الثلاثاء، 31 مايو، 2016

برنامج علماء مبدعون - جاسم المطوع


سلسلة برنامج علماء مبدعون


تاريخ الحلقة 1/5/2001





كيف ينظر الغرب للتاريخ الإسلامي

ضيف اللقاء الدكتور
مازن مطبقاني
أستاذ مساعد في قسم الاستشراق بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ومؤسس مركز المدينة المنورة لدراسات وبحوث الاستشراق في الانترنت

أجرى اللقاء
أ. جاسم محمد المطوع





بسم الله الرحمن الرحيم
المقـدمـة:
الاستشراق الغربي مسألة علم المسلمون بها ولكنهم مع ذلك لم يعرفوا حقيقة هذا الأمر لم يعرفوا أن همَّ المستشرق هو أن يسلط الضوء على نقاط الضعف في التاريخ الإسلامي حتى يشغل الناس عن الواقع المشرق الذي كان يعيشه المسلمون في العصور السابقة ترى ما هو هدفهم من هذا . هذا ما سنعرفه من ضيف اللقاء الدكتور مازن صلاح مطبقاني.
نبذة عن حياة الدكتور:
أ‌-     المطوع. حبذا لو تعطينا فكرة عن بطاقتك الشخصية ؟
د. مطبقاني : لقد ولدت في بلدة الكرك في الأردن في 3 جمادى الآخرة عام 1369هـ المصادف ل 22 (آذار) مارس 1950م. وأهل أسرتي من المدينة المنورة وكان سبب هجرة جدي من المدينة إلى الأردن عام 1917م أثناء الحرب العالمية الأولى للأحداث السياسية التي وقعت في المدينة التي عرفت بما يسمى (سفر برلك). ودرست الرحلة الابتدائية في الأردن، وأكملت المرحلة المتوسطة والثانوية في المدينة وحصلت على الشهادة الثانوية العلمية وحصلت على بعثة في الدراسة إلى الولايات الأمريكية المتحدة. فدرست هنالك خمس سنوات. كانت البعثة لدراسة الإدارية الصناعية، لكن الأسرة كانت تريدني أن أدرس الطب أو الهندسة، ولكنني لم أدخل في هذا المجال. عدت بعد خمس سنوات وجعلت أبحث عن وظيفة فطلبوا مني شهادة الجامعة، فالتحقت على أثرها بجامعة الملك عبد العزيز بجدة منتسباً. حصلت من خلالها على شهادة البكالوريوس وكان اختصاصي في الجامعة في علم التاريخ وأتممت دراستي الجامعية عام 1979م ثم قبلت لدراسة الماجستير في الجامعة نفسها ورسالة الماجستير كانت أول دخولي إلى البحث العلمي لأنني كنت أعمل أثناء الدراسة موظفاً في الخطوط السعودية حتى وصلت في وظيفتي إلى درجة مدير للاتفاقيات الثنائية في إدارة الشؤون الدولية. ولكن من محبتي للعلم جعلتني أتخلى عن هذه المزية وأكمل دراستي في الجامعة لتقديم رسالة الدكتوراه في كلية الدعوة بالمدينة المنورة بقسم الاستشراق.
أ. المطوع: ماذا عن رسالتي الماجستير والدكتوراه في أي شيء كانا ؟
د. مطبقاني: قبل أن أتكلم عن رسالة الماجستير والدكتوراه أقول لقد عشت في أمريكا خمس سنوات وشاء الله أن اعود إلى المملكة فكان لدي هنالك فراغ واضح في الوقت فجعلت أملأ هذا الفراغ بقراءة الكتب لأمثال سيد قطب والمودودي والندوي والقرضاوي ومحمد قطب وغيرهم من العلماء. ومن خلال قراءاتي تنبهت للغزو الفكري والتيارات الفكرية الوافدة مثل الشيوعية والبعثية والقومية وغيرها فالتحقت بالجامعة بقسم التاريخ وكان أول ما صادفني كتاب للدكتور حسن إبراهيم حسن، فوجدت آثار الاستشراق فيه واضحةً. وكانت هذه بداية اهتماماتي بالاستشراق حتى أنني كتبت عشر صفحات نقدت بها هذا الكتاب وأنا في السنة الأولى من دراستي وقدمتها لأحد الأساتذة فتعجب من هذه الأوراق. وبينما كنت في أمريكا جعلت أتتبع التيارات الفكرية هناك. فكنت مهتماً بالفكر الغربي والعالم الأمريكي حتى لما رجعت من هناك جعلت أكتب مقالات في مجلة المجتمع عن الشعب الأمريكي ونشرتها في المجلة بعنوان: "مشاهدات عائد من أمريكا"
أما رسالة الماجستير فكانت بعنوان: "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية". وهذه الجمعية تأسست عام 1931م برئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس، ونعرف أن الجزائر كانت تقع تحت الاستعمار الفرنسي، والاستعمار الفرنسي له أهداف واضحة في طمس الهوية ومحاربة الإسلام والقضاء على الهوية القومية وفرض اللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية والعادات والتقاليد الفرنسية. لذلك جاءت جمعية علماء المسلمين لتنبه على هذا وكانت هنالك سنوات طويلة للإعداد لها. وهذا الجانب هو الذي نبهني على موقف الغرب والاستشراق الغربي. وهذا الموضوع كان رسالتي للماجستير.
أ. المطوع النظرية التي ذكرتها. عن فعل الاستعمار هل هو بالضرورة أن يطبق على كل الشعوب ؟
د. مطبقاني، البلاد التي كانت تقع تحت الاحتلال الفرنسي تميزت بميزات وهي سياسة الإدماج التي كانت تستخدمها فرنسا. لقد كانت تحاول أن تدمج أفراد من المجتمع تربيهم على عينها، وتدخلهم في مدارسها فإذا بلغوا المبلغ وضعوهم قواداً على البلاد وسلموهم المناصب الحساسة في البلاد. والاستعمار البريطاني كانت له طريقة أخرى وهي إنشاء المدارس وتقسيم المناهج وتقسيم التعليم إلى تعليم عام وتعليم شرعي بتحديد حصص الدين. يشترك الاستعمار الفرنسي والبريطاني في مسائل عامة ولكنهم يفترقون في وسائل هذه المسائل.
رسالة الدكتوراه
أ. المطوع: ماذا عن رسالة الدكتوراه ؟
د. مطبقاني : لقد كنت أنوي أن أكمل دراستي  في مجال رسالة الماجستير كا هو الطبيعي والمنطقي وذلك من خلال دراسة الصراع الفكري في المغرب العربي بين الحربين العالميتين ودور الاستشراق الفرنسي في ذلك لكن ظروف معينة في داخل قسم الاستشراق سببها دكتاتورية القسم وإصراره على فرض آرائه، فضلت أن أنتقل إلى الاستشراق الإنجليزي، وكان موضوع البحث هو دراسة كتابات المستشرق البريطاني المشهور برنارد لويس الذي ولد عام 1916. وله كتابات غزيرة وله نفوذ كبير في عالم الاستشراق؛ ولذلك كان لابد من معرفة هذا الرجل خاصة وقد تسلم رئاسة قسم التاريخ في جامعة لندن في مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية أكثر من سبعة عشر عاماً. ثم كان له وجود مهم جداً في جامعات أمريكا. فرسالة الدكتوراه كانت في منهج المستشرق برنارد لويس في دراسة الجوانب الفكرية في التاريخ الإسلامي وقد تناولت معظم ما كتب هذا المستشرق.
أ. المطوع، ما هي أهم المسائل التي ركز عليها المستشرقون في التاريخ الإسلامي؟
د. مطبقاني: من خلال دراسة التاريخ من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وكيفية تقسيمها من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم  ثم الفتوحات الإسلامية والخلافة الراشدة ثم العصور المختلفة نجد أنهم كانوا يركزون على نقاط الضعف في التاريخ الإسلامي.
لقد كان التطبيق للشريعة الإسلامية في درجة عالية من أيام النبوة وعصر الخلافة الراشدة والآية التي نزلت على الرسول صلّى الله عليه وسلم  وهي "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي"([1]) وضحت أن بعد هذا الكمال سيكون نقصاً ولكن ما مدى هذا النقص لا نعرفه. ومن هنا انطلق المستشرقون بدعاويهم الباطلة عن تاريخ الإسلام بأنه تاريخ مليء بالنواقض وتاريخ دموي مليء بالحروب حتى لقد انطبع هذا الأمر في مناهج مدارسنا التي يتعلما أبناؤنا. لقد كتبت مقالة وهي كيف يدرس أبناؤنا التاريخ الإسلامي. وجئت إلى موضوع دراسة السيرة. لاحظ أننا في قراءة السيرة ننطلق من بدء الوحي ثم الدعوة جهراً وسراً ثم الهجرة إلى الحبشة ثم إلى المدينة ثم الغزوات وهكذا، وكأنه ليس بين هذه المراحل دعوة عظيمة نقلت هذا المجتمع العربي من جاهلية جولاء ومن تخلف عقدي وأنشأت حضارة راقية.
واضع المناهج عندنا فكرته استشراقية.
أ. المطوع: هل تعتقد أن من وضع هذه المناهج له ارتباط بالفكر الاستشراقي ؟
د. مطبقاني: لا شك في ذلك. بل إن الأمر أكيد لأن كثيراً من الذين وضعوا التاريخ والمناهج الدراسية في الجامعات العربية والإسلامية هم خريجوا الجامعات الغربية. درسوا في الغرب. وأنا أذكر ما درسته في الجامعة مثل كتاب الدكتور حسن إبراهيم حسن مع العلم أنه كتاب مشهور وطبع أكثر من عدة طبعات مع ذلك لم يخلُ من أفكار استشراقية لأن هذا الدكتور درس على يد توماس أرلنود Thomas Arnold وهو مستشرق بريطاني صاحب كتاب "الدعوة إلى الإسلام" ، والذين تسلموا مناصب التعليم والتربية هم خريجو المدارس الغربية الاستشراقية فإذن وضع التاريخ الإسلامي بهذا المستوى ليقتصر على الأحداث السياسية ويترك الجانب الدعوي والعلمي. أقرأ كتاب روائع حضارتنا للدكتور السباعي ستجد من خلاله حقيقة المجتمع المسلم والتاريخ الإسلامي السابق وأنه تاريخ حافل بالروائع يدل على عظمة هذه الأمة في كل مجال في الحياة. من خلال هذه الكتب الصحيحة تعلم أننا أمة راقية لها حضارتها وتاريخها العريق والجوانب الفكرية والاجتماعية قليلة في مناهجنا.
أ. المطوع: هل ترى أن المناهج الإسلامية تحتاج إلى تغيير التاريخ الموجود الآن يقتصر على الواقع السياسي فقط.
د. مطبقاني هذا موجود في المناهج في وقتنا الحاضر ولكن الجوانب الأخرى مثل الفكرية والاجتماعية محدودة جداً وأذكر مثال من تاريخ المسلم حول الجوانب المعمارية والهندسية عندما أراد عمر بن الخطاب أن يخطط شوارع الكوفة أرسل واليه سعد بن أبي وقاص يأمر أن تكون الجادة أربعين ذراعاً. لاحظ أربعين ذراعاً يعني ثمانية وعشرين متراً من ذلك العصر وقبل ألف وأربعمائة عام يجعل الجادة بهذا الاتساع، فهذا جانب لو درسناه وأعرناه دراسة المعمار بالشكل الإسلامي لعلمنا قيمة حضارتنا وتاريخنا. فمثل هذه القضايا لا تدرس في التاريخ الإسلامي وكذلك علاقات المجتمع حتى النواحي الثقافية التي وصلنا فيها إلى درجة عالية قد أهملت في مناهج التاريخ في عصورنا.
أ. المطوع: عندما يركز المستشرقون على نقاط الضعف في تاريخنا أليست هي في الحقيقة نقاط ضعف عندنا ؟
د. مطبقاني: لا شك أن التاريخ الإسلامي تاريخ بشر وهذا التاريخ لا يخلو من نقاط ضعف ولكن كما يقول الشيخ الغزالي لقد كنا العالم الأول خمسمائة عام لا يشاركنا في الأولية أحد ثم استمرينا في الأولية خمسمائة أخرى ولكن شاركنا فيه أحد. ومعنى هذا أنا كنا العالم الأول قبل برهة من الزمن. ولا شك مَنِ وجود نقاط ضعف وذلك من خلال حكام لم يطبقوا الإسلام. والقرآن ذكر قصة فرعون في سبعين آية وكلها في سياقات مختلفة بسبب لنا أن الجانب السياسي لابد من وجود خطإٍ فيه فمثل هذه النقاط موجودة ولكن ليس من الحق أن يأتي باحث غربي أو عربي درس في الغرب فيقول أن تاريخ الإسلام تاريخ مليء بالتناقضات والدماء والمذابح هذا غير عدل.


أ. المطوع: حبذا لو تعطينا فكرة عن المؤتمرات التي كنت تحضرها على المستشرقين وإلى أي شيء تهدف مثل هذه المؤتمرات ؟
د. مطبقاني: المؤتمرات جانب مهم في حياة الأستاذ الجامعي ويبدو أن الأستاذ الجامعي الذي لا يحضر المؤتمرات ولا يلتقي مع زملائه الباحثين من أنحاء الدنيا كأنه لا يريد أن يبدئ الواقع ولا يؤدي رسالته كما ينبغي.
ليست الحياة الجامعية كتاباً وقاعة ومحاضرات ولكن حضور المؤتمرات جانب مهم جداً ولو ذهبنا نحصي المؤتمرات التي تعقد في العالم حول الإسلام والمسلمين. تحتاج إلى العُصبة من الرجال لإحصاء هذه المؤتمرات والندوات. لذلك قبل أن يمن الله علي بالحصول على الدكتوراه. حضرت مؤتمراً في تونس حول المنهجية والتراث في دار المعلمين العليا في سوسة وعندما كنت أبحث في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. وصلت إلى الجزائر عام 1983 وكان هنالك الملتقى الكلامي الإسلامي السنوي الذي بدأه مالك بن نبي رحمه الله. فحضرت الملتقى السابع عشر ثم حضرت الواحد والعشرين وكنت مستمعاً. حتى إني في أحد المؤتمرات في معسكر غرب الجزائر وكان عن الحياة الروحية في الإسلام وشاء الله أن أتحدث في الجلسة الثامنة عن التربية الروحية في جمعية العلماء المسلمين. لكن اهتمامي بالاشتراق بدأ من حضور مؤتمرات في الغرب. أذكر منها المؤتمر العالمي الأول حول الإسلام والقرن الواحد والعشرين. هذا عقد في مدينة/ لايدن/ في هولندا وكان عدد البحوث التي قدمت أكثر من مائة وثمانين بحثاً. كانت هنالك ثلاثة محاور محور التربية ومحور حول التنمية ومحور حول الإسلام والعولمة ولاحظ أن كلمة العولمة لم تنشر إلى عام 1998 – 1999م ولكن في مؤتمر/ لايدن/ كان الحديث عن العولمة عام 1996 وشاء الله أن أحصل على معلومات حول هذا المؤتمر وتقدمت ببحث ثم ذهبت لم يكن بحثي مهماً بقدر حضوري واستماعي لمجموعة من الجلسات والدخول في نقاشات مع المستشرقين حول هذه البحوث وما قدموه. هذا المؤتمر عقد في أواخر القرن العشرين وكأنما كانوا يعدون لموضوع حر كيف سيسير العالم الإسلامي في القرن الواحد والعشرين. لأنهم تناولوا ثلاثة قضايا أساسية ا لتنمية والتربية والعولمة ومعنى هذا أن الحركات الإسلامية جزء أساسي من اهتمامات المستشرقين. والتربية قضية أساسية ثم ركز المؤتمر على إبراز الخلاف في نظرهم بين الإسلام الشرق الأوسطي وإسلام جنوب شرق آسيا. فكان هناك عدد كبير من الباحثين من ماليزيا وتايلاند وأندونيسيا.





([1]) سورة المائدة: الآية 3.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق