الثلاثاء، 19 أبريل، 2016

هل نحن حقاً مفتونون بنظرية المؤامرة!؟

                                      بسم الله الرحمن الرحيم
                           
في برنامج تلفزيوني قال المذيع بنبرة فيها شيء من التهكم والسخرية:" ونحن مفتونون بنظرية المؤامرة" ولعله كان يستثني نفسه تفاخراً أنه أفضل ممن وقع في هذا التفكير. وبعد أيام قرأت مقالة الطيب صالح حول ندوة أصيلة وقال لست من المؤمنين بنظرية المؤامرة. فهل أصبحت نظرية المؤامرة عارٌ الإيمان بها؟ هل ثمة شيء اسمه نظرية المؤامرة؟ أو هناك مؤامرة حقيقية وليست نظرية؟
        إن المسلم ينطلق من القرآن الكريم فهو كتاب هداية وتشريع وتذكير، ولو أردنا أن نعرف مواقف الكافرين من المؤمنين أو مواقف المنافقين من المؤمنين لوجدنا بياناً شافياً. وقد خصص القرآن الكريم مساحة واسعة للحديث عن أهل الكتاب من يهود ونصارى وخص بني إسرائيل بنصيب وافر من الحديث. فهل نجد في القرآن الكريم ما يدل على أن هناك مؤامرة حقيقية من هؤلاء على الإسلام والمسلمين؟ 
        فهذه الآيات الكريمة التي تذكر موقفهم من الإسلام والمسلمين { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} ويقول الحق سبحانه وتعالى :{ لتَجِدَنَّ أشَدَّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ،ولتجدن أ قربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى ،ذلك بأنَّ منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون} وصوّر العلاقة بين المسلمين وبين أهل الكتاب بقوله تعالى {هَا أنتم أُولاءِ تُحِبُّونهم ولا يحبُّونكم وتؤمنون بالكتاب كله ،وإذا لقوكم قالوا  آمنّا وإذا خلوا عضّوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور} وهناك آيات كريمة أخرى تتناول هذا الأمر بالتوضيح والتفصيل . ولكن لننتقل إلى واقع العلاقة بين المسلمين وغيرهم عبر التاريخ قديماً وحديثاً.
        استطاعت الفتوحات الإسلامية أن تقضي على الإمبراطورية الفارسية كما وعد الرسول صلى الله عليه بأنه لن تقوم لفارس قائمة ولكن الروم استمروا حتى بعد طردهم من بلاد الشام ومن شمال أفريقيا ومن آسيا الصغرى. وظلوا يواصلون المقاومة والتدبير والتخطيط للانقضاض على الأمة الإسلامية فأتيح لهم المجال عندما ضعف تمسك المسلمين بإسلامهم ولم يعد لهم تلك القوة التي ترهب الأعداء.
        فكانت الحروب الصليبية التي دامت مائتي عام، ثم تعاون الصليبيون مع التتار ضد الأمة الإسلامية كما هو معروف تاريخياً. ولمّا انطلقت الثورة الصناعية في أوروبا واحتاجوا إلى الخامات الطبيعية وإلى الأسواق لترويج بضائعهم كما أنهم احتاجوا إلى بلاد يستوطنون فيها بعد أن عرفت بلادهم ثورة سكانية. فاستوطنوا في الهند (وساهموا في نقل الحكم من المسلمين إلى الهندوس) واستوطن الفرنسيون بلاد المغرب العربي وأرادت إيطاليا أن تستوطن ليبيا فعدوها الشاطئ الرابع. ولم يكن امتلاكهم أو احتلالهم لهذه البلاد أو بقاؤهم فيها بالأمر الهين أو الميسور فقد قاومت الشعوب الإسلامية واستخدم الغرب الصليبي كل إمكاناته المالية وقوة سلاحه في استمرار سيطرته على هذه البلاد.
        وواقع السياسة العالمية اليوم يؤكد هذا فقبل أيام قرأت عن تجمع عدد من الشركات الأمريكية لبيع إنتاجها بأقل من التكلفة حتى لا يفسح المجال لمصنع سعودي حديث النشأة أن ينال أي جزء من السوق، وهذه قرارات المقاطعة الأمريكية تصدر ضد دول العالم المختلفة وينال المسلمين نصيب الأسد من هذه المقاطعة فقط لأن في أمريكا من يرى ذلك تحقيقاً لمصالح دولة يهود. وقد قال لي البروفيسور ريتشارد بوليت مدير معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة كولمبيا قبل سنتين " إن الدعاية المضادة للسودان مصدرها مصر وإسرائيل"
        إن الإيمان بوجود مؤامرة لا يعني أن تكون "شمّاعة " أو مشجباً نعلق عليه كلَّ أخطاءنا وفشلنا، ولكنه إيمان بواقع يجب أن نعرف كيف نتعامل معه. ولا بد في التعامل مع هذه الواقع أن ندرك أننا يجب أن نعيش التحدي. ولا أريد أن أحيل القارئ إلى نظرية المؤرخ البريطاني توينبي حول التحدي الحضاري. فالتحدي يبدأ بالنفس وتزكيتها وتطهيرها {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} ثم ينتقل الإنسان إلى العمل الحقيقي الذي يشعر فيه أنه على ثغرة من ثغور الإسلام ولله در أبي بكر رضي الله عنه حين قال (الله الله أن يؤتى الإسلام وأنا حي) فانظر كيف جعل نفسه مسؤولاً عن الإسلام كله. فكم منّا اليوم من يهتم بالإسلام مثل هذا الاهتمام أو قريباً منه؟
        إن إرادة التحدي مسألة ضرورية فماذا لو لم يرسل إلينا الغرب غداً أطنان القمح الفائضة عنده بالسعر الذي يريد؟ ماذا لو منع عنّا قطع الغيار للمعدات التي لدينا سواء كانت مدنية أو عسكرية؟ ما ذا لو منع عنّا الغرب المواد الخام أو المصنعة التي تشغل مصانع التعبئة عندنا؟ ماذا لو أراد أن يحرمنا من مشروبنا المفضل "المرطبات الغازية" ؟ ما ذا لو منع عنّا المواد الغذائية التي تعودتها أذواقنا الجديدة؟ ألسنا نقول دائماً إن الغرب مادي ولو أراد أن يفعل شيئاً من ذلك ماذا كنّا سنفعل؟ وما الذي يمنعه وبخاصة إذا فتحت له أسواق بلاد المليار؟
     يروي الجبرتي في تاريخه عن الحملة الفرنسية على مصر أن المصريين استطاعوا أن يصنعوا مدافع في أيام تضاهي المدافع التي كانت مع الجيش الفرنسي واستطاعوا أن يقاموا جيشاً منظماً قوياً بإمكانات محدودة. وقد استطاع المسلمون في بقاع الأرض مواجهة الاحتلال الأوروبي بإمكاناتهم القليلة وتغلبوا عليه. كما تغلبت فيتنام على أمريكا وعلى الغرب في مجال اللغة كما روت مجلة "المعرفة " ولا شك أن الدول الشيوعية عندما كانت في تحد مع الغرب استطاعت أن تنافسه وتتغلب عليه في بعض الأحيان وما زالت للروس محطة فضائية يذهب إليها الأمريكيون!

          علينا أن لا نبالغ في الحديث عن المؤامرة ولكن في الوقت نفسه لا بد أن ندرك أننا يجب أن نعرف مصالحنا معرفة حقيقية وأن نؤمن برسالة هذه الأمة وهي هداية البشرية وقيادتها إلى الحق والعدل ولن نستطيع ذلك ما لم نكن أقوياء متيقظين، والله الموفق. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق