مجرد "حضارة مدعّاة" أو "أضغاث أحلام"؟ أليست هذه الحضارة التي أنارت الدنيا بعدلها وسموها ورفعتها وعظمتها وسلامها وأمنها هي التي كتبت عنها زيغرد هونكه (شمس الله تسطع على الغرب)؟
        أما سقوط الغرب واستحالته فهل بقيت حضارة اليونان إلى اليوم؟ وهل حضارة الرومان هي حضارة اليوم؟ ألم يكن للصينيين حضارة أو للهنود أو لغيرهم؟ ألا يعلم أن ثمة سنناً ربانية في قيام الأمم وانهيارها؟ (إرم ذات العماد) (وفرعون ذي الأوتاد) وقول الحق سبحانه وتعالى (كانوا أشدّ منهم قوة، وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) سورة الروم الآية (9).     
        هدانا الله وإياه إلى طريق الصواب، اللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين.





* هذه المقالة تعليق على مقالة محمد علي المحمود "الإرهاب..ذكريات التأسيس الثقافي (3)" ونشرت في حصيفة "الرياض" الخميس غرة المحرم 1429هـ (10 يناير 2008م) 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق