السبت، 2 يناير 2016

التعليم العالي والبحث العلمي

                                بسم الله الرحمن الرحيم
                        
        تابعت باهتمام مقالات الدكتور عبد القادر طاش في هذه الصحيفة عن زياراته للصين الوطنية وكوريا وإندونيسيا. وقد لفت انتباهي ما كتبه عن النهضة العلمية التي تعيشها الصين منذ أكثر من أربعين سنة وبخاصة ما تخصصه الصين في ميزانيتها للبحث العلمي، ولعل ما ينطبق على الصين ينطبق على كوريا الجنوبية أيضا. ثم كانت مقالته عن إندونيسيا وصناعة الطائرات. وقد أكدّ الدكتور عبد القادر على أن نجاح إندونيسيا في صناعة الطائرات هو أحد النتائج البارزة لاهتمامها بالبحث العلمي.
     وللبحث العلمي بداية متميزة رائدها وبطلها الحقيقي البرفسور بحر الدين حبيبي والرئيس الإندونيسي سوهارتو الذي قدّم للبرفسور حبيبي كلّ دعم وتأييد. فقد تحدت البرفسور حبيبي في الأمسية التي دعا إليها البنك الإسلامي للتنمية للتوقيع بالأحرف الأولى على إنشاء " المنتدى الإسلامي العالمي للعلوم والتقنية وتنمية الموارد البشرية" وفي هذه الأمسية تناول البرفسور حبيبي ما يزعمه الأعداء بأن الإسلام وتعاليمه تقف عائقاً أما التقدم وضد الانتاجية والابداع." فكان مما قاله بأن " العكس هو الصحيح فتعاليم الاسلام تحض على التقدم العلمي وتسخير ثمرات التقنية لإسعاد الإنسان وإعمار الكون، وتعاليم الإسلام تنمّي في نفس الإنسان روح الانتاجية وتدفعه إلى العمل."
    ويضيف الدكتور حبيبي أن " أبرز عنصرين لتكون العقل العلمي والسلوك الإنتاجي هما: القراءة والانضباط، فهل هناك دين آخر غير الإسلام أعطى هذين العنصرين من اهتمامه ما نلاحظه في تعاليم الدين الحنيف؟"  وقد نجحت إندونيسيا في هذا المجال ومن الأدلة على ذلك ارتفاع ميزان المدفوعات في صالح إندونيسيا في السنوات الأخيرة، ولعل أبرز دليل على نجاح إندونيسيا أنها أصبحت إحدى ست دول تصنع الطائرات التجارية. وقد أورد الدكتور طاش موجزاً لهذه التجربة الرائدة. فقد اتصلت إندونيسيا بالعديد من الشركات الغربية للتعاون معها لصناعة الطائرات ولكن معظم تلك الشركات كانت ترد بالرفض حتى استجابت إحدى الشركات الاسبانية. وها هي إندونيسيا تملك صناعة طائرات يعمل فيها حالياً ألفان وثمانمائة مهندس(2800) وستة عشر ألف عامل (16000) (95%منهم يتوقفون خمس مرات في اليوم والليلة ليلبوا نداء الصلاة)
             فما حال البحث العلمي في العالم العربي الإسلامي؟ لقد كتب الدكتور قسطنيطين زريق (الحياة، (عدد 12138في 18صفر 1417،4يوليه 1996) يشير إلى أن الدول العربية تعد متخلفة في مجال البحث العلمي سواء اتخذنا عدد حملة الدكتوراه أو عدد المنشورات العلمية ونموها أو عدد مؤسسات النشر مقياساً للمقارنة، لا بالمقارنة بالدول الصناعية المتقدمة ولكن بالمقارنة مع بعض الدول النامية. ويقدم زريق بعض الأرقام عن النسبة المخصصة للبحث العلمي من إجمالي الناتج المحلي لبعض الدول العربية ففي مصر على سبيل المثال لا تزيد هذه النسبة عن 4,. في المئة و3,. في المئة في الأردن ومثلها في الكويت. وكانت هذه الأرقام وغيرها من التفاصيل قد عرضت في مجلة (المستقبل العربي) لشهر مايو 1996.وقد قدم الدكتور عبد الجليل التميمي في ندوة عقدت في تونس تقريراً عن أحوال البحث العلمي في العلوم الاجتماعية والانسانية في العالم العربي مما يؤكد ما أورده زريق في مقالته.
       ويقدم الدكتور زريق اقتراحين " لمعالجة هذا الشأن الخطير أولهما: تشجيع مؤسسات البحث العلمي في كل بلد عربي بإمدادها بما تستحق من اهتمام أدبي وعون مادي ...فهذا الجانب من التنمية البشرية وهو الجانب الأساسي لكل تنمية. أما الاقتراح الثاني فهو التنسيق بين الدول العربية في مجال البحث العلمي فما يوجد في بلد عربي قد لا يوجد في بلد عربي آخر. ويمكن " تشجيع أهل العلم والدراية على وضع خريطة عربية متكاملة لهذا النحو من النشاط الحضاري تتوزع فيها المراكز العلمية المتخصصة على الساحة العربية." وقد أورد زريق في بداية مقالته نموذج الجامعات اليهودية في إسرائيل وتعاونها مع مراكز البحث العلمي في العالم كله وبخاصة الباحثين اليهود الذين يقدمون كل دعم وعون للجامعات العبرية. وبمراجعة بعض النشاطات لمراكز البحوث الأمريكية(مثلاً) يتأكد له أن التعاون قائم فعلاً بين هذه المراكز والجامعات العبرية والباحثين اليهود .
       وأود في هذا المقال أن أقدم بعض المقترحات العملية لتشجيع البحث العلمي وهو أن تبدأ الجامعات العربية الإسلامية بتكوين أوقاف ومشروعات تدر دخلاً لتمكينها من الانتاج العلمي والانفاق على البحث العلمي بسخاء، فهذه جامعة برنستون تملك وقفية تقدر قيمتها بثلاثة بلايين دولار، ولمعهد ماساتشوستس التقني وقفية تقدر 1,6 بليون دولار. وقد شرعت جامعة كمبريدج البريطانية بحملة لجمع 450 مليون جنيه إسترليني لدعم البحث العلمي فيها. فأين المحسنون وأين الباذلون وأين المنفقون ليتقدموا ويجودوا ببعض ما أعطاهم الله ليكون لهم (العلم الذي ينتفع به).
    ومن الاقتراحات العملية في هذا المجال أيضاً رفع مستوى التنسيق الحقيقي بين الجامعات العربية والاسلامية فما زالت الرسائل العلمية تتكرر بين الجامعات في بلد واحد فما بالك بالعالم العربي الاسلامي فأين قواعد المعلومات حول البحوث تحت الإعداد أو البحوث التي تم انجازها. كما إن من المعروف في الولايات المتحدة مثلاً (ومثل ذلك في أوروبا) أن الرسائل العلمية تنشر مستخلصات لها كل سنة. كما إنه من الممكن الاطلاع على أية رسالة علمية بل يمكن شراؤها أيضاً في صورة ميكروفيلم أو شرائح أو بصورة ورقية مجلدة أو غير مجلدة من شركة معروفة (شركة الميكروفيلم الجامعية العالمية) ومقرها الرئيس في مدينة شيكاغو ولها فرع كبير في بريطانيا. وما زالت الرسائل العلمية عندنا لا يمكن الاطلاع عليها.

    

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق