الأربعاء، 20 أبريل، 2016

الأوقاف الخاصة من يراقبها؟

                                بسم الله الرحمن الرحيم
                                      
عندما نزل قول الله تعالى: ) لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون((آل عمران 92) جاء أبو طلحة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له:" إن ربّنا ليسألنا من أموالنا فأشهدك يا رسول الله أنّي جعلت أرضي لله." فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" اجعلها في قرابتك في حسّان بن ثابت وأبي بن كعب." وفي الموطأ " وكانت أحب أمواله إليه بر حاء" وقد ورد في تفسير القرطبي أمثلة عديدة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين تصدقوا بأحب أموالهم إليهم. 
وما تزال الأمة الإسلامية منذ ذلك الزمن فيها من المتصدقين والمنفقين كثير وهي كما قال صلى الله عليه وسلم (الخير فيّ وفي أمتي إلى أن تقوم الساعة)، ومن هذا الخير ما تركه الآباء والأجداد من أوقاف تدر دخلاً على أبنائهم وأحفادهم وأحفاد أحفادهم. وقد ازدهرت الأوقاف على مدى التاريخ الإسلامي حتى لتكاد هذه الأمة تتميز عن غيرها بهذا الأوقاف واتساع مجالاتها والمستفيدين منها. ولقد أسهمت فعلاً في النشاط العلمي والثقافي والصناعي لهذا الأمة. ولكن هذه الأوقاف تمر أحياناً بظروف تجعل الإفادة منها صعبة لعيب في اختيار الناظر أو ضعف المراقبة.
وقد كتب الأستاذ عبد الله خياط مقالة مطولة عمّا يحدث في بعض الأوقاف الخاصة التي خصصت للضعفاء والمساكين والأرامل والأيتام، حيث يجد هؤلاء معاملة قاسية من القائمين على أمر هذا الوقف. وقد شاع سوء إدارة الأوقاف الخاصة حتى قيل في وصف الشيء غير القابل للإصلاح (مثل بيت الوقف). ومما كتبه الأستاذ عبد الله خياط نقلاً عن أحد قرائه عن بعض الأربطة وما يدور فيها من معاملة قاسية: " أفراد لا يخافون الله.. مع الأسف ولا يراعون ثقل الأمانة التي أنيطت بهم، يمارسون كل أنواع الأذى والمساومات المزاجية والاستغلال والتهديد بالطرد والطرد أحياناً بلا رحمة"
نعم إن الأوقاف الخاصة بحاجة إلى جهة ما تراقب شؤونها وتتقبل الشكاوى من المستفيدين منها فكم من وقف حجزت أمواله عشرات السنين ثم عندما شاء الله أن يستفاد من الوقف لم يكن هناك من يحاسب الناظر، وإن اختيار الناظر لا يتم وفق شروط الواقف بل إن الأقوى هو الذي يحصل على النظارة. فمن الأوقاف الخاصة مثلاً شرط أن يتولى النظارة الأرشد والمقيم في المدينة التي يوجد فيها الوقف. فإذ بالناظر إن لم يكن الأرشد فإنه لا يقيم في البلدة نفسها.
أما مسألة توزيع إيرادات الوقف فإن المحتاجين للوقف لا يتسلمون ما لهم إلا بعد مرور ثلاثة أشهر أو حتى خمسة أشهر أحياناً وربما أكثر مع أن كثيراً من المستحقين في أمس الحاجة إلى هذا المال. كما أن حصولهم على المال تجعلهم يتوجهون بالدعاء إلى الله عز وجل بالرحمة والمغفرة إلى جدهم الذي ترك ذلك الوقف، فلماذا يتسبب النظار أحياناً في تعطيل إيصال الخير لهذا المحسن؟
ومن الأمور الطريفة في مسألة الأوقاف الخاصة أن بعض الناس حريص على بيع عقاره إلى الأوقاف لحصوله على مبلغ أكبر بكثير من حقيقة السعر المستحق، بينما يتحرج آخرون من بيع عقاراتهم إلى أية أوقاف خاصة خوفاً من أية شبهات حول قيمة العقار الحقيقية وغير ذلك من الملابسات التي ترتبط بالتعامل في هذا المجال.
وأختم هذه المقالة بعبارة الأستاذ عبد الله خياط لأنها تعبر بحق عن تطلعات كثير من الناس لما يجب أن تكون عليه الأوقاف الخاصة:" على الذين يفعلون الخير أن يتابعوا أوضاع القائمين عليه، فالحق سبحانه وتعالى يقول )لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون( وهذا يوجب أن يكون عمل الخير في صورة ملائمة تحفظ للمستفيد كرامته وتزكي مصلحته، أما الذين يخونون أماناتهم من نظّار الأوقاف أو المشرفين على الأربطة وما في حكمها فإن الله سائلهم عما يقترفون في حق صاحب الأمانة أو المستفيدين منها.." والله الموفق.
ملاحظة بعدية: ليت الأثرياء من الأسرة يتنازلون عن نصيبهم من الأوقاف وبخاصة إن كانت مبلغاً زهيداً بجوار ما وهبهم الله لصالح الأقارب الأقل حظوة مالياً مع أني أعلم أن الغني يكون أحياناً أحرص على القليل تصديقاً لقوله صلى الله عليه وسلم (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى على الله لهما ثالثاً، ولا يملأ عين ابن آدم إلّا التراب)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق