التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كوسوفا والرأي السديد


يبدو للعالم أن الصرب قد آلمتهم ضربات طائرات حلف شمال الأطلسي فاستسلموا لشروط الحلف، وبدأت المحادثات للتفاهم حول كيفية تطبيق شروط الحلف في الانسحاب من كوسوفا وبدء عودة شعب كوسوفا المسلم إلى دياره. ولكن هل يكفي أن تخرج قوات الصرب وتعيش المنطقة سنوات الله أعلم كم تطول- في حماية قوات الأمم المتحدة ؟ أما أهل كوسوفا فيحرمون من أن يكون لهم جيش يحمون به أنفسهم لأن الاتفاقيات نصت على أن يتخلى مقاتلو جيش تحرير كوسوفا عن سلاحهم، وأن توضع قوات الأمم المتحدة على الحدود لمنع تسلسلهم إلى بلادهم لتحريرها.
إن أول ما دار من حديث أن الرئيس الصربي لا عهد له ولا ذمة وأنه طالما تعهد ووعد، وما أن تحين له الفرصة حتى يخلف وعده ويكسر عهوده. إن الرئيس الصربي لم يكن وحده الذي يستحق الإدانة فإنه خلف الأعمال التي قام بها جيشه من نهب وتدمير وهتك للأعراض إنما فعلوه لأن ثقافتهم ومعتقداتهم تبيح لهم ذلك. ومهما كانت الأوامر العسكرية من سلوبودان مليسوفيتش فإن الذين قاموا بالتنفيذ أفراد من الشعب الصربي الذي احتل الأراضي التي كان يسكنها المسلمون ولا بد أن الصرب سيحاولون أن يثبتوا وجودهم بأي طريقة داخل كوسوفا.
وفي هذا المجال وجدت في أرشيفي الصحفي مقالة للشيخ أحمد محمد جمال رحمه الله بعنوان (نحن أحق من ميتران) يتحدث فيها عن أزمة البوسنة والهرسك نشرت في 20محرم 1413هـ، قال فيها ما يأتي: "مازالت المناحات العربية والإسلامية تتردد في الصحف والمجلات وعبر الإذاعات والتلفازات ..بكاءً وعويلاً على المذابح الصربية في البوسنة والهرسك، ومازالت دماء النساء والرجال والأطفال ..ومؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية الذي انعقد في تركيا- اكتفى بطلب إلى مجلس الأمن الدولي بالتدخل السريع في أزمة البوسنة والهرسك
000000000
"من وجهة نظري أن العالم الإسلامي يجب أن يحمي نفسه لأنه يؤلف كثرة كاثرة من الدول ذات القوة العسكرية والثروة الاقتصادية وحقوق السيادة، التي من شأنها أن تدافع عن كرامتها وإنسانيتها وشعوبها وأراضيها،  كما يجب على منظمة المؤتمر الإسلامي أن تكون لها قوات عسكرية تدافع بها عن أية دولة أو أقلية إسلامية وقع عليها عدوان ظالم أو اضطهاد غاشم من دول صليبية أو وثنية"
وقد طالب الشيخ رحمه الله في مقالة له في بداية مأساة البوسنة (27/11/1412هـ) " بسحب سفراء الدول العربية والإسلامية من يوغسلافيا، ثم سحب ممثليها في هيئة الأمم المتحدة إذا لم يتخذ مجلس الأمن الدولي إجراءً عملياً حاسماً لوقف العدوان الصربي على البوسنة والهرسكويضيف الشيخ "وقلت يومذاك إن البكاء والنواح لن يجديا شيئاً، ولا بيانات الشجب والاستنكار التي تصدرها الزعامات العربية والإسلامية ستوقف العدوان الصليبي الصربي على إخواننا المسلمين هناك. وفعلاً استمر سفك الدماء وذبح الشيوخ والنساء والأطفال وهدم الدور والمتاجر والمساجد في الديار الإسلامية."
وكان الشيخ رحمه الله على حق فإن الصرب حتى وهم قد رضخوا أخيراً فيما يبدو لضربات حلف الأطلسي فإنهم إذا وجدوا الفرصة مواتية ارتكبوا أفعالهم الشنيعة، فهل يكفي أن يعود شعب كوسوفا لحكم ذاتي محدود وأن لا يكون لهم جيش يحميهم وأن يحتفظ الصرب بكوسوفا لأن الصرب يزعمون أن لهم حقاً تاريخياً في هذه المنطقة وقد تضمنت الاتفاقية أن يحتفظ الصرب ببعض الجنود لحماية الأماكن المقدسة لهم. فيا سبحان الله تهدم كل المقدسات للمسلمين ويبقى للصرب مقدساتهم ويسمح لهم بحمايتها.
إن العقوبة الحقيقية للصرب أن لا يسمح لهم بدخول كوسوفا وإن لم يفرض ذلك الأوروبيون فإن المسلمين قادرون على ذلك وإنهم سيفعلون ذلك؟ فهل الحل أن يعود المسلمون إلى ديارهم التي خربت ودمّرت ونهبت وأن يعودوا إلى بلد تحت حكم من هتك الأعراض ويتّم الأولاد ورمّل النساء؟

وأخيراً فهل يستمع أحد إلى ما قاله الشيخ أحمد محمد جمال رحمه الله ؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب منهج البحث التاريخي للدكتور د. حسن عثمان

الطبعة: الرابعة. الناشر: دار المعارف بالقاهرة (تاريخ بدون). عدد صفحات الكتاب: 219 صفحة من القطع المتوسط. إعداد: مازن صلاح المطبقاني في 6 ذو القعدة 1407هـ 2 يوليه 1987م بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة : يتحدث فيها المؤلف عن معنى التاريخ، وهل هو علم أم فن، ثم يوضح أهمية دراسة التاريخ وبعض صفات المؤرخ وملامح منهج البحث التاريخي. معنى التاريخ: يرى بعض الكتاب أن التاريخ يشمل على المعلومات التي يمكن معرفتها عن نشأة الكون بما يحويه من أجرام وكواكب ومنها الأرض، وما جرى على سطحها من حوادث الإنسان. ومثال على هذا ما فعله ويلز في كتابه "موجز تاريخ العالم". وهناك رأي آخر وهو أن التاريخ يقتصر على بحث واستقصاء حوادث الماضي، أي كل ما يتعلق بالإنسان منذ بدأ يترك آثاره على الصخر والأرض.       وكلمة تاريخ أو تأريخ وتوريخ تعنى في اللغة العربية الإعلام بالوقت، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته ودقته الذي ينتهي إليه زمنه، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة. وهو فن يبحث عن وقائع الزمن من ناحية التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحواله الم...

رسالة إلى الشيخ محمد الصالح رمضان واستشارة علمية

    أستاذي الجليل الشيخ محمد الصالح رمضان    حفظه الله ورعاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فهذه أول رسالة أكتبها إليكم بعد لقائنا الذي تم قبل أربع سنوات تقريباً حين كنت أجمع المادة العلمية لبحثي حول الدور الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين لقد أكرمني الله بإنجاز البحث وإهداء نسخة منه إليكم، وأرجو ان تكون قد نالت رضاكم فكم كان بودي أن أسمع وأيكم في ذلك العمل. أستاذي الكريم         لما وجدت أن ما لدينا من كتابات حول الجزائر قليلة بل نادرة، عزمت بعون الله أن أقدم ترجمة للشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في سلسلة أعلام المسلمين التي تنشرها دار القلم بدمشق. وكما تعلمون فالكتابات عن حياة ابين باديس رحمه الله كثيرة في الجزائر، ولكن شخصيته المتعددة الجوانب والثرية تشجع دائماً على الكتابة عنها.        أمّا سؤالي فهو: ما هي الجوانب التي ترون أنه لم يتطرق إليها البحث بصبوره موسعة؟ وما هي الإضافات التي يمكن أن نتحدث عنها؟ أرجو أن تحدثوني عن نشاطاته رحمه الله، وعلاقاته بأفراد المجتمع الجزائري ا...

حوار مع المستشرق برنارد لويس

               عندما شرعت في إعداد بحث الدكتوراه حول منهج المستشرق برنارد لويس كان لا بد من الإعداد للقائه، وقد زرته في مكتبه في جامعة برنستون التي كان قد تقاعد منها ولكنه كان يحتفظ بمكتب فخم كبير. وأجريت معه لقاءً مطولاً قدمت له فيه عدة أسئلة فأجاب عنها وسجلتها في آلة التسجيل ثم نسخت المادة وبعثتها إليه لتوثيقها. وتأخر كثيراً في توثيق الحوار وفي الأخير أرسل الحوار مطبوعاً كله ومعه رسالة اعتذار يبدي فيها أسفه للتأخر في الرد ولو لم أزعجه بالتعقيب لما اعتذر.        وفيما يأتي الأسئلة وإجابات لويس ثم تعليقي على الإجابات. وعلى الرغم من أنني ناقشت تلك الإجابات في طيات رسالتي للدكتوراه لكني هنا جمعت تلك التعليقات في مكان واحد. الأسئلة والإجابات:        لهذا الحوار قصة طريفة، فقد سبقه مراسلات بين الباحث والمستشرق، وقد اتسم رد لويس بالتردد والممانعة. كما إنه كال التهم جزافاً للباحثين والمؤرخين في دول العالم (غير الحر) من حيث عدم تمتعهم بما يتمتع به الباحثون في (العالم الحر) من حرية الرأي، وأن بح...